Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 71–80 of 111

71

قَالُوا۟ وَأَقْبَلُوا۟ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ

They said while approaching them, "What is it you are missing?"

﴿قالُوا﴾ أيِ: الإخْوَةُ ﴿وَأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ (قالُوا) جِيءَ بِها لِلدَّلالَةِ عَلى انْزِعاجِهِمْ مِمّا سَمِعُوهُ لِمُبايَنَتِهِ لِحالِهِمْ ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ أيْ: تَعْدَمُونَ، تَقُولُ: فَقَدْتُ الشَّيْءَ إذا عَدِمْتَهُ بِأنْ ضَلَّ عَنْكَ لا بِفِعْلِكَ، والمَآلُ: ماذا أضاعَ عَنْكُمْ؟ وصِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، وقُرِئَ (تُفْقِدُونَ) مِن أفْقَدْتُهُ إذا وجَدْتَهُ فَقِيدًا، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالعُدُولُ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِن قَوْلِهِمْ: (ماذا سُرِقَ مِنكُمْ)؟ لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِمْ بِإظْهارِ أنَّهُ لَمْ يُسْرَقْ مِنهم شَيْءٌ فَضْلًا أنْ يَكُونُوا هُمُ السّارِقِينَ لَهُ، وإنَّما المُمْكِنُ أنْ يَضِيعَ مِنهم شَيْءٌ، فَيَسْألُونَهم أنَّهُ ماذا؟ وفِيهِ إرْشادٌ لَهم إلى مُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ والِاحْتِرازِ عَنِ المُجازَفَةِ ونِسْبَةِ البُرَآءِ إلى ما لا خَيْرَ فِيهِ لا سِيَّما بِطَرِيقِ التَّوْكِيدِ، فَلِذَلِكَ غَيَّرُوا كَلامَهم حَيْثُ.

72

قَالُوا۟ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍۢ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٌۭ

They said, "We are missing the measure of the king. And for he who produces it is [the reward of] a camel's load, and I am responsible for it."

﴿قالُوا﴾ في جَوابِهِمْ: ﴿نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ﴾ ولَمْ يَقُولُوا: سَرَقْتُمُوهُ، أوْ سُرِقَ، وقُرِئَ (صاعَ) وصَوْعَ وصُوعَ بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّها، وبِإهْمالِ العَيْنِ وإعْجامِها مِنَ الصِّياغَةِ، ثُمَّ قالُوا تَرْبِيَةً لِما تَلَقَّوْهُ مِن قِبَلِهِمْ وإراءَةً لِاعْتِقادِ أنَّهُ إنَّما بَقِيَ في رَحْلِهِمُ اتِّفاقًا: ﴿وَلِمَن جاءَ بِهِ﴾ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ مُظْهِرًا لَهُ قَبْلَ التَّفْتِيشِ ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ مِنَ الطَّعامِ، جُعْلًا لَهُ لا عَلى نِيَّةِ تَحْقِيقِ الوَعْدِ لِجَزْمِهِمْ بِامْتِناعِ وُجُودِ الشَّرْطِ وعَزْمِهِمْ عَلى ما لا يَخْفي مِن أخْذِ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ ﴿وَأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ كَفِيلٌ أُؤَدِّيهِ إلَيْهِ، وهو قَوْلُ المُؤَذِّنِ.

73

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ

They said, "By Allah, you have certainly known that we did not come to cause corruption in the land, and we have not been thieves."

﴿قالُوا تاللَّهِ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ التّاءَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، ولِذَلِكَ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الجَلالَةِ المُعَظَّمَةِ، أوِ الرَّبِّ المُضافِ إلى الكَعْبَةِ، أوِ الرَّحْمَنِ في قَوْلٍ ضَعِيفٍ، ولَوْ قُلْتَ: تالرَّحِيمِ لَمْ يَجُزْ، وقِيلَ: مِنَ الباءِ، وقِيلَ: أصْلُ بِنَفْسِها، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ تَعَجُّبٌ ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ عِلْمًا جازِمًا مُطابِقًا لِلْواقِعِ ﴿ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ أيْ: لِنَسْرِقَ؛ فَإنَّهُ مِن أعْظَمِ أنْواعِ الإفْسادِ، أوْ لِنُفْسِدَ فِيها أيَّ إفْسادٍ كانَ مِمّا عَزَّ أوْ هانَ فَضْلًا عَمّا نَسَبْتُمُونا إلَيْهِ مِنَ السَّرِقَةِ، ونَفْيُ المَجِيءِ لِلْإفْسادِ - وإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَلْزِمًا لِما هو مُقْتَضى المَقامِ مِن نَفْيِ الإفْسادِ مُطْلَقًا - لَكِنَّهم جَعَلُوا المَجِيءَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ولَوْ بِطَرِيقِ الِاتِّفاقِ مَجِيئًا لِغَرَضِ الإفْسادِ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ ادِّعاءً إظْهارًا لِكَمالِ قُبْحِهِ عِنْدَهُمْ، وتَرْبِيَةً لِاسْتِحالَةِ صُدُورِهِ عَنْهُمْ، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الدّالِّ بِظاهِرِهِ عَلى نَفْيِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ دُونَ نَفْيِ الظُّلْمِ في الجُمْلَةِ الَّذِي هو مُقْتَضى المَقامِ مِن أنَّ المَعْنى: إذا عَذَّبْتُ مَن لا يَسْتَحِقُّ التَّعْذِيبَ كُنْتُ ظَلّامًا مُفْرِطًا في الظُّلْمِ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنْ صَدَرَ عَنّا إفْسادٌ كانَ مَجِيئُنا لِذَلِكَ، مُرِيدِينَ بِهِ تَقْبِيحَ حالِهِ وإظْهارَ كَمالِ نَزاهَتِهِمْ عَنْهُ، يَعْنُونَ أنَّهُ قَدْ شاعَ بَيْنَكم في كَرَّتَيْ مَجِيئِنا ما نَحْنُ عَلَيْهِ، وقَدْ كانُوا عَلى غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الدِّيانَةِ والصِّيانَةِ فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ، حَتّى رُوِيَ أنَّهم دَخَلُوا مِصْرَ وأفْواهُ رَواحِلِهِمْ مَكْمُومَةٌ لِئَلّا تَتَناوَلَ زَرْعًا أوْ طَعامًا لِأحَدٍ، وكانُوا مُثابِرِينَ عَلى فُنُونِ الطّاعاتِ، وعَلِمْتُمْ بِذَلِكَ أنَّهُ لا يَصْدُرُ عَنّا إفْسادٌ.

﴿وَما كُنّا سارِقِينَ﴾ أيْ: ما كُنّا نُوصَفُ بِالسَّرِقَةِ قَطُّ، وإنَّما حَكَمُوا بِعِلْمِهِمْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِأحْوالِهِمُ الشّاهِدَةِ يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِأحْوالِهِمُ الغائِبَةِ، وإنَّما لَمْ يَكْتَفُوا بِنَفْيِ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بَلِ اسْتَشْهَدُوا بِعِلْمِهِمْ بِذَلِكَ؛ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وتَحْقِيقًا لِلتَّعَجُّبِ المَفْهُومِ مِن تاءِ القَسَمِ.

74

قَالُوا۟ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمْ كَٰذِبِينَ

The accusers said, "Then what would be its recompense if you should be liars?"

﴿قالُوا﴾ أيْ: أصْحابُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلصُّواعِ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: فَما جَزاءُ سَرِقَتِهِ عِنْدَكم وفي شَرِيعَتِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ لا في دَعْوى البَراءَةِ عَنِ السَّرِقَةِ، فَإنَّهم صادِقُونَ فِيها بَلْ فِيما يَسْتَلْزِمُهُ ذَلِكَ مِن نَفْيِ كَوْنِ الصُّواعِ فِيهِمْ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:

75

قَالُوا۟ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّٰلِمِينَ

[The brothers] said, "Its recompense is that he in whose bag it is found - he [himself] will be its recompense. Thus do we recompense the wrongdoers."

﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ﴾ أيْ: أخْذُ مَن وُجِدَ الصُّواعُ ﴿فِي رَحْلِهِ﴾ حَيْثُ ذُكِرَ بِعُنْوانِ الوُجْدانِ في الرَّحْلِ دُونَ عُنْوانِ السَّرِقَةِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لَها في اعْتِقادِهِمُ المَبْنِيِّ عَلى قَواعِدِ العادَةِ، ولِذَلِكَ أجابُوا بِما أجابُوا، فَإنَّ الأخْذَ والِاسْتِرْقاقَ سَنَةً إنَّما هو جَزاءُ السّارِقِ دُونَ مَن وُجِدَ في يَدِهِ مالُ غَيْرِهِ كَيْفَما كانَ فَتَأمَّلْ، واحْمِلْ كَلامَ كُلِّ فَرِيقٍ عَلى ما لا يُزاحِمُ رَأْيَهُ، فَإنَّهُ أقْرَبُ إلى مَعْنى الكَيْدِ، وأبْعَدُ مِنَ الِافْتِراءِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ تَقْرِيرٌ لِذَلِكَ الحُكْمِ، أيْ: فَأخْذُهُ جَزاؤُهُ، كَقَوْلِكَ: حَقُّ الضَّيْفِ أنْ يُكْرَمَ فَهو حَقُّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ كَما هي خَبَرُهُ عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، والأصْلُ: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو هو عَلى أنَّ الأوَّلَ لِمَن، والثّانِيَ لِلظّاهِرِ الَّذِي وُضِعَ مَوْضِعَهُ.

﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الأوْفي ﴿نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ بِالسَّرِقَةِ، تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ المَذْكُورِ غِبَّ تَأْكِيدٍ وبَيانٌ لِقُبْحِ السَّرِقَةِ، ولَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ ثِقَةً بِكَمالِ بَراءَتِهِمْ عَنْها وهم عَمّا فُعِلَ بِهِمْ غافِلُونَ.

76

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌۭ

So he began [the search] with their bags before the bag of his brother; then he extracted it from the bag of his brother. Thus did We plan for Joseph. He could not have taken his brother within the religion of the king except that Allah willed. We raise in degrees whom We will, but over every possessor of knowledge is one [more] knowing.

﴿فَبَدَأ﴾ يُوسُفُ بَعْدَما رَجَعُوا إلَيْهِ لِلتَّفْتِيشِ ﴿بِأوْعِيَتِهِمْ﴾ بِأوْعِيَةِ الإخْوَةِ العَشَرَةِ، أيْ: بِتَفْتِيشِها ﴿قَبْلَ﴾ تَفْتِيشِ ﴿وِعاءِ أخِيهِ﴾ بِنْيامِينَ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ.

رُوِيَ أنَّهُ لَمّا بَلَغَتِ النَّوْبَةُ إلى وِعائِهِ قالَ: ما أظُنُّ هَذا أخَذَ شَيْئًا! فَقالُوا: واللَّهِ لا نَتْرُكُهُ حَتّى تَنْظُرَ في رَحْلِهِ فَإنَّهُ أطْيَبُ لِنَفْسِكَ وأنْفُسِنا.

﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَها﴾ أيِ: السِّقايَةَ، أوِ الصُّواعَ فَإنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ ﴿مِن وِعاءِ أخِيهِ﴾ لَمْ يَقُلْ مِنهُ عَلى رَجْعِ الضَّمِيرِ إلى الوِعاءِ، أوْ مِن وِعائِهِ عَلى رَجْعِهِ إلى أخِيهِ قَصْدًا إلى زِيادَةِ كَشْفٍ وبَيانٍ، وقُرِئَ بِضَمِّ الواوِ وبِقَلْبِها هَمْزَةً كَما في أشاحٍ في وِشاحٍ.

﴿كَذَلِكَ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، والكافُ مُقْحَمَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى فَخامَةِ المُشارِ إلَيْهِ، وكَذا ما في ذَلِكَ مِن مَعْنى البُعْدِ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الكَيْدِ العَجِيبِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ إرْشادِ الإخْوَةِ إلى الإفْتاءِ المَذْكُورِ بِإجْرائِهِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ وبِحَمْلِهِمْ عَلَيْهِ بِواسِطَةِ المُسْتَفْتِينَ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، فَمَعْنى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ صَنَعْنا لَهُ ودَبَّرْنا لِأجْلِ تَحْصِيلِ غَرَضِهِ مِنَ المُقَدِّماتِ الَّتِي رَتَّبَها مِن دَسِّ الصُّواعِ وما يَتْلُوهُ، فاللّامُ لَيْسَتْ كَما في قَوْلِهِ: "فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا" فَإنَّها داخِلَةٌ عَلى المُتَضَرِّرِ عَلى ما هو الِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ اسْتِئْنافٌ وتَعْلِيلٌ لِذَلِكَ الكَيْدِ وصُنْعِهِ لا تَفْسِيرٌ وبَيانٌ لَهُ كَما قِيلَ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِماذا فَعَلَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَأْخُذَ أخاهُ بِما فَعَلَهُ في دِينِ المَلِكِ في أمْرِ السّارِقِ - أيْ: في سُلْطانِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ في حُكْمِهِ وقَضائِهِ، قالَهُ قَتادَةُ - إلّا بِهِ؛ لِأنَّ جَزاءَ السّارِقِ في دِينِهِ إنَّما كانَ ضَرْبَهُ وتَغْرِيمَهُ ضِعْفَ ما أخَذَ دُونَ الِاسْتِرْقاقِ والِاسْتِعْبادِ، كَما هو شَرِيعَةُ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ يَكُنْ يَتَمَكَّنُ بِما صَنَعَهُ مِن أخْذِ أخِيهِ بِالسَّرِقَةِ الَّتِي نَسَبَها إلَيْهِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ.

﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إرادَتِهِ لِذَلِكَ الكَيْدِ، أوْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ لِلْأخْذِ بِذَلِكَ الوَجْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَيْدُ عِبارَةً عَنْهُ وعَنْ مَبادِئِهِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ جَمِيعًا مِن إرْشادِ يُوسُفَ وقَوْمِهِ إلى ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ حَسْبَما شُرِحَ مُرَتَّبًا، لَكِنْ لا عَلى أنْ يَكُونَ القَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَقْدِيمِ المَجْرُورِ مَأْخُوذًا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ مُطْلَقًا عَلى مَعْنى مِثْلِ ذَلِكَ الكَيْدِ كِدْنا لا كَيْدًا آخَرَ - إذْ لا مَعْنى لِتَعْلِيلِهِ بِعَجْزِ يُوسُفَ عَنْ أخْذِ أخِيهِ في دِينِ المَلِكِ في شَأْنِ السّارِقِ قَطْعًا، إذا لا عَلاقَةَ بَيْنَ مُطْلَقِ الكَيْدِ ودِينِ المَلِكِ في أمْرِ السّارِقِ أصْلًا - بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِهِ عَلى مَعْنى مِثْلِ ذَلِكَ الكَيْدِ البالِغِ إلى هَذا الحَدِّ كِدْنا لَهُ، ولَمْ نَكْتَفِ بِبَعْضٍ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ بِهِ إلّا حالَ مَشِيئَتِنا لَهُ بِإيجادِ ما يَجْرِي مَجْرى الجَزاءِ الصُّورِيِّ مِنَ العِلَّةِ التّامَّةِ، وهو إرْشادُ إخْوَتِهِ إلى الإفْتاءِ المَذْكُورِ، وعَلى هَذا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ القَصْرُ في تَفْسِيرِ …

77

۞ قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌۭ لَّهُۥ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ

They said, "If he steals - a brother of his has stolen before." But Joseph kept it within himself and did not reveal it to them. He said, "You are worse in position, and Allah is most knowing of what you describe."

﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ﴾ يَعْنُونَ بِنْيامِينَ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ يُرِيدُونَ بِهِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وما جَرى عَلَيْهِ مِن جِهَةِ عَمَّتِهِ - عَلى ما قِيلَ - مِن أنَّها كانَتْ تَحْضُنُهُ فَلَمّا شَبَّ أرادَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - انْتِزاعَهُ مِنها، وكانَتْ لا تَصْبِرُ عَنْهُ ساعَةً، وكانَتْ لَها مِنطَقَةٌ ورِثَتْها مِن أبِيها إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فاحْتالَتْ لِاسْتِبْقاءِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَعَمَدَتْ إلى المِنطَقَةِ فَحَزَمَتْها عَلَيْهِ مِن تَحْتِ ثِيابِهِ، ثُمَّ قالَتْ: فَقَدْتُ مِنطَقَةَ إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فانْظُرُوا مَن أخَذَها فَوَجَدُوها مَحْزُومَةً عَلى يُوسُفَ، فَقالَتْ: إنَّهُ لِي سَلَمٌ أفْعَلُ بِهِ ما أشاءُ فَخَلّاهُ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَها حَتّى ماتَتْ، وقِيلَ: كانَ أخَذَ في صِباهُ صَنَمًا لِأبِي أُمِّهِ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ في الجِيَفِ، وقِيلَ: دَخَلَ كَنِيسَةً فَأخَذَ تِمْثالًا صَغِيرًا مِن ذَهَبٍ كانُوا يَعْبُدُونَهُ فَدَفَنَهُ.

﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ﴾ أيْ: أكَنَّ الحَزازَةَ الحاصِلَةَ مِمّا قالُوا ﴿فِي نَفْسِهِ﴾ لا أنَّهُ أسَرَّها لِبَعْضِ أصْحابِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾، ﴿وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ لا قَوْلًا ولا فِعْلًا صَفْحًا عَنْهم وحِلْمًا، وهو تَأْكِيدٌ لِما سَبَقَ ﴿قالَ﴾ أيْ: في نَفْسِهِ وهو اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الإخْبارِ بِالإسْرارِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ في نَفْسِهِ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ الإسْرارِ؟ فَقِيلَ قالَ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ: مَنزِلَةً، حَيْثُ سَرَقْتُمْ أخاكم مِن أبِيكُمْ، ثُمَّ طَفِقْتُمْ تَفْتَرُونَ عَلى البَرِيءِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن (أسَرَّها) والضَّمِيرُ لِلْمَقالَةِ المُفَسَّرَةِ بِقَوْلِهِ: "أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا" ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ أيْ: عالِمٌ عِلْمًا بالِغًا إلى أقْصى المَراتِبِ بِأنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما تَصِفُونَ مِن صُدُورِ السَّرِقَةِ مِنّا، بَلْ إنَّما هو افْتِراءٌ عَلَيْنا، فالصِّيغَةُ لِمُجَرَّدِ المُبالَغَةِ لا لِتَفْضِيلِ عِلْمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى عِلْمِهِمْ، كَيْفَ لا ولَيْسَ لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ؟

78

قَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبًۭا شَيْخًۭا كَبِيرًۭا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ

They said, "O 'Azeez, indeed he has a father [who is] an old man, so take one of us in place of him. Indeed, we see you as a doer of good."

﴿قالُوا﴾ عِنْدَما شاهَدُوا مَخايِلَ أخْذِ بِنْيامِينَ مُسْتَعْطِفِينَ: ﴿يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا﴾ لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ الإخْبارَ بِأنَّ لَهُ أبًا، فَإنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِمّا سَبَقَ، وإنَّما أرادُوا الإخْبارَ بِأنَّ لَهُ أبًا ﴿شَيْخًا كَبِيرًا﴾ في السِّنِّ، لا يَكادُ يَسْتَطِيعُ فِراقَهُ وهو عَلالةٌ بِهِ يَتَعَلَّلُ عَنْ شَقِيقِهِ الهالِكِ ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ فَلَسْنا عِنْدَهُ بِمَنزِلَتِهِ مِنَ المَحَبَّةِ والشَّفَقَةِ ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ إلَيْنا، فَأتْمِمْ إحْسانَكَ بِهَذِهِ التَّتِمَّةِ، أوِ المُتَعَوِّدِينَ بِالإحْسانِ فَلا تُغَيِّرْ عادَتَكَ.

79

قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذًۭا لَّظَٰلِمُونَ

He said, "[I seek] the refuge of Allah [to prevent] that we take except him with whom we found our possession. Indeed, we would then be unjust."

﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ﴾ أيْ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا مِن ﴿أنْ نَأْخُذَ﴾ فَحُذِفَ الفِعْلُ وأُقِيمَ مَقامَهُ المَصْدَرُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ بِهِ بَعْدَ حَذْفِ الجارِّ ﴿إلا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ لِأنَّ أخْذَنا لَهُ إنَّما هو بِقَضِيَّةِ فَتْواكُمْ، فَلَيْسَ لَنا الإخْلالُ بِمُوجِبِها، وإيثارُ صِيغَةِ التَّكَلُّمِ مَعَ الغَيْرِ - مَعَ كَوْنِ الخِطابِ مِن جانِبِ إخْوَتِهِ عَلى التَّوْحِيدِ - مِن بابِ السُّلُوكِ إلى سُنَنِ المُلُوكِ، أوْ لِلْإشْعارِ بِأنَّ الأخْذَ والإعْطاءَ لَيْسَ مِمّا يُسْتَبَدُّ بِهِ، بَلْ هو مَنُوطٌ بِآراءِ أُولِي الحَلِّ والعَقْدِ، وإيثار (مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ) دُونَ (سَرَقَ مَتاعَنا) لِتَحْقِيقِ الحَقِّ والِاحْتِرازِ عَنِ الكَذِبِ في الكَلامِ مَعَ تَمامِ المَرامِ، فَإنَّهم لا يَحْمِلُونَ وُجْدانَ الصُّواعِ في الرَّحْلِ عَلى مَحْمَلٍ غَيْرِ السَّرِقَةِ ﴿إنّا إذًا﴾ أيْ: إذا أخَذْنا غَيْرَ مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ ولَوْ بِرِضاهُ ﴿لَظالِمُونَ﴾ في مَذْهَبِكم وما لَنا ذَلِكَ، وهَذا المَعْنى هو الَّذِي أُرِيدَ بِالكَلامِ في أثْناءِ الحِوارِ، ولَهُ مَعْنًى باطِنٌ هو أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - إنَّما أمَرَنِي بِالوَحْيِ أنْ آخُذَ بِنْيامِينَ لِمَصالِحَ عَلِمَها اللَّهُ في ذَلِكَ، فَلَوْ أخَذْتُ غَيْرَهُ كُنْتُ ظالِمًا وعامِلًا بِخِلافِ الوَحْيِ.

80

فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّۭا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ

So when they had despaired of him, they secluded themselves in private consultation. The eldest of them said, "Do you not know that your father has taken upon you an oath by Allah and [that] before you failed in [your duty to] Joseph? So I will never leave [this] land until my father permits me or Allah decides for me, and He is the best of judges.

﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ أيْ: يَئِسُوا مِن يُوسُفَ وإجابَتِهِ لَهم أشَدَّ يَأْسٍ بِدَلالَةِ صِيغَةِ الِاسْتِفْعال، وإنَّما حَصَلَتْ لَهم هَذِهِ المَرْتَبَةُ مِنَ اليَأْسِ لِما شاهَدُوهُ مِن عَوْذِهِ بِاللَّهِ مِمّا طَلَبُوهُ الدّالِّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ عِنْدَهُ في أقْصى مَراتِبِ الكَراهَةِ، وأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُحْتَرَزَ عَنْهُ ويُعاذَ مِنهُ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ومِن تَسْمِيَتِهِ ظُلْمًا بِقَوْلِهِ: (إنّا إذًا لَظالِمُونَ) ﴿خَلَصُوا﴾ اعْتَزَلُوا وانْفَرَدُوا عَنِ النّاسِ ﴿نَجِيًّا﴾ أيْ: ذَوِي نَجْوى، عَلى أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النَّجْوى والتَّناجِي، أوْ فَوْجًا نَجِيًّا عَلى أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُناجِي كالشَّعِيرِ والسَّمِيرِ بِمَعْنى المُعاشِرِ والمُسامِرِ، وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: هم نَجِيٌّ كَما يُقالُ: هم صَدِيقٌ؛ لِأنَّهُ بِزِنَةِ المَصادِرِ مِنَ الزَّفِيرِ والزَّئِيرِ.

﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ في السِّنِّ وهو رُوبِيلُ، أوْ في العَقْلِ وهو يَهُوذا، أوْ رَئِيسُهم شَمْعُونُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمُوا﴾ كَأنَّهم أجْمَعُوا عِنْدَ التَّناجِي عَلى الِانْقِلابِ جُمْلَةً ولَمْ يَرْضَ بِهِ، فَقالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ألَمْ تَعْلَمُوا ﴿أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ عَهْدًا يُوثَقُ بِهِ، وهو حَلِفُهم بِاللَّهِ تَعالى، وكَوْنُهُ مِنَ اللَّهِ لِإذْنِهِ فِيهِ وكَوْنِ الحَلِفِ بِاسْمِهِ الكَرِيمِ ﴿وَمِن قَبْلُ﴾ أيْ: ومِن قَبْلُ هَذا ﴿ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ﴾ قَصَّرْتُمْ في شَأْنِهِ، ولَمْ تَحْفَظُوا عَهْدَ أبِيكُمْ، وقَدْ قُلْتُمْ: ﴿ (وَإنّا لَهُ لَناصِحُونَ)﴾ ﴿ (وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ)﴾ و"ما" مَزِيدَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، ومَحَلُّ المَصْدَرِ النَّصْبُ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ (تَعْلَمُوا) أيْ: ألَمْ تَعْلَمُوا أخْذَ أبِيكم عَلَيْكم مَوْثِقًا وتَفْرِيطَكُمُ السّابِقَ في شَأْنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا ضَيْرَ في الفَصْلِ بَيْنَ العاطِفِ والمَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ، وقَدْ جُوِّزَ النَّصْبُ عَطْفًا عَلى اسْمِ (أنَّ) والخَبَرِ في يُوسُفَ، أوْ (مِن قَبْلُ) عَلى مَعْنى: ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ تَفْرِيطَكُمُ السّابِقَ وقَعَ في شَأْنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ أنَّ تَفْرِيطَكُمُ الكائِنَ أوْ كائِنًا في شَأْنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَعَ مِن قَبْلُ، وفِيهِ أنَّ مُقْتَضى المَقامِ إنَّما هو الإخْبارُ بِوُقُوعِ ذَلِكَ التَّفْرِيطِ لا بِكَوْنِ تَفْرِيطِهِمُ السّابِقِ واقِعًا في شَأْنِ يُوسُفَ، كَما هو مُفادُ الأوَّلِ، ولا بِكَوْنِ تَفْرِيطِهِمُ الكائِنِ في شَأْنِهِ واقِعًا مِن قَبْلُ كَما هو مُفادُ الثّانِي، عَلى أنَّ الظَّرْفَ المَقْطُوعَ عَنِ الإضافَةِ لا يَقَعُ خَبَرًا، ولا صِفَةً، ولا صِلَةً، ولا حالًا عِنْدَ البَعْضِ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ.

وَقِيلَ: مَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ (مِن قَبْلُ) وفِيهِ ما فِيهِ، وقِيلَ: ما مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، ومَحَلُّها النَّصْبُ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ (تَعْلَمُوا) أيْ: ما فَرَّطْتُمُوهُ بِمَعْنى قَدَّمْتُمُوهُ في حَقِّهِ مِنَ الخِيانَةِ، وأمّا النَّصْبُ عَطْفًا عَلى اسْمِ (إنَّ) والرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ فَقَدْ عَرَفْتَ حالَهُ.

﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ مُتَفَرِّعٌ عَلى ما ذَكَرَهُ وذَكَّرَهُ إيّاهم مِن مِيثاقِ أبِيهِ، وقَوْلِهِ: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ أيْ: فَلَنْ أُفارِقَ أرْضَ مِصْرَ جارِيًا عَلى قَضِيَّةِ المِيثاقِ ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾ في البَراحِ بِالِانْصِرافِ إلَيْهِ، وكَأنَّ أيْمانَهم كانَتْ مَعْقُودَةً عَلى عَدَمِ الرُّجُوعِ بِغَيْرِ إذَنْ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ …

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.