Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 71–80 of 111

71

قَالُوا۟ وَأَقْبَلُوا۟ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ

They said while approaching them, "What is it you are missing?"

فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ لَتُهْمَةٌ عَظِيمَةٌ، فَما قالُوا في جَوابِها؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا﴾ في جَوابِ الَّذِينَ لَحِقُوهم ”و“ الحالُ أنَّ آلَ إسْرائِيلَ ”أقْبَلُوا“ ودَلَّ - عَلى أنَّ الَّذِينَ لَحِقُوهم كانُوا جَماعَةَ المُؤَذِّنِ أحَدُهُمْ، كَما هو شَأْنُ ذَوِي الرِّئاسَةِ إذا أُرْسِلُوا في مُهِمٍّ - بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى جَماعَةِ المَلِكِ: المُنادِي وغَيْرِهِ ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ مِمّا يُمْكِنُنا أخْذُهُ

72

قَالُوا۟ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍۢ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٌۭ

They said, "We are missing the measure of the king. And for he who produces it is [the reward of] a camel's load, and I am responsible for it."

﴿قالُوا نَفْقِدُ﴾ وكَأنَّ السِّقايَةَ كانَ لَها اسْمانِ، فَعَبَّرُوا هُنا بِقَوْلِهِمْ: ﴿صُواعَ المَلِكِ﴾ والصُّواعُ: الجامُ يُشْرَبُ فِيهِ ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ﴾ أيْ أظْهَرَهُ ورَدَّهُ مِن غَيْرِ تَفْتِيشٍ ولا عَناءٍ ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ وهو بِالكَسْرِ: قِدْرٌ مِنَ المَتاعِ مُهَيَّأٌ لِأنْ يُحْمَلَ عَلى الظَّهْرِ، وأمّا الحِمْلُ في البَطْنِ فَبِالفَتْحِ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أيْ ضامِنٌ وكَفِيلٌ أُودِيهِ إلَيْهِ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ تارَةً وجَمْعُهُ أُخْرى دَلِيلٌ عَلى أنَّ القاتِلَ واحِدٌ، وأنَّهُ نُسِبَ إلى الكُلِّ لِرِضاهم بِهِ، وفي الآيَةِ البَيانُ عَمّا يُوجِبُهُ حالُ بَهْتِ الإنْسانِ لِلتَّثَبُّتِ في الأمْرِ وتَرْكِ الإسْراعِ إلى ما [لا] يَجُوزُ مِنَ القَوْلِ،

73

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ

They said, "By Allah, you have certainly known that we did not come to cause corruption in the land, and we have not been thieves."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ إخْوَةُ يُوسُفَ ؟ قِيلَ: ﴿قالُوا﴾ قَوْلُ البَرِيءِ ﴿تاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ فَأقْسَمُوا قَسَمًا مَقْرُونًا بِالتّاءِ، لِأنَّها يَكُونُ فِيها التَّعَجُّبُ غالِبًا، قالَ الرُّمّانِيُّ: لِأنَّها لَمّا كانَتْ نادِرَةً في أدَواتِ القَسَمِ جُعِلَتْ لِلنّادِرِ مِنَ المَعانِي، [و النّادِرُ مِنَ المَعانِي] يَتَعَجَّبُ مِنهُ، وقالَ: إنَّها بَدَلٌ مِنَ الواوِ، و[الواوُ] بَدَلٌ مِنَ الباءِ، فَهي بَدَلٌ مِن بَدَلٍ، فَلِذَلِكَ ضَعُفَتْ عَنِ التَّصْرِيفِ في سائِرِ الأسْماءِ، ثُمَّ أكَّدُوا بَراءَتَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ أيْ بِما جَرَّبْتُمْ مِن أمانَتِنا قَبْلَ هَذا في كَرَّتَيْ مَجِيئِنا ﴿ما جِئْنا﴾ وأكَّدُوا النَّفْيَ بِاللّامِ فَقالُوا: ”لِنُفْسِدَ“ أيْ نُوقِعَ الفَسادَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ ”و“ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ”ما كُنّا“ [أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ] ﴿سارِقِينَ﴾ أيْ مَوْصُوفِينَ بِهَذا الوَصْفِ قَطُّ، بِما رَأيْتُمْ مِن أحْوالِنا: مَن رَدَّنا بِضاعَتَنا الَّتِي وجَدْناها في رِحالِنا وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا عايَنْتُمْ مِن شَرَفِ فِعالِنا مَعَ عِلْمِنا بِأنَّها خَلْقٌ لَنا لا تُصْنَعَ يَظْهَرُ لِبَعْضِ الأذْكِياءِ بِأدْنى تَأمُّلٍ،

74

قَالُوا۟ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمْ كَٰذِبِينَ

The accusers said, "Then what would be its recompense if you should be liars?"

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ الَّذِينَ مِن جِهَةِ العَزِيزِ؟ قِيلَ: ”قالُوا“ قَوْلٌ واثِقٌ بِأنَّهُ في رِحالِهِمْ: ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ أيِ الصُّواعُ ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ في تَبَرُّئِكم مِنَ السَّرِقَةِ؛ والجَزاءُ: مُقابَلَةُ العَمَلِ بِما يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ

75

قَالُوا۟ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّٰلِمِينَ

[The brothers] said, "Its recompense is that he in whose bag it is found - he [himself] will be its recompense. Thus do we recompense the wrongdoers."

﴿قالُوا﴾ وُثُوقًا مِنهم بِالبَراءَةِ وإخْبارًا بِالحُكْمِ عِنْدَهم ”جَزاؤُهُ“ أيِ الصُّواعُ ”مِن“. ولَمّا كانَ العِبْرَةُ بِنَفْسِ الوِجْدانِ، بَنَوْا لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُمْ: ﴿وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ ولِتَحَقُّقِهِمُ البَراءَةَ عَلَّقُوا الحُكْمَ عَلى مُجَرَّدِ الوِجْدانِ لا السَّرِقَةِ؛ ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ أيْ لَيْسَ غَيْرُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: [هَلْ] هَذا أمْرٌ أحْدَثْتُمُوهُ الآنَ أوْ هو مَشْرُوعٌ لَكُمْ؟ فَقالُوا: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ [بَلْ] هو سُنَّةٌ لَنا، مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الشَّدِيدِ ﴿نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ بِالظُّلْمِ دائِمًا، نُرَقِّهِ في سَرِقَتِهِ؛

76

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌۭ

So he began [the search] with their bags before the bag of his brother; then he extracted it from the bag of his brother. Thus did We plan for Joseph. He could not have taken his brother within the religion of the king except that Allah willed. We raise in degrees whom We will, but over every possessor of knowledge is one [more] knowing.

فَحِينَئِذٍ فَتَّشَ أوْعِيَتَهم ﴿فَبَدَأ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ بَدَأ المُؤَذِّنُ أوْ غَيْرُهُ مِمَّنْ أمَرَ بِذَلِكَ ﴿بِأوْعِيَتِهِمْ﴾

ولَمّا لَمْ يَكُنْ - بَيْنَ فَتْحِ أوْعِيَتِهِمْ وفَتْحِ وِعاءِ أخِيهِ - فاصِلٌ يُعَدُّ فاصِلًا، فَكانَتْ بُداءَتُهُ بِأوْعِيَتِهِمْ مُسْتَغْرِقَةً لِما بَيْنَهُما مِنَ الزَّمانِ، لَمْ يَأْتِ بِجارٍ، فَقالَ ﴿قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ﴾ أيْ أخِي يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَقِيقُهُ، إبْعادًا عَنِ التُّهْمَةِ ”ثُمَّ“ [أيْ بَعْدَ تَفْتِيشِ أوْعِيَتِهِمْ والتَّأنِّي في ذَلِكَ] ﴿اسْتَخْرَجَها﴾ أيْ أوْجَدَ إخْراجَ السِّقايَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ أنَّهُ جَعَلَها في وِعاءِ أخِيهِ ﴿مِن وِعاءِ أخِيهِ﴾

ولَمّا كانَ هَذا كَيْدًا عَظِيمًا في أخْذِ أخِيهِ بِحُكْمِهِمْ، مَعَ ما تَوَثَّقَ مِنهم أبُوهُمْ، عَظَّمَهُ تَعالى بِالإشارَةِ إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدِ والإسْنادِ إلَيْهِ [فَقالَ]: ”كَذَلِكَ“ أيْ مِثْلِ هَذا الكَيْدِ العَظِيمِ ﴿كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ خاصَّةً بِأنْ عَلَّمْناهُ إيّاهُ جَزاءً لَهم عَلى كَيْدِهِمْ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِذَلِكَ صَنَعْنا جَمِيعَ الصَّنائِعِ الَّتِي أعْلَتْ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وألْجَأتْ إخْوَتُهُ الَّذِينَ كادُوهُ بِما ظَنُّوا أنَّهُ أبْطَلَ أمْرَهُ إلى المَجِيءِ إلَيْهِ إلى أنْ كانَ آخِرُها حُكْمَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِما حَكَمُوا، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ﴾ أوْ هو اسْتِئْنافُ تَفْسِيرٍ لِلْكَيْدِ، و[أكَّدَ] النَّفْيَ بِاللّامِ فَقالَ: ﴿لِيَأْخُذَ أخاهُ﴾

ولَمّا كانَ الأخْذُ عَلى جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي دِينِ المَلِكِ﴾ يَعْنِي مَلِكُ مِصْرَ، عَلى حالَةٍ مِنَ الحالاتِ، لِأنَّ جَزاءَ السّارِقِ عِنْدَهم غَيْرُ هَذا ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، ذَلِكَ بِسَبَبٍ يُقِيمُهُ كَهَذا السَّبَبِ الَّذِي هو حُكْمُ السّارِقِ وأهْلُهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، فَلا يَكُونُ حِينَئِذٍ مِنَ المَلِكِ إلّا تَخْلِيَتُهم وما حَكَمُوا بِهِ عَلى نُفُوسِهِمْ.

ومادَّةُ ”سَرَقَ“ بِتَراكِيبِها الأرْبَعَةِ: سَرَقَ، وسَقَرَ، وقَسَرَ، وقَرَسَ - تَدُورُ عَلى الغَلَبَةِ المُحْرِقَةِ والمُوجِعَةِ، وتارَةً تَكُونُ بِحَرٍّ، وتارَةً بِبَرْدٍ، وتارَةً بِغَيْرِ ذَلِكَ، وتَلازُمِها القُوَّةُ والضَّعْفُ والكَثْرَةُ والقِلَّةُ والمُخادَعَةُ، فَيَأْتِي الخَفاءُ واللَّيْلُ، فَمِن مُطْلَقِ الغَلَبَةِ: القَسْرُ، وهو الغَلَبَةُ والقَهْرُ، وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: القَسْرُ: الأخْذُ بِالغَلَبَةِ والِاضْطِهادِ، والقَسْوَرَةُ: الأسَدُ، والعَزِيزُ كالقَسْوَرِ، والرُّماةِ مِنَ الصَّيّادِينَ، واحِدُهُ قَسْوَرٌ، ونَباتٌ سَهْلِيٌّ - كَأنَّهُ يَكْثُرُ فِيهِ الصَّيْدُ، فَتَنْتابُهُ القَساوِرَةُ، وقَسْوَرُ النَّبْتِ: كَثُرُ، ورَكَزُ النّاسِ، أيْ صَوْتِهِمُ الخَفِيِّ وحِسِّهِمْ - لِأنَّ الصَّيّادِينَ يَتَخافَتُونَ؛ والسَّقَرُ لُغَةً في الصَّقْرِ - لِطَيْرٍ يَصِيدُ؛ وقَسْرُ: جَبَلُ السَّراةِ - كَأنَّهُ مَوْضِعُ الصَّيْدِ والقَسْرِ والغَلَبَةِ، والقَيْسَرِيُّ: الكَثِيرُ - لِأنَّهُ مَلْزُومٌ لِلْغَلَبَةِ، وضَرْبٌ مِنَ الجُعْلانِ - كَأنَّهُ سُمِّيَ لِمُطْلَقِ الكَثْرَةِ ولِأذاهُ بِما يُعانِيهِ مِنَ النَّجاساتِ، والقَيْسَرِيُّ - أيْضًا مِنَ الإبِلِ: العَظِيمُ أوِ الصُّلْبُ أوِ الضَّخْمُ الشَّدِيدُ؛ وجَمَلٌ قُراسِيَةٌ - بِالضَّمِّ وتَخْفِيفِ الياءِ: ضَخْمٌ، والقِرْسُ - بِالكَسْرِ: صِغارُ البَعُوضِ؛ والقَسْوَرَةُ أيْضًا مِنَ الغِلْمانِ: الشّابُّ القَوِيُّ، والرّامِي - لِأنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يَغْلِبَ، ولِقَسْوَرٍ أيْضًا: الصَّيّادُ مُطْلَقًا؛ ويَلْزَمُهُ …

77

۞ قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌۭ لَّهُۥ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ

They said, "If he steals - a brother of his has stolen before." But Joseph kept it within himself and did not reveal it to them. He said, "You are worse in position, and Allah is most knowing of what you describe."

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ انْتِزاعَ أخِيهِمْ مِنهم - بَعْدَ تِلْكَ المَواثِيقِ الَّتِي أكَّدُوها لِأبِيهِمْ - لِداهِيَةٍ تَطِيشُ لَها الحُلُومُ، فَماذا كانَ فِعْلُهم عِنْدَها؟ فَقِيلَ: ”قالُوا“ تَسْلِيَةً لِأنْفُسِهِمْ ودَفْعًا لِلْعارِ عَنْ خاصَّتِهِمْ ﴿إنْ يَسْرِقْ﴾ فَلَمْ يَجْزِمُوا بِسَرِقَتِهِ، لِعِلْمِهِمْ بِأمانَتِهِ، وظَنِّهِمْ هَذا الصُّواعَ دَسَّ في رَحْلِهِ وهو لا يَشْعُرُ، كَما دَسَّتْ بِضاعَتُهم في رِحالِهِمْ وإنَّما أوْهى ظَنَّهم هَذا سُكُوتُ أخِيهِمْ عَنِ الِاعْتِذارِ بِهِ، عَلى أنَّهُ قَدْ ورَدَ أنَّهم لامُوهُ فَقالَ لَهُمْ: وضَعَهُ في رَحْلَيِ الَّذِي وضَعَ البِضاعَةَ في رِحالِهِمْ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ﴾ أيْ شَقِيقٌ ﴿لَهُ﴾ ولَمّا كانَ ما ظَنُّوهُ كَذَلِكَ في زَمَنٍ يَسِيرٍ، أدْخَلُوا الجارَ فَقالُوا: ﴿مِن قَبْلُ﴾ يَعْنُونَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ عَمَّتَهُ كانَتْ لا تَصْبِرُ عَنْهُ، وكانَ أبُوهُ لا يَسْمَحُ بِمُكْثِهِ عِنْدَها، لِأنَّهُ لا يَصْبِرُ عَنْهُ، فَحَزَمَتْهُ مِن تَحْتِ ثِيابِهِ بِمِنطَقَةِ أبِيها إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَتْ عِنْدَها، ثُمَّ قالَتْ: فَقَدْتُ مِنطِقَةَ أبِي، فاكْشِفُوا أهْلَ البَيْتِ، فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَسَمَحَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَئِذٍ لَها بِبَقائِهِ عِنْدَها ﴿فَأسَرَّها﴾ أيْ إجابَتُهم عَنْ هَذِهِ القَوْلَةِ القَبِيحَةِ ﴿يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ عَلى تَمَكُّنِهِ مِمّا يُرِيدُ بِهِمْ مِنَ الِانْتِقامِ.

ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّهُ بَكَتْهم بِها بَعْدَ ذَلِكَ، نَفى هَذا الظَّنُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ يُبْدِها﴾ أيْ أصْلًا ﴿لَهُمْ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قَوْلَتُهُ الَّتِي أسَرَّها في نَفْسِهِ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ مِن يُوسُفَ وأخِيهِ، لِأنَّ ما نُسِبَ إلَيْهِما مِنَ الشَّرِّ إنَّما هو ظاهِرًا لِأمْرِ خَيْرٍ اقْتَضاهُ، وأمّا أنْتُمْ فَفِعْلَتُكم بِيُوسُفَ شَرُّ مَقْصُودٍ مِنكم ظاهِرًا وباطِنًا، ونِسْبَةُ الشَّرِّ إلى مَكانِهِمْ أعْظَمَ مِن نِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ، وإنَّما قَدَّمَ الإخْبارَ بِالإسْرارِ مَعَ اقْتِرانِهِ بِالإضْمارِ قَبْلَ الذِّكْرِ، لِئَلّا يَظُنُّ بادِئَ بَدْءٍ أنَّهم سَمِعُوا ما وصَفَهم بِهِ مِنَ الشَّرِّ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ مِنكُمْ، وأنَّهُ لَيْسَ كَما قُلْتُمْ؛ والوَصْفُ: كَلِمَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن أصْلِ [مِنَ] الأُصُولِ لِتَجْرِيَ عَلى مَذْكُورٍ فَتَفَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ النَّقِيضِ كالفَرْقِ بَيْنَ العالِمِ والجاهِلِ ونَحْوِهِما،

78

قَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبًۭا شَيْخًۭا كَبِيرًۭا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ

They said, "O 'Azeez, indeed he has a father [who is] an old man, so take one of us in place of him. Indeed, we see you as a doer of good."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ القَوْلَ عَلى فُحْشِهِ لَيْسَ مُغْنِيًا عَنْهم ولا عَنْ أبِيهِمْ شَيْئًا، فَهَلِ اقْتَصَرُوا عَلَيْهِ؟ فَقِيلَ: لا، بَلْ ﴿قالُوا﴾ التِماسًا لِما يُغْنِيهِمْ: ﴿يا أيُّها العَزِيزُ﴾ فَخاطَبُوهُ بِما يَلِيقُ بِالأكابِرِ لِيَرِقَّ لَهم ﴿إنَّ لَهُ﴾ أيْ هَذا الَّذِي وجَدَ الصُّواعَ في رَحْلِهِ ﴿أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أيْ في سِنِّهِ وقَدَرِهِ وهو مُغْرَمٌ بِهِ، لا يَقْدِرُ عَلى فِراقِهِ ولا يَصْبِرُ عَنْهُ ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ وأحْسَنَ إلى أبِيهِ بِإرْسالِهِ إلَيْهِ ﴿إنّا نَراكَ﴾ أيْ نَعْلَمُكَ عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ أوْ بِحَسَبِ ما رَأيْناهُ ﴿مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في صِفَةِ الإحْسانِ، فَأجْرِ في أمْرِنا عَلى عادَةِ إحْسانِكَ،

79

قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذًۭا لَّظَٰلِمُونَ

He said, "[I seek] the refuge of Allah [to prevent] that we take except him with whom we found our possession. Indeed, we would then be unjust."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما أجابَهُمْ؟ قِيلَ: ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ﴾ أيْ نَعُوذُ بِالَّذِي لا مِثْلَ مُعاذًا عَظِيمًا ﴿أنْ نَأْخُذَ﴾ أيْ لِأجْلِ هَذا الأمْرِ ﴿إلا مَن﴾ أيِ الشَّخْصِ الَّذِي ﴿وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: سَرَقَ مَتاعَنا، لِأنَّهُ - كَما أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ في الصُّواعِ فِعْلَ السّارِقِ - لَمْ يَقَعْ مِنهُ قَبْلَ ذَلِكَ ما يُصَحِّحُ إطْلاقَ الوَصْفِ عَلَيْهِ؛ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا إذًا﴾ أيْ إذا أخَذْنا أحَدًا مَكانَهُ ﴿لَظالِمُونَ﴾ أيْ عَرِيقُونَ في الظُّلْمِ في دِينِكُمْ، فَلِمَ تَطْلُبُونَ ما هو ظُلْمٌ عِنْدِكم.

ذَكَرَ بَعْدَ ما سَلَفَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ التَّوْراةِ

قالَ: وكانَ القَهَمُ - وفي نُسْخَةٍ: الجُوعُ - والإرْجافُ عَلى جَمِيعِ وجْهِ الأرْضِ، فَفَتَحَ يُوسُفُ الأهْراءَ، وأقْبَلَ يَبِيعُ المِصْرِيِّينَ، واشْتَدَّ الجُوعُ بِأرْضِ مِصْرَ، وأقْبَلَ جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ يَأْتُونَ لِلِامْتِيارِ مِن يُوسُفَ.

فَبَلَغَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ بِمِصْرَ طَعامُ مِيرَةَ، فَقالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِبَنِيهِ: لا خَوْفَ عَلَيْكُمْ، لِأنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أنَّ بِمِصْرَ مِيرَةً فاهْبِطُوا إلى هُناكَ، فامْتارُوا لَنا فُنْحِيِي ولا نَمُوتُ. فَهَبَطَ بَنُو يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [العَشْرَةُ لِيَمْتارُوا مِيرَةً مِن مِصْرَ، فَأمّا بِنْيامِينُ أخُو يُوسُفَ فَلَمْ يُرْسِلْهُ يَعْقُوبُ ] مَعَ إخْوَتِهِ، لِأنَّهُ قالَ: لَعَلَّهُ أنْ يَعْرِضَ لَهُ عارِضٌ، فَأتى بَنُو إسْرائِيلَ لِيَمْتارُوا مَعَ الَّذِينَ كانُوا يَنْطَلِقُونَ، لِأنَّ الجُوعَ اشْتَدَّ في أرْضِ كَنْعانَ، وكانَ يُوسُفُ هو المُسَلَّطُ عَلى الأرْضِ، وكانَ يُمَيِّزُ جَمِيعَ شَعْبِ الأرْضِ، فَأتى إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا عَلى الأرْضِ، فَرَأى يُوسُفُ إخْوَتَهُ فَأثْبَتَهم وتَناكَرَ عَلَيْهِمْ وكَلَّمَهم بِفَظاظَةٍ وقَساوَةٍ، وقالَ لَهُمْ: مَن أيْنَ أنْتُمْ؟ فَقالُوا: أتَيْنا مِن أرْضِ كَنْعانَ لِنَمْتارَ مِيرَةً، فَذَكَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الرُّؤْيا الَّتِي قَصَّها عَلَيْهِمْ وقالَ لَهُمْ: إنَّكم جَواسِيسُ، وإنَّما أتَيْتُمْ لِتَفْحَصُوا وتَطَّلِعُوا الأرْضَ. فَقالُوا: كَلّا يا سَيِّدَنا! إنَّ عَبِيدَكَ إنَّما أتَوْا لِيَمْتارُوا، نَحْنُ أجْمَعُونَ بَنُو رَجُلٍ واحِدٍ، ونَحْنُ أبْرِياءُ، ولَيْسَ عَبِيدُكَ بِطَلائِعَ، فَقالَ لَهم يُوسُفُ: [لَيْسَ] الأمْرُ كَما تَقُولُونَ، بَلْ إنَّما أتَيْتُمْ لَتَجَسَّسُوا أرْضَنا. فَقالُوا لَهُ: نَحْنُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا إخْوَةُ عَبِيدِكَ بَنُو رَجُلٍ واحِدٍ بِأرْضِ كَنْعانَ، والآخِرُ هو عِنْدَ أبِينا يَوْمُنا هَذا، والآخَرُ فَقَدْناهُ، فَقالَ لَهم يُوسُفُ: إنِّي إنَّما قُلْتُ لَكُمْ: إنَّكم جَواسِيسُ، مِن أجْلِ هَذا بِهَذِهِ تُمْتَحَنُونَ، وحَقُّ فِرْعَوْنَ! لا أُخْرِجَنَّكم مِن هاهُنا حَتّى يَأْتِيَ أخُوكُمُ الأصْغَرُ إلى هاهُنا. فَنَفْحَصُ عَنْ أقاوِيلِكم إنْ كُنْتُمْ نَطَقْتُمْ بِالحَقِّ والقِسْطِ، وإلّا وحَقُّ فِرْعَوْنَ! إنَّكم طَلائِعُ، فَقَذَفَهم في الحَبْسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، ودَعا بِهِمْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في اليَوْمِ الثّالِثِ، وقالَ لَهُمُ: افْعَلُوا ما آمُرُكم بِهِ فَتُحَيُّوا، فَإنِّي أُراقِبُ اللَّهَ فِيكُمْ، إنْ كُنْتُمْ أبْرِياءَ فَلْيَحْبِسْ أحَدُكم في مَحْبِسِكم وانْطَلِقُوا أنْتُمْ بِالمِيرَةِ لِلْجُوعِ الَّذِي في بُيُوتِكُمْ، فائْتُونِي بِأخِيكُمُ الأصْغَرِ فَأصَّدَّقَ قَوْلَكم ولا تَمُوتُوا، فَفَعَلُوا كَما أمَرَهُمْ، فَقالَ كُلُّ امْرِئٍ [مِنهُمْ] لِصاحِبِهِ: حَقًّا …

80

فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّۭا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ

So when they had despaired of him, they secluded themselves in private consultation. The eldest of them said, "Do you not know that your father has taken upon you an oath by Allah and [that] before you failed in [your duty to] Joseph? So I will never leave [this] land until my father permits me or Allah decides for me, and He is the best of judges.

ولَمّا أياسَهم بِما قالَ عَنْ إطْلاقِ بِنْيامِينَ، حَكى اللَّهُ تَعالى ما أثْمَرَ لَهم ذَلِكَ مِنَ الرَّأْيِ فَقالَ: ﴿فَلَمّا﴾ دالًّا بِالفاءِ عَلى قُرْبِ زَمَنِ تِلْكَ المُراجَعاتِ ﴿اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ أيْ تَحَوَّلَ رَجاؤُهم لِتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِ لِما رَأوْا مِن إحْسانِهِ ولُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ يَأْسًا شَدِيدًا بِما رَأوْا مِن ثَباتِهِ عَلى أخْذِهِ بِعَيْنِهِ وعَدَمِ اسْتِبْدالِهِ ﴿خَلَصُوا﴾ أيِ انْفَرِدُوا مِن غَيْرِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿نَجِيًّا﴾ أيْ ذَوِي نَجْوى يُناجِي بَعْضُهم بَعْضًا، مِنَ المُناجاةِ وهي رَفْعُ المَعْنى مِن كُلِّ واحِدٍ إلى صاحِبِهِ في خَفاءٍ، مِنَ النَّجْوِ وهو الِارْتِفاعُ [مِنَ الأرْضِ] - قالَهُ الرُّمّانِيُّ، أوْ تَمَحَّضُوا تَناجِيًا لِإفاضَتِهِمْ فِيهِ بِجِدٍّ كَأنَّهم صُورَةُ التَّناجِي، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ في السِّنِّ وهو رُوبِيلُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمُوا﴾ مُقَرَّرًا لَهم بِما يَعْرِفُونَهُ مَعَ قُرْبِ الزَّمانِ لِيَشْتَدَّ تَوَجُّهُهم في بَذْلِ الجُهْدِ في الخَلاصِ مِن غَضَبِ أبِيهِمْ ﴿أنَّ أباكُمْ﴾ أيِ الشَّيْخَ الكَبِيرَ الَّذِي فَجَعْتُمُوهُ في أحَبِّ ولَدِهِ إلَيْهِ.

ولَمّا كانَ المَقامُ بِالتَّقْرِيرِ ومَعْرِفَةِ صُورَةِ الحالِ لِتَوَقُّعِ ما يَأْتِي مِنَ الكَلامِ، قالَ: ﴿قَدْ أخَذَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ قَبْلَ أنْ يُعْطِيَكم هَذا الوَلَدَ الآخَرَ ﴿مَوْثِقًا﴾ ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى هو الَّذِي شَرَعَهُ - كَما مَضى - كانَ كَأنَّهُ مِنهُ، فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ أيْمانُ المَلِكِ الأعْظَمِ: لَتَأْتُنَّهُ بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكم ﴿ومِن قَبْلُ﴾ أيْ قَبْلَ هَذا ﴿ما فَرَّطْتُمْ﴾ أيْ قَصَّرْتُمْ بِتَرْكِ التَّقَدُّمِ بِما يَحِقُّ لَكم في ظَنِّ أبِيكم أوْ فِيما ادَّعَيْتُمْ لِأبِيكم تَفْرِيطًا عَظِيمًا، فَإنَّ زِيادَةَ ”ما“ تَدُلُّ عَلى إرادَتِهِ لِذَلِكَ ”فِي“ ضَياعِ ﴿يُوسُفَ﴾ فَلا يُصَدِّقُكم أبُوكم أصْلًا، بَلْ يَضُمُّ هَذِهِ إلى تِلْكَ فَيَعْلَمُ بِها خِيانَتَكم قَطْعًا، وأصْلُ مَعْنى التَّفْرِيطِ،: التَّقَدُّمُ، مِن قَوْلِهِ ﷺ: «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ» .

ولَمّا كانَ المَوْضِعُ مَوْضِعَ التَّأسُّفِ والتَّفَجُّعِ والتَّلَهُّفِ، أكَّدَهُ بِـ ”ما“ النّافِيَةِ لِنَقِيضِ المُثْبِتِ كَما سَلَفَ غَيْرَ مَرَّةٍ، أيْ أنَّ فِعْلَكم في يُوسُفَ ما كانَ إلّا تَفْرِيطًا لا شَكَّ فِيهِ ﴿فَلَنْ أبْرَحَ﴾ أيْ أُفارِقَ هَذِهِ ﴿الأرْضَ﴾ بِسَبَبِ هَذا، وإيصالُهُ الفِعْلَ بِدُونِ حَرْفٍ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ صارَ شَدِيدَ الِالتِصاقِ بِها ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾ في الذَّهابِ مِنها ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ووَثِقْنا بِهِ ”لِي“ بِخَلاصِ أخِي أوْ بِالذَّهابِ مِنها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي يَعْلَمُها ويَقْدِرُ عَلى التَّسَبُّبِ لَها ﴿وهُوَ﴾ أيْ ظاهِرًا وباطِنًا ﴿خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ إذا أرادَ أمْرًا بَلَّغَهُ بِإحاطَةِ عِلْمِهِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ، وجَعْلِهِ عَلى أحْسَنِ الوُجُودِ وأتْقَنِها،

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.