Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 81–90 of 111

81

ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَٰفِظِينَ

Return to your father and say, "O our father, indeed your son has stolen, and we did not testify except to what we knew. And we were not witnesses of the unseen,

.

قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ﴾ أيْ بِنْيامِينُ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ يَعْنُونَ يُوسُفَ.

وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ السَّرِقَةِ الَّتِي نَسَبُوها إلى يُوسُفَ ما هي ؟ فَقِيلَ إنَّهُ كانَ لِيُوسُفَ عَمَّةٌ هي أكْبَرُ مِن يَعْقُوبَ، وكانَتْ عِنْدَها مِنطَقَةُ إسْحاقَ لِكَوْنِها أسَنَّ أوْلادِهِ وكانُوا يَتَوارَثُونَها فَيَأْخُذُها الأكْبَرُ سِنًّا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، وكانَتْ قَدْ حَضَنَتْ يُوسُفَ وأحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَلَمّا تَرَعْرَعَ قالَ لَها يَعْقُوبُ: سَلِّمِي يُوسُفَ إلَيَّ فَأشْفَقَتْ مِن فِراقِهِ واحْتالَتْ في بَقائِهِ لَدَيْها، فَجَعَلَتِ المِنطَقَةَ تَحْتَ ثِيابِهِ وحَزَّمَتْهُ بِها، ثُمَّ قالَتْ: قَدْ سُرِقَتْ مِنطَقَةُ إسْحاقَ فانْظُرُوا مَن سَرَقَها، فَبَحَثُوا عَنْها فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ فَأخَذَتْهُ عِنْدَها كَما هو شَرْعُ الأنْبِياءِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن آلِ إبْراهِيمَ.

وقَدْ سَبَقَ بَيانُ شَرِيعَتِهِمْ في السَّرِقَةِ: وقِيلَ إنَّ يُوسُفَ أخَذَ صَنَمًا كانَ لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ عَلى الطَّرِيقِ تَغْيِيرًا لِلْمُنْكَرِ.

وحُكِيَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ كانَ صَنَمًا مِن ذَهَبٍ.

وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: اللَّهُ أعْلَمُ، أسَرَقَ أخٌ لَهُ أمْ لا ؟ وحَكى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: كَذَبُوا عَلَيْهِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ.

قُلْتُ: وهَذا أوْلى، فَما هَذِهِ الكَذْبَةُ بِأوَّلِ كَذْباتِهِمْ، وقَدْ قَدَّمْنا ما يَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّهم قَدْ كانُوا أنْبِياءَ عِنْدَ صُدُورِ هَذِهِ الأُمُورِ مِنهم.

قَوْلُهُ: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: الضَّمِيرُ في " أسَرَّها " يَعُودُ إلى الكَلِمَةِ أوِ الجُمْلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ فَأسَرَّ الجُمْلَةَ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ وقَدْ رَدَّ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذا فَقالَ: إنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الإضْمارِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإجابَةِ، أيْ: أسَرَّ يُوسُفُ إجابَتَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى وقْتٍ آخَرَ، وقِيلَ: أسَرَّ في نَفْسِهِ قَوْلَهم: إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ وهَذا هو الأوْلى، ويَكُونُ مَعْنى ﴿ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ أنَّهُ لَمْ يُبْدِ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ الَّتِي أسَرَّها في نَفْسِهِ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم صِحَّتَها أوْ بُطْلانَها، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ مُفَسِّرَةٌ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، ومُسْتَأْنَفَةٌ عَلى القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ يُوسُفُ لَمّا قالَ هَذِهِ المَقالَةَ ؟ أيْ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا، أيْ: مَوْضِعًا ومَنزِلًا مِمَّنْ نَسَبْتُمُوهُ إلى السَّرِقَةِ وهو بَرِيءٌ، فَإنَّكم قَدْ فَعَلْتُمْ مِن إلْقاءِ يُوسُفَ إلى الجُبِّ والكَذِبِ عَلى أبِيكم وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أفاعِيلِكم.

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ مِنَ الباطِلِ بِنِسْبَةِ السَّرَقِ إلى يُوسُفَ، وأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لِذَلِكَ، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَسْتَعْطِفُوهُ لِيُطْلِقَ لَهم أخاهم بِنْيامِينَ يَكُونُ مَعَهم يَرْجِعُونَ بِهِ إلى أبِيهِمْ لِما تَقَدَّمَ مِن أخْذِهِ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَرُدُّوهُ إلَيْهِ.

﴿قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أيْ إنَّ لِبِنْيامِينَ هَذا أبًا مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي كَوْنُهُ شَيْخًا كَبِيرًا لا يَسْتَطِيعُ فِراقَهُ ولا يَصْبِرُ عَنْهُ ولا يَقْدِرُ عَلى الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ يَبْقى …

82

وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ

And ask the city in which we were and the caravan in which we came - and indeed, we are truthful,"

.

قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ﴾ أيْ بِنْيامِينُ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ يَعْنُونَ يُوسُفَ.

وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ السَّرِقَةِ الَّتِي نَسَبُوها إلى يُوسُفَ ما هي ؟ فَقِيلَ إنَّهُ كانَ لِيُوسُفَ عَمَّةٌ هي أكْبَرُ مِن يَعْقُوبَ، وكانَتْ عِنْدَها مِنطَقَةُ إسْحاقَ لِكَوْنِها أسَنَّ أوْلادِهِ وكانُوا يَتَوارَثُونَها فَيَأْخُذُها الأكْبَرُ سِنًّا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، وكانَتْ قَدْ حَضَنَتْ يُوسُفَ وأحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَلَمّا تَرَعْرَعَ قالَ لَها يَعْقُوبُ: سَلِّمِي يُوسُفَ إلَيَّ فَأشْفَقَتْ مِن فِراقِهِ واحْتالَتْ في بَقائِهِ لَدَيْها، فَجَعَلَتِ المِنطَقَةَ تَحْتَ ثِيابِهِ وحَزَّمَتْهُ بِها، ثُمَّ قالَتْ: قَدْ سُرِقَتْ مِنطَقَةُ إسْحاقَ فانْظُرُوا مَن سَرَقَها، فَبَحَثُوا عَنْها فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ فَأخَذَتْهُ عِنْدَها كَما هو شَرْعُ الأنْبِياءِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن آلِ إبْراهِيمَ.

وقَدْ سَبَقَ بَيانُ شَرِيعَتِهِمْ في السَّرِقَةِ: وقِيلَ إنَّ يُوسُفَ أخَذَ صَنَمًا كانَ لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ عَلى الطَّرِيقِ تَغْيِيرًا لِلْمُنْكَرِ.

وحُكِيَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ كانَ صَنَمًا مِن ذَهَبٍ.

وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: اللَّهُ أعْلَمُ، أسَرَقَ أخٌ لَهُ أمْ لا ؟ وحَكى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: كَذَبُوا عَلَيْهِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ.

قُلْتُ: وهَذا أوْلى، فَما هَذِهِ الكَذْبَةُ بِأوَّلِ كَذْباتِهِمْ، وقَدْ قَدَّمْنا ما يَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّهم قَدْ كانُوا أنْبِياءَ عِنْدَ صُدُورِ هَذِهِ الأُمُورِ مِنهم.

قَوْلُهُ: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: الضَّمِيرُ في " أسَرَّها " يَعُودُ إلى الكَلِمَةِ أوِ الجُمْلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ فَأسَرَّ الجُمْلَةَ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ وقَدْ رَدَّ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذا فَقالَ: إنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الإضْمارِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإجابَةِ، أيْ: أسَرَّ يُوسُفُ إجابَتَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى وقْتٍ آخَرَ، وقِيلَ: أسَرَّ في نَفْسِهِ قَوْلَهم: إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ وهَذا هو الأوْلى، ويَكُونُ مَعْنى ﴿ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ أنَّهُ لَمْ يُبْدِ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ الَّتِي أسَرَّها في نَفْسِهِ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم صِحَّتَها أوْ بُطْلانَها، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ مُفَسِّرَةٌ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، ومُسْتَأْنَفَةٌ عَلى القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ يُوسُفُ لَمّا قالَ هَذِهِ المَقالَةَ ؟ أيْ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا، أيْ: مَوْضِعًا ومَنزِلًا مِمَّنْ نَسَبْتُمُوهُ إلى السَّرِقَةِ وهو بَرِيءٌ، فَإنَّكم قَدْ فَعَلْتُمْ مِن إلْقاءِ يُوسُفَ إلى الجُبِّ والكَذِبِ عَلى أبِيكم وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أفاعِيلِكم.

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ مِنَ الباطِلِ بِنِسْبَةِ السَّرَقِ إلى يُوسُفَ، وأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لِذَلِكَ، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَسْتَعْطِفُوهُ لِيُطْلِقَ لَهم أخاهم بِنْيامِينَ يَكُونُ مَعَهم يَرْجِعُونَ بِهِ إلى أبِيهِمْ لِما تَقَدَّمَ مِن أخْذِهِ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَرُدُّوهُ إلَيْهِ.

﴿قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أيْ إنَّ لِبِنْيامِينَ هَذا أبًا مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي كَوْنُهُ شَيْخًا كَبِيرًا لا يَسْتَطِيعُ فِراقَهُ ولا يَصْبِرُ عَنْهُ ولا يَقْدِرُ عَلى الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ يَبْقى …

83

قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ

[Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. Perhaps Allah will bring them to me all together. Indeed it is He who is the Knowing, the Wise."

.

قَوْلُهُ: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أيْ زَيَّنَتْ، والأمْرُ هُنا قَوْلُهم ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ يُوسُفَ ٨١، وما سَرَقَ في الحَقِيقَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأمْرِ إخْراجُهم بِنْيامِينَ، والمُضِيُّ بِهِ إلى مِصْرَ طَلَبًا لِلْمَنفَعَةِ فَعادَ ذَلِكَ بِالمَضَرَّةِ، وقِيلَ: التَّسْوِيلُ التَّخْيِيلُ، أيْ: خَيَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا لا أصْلَ لَهُ، وقِيلَ: الأمْرُ الَّذِي سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم فُتَياهم بِأنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ، والإضْرابُ هُنا هو بِاعْتِبارِ ما أثْبَتُوهُ مِنَ البَراءَةِ لِأنْفُسِهِمْ، لا بِاعْتِبارِ أصْلِ الكَلامِ فَإنَّهُ صَحِيحٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَغَيْرِها.

وجُمْلَةُ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ بِي وأوْلى لِي والصَّبْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا يَبُوحُ صاحِبُهُ بِالشَّكْوى بَلْ يُفَوِّضُ أمْرَهُ إلى اللَّهِ ويَسْتَرْجِعُ، وقَدْ ورَدَ أنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أوَّلِ الصَّدْمَةِ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ أيْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ بِنْيامِينَ، والأخِ الثّالِثِ الباقِي بِمِصْرَ، وهو كَبِيرُهم كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ هَكَذا لِأنَّهُ قَدْ كانَ عِنْدَهُ أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَمُتْ، وأنَّهُ باقٍ عَلى الحَياةِ وإنْ غابَ عَنْهُ خَبَرُهُ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِحالِي ﴿الحَكِيمُ﴾ فِيما يَقْضِي بِهِ.

﴿وتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنْهم، وقَطَعَ الكَلامَ مَعَهم ﴿وقالَ ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ يا أسَفِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفًا لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ، والأسَفُ: شِدَّةُ الجَزَعِ، وقِيلَ: شِدَّةُ الحُزْنِ، ومِنهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:

؎فَيا أسَفا لِلْقَلْبِ كَيْفَ انْصِرافُهُ ولِلنَّفْسِ لَمّا سُلِّيَتْ فَتَسَلَّتِ

قالَ يَعْقُوبُ هَذِهِ المَقالَةَ لَمّا بَلَغَ مِنهُ الحُزْنُ غايَةً مُبالَغَةً بِسَبَبِ فِراقِهِ لِيُوسُفَ، وانْضِمامِ فِراقِهِ لِأخِيهِ بِنْيامِينَ، وبُلُوغِ ما بَلَغَهُ مِن كَوْنِهِ أسِيرًا عِنْدَ مَلِكِ مِصْرَ، فَتَضاعَفَتْ أحْزانُهُ، وهاجَ عَلَيْهِ الوَجْدُ القَدِيمُ بِما أثارَهُ مِنَ الخَبَرِ الأخِيرِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما ثَبَتَ فِي شَرِيعَتِنا مِنَ الِاسْتِرْجاعِ والصَّبْرِ عَلى المَصائِبِ، ولَوْ كانَ عِنْدَهُ ذَلِكَ لَما قالَ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ.

ومَعْنى المُناداةِ لِلْأسَفِ طَلَبُ حُضُورِهِ، كَأنَّهُ قالَ: تَعالَ يا أسَفِي وأقْبِلْ إلَيَّ ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ أيِ انْقَلَبَ سَوادُ عَيْنَيْهِ بَياضًا مِن كَثْرَةِ البُكاءِ.

قِيلَ إنَّهُ زالَ إدْراكُهُ بِحاسَّةِ البَصَرِ بِالمَرَّةِ، وقِيلَ: كانَ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا.

وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ ما وقَعَ مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا الحُزْنِ العَظِيمِ المُفْضِي إلى ذَهابِ بَصَرِهِ كُلًّا أوْ بَعْضًا بِأنَّهُ إنَّما وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ يُوسُفَ حَيٌّ، فَخافَ عَلى دِينِهِ مَعَ كَوْنِهِ بِأرْضِ مِصْرَ وأهْلُها حِينَئِذٍ كَفّارٌ، وقِيلَ: إنَّ مُجَرَّدَ الحُزْنِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وإنَّما المُحَرَّمُ ما يُفْضِي مِنهُ إلى الوَلَهِ وشَقِّ الثِّيابِ والتَّكَلُّمِ بِما لا يَنْبَغِي.

وقَدْ «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عِنْدَ مَوْتِ ولَدِهِ إبْراهِيمَ: تَدْمَعُ العَيْنُ، ويَحْزَنُ القَلْبُ، ولا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنّا عَلَيْكَ يا إبْراهِيمُ لَمُحْزَنُونَ» .

ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ …

84

وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌۭ

And he turned away from them and said, "Oh, my sorrow over Joseph," and his eyes became white from grief, for he was [of that] a suppressor.

.

قَوْلُهُ: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أيْ زَيَّنَتْ، والأمْرُ هُنا قَوْلُهم ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ يُوسُفَ ٨١، وما سَرَقَ في الحَقِيقَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأمْرِ إخْراجُهم بِنْيامِينَ، والمُضِيُّ بِهِ إلى مِصْرَ طَلَبًا لِلْمَنفَعَةِ فَعادَ ذَلِكَ بِالمَضَرَّةِ، وقِيلَ: التَّسْوِيلُ التَّخْيِيلُ، أيْ: خَيَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا لا أصْلَ لَهُ، وقِيلَ: الأمْرُ الَّذِي سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم فُتَياهم بِأنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ، والإضْرابُ هُنا هو بِاعْتِبارِ ما أثْبَتُوهُ مِنَ البَراءَةِ لِأنْفُسِهِمْ، لا بِاعْتِبارِ أصْلِ الكَلامِ فَإنَّهُ صَحِيحٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَغَيْرِها.

وجُمْلَةُ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ بِي وأوْلى لِي والصَّبْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا يَبُوحُ صاحِبُهُ بِالشَّكْوى بَلْ يُفَوِّضُ أمْرَهُ إلى اللَّهِ ويَسْتَرْجِعُ، وقَدْ ورَدَ أنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أوَّلِ الصَّدْمَةِ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ أيْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ بِنْيامِينَ، والأخِ الثّالِثِ الباقِي بِمِصْرَ، وهو كَبِيرُهم كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ هَكَذا لِأنَّهُ قَدْ كانَ عِنْدَهُ أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَمُتْ، وأنَّهُ باقٍ عَلى الحَياةِ وإنْ غابَ عَنْهُ خَبَرُهُ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِحالِي ﴿الحَكِيمُ﴾ فِيما يَقْضِي بِهِ.

﴿وتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنْهم، وقَطَعَ الكَلامَ مَعَهم ﴿وقالَ ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ يا أسَفِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفًا لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ، والأسَفُ: شِدَّةُ الجَزَعِ، وقِيلَ: شِدَّةُ الحُزْنِ، ومِنهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:

؎فَيا أسَفا لِلْقَلْبِ كَيْفَ انْصِرافُهُ ولِلنَّفْسِ لَمّا سُلِّيَتْ فَتَسَلَّتِ

قالَ يَعْقُوبُ هَذِهِ المَقالَةَ لَمّا بَلَغَ مِنهُ الحُزْنُ غايَةً مُبالَغَةً بِسَبَبِ فِراقِهِ لِيُوسُفَ، وانْضِمامِ فِراقِهِ لِأخِيهِ بِنْيامِينَ، وبُلُوغِ ما بَلَغَهُ مِن كَوْنِهِ أسِيرًا عِنْدَ مَلِكِ مِصْرَ، فَتَضاعَفَتْ أحْزانُهُ، وهاجَ عَلَيْهِ الوَجْدُ القَدِيمُ بِما أثارَهُ مِنَ الخَبَرِ الأخِيرِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما ثَبَتَ فِي شَرِيعَتِنا مِنَ الِاسْتِرْجاعِ والصَّبْرِ عَلى المَصائِبِ، ولَوْ كانَ عِنْدَهُ ذَلِكَ لَما قالَ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ.

ومَعْنى المُناداةِ لِلْأسَفِ طَلَبُ حُضُورِهِ، كَأنَّهُ قالَ: تَعالَ يا أسَفِي وأقْبِلْ إلَيَّ ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ أيِ انْقَلَبَ سَوادُ عَيْنَيْهِ بَياضًا مِن كَثْرَةِ البُكاءِ.

قِيلَ إنَّهُ زالَ إدْراكُهُ بِحاسَّةِ البَصَرِ بِالمَرَّةِ، وقِيلَ: كانَ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا.

وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ ما وقَعَ مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا الحُزْنِ العَظِيمِ المُفْضِي إلى ذَهابِ بَصَرِهِ كُلًّا أوْ بَعْضًا بِأنَّهُ إنَّما وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ يُوسُفَ حَيٌّ، فَخافَ عَلى دِينِهِ مَعَ كَوْنِهِ بِأرْضِ مِصْرَ وأهْلُها حِينَئِذٍ كَفّارٌ، وقِيلَ: إنَّ مُجَرَّدَ الحُزْنِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وإنَّما المُحَرَّمُ ما يُفْضِي مِنهُ إلى الوَلَهِ وشَقِّ الثِّيابِ والتَّكَلُّمِ بِما لا يَنْبَغِي.

وقَدْ «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عِنْدَ مَوْتِ ولَدِهِ إبْراهِيمَ: تَدْمَعُ العَيْنُ، ويَحْزَنُ القَلْبُ، ولا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنّا عَلَيْكَ يا إبْراهِيمُ لَمُحْزَنُونَ» .

ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ …

85

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَٰلِكِينَ

They said, "By Allah, you will not cease remembering Joseph until you become fatally ill or become of those who perish."

.

قَوْلُهُ: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أيْ زَيَّنَتْ، والأمْرُ هُنا قَوْلُهم ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ يُوسُفَ ٨١، وما سَرَقَ في الحَقِيقَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأمْرِ إخْراجُهم بِنْيامِينَ، والمُضِيُّ بِهِ إلى مِصْرَ طَلَبًا لِلْمَنفَعَةِ فَعادَ ذَلِكَ بِالمَضَرَّةِ، وقِيلَ: التَّسْوِيلُ التَّخْيِيلُ، أيْ: خَيَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا لا أصْلَ لَهُ، وقِيلَ: الأمْرُ الَّذِي سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم فُتَياهم بِأنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ، والإضْرابُ هُنا هو بِاعْتِبارِ ما أثْبَتُوهُ مِنَ البَراءَةِ لِأنْفُسِهِمْ، لا بِاعْتِبارِ أصْلِ الكَلامِ فَإنَّهُ صَحِيحٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَغَيْرِها.

وجُمْلَةُ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ بِي وأوْلى لِي والصَّبْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا يَبُوحُ صاحِبُهُ بِالشَّكْوى بَلْ يُفَوِّضُ أمْرَهُ إلى اللَّهِ ويَسْتَرْجِعُ، وقَدْ ورَدَ أنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أوَّلِ الصَّدْمَةِ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ أيْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ بِنْيامِينَ، والأخِ الثّالِثِ الباقِي بِمِصْرَ، وهو كَبِيرُهم كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ هَكَذا لِأنَّهُ قَدْ كانَ عِنْدَهُ أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَمُتْ، وأنَّهُ باقٍ عَلى الحَياةِ وإنْ غابَ عَنْهُ خَبَرُهُ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِحالِي ﴿الحَكِيمُ﴾ فِيما يَقْضِي بِهِ.

﴿وتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنْهم، وقَطَعَ الكَلامَ مَعَهم ﴿وقالَ ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ يا أسَفِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفًا لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ، والأسَفُ: شِدَّةُ الجَزَعِ، وقِيلَ: شِدَّةُ الحُزْنِ، ومِنهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:

؎فَيا أسَفا لِلْقَلْبِ كَيْفَ انْصِرافُهُ ولِلنَّفْسِ لَمّا سُلِّيَتْ فَتَسَلَّتِ

قالَ يَعْقُوبُ هَذِهِ المَقالَةَ لَمّا بَلَغَ مِنهُ الحُزْنُ غايَةً مُبالَغَةً بِسَبَبِ فِراقِهِ لِيُوسُفَ، وانْضِمامِ فِراقِهِ لِأخِيهِ بِنْيامِينَ، وبُلُوغِ ما بَلَغَهُ مِن كَوْنِهِ أسِيرًا عِنْدَ مَلِكِ مِصْرَ، فَتَضاعَفَتْ أحْزانُهُ، وهاجَ عَلَيْهِ الوَجْدُ القَدِيمُ بِما أثارَهُ مِنَ الخَبَرِ الأخِيرِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما ثَبَتَ فِي شَرِيعَتِنا مِنَ الِاسْتِرْجاعِ والصَّبْرِ عَلى المَصائِبِ، ولَوْ كانَ عِنْدَهُ ذَلِكَ لَما قالَ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ.

ومَعْنى المُناداةِ لِلْأسَفِ طَلَبُ حُضُورِهِ، كَأنَّهُ قالَ: تَعالَ يا أسَفِي وأقْبِلْ إلَيَّ ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ أيِ انْقَلَبَ سَوادُ عَيْنَيْهِ بَياضًا مِن كَثْرَةِ البُكاءِ.

قِيلَ إنَّهُ زالَ إدْراكُهُ بِحاسَّةِ البَصَرِ بِالمَرَّةِ، وقِيلَ: كانَ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا.

وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ ما وقَعَ مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا الحُزْنِ العَظِيمِ المُفْضِي إلى ذَهابِ بَصَرِهِ كُلًّا أوْ بَعْضًا بِأنَّهُ إنَّما وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ يُوسُفَ حَيٌّ، فَخافَ عَلى دِينِهِ مَعَ كَوْنِهِ بِأرْضِ مِصْرَ وأهْلُها حِينَئِذٍ كَفّارٌ، وقِيلَ: إنَّ مُجَرَّدَ الحُزْنِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وإنَّما المُحَرَّمُ ما يُفْضِي مِنهُ إلى الوَلَهِ وشَقِّ الثِّيابِ والتَّكَلُّمِ بِما لا يَنْبَغِي.

وقَدْ «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عِنْدَ مَوْتِ ولَدِهِ إبْراهِيمَ: تَدْمَعُ العَيْنُ، ويَحْزَنُ القَلْبُ، ولا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنّا عَلَيْكَ يا إبْراهِيمُ لَمُحْزَنُونَ» .

ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ …

86

قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

He said, "I only complain of my suffering and my grief to Allah, and I know from Allah that which you do not know.

.

قَوْلُهُ: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أيْ زَيَّنَتْ، والأمْرُ هُنا قَوْلُهم ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ يُوسُفَ ٨١، وما سَرَقَ في الحَقِيقَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأمْرِ إخْراجُهم بِنْيامِينَ، والمُضِيُّ بِهِ إلى مِصْرَ طَلَبًا لِلْمَنفَعَةِ فَعادَ ذَلِكَ بِالمَضَرَّةِ، وقِيلَ: التَّسْوِيلُ التَّخْيِيلُ، أيْ: خَيَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا لا أصْلَ لَهُ، وقِيلَ: الأمْرُ الَّذِي سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم فُتَياهم بِأنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ، والإضْرابُ هُنا هو بِاعْتِبارِ ما أثْبَتُوهُ مِنَ البَراءَةِ لِأنْفُسِهِمْ، لا بِاعْتِبارِ أصْلِ الكَلامِ فَإنَّهُ صَحِيحٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَغَيْرِها.

وجُمْلَةُ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ بِي وأوْلى لِي والصَّبْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا يَبُوحُ صاحِبُهُ بِالشَّكْوى بَلْ يُفَوِّضُ أمْرَهُ إلى اللَّهِ ويَسْتَرْجِعُ، وقَدْ ورَدَ أنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أوَّلِ الصَّدْمَةِ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ أيْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ بِنْيامِينَ، والأخِ الثّالِثِ الباقِي بِمِصْرَ، وهو كَبِيرُهم كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ هَكَذا لِأنَّهُ قَدْ كانَ عِنْدَهُ أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَمُتْ، وأنَّهُ باقٍ عَلى الحَياةِ وإنْ غابَ عَنْهُ خَبَرُهُ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِحالِي ﴿الحَكِيمُ﴾ فِيما يَقْضِي بِهِ.

﴿وتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنْهم، وقَطَعَ الكَلامَ مَعَهم ﴿وقالَ ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ يا أسَفِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفًا لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ، والأسَفُ: شِدَّةُ الجَزَعِ، وقِيلَ: شِدَّةُ الحُزْنِ، ومِنهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:

؎فَيا أسَفا لِلْقَلْبِ كَيْفَ انْصِرافُهُ ولِلنَّفْسِ لَمّا سُلِّيَتْ فَتَسَلَّتِ

قالَ يَعْقُوبُ هَذِهِ المَقالَةَ لَمّا بَلَغَ مِنهُ الحُزْنُ غايَةً مُبالَغَةً بِسَبَبِ فِراقِهِ لِيُوسُفَ، وانْضِمامِ فِراقِهِ لِأخِيهِ بِنْيامِينَ، وبُلُوغِ ما بَلَغَهُ مِن كَوْنِهِ أسِيرًا عِنْدَ مَلِكِ مِصْرَ، فَتَضاعَفَتْ أحْزانُهُ، وهاجَ عَلَيْهِ الوَجْدُ القَدِيمُ بِما أثارَهُ مِنَ الخَبَرِ الأخِيرِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما ثَبَتَ فِي شَرِيعَتِنا مِنَ الِاسْتِرْجاعِ والصَّبْرِ عَلى المَصائِبِ، ولَوْ كانَ عِنْدَهُ ذَلِكَ لَما قالَ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ.

ومَعْنى المُناداةِ لِلْأسَفِ طَلَبُ حُضُورِهِ، كَأنَّهُ قالَ: تَعالَ يا أسَفِي وأقْبِلْ إلَيَّ ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ أيِ انْقَلَبَ سَوادُ عَيْنَيْهِ بَياضًا مِن كَثْرَةِ البُكاءِ.

قِيلَ إنَّهُ زالَ إدْراكُهُ بِحاسَّةِ البَصَرِ بِالمَرَّةِ، وقِيلَ: كانَ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا.

وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ ما وقَعَ مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا الحُزْنِ العَظِيمِ المُفْضِي إلى ذَهابِ بَصَرِهِ كُلًّا أوْ بَعْضًا بِأنَّهُ إنَّما وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ يُوسُفَ حَيٌّ، فَخافَ عَلى دِينِهِ مَعَ كَوْنِهِ بِأرْضِ مِصْرَ وأهْلُها حِينَئِذٍ كَفّارٌ، وقِيلَ: إنَّ مُجَرَّدَ الحُزْنِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وإنَّما المُحَرَّمُ ما يُفْضِي مِنهُ إلى الوَلَهِ وشَقِّ الثِّيابِ والتَّكَلُّمِ بِما لا يَنْبَغِي.

وقَدْ «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عِنْدَ مَوْتِ ولَدِهِ إبْراهِيمَ: تَدْمَعُ العَيْنُ، ويَحْزَنُ القَلْبُ، ولا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنّا عَلَيْكَ يا إبْراهِيمُ لَمُحْزَنُونَ» .

ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ …

87

يَٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَٰفِرُونَ

O my sons, go and find out about Joseph and his brother and despair not of relief from Allah. Indeed, no one despairs of relief from Allah except the disbelieving people."

.

قَوْلُهُ: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أيْ زَيَّنَتْ، والأمْرُ هُنا قَوْلُهم ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ يُوسُفَ ٨١، وما سَرَقَ في الحَقِيقَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأمْرِ إخْراجُهم بِنْيامِينَ، والمُضِيُّ بِهِ إلى مِصْرَ طَلَبًا لِلْمَنفَعَةِ فَعادَ ذَلِكَ بِالمَضَرَّةِ، وقِيلَ: التَّسْوِيلُ التَّخْيِيلُ، أيْ: خَيَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا لا أصْلَ لَهُ، وقِيلَ: الأمْرُ الَّذِي سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم فُتَياهم بِأنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ، والإضْرابُ هُنا هو بِاعْتِبارِ ما أثْبَتُوهُ مِنَ البَراءَةِ لِأنْفُسِهِمْ، لا بِاعْتِبارِ أصْلِ الكَلامِ فَإنَّهُ صَحِيحٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَغَيْرِها.

وجُمْلَةُ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ بِي وأوْلى لِي والصَّبْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا يَبُوحُ صاحِبُهُ بِالشَّكْوى بَلْ يُفَوِّضُ أمْرَهُ إلى اللَّهِ ويَسْتَرْجِعُ، وقَدْ ورَدَ أنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أوَّلِ الصَّدْمَةِ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ أيْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ بِنْيامِينَ، والأخِ الثّالِثِ الباقِي بِمِصْرَ، وهو كَبِيرُهم كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ هَكَذا لِأنَّهُ قَدْ كانَ عِنْدَهُ أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَمُتْ، وأنَّهُ باقٍ عَلى الحَياةِ وإنْ غابَ عَنْهُ خَبَرُهُ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِحالِي ﴿الحَكِيمُ﴾ فِيما يَقْضِي بِهِ.

﴿وتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنْهم، وقَطَعَ الكَلامَ مَعَهم ﴿وقالَ ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ يا أسَفِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفًا لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ، والأسَفُ: شِدَّةُ الجَزَعِ، وقِيلَ: شِدَّةُ الحُزْنِ، ومِنهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:

؎فَيا أسَفا لِلْقَلْبِ كَيْفَ انْصِرافُهُ ولِلنَّفْسِ لَمّا سُلِّيَتْ فَتَسَلَّتِ

قالَ يَعْقُوبُ هَذِهِ المَقالَةَ لَمّا بَلَغَ مِنهُ الحُزْنُ غايَةً مُبالَغَةً بِسَبَبِ فِراقِهِ لِيُوسُفَ، وانْضِمامِ فِراقِهِ لِأخِيهِ بِنْيامِينَ، وبُلُوغِ ما بَلَغَهُ مِن كَوْنِهِ أسِيرًا عِنْدَ مَلِكِ مِصْرَ، فَتَضاعَفَتْ أحْزانُهُ، وهاجَ عَلَيْهِ الوَجْدُ القَدِيمُ بِما أثارَهُ مِنَ الخَبَرِ الأخِيرِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما ثَبَتَ فِي شَرِيعَتِنا مِنَ الِاسْتِرْجاعِ والصَّبْرِ عَلى المَصائِبِ، ولَوْ كانَ عِنْدَهُ ذَلِكَ لَما قالَ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ.

ومَعْنى المُناداةِ لِلْأسَفِ طَلَبُ حُضُورِهِ، كَأنَّهُ قالَ: تَعالَ يا أسَفِي وأقْبِلْ إلَيَّ ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ أيِ انْقَلَبَ سَوادُ عَيْنَيْهِ بَياضًا مِن كَثْرَةِ البُكاءِ.

قِيلَ إنَّهُ زالَ إدْراكُهُ بِحاسَّةِ البَصَرِ بِالمَرَّةِ، وقِيلَ: كانَ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا.

وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ ما وقَعَ مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا الحُزْنِ العَظِيمِ المُفْضِي إلى ذَهابِ بَصَرِهِ كُلًّا أوْ بَعْضًا بِأنَّهُ إنَّما وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ يُوسُفَ حَيٌّ، فَخافَ عَلى دِينِهِ مَعَ كَوْنِهِ بِأرْضِ مِصْرَ وأهْلُها حِينَئِذٍ كَفّارٌ، وقِيلَ: إنَّ مُجَرَّدَ الحُزْنِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وإنَّما المُحَرَّمُ ما يُفْضِي مِنهُ إلى الوَلَهِ وشَقِّ الثِّيابِ والتَّكَلُّمِ بِما لا يَنْبَغِي.

وقَدْ «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عِنْدَ مَوْتِ ولَدِهِ إبْراهِيمَ: تَدْمَعُ العَيْنُ، ويَحْزَنُ القَلْبُ، ولا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنّا عَلَيْكَ يا إبْراهِيمُ لَمُحْزَنُونَ» .

ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ …

88

فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ قَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَٰعَةٍۢ مُّزْجَىٰةٍۢ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ

So when they entered upon Joseph, they said, "O 'Azeez, adversity has touched us and our family, and we have come with goods poor in quality, but give us full measure and be charitable to us. Indeed, Allah rewards the charitable."

.

قَوْلُهُ: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أيْ زَيَّنَتْ، والأمْرُ هُنا قَوْلُهم ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ يُوسُفَ ٨١، وما سَرَقَ في الحَقِيقَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأمْرِ إخْراجُهم بِنْيامِينَ، والمُضِيُّ بِهِ إلى مِصْرَ طَلَبًا لِلْمَنفَعَةِ فَعادَ ذَلِكَ بِالمَضَرَّةِ، وقِيلَ: التَّسْوِيلُ التَّخْيِيلُ، أيْ: خَيَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا لا أصْلَ لَهُ، وقِيلَ: الأمْرُ الَّذِي سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم فُتَياهم بِأنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ، والإضْرابُ هُنا هو بِاعْتِبارِ ما أثْبَتُوهُ مِنَ البَراءَةِ لِأنْفُسِهِمْ، لا بِاعْتِبارِ أصْلِ الكَلامِ فَإنَّهُ صَحِيحٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَغَيْرِها.

وجُمْلَةُ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ بِي وأوْلى لِي والصَّبْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا يَبُوحُ صاحِبُهُ بِالشَّكْوى بَلْ يُفَوِّضُ أمْرَهُ إلى اللَّهِ ويَسْتَرْجِعُ، وقَدْ ورَدَ أنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أوَّلِ الصَّدْمَةِ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ أيْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ بِنْيامِينَ، والأخِ الثّالِثِ الباقِي بِمِصْرَ، وهو كَبِيرُهم كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ هَكَذا لِأنَّهُ قَدْ كانَ عِنْدَهُ أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَمُتْ، وأنَّهُ باقٍ عَلى الحَياةِ وإنْ غابَ عَنْهُ خَبَرُهُ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِحالِي ﴿الحَكِيمُ﴾ فِيما يَقْضِي بِهِ.

﴿وتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنْهم، وقَطَعَ الكَلامَ مَعَهم ﴿وقالَ ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ يا أسَفِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفًا لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ، والأسَفُ: شِدَّةُ الجَزَعِ، وقِيلَ: شِدَّةُ الحُزْنِ، ومِنهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:

؎فَيا أسَفا لِلْقَلْبِ كَيْفَ انْصِرافُهُ ولِلنَّفْسِ لَمّا سُلِّيَتْ فَتَسَلَّتِ

قالَ يَعْقُوبُ هَذِهِ المَقالَةَ لَمّا بَلَغَ مِنهُ الحُزْنُ غايَةً مُبالَغَةً بِسَبَبِ فِراقِهِ لِيُوسُفَ، وانْضِمامِ فِراقِهِ لِأخِيهِ بِنْيامِينَ، وبُلُوغِ ما بَلَغَهُ مِن كَوْنِهِ أسِيرًا عِنْدَ مَلِكِ مِصْرَ، فَتَضاعَفَتْ أحْزانُهُ، وهاجَ عَلَيْهِ الوَجْدُ القَدِيمُ بِما أثارَهُ مِنَ الخَبَرِ الأخِيرِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما ثَبَتَ فِي شَرِيعَتِنا مِنَ الِاسْتِرْجاعِ والصَّبْرِ عَلى المَصائِبِ، ولَوْ كانَ عِنْدَهُ ذَلِكَ لَما قالَ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ.

ومَعْنى المُناداةِ لِلْأسَفِ طَلَبُ حُضُورِهِ، كَأنَّهُ قالَ: تَعالَ يا أسَفِي وأقْبِلْ إلَيَّ ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ أيِ انْقَلَبَ سَوادُ عَيْنَيْهِ بَياضًا مِن كَثْرَةِ البُكاءِ.

قِيلَ إنَّهُ زالَ إدْراكُهُ بِحاسَّةِ البَصَرِ بِالمَرَّةِ، وقِيلَ: كانَ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا.

وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ ما وقَعَ مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا الحُزْنِ العَظِيمِ المُفْضِي إلى ذَهابِ بَصَرِهِ كُلًّا أوْ بَعْضًا بِأنَّهُ إنَّما وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ يُوسُفَ حَيٌّ، فَخافَ عَلى دِينِهِ مَعَ كَوْنِهِ بِأرْضِ مِصْرَ وأهْلُها حِينَئِذٍ كَفّارٌ، وقِيلَ: إنَّ مُجَرَّدَ الحُزْنِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وإنَّما المُحَرَّمُ ما يُفْضِي مِنهُ إلى الوَلَهِ وشَقِّ الثِّيابِ والتَّكَلُّمِ بِما لا يَنْبَغِي.

وقَدْ «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عِنْدَ مَوْتِ ولَدِهِ إبْراهِيمَ: تَدْمَعُ العَيْنُ، ويَحْزَنُ القَلْبُ، ولا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنّا عَلَيْكَ يا إبْراهِيمُ لَمُحْزَنُونَ» .

ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ …

89

قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَٰهِلُونَ

He said, "Do you know what you did with Joseph and his brother when you were ignorant?"

تَفْسِيرُها ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .

الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وقَدْ كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ أرادَ ما ذَكَرْناهُ، ويُسْتَفادُ مِنهُ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ لِكَوْنِهِ في قُوَّةِ: ما أعْظَمَ الأمْرَ الَّذِي ارْتَكَبْتُمْ مِن يُوسُفَ وأخِيهِ، وما أقْبَحَ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ ؟ كَما يُقالُ لِلْمُذْنِبِ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟ والَّذِي فَعَلُوا بِيُوسُفَ هو ما تَقَدَّمَ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ وأمّا ما فَعَلُوا بِأخِيهِ، فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو ما أدْخَلُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِ أخِيهِ يُوسُفَ، وما كانَ يَنالُهُ مِنهم مِنَ الِاحْتِقارِ والإهانَةِ، ولَمْ يَسْتَفْهِمْهم عَمّا فَعَلُوا بِأبِيهِ يَعْقُوبَ مَعَ أنَّهُ قَدْ نالَهُ مِنهم ما قَصَّهُ اللَّهُ فِيما سَبَقَ مِن صُنُوفِ الأذى.

قالَ الواحِدِيُّ: ولَمْ يَذْكُرْ أباهُ يَعْقُوبَ مَعَ عِظَمِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِهِ تَعْظِيمًا لَهُ ورَفْعًا مِن قَدْرِهِ، وعِلْمًا بِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَلاءً لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَزِيدَ في دَرَجَتِهِ عِنْدَهُ ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ نَفى عَنْهُمُ العِلْمَ وأثْبَتَ صِفَةَ الجَهْلِ، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا بِما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ، وقِيلَ: إنَّهُ أثْبَتَ لَهم صِفَةَ الجَهْلِ لِقَصْدِ الِاعْتِذارِ عَنْهم وتَخْفِيفِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أقْدَمْتُمْ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ القَبِيحِ المُنْكَرِ وقْتَ عَدَمِ عِلْمِكم بِما فِيهِ مِنَ الإثْمِ وقُصُورِ مَعارِفِكم عَنْ عاقِبَتِهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، أوْ أرادَ أنَّهم عِنْدَ ذَلِكَ في أوانِ الصِّبا وزَمانِ الصِّغَرِ، اعْتِذارًا لَهم ودَفْعًا لِما يَدْهَمُهم مِنَ الخَجَلِ والحَيْرَةِ مَعَ عِلْمِهِ وعِلْمِهِمْ بِأنَّهم كانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ كِبارًا.

﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " إنَّكَ " عَلى الخَبَرِ بِدُونِ اسْتِفْهامٍ.

وقَرَأ الباقُونَ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، وكانَ ذَلِكَ مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِغْرابِ: قِيلَ: سَبَبُ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لَهم ﴿ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ أنَّهم لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ تَنَبَّهُوا وفَهِمُوا أنَّهُ لا يُخاطِبُهم بِمِثْلِ هَذا إلّا هو، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا قالَ لَهم بِهَذِهِ المَقالَةِ وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَعَرَفُوهُ، وقِيلَ: أنَّهُ تَبَسَّمَ فَعَرَفُوا ثَناياهُ ﴿قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي﴾ أجابَهم بِالِاعْتِرافِ بِما سَألُوهُ عَنْهُ.

قالَ …

90

قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ

They said, "Are you indeed Joseph?" He said "I am Joseph, and this is my brother. Allah has certainly favored us. Indeed, he who fears Allah and is patient, then indeed, Allah does not allow to be lost the reward of those who do good."

تَفْسِيرُها ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .

الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وقَدْ كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ أرادَ ما ذَكَرْناهُ، ويُسْتَفادُ مِنهُ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ لِكَوْنِهِ في قُوَّةِ: ما أعْظَمَ الأمْرَ الَّذِي ارْتَكَبْتُمْ مِن يُوسُفَ وأخِيهِ، وما أقْبَحَ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ ؟ كَما يُقالُ لِلْمُذْنِبِ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟ والَّذِي فَعَلُوا بِيُوسُفَ هو ما تَقَدَّمَ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ وأمّا ما فَعَلُوا بِأخِيهِ، فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو ما أدْخَلُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِ أخِيهِ يُوسُفَ، وما كانَ يَنالُهُ مِنهم مِنَ الِاحْتِقارِ والإهانَةِ، ولَمْ يَسْتَفْهِمْهم عَمّا فَعَلُوا بِأبِيهِ يَعْقُوبَ مَعَ أنَّهُ قَدْ نالَهُ مِنهم ما قَصَّهُ اللَّهُ فِيما سَبَقَ مِن صُنُوفِ الأذى.

قالَ الواحِدِيُّ: ولَمْ يَذْكُرْ أباهُ يَعْقُوبَ مَعَ عِظَمِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِهِ تَعْظِيمًا لَهُ ورَفْعًا مِن قَدْرِهِ، وعِلْمًا بِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَلاءً لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَزِيدَ في دَرَجَتِهِ عِنْدَهُ ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ نَفى عَنْهُمُ العِلْمَ وأثْبَتَ صِفَةَ الجَهْلِ، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا بِما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ، وقِيلَ: إنَّهُ أثْبَتَ لَهم صِفَةَ الجَهْلِ لِقَصْدِ الِاعْتِذارِ عَنْهم وتَخْفِيفِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أقْدَمْتُمْ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ القَبِيحِ المُنْكَرِ وقْتَ عَدَمِ عِلْمِكم بِما فِيهِ مِنَ الإثْمِ وقُصُورِ مَعارِفِكم عَنْ عاقِبَتِهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، أوْ أرادَ أنَّهم عِنْدَ ذَلِكَ في أوانِ الصِّبا وزَمانِ الصِّغَرِ، اعْتِذارًا لَهم ودَفْعًا لِما يَدْهَمُهم مِنَ الخَجَلِ والحَيْرَةِ مَعَ عِلْمِهِ وعِلْمِهِمْ بِأنَّهم كانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ كِبارًا.

﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " إنَّكَ " عَلى الخَبَرِ بِدُونِ اسْتِفْهامٍ.

وقَرَأ الباقُونَ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، وكانَ ذَلِكَ مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِغْرابِ: قِيلَ: سَبَبُ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لَهم ﴿ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ أنَّهم لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ تَنَبَّهُوا وفَهِمُوا أنَّهُ لا يُخاطِبُهم بِمِثْلِ هَذا إلّا هو، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا قالَ لَهم بِهَذِهِ المَقالَةِ وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَعَرَفُوهُ، وقِيلَ: أنَّهُ تَبَسَّمَ فَعَرَفُوا ثَناياهُ ﴿قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي﴾ أجابَهم بِالِاعْتِرافِ بِما سَألُوهُ عَنْهُ.

قالَ …

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.