Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 71–80 of 111

71

قَالُوا۟ وَأَقْبَلُوا۟ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ

They said while approaching them, "What is it you are missing?"

﴿قالُوا﴾ أيِ الإخْوَةُ ﴿وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى طالِبِي السِّقايَةِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ أوْ عَلى المُؤَذِّنِ إنْ كانَ أُرِيدَ مِنهُ جَمْعٌ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَعَلَ مُؤَذِّنِينَ يُنادُونَ بِذَلِكَ عَلى ما في البَحْرِ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( قالُوا ) جِيءَ بِها لِلدَّلالَةِ عَلى انْزِعاجِهِمْ مِمّا سَمِعُوهُ لِمُبايَنَتِهِ لِحالِهِمْ أيْ قالُوا مُقْبِلِينَ عَلَيْهِمْ ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ . (71) . أيْ أيَّ شَيْءٍ تَفْقِدُونَ أوْ ما الَّذِي تَفْقِدُونَهُ والفَقْدُ كَما قالَ الرّاغِبُ: عَدَمُ الشَّيْءِ بَعْدَ وُجُودِهِ فَهو أخَصُّ مِنَ العَدَمِ فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ ولِما لَمْ يُوجَدْ أصْلًا وقِيلَ: هو عَدَمُ الشَّيْءِ بِأنْ يَضِلَّ عَنْكَ لا بِفِعْلِكَ وحاصِلُ المَعْنى ما ضاعَ مِنكم وصِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ.

وقَرَأ السُّلَمِيُّ ( تُفْقِدُونَ ) بِضَمِّ التّاءِ مِن أفْقَدْتُهُ إذا وجَدْتُهُ فَقِيدًا نَحْوَ أحْمَدْتُهُ إذا وجَدْتُهُ مَحْمُودًا وضَعَّفَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ ووَجْهُها ما ذُكِرَ وعَلى القِراءَتَيْنِ فالعُدُولُ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِن قَوْلِهِمْ: ماذا سُرِقَ مِنكم عَلى ما قِيلَ لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِمْ بِإظْهارِ أنَّهُ لَمْ يُسْرَقْ مِنهم شَيْءٌ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونُوا هُمُ السّارِقِينَ لَهُ وإنَّما المُمْكِنُ أنْ يَضِيعَ مِنهم شَيْءٌ فَيَسْألُونَهم ماذا وفِيهِ إرْشادٌ لَهم إلى مُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ والِاحْتِرازِ عَنِ المُجازَفَةِ ونِسْبَةِ البُرّاءِ إلى ما لا خَيْرَ فِيهِ لا سِيَّما بِطْرِيقِ التَّأْكِيدِ فَلِذَلِكَ غَيَّرُوا كَلامَهم حَيْثُ قالُوا في جَوابِهِمْ:

72

قَالُوا۟ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍۢ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٌۭ

They said, "We are missing the measure of the king. And for he who produces it is [the reward of] a camel's load, and I am responsible for it."

﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ﴾ ولَمْ يَقُولُوا سَرَقْتُمُوهُ أوْ سُرِقَ وقِيلَ: كانَ الظّاهِرُ أنْ يُبادِرُوا بِالإنْكارِ ونَفْيِ أنْ يَكُونُوا سارِقِينَ ولَكِنَّهم قالُوا ذَلِكَ طَلَبًا لِإكْمالِ الدَّعْوى إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيها ما تَبْطُلُ بِهِ فَلا تَحْتاجُ إلى خِصامٍ وعَدَلُوا عَنْ ماذا سُرِقَ مِنكم إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِما ذُكِرَ آنِفًا والصُّواعُ بِوَزْنِ غُرابٍ المِكْيالُ وهو السِّقايَةُ ولَمْ يُعَبَّرْ بِها مُبالَغَةً في الإفْهامِ والإفْصاحِ ولِذا أعادَ الفِعْلَ وصِيغَةَ المُسْتَقْبَلِ لِما تَقَدَّمَ أوْ لِلْمُشاكَلَةِ.

وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ جُبَيْرٍ فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَما قَرَأ الجُمْهُورُ إلّا أنَّهم كَسَرُوا الصّادَ وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ ومُجاهِدٌ ( صاعَ ) بِغَيْرِ واوٍ عَلى وزْنِ فَعْلٍ فالألِفُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَفْتُوحَةِ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ ( صَوْعَ ) بِوَزْنِ قَوْسٍ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنِ بْنِ أبِي أرْطَبانَ ( صُوعَ ) بِضَمِّ الصّادِ وكُلُّها لُغاتٌ في الصّاعِ وهو مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ وأبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَحْفَظِ التَّأْنِيثَ وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ فِيما نَقَلَ عَنْهُما صاحِبُ اللَّوامِحِ ( صُواغَ ) بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ عَلى وزْنِ غُرابٍ أيْضًا وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ الألِفَ وسَكَّنَ الواوَ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ( صَوْغَ ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن صاغَ يَصُوغُ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ وكَذا يُرادُ مِن ( صُواغَ ) و( صَوْغَ ) في القِراءَتَيْنِ أيْ نَفْقِدُ مَصُوغَ المَلِكِ ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ﴾ أيْ أتى بِهِ مُطْلَقًا ولَوْ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ وقِيلَ: مَن دَلَّ عَلى سارِقِهِ وفَضَحَهُ ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أيْ مِنَ الطَّعامِ جُعْلًا لَهُ والحِمْلَ عَلى ما في مَجْمَعِ البَيانِ بِالكَسْرِ لِما انْفَصَلَ وبِالفَتْحِ لِما اتَّصَلَ وكَأنَّهُ أشارَ إلى ما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ مِن أنَّ الحِمْلَ بِالفَتْحِ يُقالُ في الأثْقالِ المَحْمُولَةِ في الباطِنِ كالوَلَدِ في البَطْنِ والماءِ في السَّحابِ والثَّمَرَةِ في الشَّجَرَةِ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ . (72) . أيْ كَفِيلٌ أُؤَدِّيهِ إلَيْهِ وهو قَوْلُ المُؤَذِّنِ.

واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ كَما في الهِدايَةِ وشُرُوحِها عَلى جَوازِ تَعْلِيقِ الكَفالَةِ بِالشُّرُوطِ لِأنَّ مُنادِيَهُ عَلَّقَ الِالتِزامَ

صفحة 26

بِالكَفالَةِ بِسَبَبِ وُجُوبِ المالِ وهو المَجِيءُ بِصُواعِ المَلِكِ ونِدائِهِ بِأمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وشَرْعُ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا إذا مَضى مِن غَيْرِ إنْكارٍ وأُورِدَ عَلَيْهِ أمْرانِ الأوَّلُ ما قالَهُ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ مِن أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَحْمُولَةٌ عَلى الجَعالَةِ لِما يَأْتِي بِهِ لا لِبَيانِ الكَفالَةِ فَهي كَقَوْلِ مَن أبَقَ عَبْدُهُ مَن جاءَ بِهِ فَلَهُ عَشْرَةُ دَراهِمَ وهو لَيْسَ بِكَفالَةٍ لِأنَّها إنَّما تَكُونُ إذا التَزَمَ عَنْ غَيْرِهِ وهُنا قَدِ التَزَمَ عَنْ نَفْسِهِ الثّانِي أنَّ الآيَةَ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ لِأنَّ فِيها جَهالَةَ المَكْفُولِ لَهُ وهي تُبْطِلُ الكَفالَةَ وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ الزَّعْمَ حَقِيقَةٌ في الكَفالَةِ والعَمَلَ بِها مَهْما أمْكَنَ واجِبٌ فَكَأنَّ مَعْناهُ قَوْلُ المُنادِي لِلْغَيْرِ: إنَّ المَلِكَ قالَ: لِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بِعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ فَيَكُونُ ضامِنًا عَنِ المَلِكِ لا عَنْ نَفْسِهِ فَتَتَحَقَّقُ حَقِيقَةُ الكَفالَةِ وعَنِ الثّانِي بِأنَّ في الآيَةِ ذِكْرَ أمْرَيْنِ الكَفالَةُ مَعَ الحَمالَةِ لِلْمَكْفُولِ لَهُ وإضافَتُها إلى سَبَبِ الوُجُوبِ وعَدَمُ جَوازِ أحَدِهِما بِدَلِيلٍ لا …

73

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ

They said, "By Allah, you have certainly known that we did not come to cause corruption in the land, and we have not been thieves."

﴿قالُوا تاللَّهِ﴾ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّ التّاءَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ كَما أُبْدِلَتْ في تُراثٍ وتَوْراةٍ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وقِيلَ هي بَدَلٌ مِنَ الباءِ وقالَ السُّهَيْلِيُّ: إنَّها أصْلٌ بِرَأْسِها وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّها لا يُقْسَمُ بِها إلّا في اللَّهِ خاصَّةً وتُعُقِّبَ بِالمَنعِ لِدُخُولِها عَلى الرَّبِّ مُطْلَقًا أوْ مُضافًا لِلْكَعْبَةِ وعَلى الرَّحْمَنِ وقالُوا تَحِيّاتِكَ أيْضًا وأيًّا ما كانَ فَفي القَسَمِ بِها مَعْنى التَّعَجُّبِ كَأنَّهم تَعَجَّبُوا مِن رَمْيِهِمْ بِما ذُكِرَ مَعَ ما شاهَدُوهُ مِن حالِهِمْ فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَعْكُمُونَ أفْواهَ إبِلِهِمْ لِئَلّا تَنالَ مِن زُرُوعِ النّاسِ وطَعامِهِمْ شَيْئًا واشْتَهَرَ أمْرُهم في مِصْرَ بِالعِفَّةِ والصَّلاحِ والمُثابَرَةِ عَلى فُنُونِ الطّاعاتِ ولِذا قالُوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ عِلْمًا جازِمًا مُطابِقًا لِلْواقِعِ ﴿ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ أيْ لِنَسْرِقَ فَإنَّ السَّرِقَةَ مِن أعْظَمِ أنْواعِ الإفْسادِ أوْ لِنُفْسِدَ فِيها أيَّ إفْسادٍ كانَ فَضْلًا عَمّا نَسَبْتُمُونا إلَيْهِ مِنَ السَّرِقَةِ ونَفْيُ المَجِيءِ لِلْإفْسادِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَلْزِمًا لِما هو مُقْتَضى المَقامِ مِن نَفْيِ الإفْسادِ مُطْلَقًا لَكِنَّهم جَعَلُوا المَجِيءَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ولَوْ بِطَرِيقِ الِاتِّفاقِ مَجِيئًا لِغَرَضِ الإفْسادِ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ ادِّعاءً إظْهارًا لِكَمالِ قُبْحِهِ عِنْدَهم وتَرْبِيَةً لِاسْتِحالَةِ

صفحة 27

صُدُورِهِ عَنْهم فَكَأنَّهم قالُوا: إنْ صَدَرَ عَنّا إفْسادٌ كانَ مَجِيئُنا لِذَلِكَ مُرِيدِينَ بِهِ تَقْبِيحَ حالِهِ وإظْهارَ كَمالِ نَزاهَتِهِمْ عَنْهُ كَذا قِيلَ.

وقِيلَ: إنَّهم أرادُوا نَفْيَ لازِمِ المَجِيءِ لِلْإفْسادِ في الجُمْلَةِ وهو تَصَوُّرُ الإفْسادِ مُبالَغَةً في نَزاهَتِهِمْ عَنْ ذَلِكَ فَكَأنَّهم قالُوا: ما مَرَّ لَنا الإفْسادُ بِبالٍ ولا تَعَلَّقَ بِخَيالٍ فَضْلًا عَنْ وُقُوعِهِ مِنّا ولا يَخْفى بُعْدُهُ ﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ . (73) . أيْ ما كُنّا نُوصَفُ بِالسَّرِقَةِ قَطُّ والظّاهِرُ دُخُولُ هَذا في حَيِّزِ العِلْمِ كالأوَّلِ ووَجْهُهُ أنَّ العِلْمَ بِأحْوالِهِمُ المُشاهَدَةِ يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِأحْوالِهِمُ الفائِتَةِ والحِلْفُ في الحَقِيقَةِ عَلى الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ في حَيِّزِ العِلْمِ لا عَلى عِلْمِ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ إلّا أنَّهم ذَكَرُوهُ لِلِاسْتِشْهادِ وتَأْكِيدِ الكَلامِ ولِذا أجْرَتِ العَرَبُ العِلْمَ مَجْرى القَسَمِ كَما في قَوْلِهِ:

ولَقَدْ عَلِمْتُ لَتَأْتِيَنَّ مَنِيَّتِي إنَّ المَنايا لا تَطِيشُ سِهامُها

وفِي ذَلِكَ مِن إلْزامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وتَحْقِيقِ أمْرِ التَّعَجُّبِ المَفْهُومِ مِن تاءِ القَسَمِ مِن كَلامِهِمْ كَما فِيهِ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَما جِئْنا .. إلَخْ مُتَعَلِّقَ العِلْمِ وأنْ يَكُونَ جَوابَ القَسَمِ أوْ جَوابَ العِلْمِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْناهُ وهو لا يَأْبى ما تَقَدَّمَ

74

قَالُوا۟ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمْ كَٰذِبِينَ

The accusers said, "Then what would be its recompense if you should be liars?"

﴿قالُوا﴾ أيْ أصْحابُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ أيِ الصُّواعُ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ما جَزاءُ سَرِقَتِهِ: الضَّمِيرُ لِسَرَقَ أوْ لِلسّارِقِ والجَزاءُ إلى الجِنايَةِ حَقِيقَةً وإلى صاحِبِها مَجازًا وقَدْ يُقالُ: بِحَذْفِ المُضافِ فافْهَمْ والمُرادُ فَما جَزاءُ ذَلِكَ عِنْدَكم وفي شَرِيعَتِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ . (74) . أيْ في ادِّعاءِ البَراءَةِ كَما هو الظّاهِرُ وفي التَّعْبِئَةِ بِإنْ مُراعاةً لِجانِبِهِمْ

75

قَالُوا۟ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّٰلِمِينَ

[The brothers] said, "Its recompense is that he in whose bag it is found - he [himself] will be its recompense. Thus do we recompense the wrongdoers."

﴿قالُوا﴾ أيِ الإخْوَةُ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ﴾ أيْ أخْذُ مَن وُجِدَ الصُّواعُ ﴿فِي رَحْلِهِ﴾ واسْتِرْقاقُهُ وقُدِّرَ المُضافُ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَكُونُ خَبَرًا عَنِ الذّاتِ ولِأنَّ نَفْسَ ذاتِ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ لَيْسَتْ جَزاءً في الحَقِيقَةِ واخْتارُوا عُنْوانَ الوُجْدانِ في الرَّحْلِ دُونَ السَّرِقَةِ مَعَ أنَّهُ المُرادُ لِأنَّ كَوْنَ الأخْذِ والِاسْتِرْقاقِ سُنَّةً عِنْدَهم ومِن شَرِيعَةِ أبِيهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى السّارِقِ دُونَ مَن وُجِدَ عِنْدَهُ مالُ غَيْرِهِ كَيْفَما كانَ إشارَةً إلى كَمالِ نَزاهَتِهِمْ حَتّى كَأنَّ أنْفُسَهم لا تُطاوِعُهم وألْسِنَتَهم لا تُساعِدُهم عَلى التَّلَفُّظِ بِهِ مُثْبِتًا لِأحَدِهِمْ بِأيِّ وجْهٍ وكَأنَّهم تَأْكِيدًا لِتِلْكَ الإشارَةِ عَدَلُوا عَمَّنْ وُجِدَ عِنْدَهُ إلى مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ أيْ فَأخْذُهُ جَزاؤُهُ وهو تَقْدِيرٌ لِلْحُكْمِ السّابِقِ بِإعادَتِهِ كَما في قَوْلِكَ: حَقُّ الضَّيْفِ أنْ يُكْرَمَ فَهو حَقُّهُ ولَيْسَ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ فالغَرَضُ مِنَ الأوَّلِ إفادَةُ الحُكْمِ ومِنَ الثّانِي إفادَةُ حَقِّيَّتِهِ والِاحْتِفاظُ بِشَأْنِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَهَذا ما تَلَخَّصَ وتَحَقَّقَ لِلنّاظِرِ في المَسْألَةِ لا مِرْيَةَ فِيهِ قِيلَ: وذَكَرَ الفاءَ في ذَلِكَ لِتَفَرُّغِهِ عَلى ما قَبْلَهُ ادِّعاءً وإلّا فَكانَ الظّاهِرُ تَرْكَها لِمَكانِ التَّأْكِيدِ ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ الجُمْلَةَ المُؤَكِّدَةَ قَدْ تُعْطَفُ لِنُكْتَةٍ وإنْ لَمْ يَذْكُرْهُ أهْلُ المَعانِي وجُوِّزَ كَوْنُ ﴿مَن﴾ مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُهُ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ خَبَرُ ﴿جَزاؤُهُ﴾ وأنْ تَكُونَ ﴿مَن﴾ شَرْطِيَّةً مُبْتَدَأً و﴿وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ فِعْلُ الشَّرْطِ و( جَزاؤُهُ فَهو جَزاؤُهُ ) والفاءُ رابِطَةٌ والشَّرْطُ وجَزاؤُهُ خَبَرٌ أيْضًا كَما في احْتِمالِ المَوْصُولَةِ واعْتُرِضَ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ خُلُوُّ الجُمْلَةِ الواقِعَةَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ عَنْ عائِدٍ إلَيْهِ لِأنَّ الضَّمِيرَ المَذْكُورَ لِمَن لا لَهُ وأُجِيبَ بِأنَّهُ جُعِلَ الِاسْمُ الظّاهِرُ وهو الجَزاءُ الثّانِي قائِمًا مَقامَ الضَّمِيرِ والرَّبْطُ كَما يَكُونُ بِالضَّمِيرِ يَكُونُ بِالظّاهِرِ والأصْلُ جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو هو أيْ فَهو الجَزاءُ وفي العُدُولِ ما عُلِمَ مِنَ التَّقْرِيرِ السّابِقِ وإزالَةِ اللَّبْسِ والتَّفْخِيمِ لا سِيَّما في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ فَهو كاللّازِمِ وقَدْ

صفحة 28

صَرَّحَ الزَّجّاجُ بِأنَّ الإظْهارَ هُنا أحْسَنُ مِنَ الإضْمارِ وعَلَّلَهُ بِبَعْضِ ما ذُكِرَ وأنْشَدَ:

لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا

وبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ ما في البَحْرِ اعْتِراضًا عَلى هَذا الجَعْلِ مِن أنَّ وضْعَ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلرَّبْطِ إنَّما يُفَصَّحُ إذا كانَ المَقامُ مَقامَ تَعْظِيمٍ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ فَلا يَنْبَغِي حَمْلُ النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى ذَلِكَ وأنْ يَكُونَ ﴿جَزاؤُهُ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ المَسْؤُولُ عَنْهُ جَزاؤُهُ فَهو حِكايَةُ قَوْلِ السّائِلِ ويَكُونُ ﴿مَن وُجِدَ﴾ .. إلَخْ بَيانًا وشُرُوعًا في الفَتْوى وهَذا عَلى ما قِيلَ كَما يَقُولُ مَن يَسْتَفْتِي في جَزاءِ صَيْدِ المُحْرِمِ: جَزاءُ صَيْدِ المُحْرِمِ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فَإنَّ قَوْلَ المُفْتِي: جَزاءُ صَيْدِ الحَرَمِ بِتَقْدِيرِ ما اسْتَفْتَيْتُ فِيهِ أوْ سَألْتُ عَنْهُ ذَلِكَ وما …

76

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌۭ

So he began [the search] with their bags before the bag of his brother; then he extracted it from the bag of his brother. Thus did We plan for Joseph. He could not have taken his brother within the religion of the king except that Allah willed. We raise in degrees whom We will, but over every possessor of knowledge is one [more] knowing.

﴿فَبَدَأ﴾ قِيلَ المُؤَذِّنُ ورُجِّحَ بِقُرْبِ سَبْقِ ذِكْرِهِ وقِيلَ: يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ إخْوَتَهُ لَمّا قالُوا ما قالُوا قالَ لَهم أصْحابُهُ: لا بُدَّ مِن تَفْتِيشِ رِحالكم فَرَدُّوهم بَعْدَ أنْ سارُوا مَنزِلًا أوْ بَعْدَ أنْ خَرَجُوا مِنَ العِمارَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَبَدَأ ﴿بِأوْعِيَتِهِمْ﴾ أيْ بِتَفْتِيشِ أوْعِيَةِ الإخْوَةِ العَشَرَةِ ورُجِّحَ ذَلِكَ بِمُقاوَلَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّها تَقْتَضِي ظاهِرًا وُقُوعَ ما ذُكِرَ بَعْدَ رَدِّهِمُ إلَيْهِ ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ أنَّ إسْنادَ التَّفْتِيشِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَجازِيٌّ والمُفَتِّشُ حَقِيقَةً أصْحابُهُ بِأمْرِهِ بِذَلِكَ ﴿قَبْلَ﴾ تَفْتِيشِ ﴿وِعاءِ أخِيهِ﴾ بِنْيامِينَ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ.

رُوِيَ أنَّهُ لَمّا بَلَغَتِ النَّوْبَةُ إلى وِعائِهِ قالَ: ما أظُنُّ هَذا أخَذَ شَيْئًا فَقالُوا: واللَّهِ لا تَتْرُكْهُ حَتّى تَنْظُرَ في رَحْلِهِ فَإنَّهُ أطْيَبُ لِنَفْسِكَ وأنْفُسِنا فَفَعَلَ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها أيِ السِّقايَةَ أوِ الصُّواعَ لِأنَّهُ كَما عَلِمْتَ مِمّا يُؤَنَّثُ ويَذَكَّرُ عِنْدَ الحِفاظِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلسَّرِقَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الكَلامِ أيْ ثُمَّ اسْتَخْرَجَ السَّرِقَةَ مِن وِعاءِ أخِيهِ لَمْ يَقُلْ مِنهُ عَلى رَجْعِ الضَّمِيرِ إلى الوِعاءِ أوْ مِن وِعائِهِ عَلى رَجْعِهِ إلى أخِيهِ قَصْدًا إلى زِيادَةِ كَشْفٍ وبَيانٍ والوِعاءُ الظَّرْفُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ الشَّيْءُ وكَأنَّ المُرادَ بِهِ هُنا ما يَشْمَلُ الرَّحْلَ وغَيْرَهُ لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِمَقامِ التَّفْتِيشِ ولِذا لَمْ يُعَبَّرْ بِالرِّحالِ عَلى ما قِيلَ وعَلَيْهِ يَكُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ فَتَّشَ كُلَّ ما يُمْكِنُ أنْ يُحْفَظَ الصُّواعُ فِيهِ مِمّا كانَ مَعَهم

صفحة 29

مِن رَحْلٍ وغَيْرِهِ.

وقَوْلُهم: مُقابَلَةُ الجَمْعِ بِالجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسامَ الآحادِ عَلى الآحادِ كَما قالَ المُدَقِّقَ أبُو القاسِمِ السَّمَرْقَنْدِيُّ لا يَقْتَضِي أنْ يَلْزَمَ في كُلِّ مُقابَلَةٍ مُقارَنَةُ الواحِدِ لِلْواحِدِ لِأنَّ انْقِسامَ الآحادِ عَلى الآحادِ كَما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى السَّواءِ كَما في رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى التَّفاوُتِ كَما في باعَ القَوْمُ دَوابَّهم فَإنَّهُ يُفْهَمُ مَعَهُ أنَّ كُلًّا مِنهم باعَ ما لَهُ مِن دابَّةٍ وقَدْ مَرَّ التَّنْبِيهُ عَلى هَذا فِيما سَبَقَ وحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مِن وِعاءِ أخِيهِ الواحِدُ والمُتَعَدِّدُ.

وقَرَأ الحَسَنُ ( وُعاءِ ) بِضَمِّ الواوِ وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ نافِعٍ وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ ( إعاءِ ) بِإبْدالِ الواوِ المَكْسُورَةِ هَمْزَةً كَما قالُوا في وِشاحٍ إشاحٌ وفي وِسادَةٍ إسادَةٌ وقَلْبُ الواوِ المَكْسُورَةِ في أوَّلِ الكَلِمَةِ هَمْزَةً مُطَّرِدٌ في لُغَةِ هُذَيْلٍ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الكَيْدِ العَجِيبِ وهو إرْشادُ الإخْوَةِ إلى الإفْتاءِ المَذْكُورِ بِإجْرائِهِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ وحَمْلِهِمْ عَلَيْهِ بِواسِطَةِ المُسْتَفْتِينَ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴿كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ أيْ صَنَعْنا ودَبَّرْنا لِأجْلِ تَحْصِيلِ غَرَضِهِ مِنَ المُقَدِّماتِ الَّتِي رَتَّبَها مِن دَسِّ السِّقايَةِ وما يَتْلُوهُ فالكَيْدُ مَجازٌ لُغَوِيٌّ في ذَلِكَ وإلّا فَحَقِيقَتُهُ وهي أنْ تُوهِمَ غَيْرَكَ خِلافَ ما تُخْفِيهِ وتُرِيدُهُ عَلى ما قالُوا مُحالٌ عَلَيْهِ تَعالى وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى التَّمْثِيلِ وقِيلَ: إنَّ في الكَيْدِ إسْنادَيْنِ بِالفَحْوى إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبِالتَّصْرِيحِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ والأوَّلُ حَقِيقِيٌّ والثّانِي مَجازِيٌّ والمَعْنى …

77

۞ قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌۭ لَّهُۥ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ

They said, "If he steals - a brother of his has stolen before." But Joseph kept it within himself and did not reveal it to them. He said, "You are worse in position, and Allah is most knowing of what you describe."

﴿قالُوا﴾ أيِ الإخْوَةُ ﴿إنْ يَسْرِقْ﴾ يَعْنُونَ بِنْيامِينَ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ يُرِيدُونَ بِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما جَرى عَلَيْهِ مِن جِهَةِ عَمَّتِهِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ أوَّلُ ما دَخَلَ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ البَلاءِ فِيما بَلَغَنِي أنَّ عَمَّتَهُ كانَتْ تَحْضُنُهُ وكانَتْ أكْبَرَ ولَدِ إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَتْ إلَيْها مِنطَقَةُ أبِيها وكانُوا يَتَوارَثُونَها

صفحة 32

بِالكِبَرِ فَكانَتْ لا تُحِبُّ أحَدًا كَحُبِّها إيّاهُ حَتّى إذا تَرَعْرَعَ وقَعَتْ نَفْسُ يَعْقُوبَ إلَيْهِ فَأتاها فَقالَ: يا أُخْتاهُ سَلِّمِي إلَيَّ يُوسُفَ فَواللَّهِ ما أقْدِرُ عَلى أنْ يَغِيبَ عَنِّي ساعَةً فَقالَتْ واللَّهِ ما أنا بِتارِكَتِهِ فَدَعْهُ عِنْدِي أيّامًا أنْظُرْ إلَيْهِ لَعَلَّ ذَلِكَ يُسَلِّينِي فَلَمّا خَرَجَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عِنْدِها عَمَدَتْ إلى تِلْكَ المِنطَقَةِ فَحَزَمَتْها عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَحْتِ ثِيابِهِ ثُمَّ قالَتْ: فَقَدْتُ مِنطَقَةَ أبِي إسْحاقَ فانْظُرُوا مَن أخَذَها فالتَمَسَتْ ثُمَّ قالَتِ: اكْشِفُوا أهْلَ البَيْتِ فَكَشَفُوهم فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَتْ: واللَّهِ إنَّهُ لَسَلْمٌ لِي أصْنَعُ فِيهِ ما شِئْتُ فَأتاها يَعْقُوبُ فَأخْبَرَتْهُ الخَبَرَ فَقالَ لَها: أنْتَ وذاكَ إنْ كانَ فَعَلَ فَأمْسَكَتْهُ فَما قَدَرَ عَلَيْهِ حَتّى ماتَتْ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «سَرَقَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَنَمًا لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ عَلى الطَّرِيقِ فَعَيَّرَهُ إخْوَتُهُ بِذَلِكَ» وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ غُلامًا صَغِيرًا مَعَ أُمِّهِ عِنْدَ خالٍ لَهُ وهو يَلْعَبُ مَعَ النُّعْمانِ فَدَخَلَ كَنِيسَةً لَهم فَوَجَدَ تِمْثالًا صَغِيرًا مِن ذَهَبٍ فَأخَذَهُ وذَلِكَ الَّذِي عَنَوْهُ بِسَرِقَتِهِ وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ سائِلًا جاءَهُ يَوْمًا فَأخَذَ بَيْضَةً فَناوَلَها إيّاهُ: وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أخَذَ دَجاجَةً فَأعْطاها السّائِلَ وقالَ وهْبٌ: كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُخَبِّئُ الطَّعامَ مِنَ المائِدَةِ لِلْفُقَراءِ وقِيلَ وقِيلَ وعَنِ ابْنِ المُنِيرِ أنَّ ذَلِكَ تَصَلُّفٌ لا يَسُوغُ نِسْبَةُ مِثْلِهِ إلى بَيْتِ النُّبُوَّةِ بَلْ ولا إلى أحَدٍ مِنَ الأشْرافِ فالواجِبُ تَرْكُهُ وإلَيْهِ ذَهَبَمَكِّيٌّ وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ مِثْلُهُ مِن بَنِي آدَمَ وذَكَرَ لَهُ نَظائِرَ في الحَدِيثِ قِيلَ: وهو كَلامٌ حَقِيقٌ بِالقَبُولِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في عَدِّ كُلِّ ما قِيلَ في بَيانِ المُرادِ مِن سَرِقَةِ الأخِ تَصَلُّفًا فَإنَّ فِيهِ ما لا بَأْسَ في نِسْبَتِهِ إلى بَيْتِ النُّبُوَّةِ وإنِ ادَّعى أنَّ دَعْوى نِسْبَتِهِمُ السَّرِقَةَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا لا يَلِيقُ نِسْبَةُ مِثْلِهِ إلَيْهِمْ لِأنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ إذْ لا سَرِقَةَ في الحَقِيقَةِ وهم أهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ الَّذِينَ لا يَكْذِبُونَ جاءَ حَدِيثُ أكْلِهِ الذِّئْبُ وهم غَيْرُ مَعْصُومِينَ أوَّلًا وآخِرًا وما قالَهُ البَعْضُ وقِيلَ: إنَّهُ كَلامٌ حَقِيقٌ بِالقَبُولِ مِمّا يَأْباهُ ما بَعْدُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ ذَوْقٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ في نَفْسِهِ بَعِيدٌ ذَوْقًا وأتَوْا بِكَلِمَةِ ﴿إنْ﴾ لِعَدَمِ جَزْمِهِمْ بِسَرِقَتِهِ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِ السِّقايَةِ مِن رَحْلِهِ …

78

قَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبًۭا شَيْخًۭا كَبِيرًۭا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ

They said, "O 'Azeez, indeed he has a father [who is] an old man, so take one of us in place of him. Indeed, we see you as a doer of good."

﴿قالُوا﴾ عِنْدَما شاهَدُوا مَخايِلَ أخْذِ بِنْيامِينَ مُسْتَعْطِفِينَ ﴿يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ طاعِنًا في السِّنِّ لا يَكادُ يَسْتَطِيعُ فِراقَهُ وهو عُلالَةٌ بِهِ يَتَعَلَّلُ عَنْ شَقِيقِهِ الهالِكِ وقِيلَ: أرادُوا مُسِنًّا كَبِيرًا في القَدْرِ والوَصْفُ عَلى القَوْلَيْنِ مَحَطُّ الفائِدَةِ وإلّا فالإخْبارُ بِأنَّ لَهُ أبًا مَعْلُومٌ مِمّا سَبَقَ ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ بَدَلَهُ فَلَسْنا عِنْدَهُ بِمَنزِلَتِهِ مِنَ المَحَبَّةِ والشَّفَقَةِ ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ . (78) . إلَيْنا فَأتِمَّ إحْسانَكَ فَما الإنْعامُ إلّا بِالإتْمامِ أوْ مِن

صفحة 34

عادَتِكَ الإحْسانُ مُطْلَقًا فاجْرِ عَلى عادَتِكَ ولا تَغَيِّرْها مَعَنا فَنَحْنُ أحَقُّ النّاسِ بِذَلِكَ فالإحْسانُ عَلى الأوَّلِ خاصٌّ وعَلى الثّانِي عامٌّ والجُمْلَةُ عَلى الوَجْهَيْنِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ وذَهَبَ بَعْضٌ آخَرُ إلى أنَّهُ إذا أُرِيدَ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ تَكُونُ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما قَبْلُ إذْ أخْذُ البَدَلِ الإحْسانُ إلَيْهِمْ وإذا أُرِيدَ أنَّ عُمُومَ ذَلِكَ مِن دَأْبِكَ وعادَتِكَ تَكُونُ مُؤَكِّدَةً لِما قَبْلُ وذِكْرُ أمْرٍ عامٍّ عَلى سَبِيلِ التَّذْيِيلِ أنْسَبُ بِذَلِكَ.

79

قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذًۭا لَّظَٰلِمُونَ

He said, "[I seek] the refuge of Allah [to prevent] that we take except him with whom we found our possession. Indeed, we would then be unjust."

﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ﴾ أيْ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مُعاذًا مِن أنْ نَأْخُذَ فَحُذِفَ الفِعْلُ وأُقِيمَ المَصْدَرُ مَقامَهُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ بِهِ وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ كَما في أمْثالِهِ ﴿إلا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ لِأنَّ أخْذَنا لَهُ إنَّما هو بِقَضِيَّةِ فَتْواكم فَلَيْسَ لَنا الإخْلالُ بِمُوجِبِها ﴿إنّا إذًا﴾ أيْ إذا أخَذْنا غَيْرَ مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ ولَوْ بِرِضاهُ ﴿لَظالِمُونَ﴾ . (79) . في مَذْهَبِكم وشَرْعِكم وما لَنا ذَلِكَ وإيثارُ صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ مِن جِهَةِ إخْوَتِهِ عَلى التَّوْحِيدِ مِن بابِ السُّلُوكِ إلى سُنَنِ المُلُوكِ ولِلْإشْعارِ بِأنَّ الأخْذَ والإعْطاءَ لَيْسَ مِمّا يَسْتَبِدُّ بِهِ بَلْ هو مَنُوطٌ بِآراءِ أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ وإيثارُ ﴿مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ عَلى مَن سَرَقَ مَتاعَنا الأخْصَرُ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِما وقَعَ في الِاسْتِفْتاءِ والفَتْوى أوْ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ والِاحْتِرازُ عَنِ الكَذِبِ في الكَلامِ مَعَ تَمامِ المَرامِ فَإنَّهم لا يَحْمِلُونَ وُجْدانَ الصُّواعِ عِنْدَهُ عَلى مَحْمَلِ غَيْرِ السَّرِقَةِ والمَتاعُ اسْمٌ لِما يُنْتَفَعُ بِهِ وأُرِيدَ بِهِ الصُّواعُ وما ألْطَفَ اسْتِعْمالَهُ مَعَ الأخْذِ المُرادِ بِهِ الِاسْتِرْقاقُ والِاسْتِخْدامُ وكَأنَّهُ لِهَذا أُوثِرَ عَلى الصُّواعِ والظّاهِرُ أنَّ الأخْذَ في كَلامِهِمْ مَحْمُولٌ عَلى هَذا المَعْنى أيْضًا حَقِيقَةٌ.

وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَجازًا لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَجُوزُ اسْتِرْقاقُ حُرٍّ غَيْرِ سارِقٍ بَدَلٌ مِن قَدْ أحْكَمَتِ السُّنَّةُ رِقَّهُ فَقَوْلُهم ذَلِكَ كَما تَقُولُ لِمَن تَكْرَهُ فِعْلَهُ: اقْتُلْنِي ولا تَفْعَلْ كَذا وأنْتَ لا تُرِيدُ أنْ يَقْتُلَكَ ولَكِنَّكَ تُبالِغُ في اسْتِنْزالِهِ ثُمَّ قالَ: وعَلى هَذا يَتَّجِهُ قَوْلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ لِأنَّهُ تَعُوُّذٌ مِن غَيْرِ جائِزٍ ويُحْتَمَلُ أنْ لا يُرِيدُوا هَذا المَعْنى وبَعِيدٌ عَلَيْهِمْ وهم أنْبِياءُ أنْ يُرِيدُوا اسْتِرْقاقَ حُرٍّ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ الحَمالَةَ أيْ خُذْ أحَدَنا وأبْقِهِ عِنْدَكَ حَتّى يَنْصَرِفَ إلَيْكَ صاحِبُكَ ومَقْصِدُهم بِذَلِكَ أنْ يَصِلَ بِنْيامِينُ إلى أبِيهِ فَيَعْرِفُهُ جَلِيَّةُ الحالِ. اهَـ. وهو كَلامٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ أصْلًا كَما لا يَخْفى ولِجَوابِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعْنًى باطِنٌ هو أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إنَّما أمَرَنِي بِالوَحْيِ أنْ آخُذَ بِنْيامِينَ لِمَصالِحَ عَلِمَها سُبْحانَهُ في ذَلِكَ فَلَوْ أخَذْتُ غَيْرَهُ كُنْتُ ظالِمًا لِنَفْسِي وعامِلًا بِخِلافِ الوَحْيِ

80

فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّۭا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ

So when they had despaired of him, they secluded themselves in private consultation. The eldest of them said, "Do you not know that your father has taken upon you an oath by Allah and [that] before you failed in [your duty to] Joseph? So I will never leave [this] land until my father permits me or Allah decides for me, and He is the best of judges.

﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ أيْ يَئِسُوا مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإجابَتُهُ لَهم وإلى مُرادِهِمْ فاسْتَفْعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ نَحْوَ سَخِرَ واسْتَسْخَرَ وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ عَلى ما في البَحْرِ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ السِّينَ والتّاءَ زائِدَتانِ لِلْمُبالَغَةِ أيْ يَئِسُوا يَأْسًا كامِلًا لِأنَّ المَطْلُوبَ المَرْغُوبَ مُبالَغٌ في تَحْصِيلِهِ ولَعَلَّ حُصُولَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ مِنَ اليَأْسِ لَهم لِما شاهَدُوهُ مِن عَوْذِهِ بِاللَّهِ تَعالى مِمّا طَلَبُوهُ الدّالِّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ عِنْدَهُ في أقْصى مَراتِبِ الكَراهَةِ وأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُحْتَرَزَ عَنْهُ ويُعاذَ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ ومِن تَسْمِيَتِهِ ذَلِكَ ظُلْمًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ .

وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم لَمّا رَأوْا خُرُوجَ الصُّواعِ مِن رَحْلِهِ وكانُوا قَدْ أفْتَوْا بِما أفْتَوْا تَذَكَّرُوا عَهْدَهم مَعَ أبِيهِمُ اسْتَشاطَ مِن بَيْنِهِمْ رُوبِيلُ غَضَبًا وكانَ لا يَقُومُ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ ووَقَفَ شَعْرُهُ حَتّى خَرَجَ مِن ثِيابِهِ فَقالَ: أيُّها المَلِكُ لَتَتْرُكَنَّ أخانا أوْ لَأصِيحَنَّ صَيْحَةً لا يَبْقِينَ بِها في مِصْرَ حامِلٌ إلّا وضَعَتْ فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِوَلَدٍ لَهُ صَغِيرٍ: قُمْ إلى هَذا فَمِسَّهُ أوْ خُذْ بِيَدِهِ وكانَ إذا مَسَّهُ مِن ولَدِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَسْكُنُ غَضَبُهُ فَلَمّا

صفحة 35

فَعَلَ الوَلَدُ سَكَنَ غَضَبُهُ فَقالَ لِإخْوَتِهِ: مَن مَسَّنِي مِنكم فَقالُوا: ما مَسَّكَ أحَدٌ مِنّا فَقالَ: لَقَدْ مَسَّنِي ولَدٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ قالَ لِإخْوَتِهِ كَمْ عَدَدُ الأسْواقِ بِمِصْرَ قالُوا: عَشْرَةٌ قالَ: اكْفُونِي أنْتُمُ الأسْواقَ وأنا أكْفِيكُمُ المَلِكَ أوِ اكْفُونِي أنْتُمُ المَلِكَ أوِ وأنا أكْفِيكُمُ الأسْواقَ فَلَمّا أحَسَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ قامَ إلَيْهِ وأخَذَ بِتَلابِيبِهِ وصَرَعَهُ وقالَ: أنْتُمْ يا مَعْشَرَ العِبْرانِيِّينَ تَزْعُمُونَ أنْ لا أحَدَ أشَدَّ مِنكم قُوَّةً فَعِنْدَ ذَلِكَ خَضَعُوا وقالُوا: ﴿يا أيُّها العَزِيزُ﴾ .. إلَخْ ويُمْكِنُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ حُصُولُ اليَأْسِ الكامِلِ لَهم مِن مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ.

وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ضَمِيرِ ﴿مِنهُ﴾ لِبِنْيامِينَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهم لَمْ يَيْأسُوا مِنهُ بِدَلِيلِ تَخَلُّفِ كَبِيرِهِمْ لِأجْلِهِ ورَوى أبُو رَبِيعَةَ عَنِ البَزِّيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ ( اسْتَآيَسُوا ) مِن أيِسَ مَقْلُوبِ يَئِسَ ودَلِيلُ القَلْبِ عَلى ما في البَحْرِ عَدَمُ انْقِلابِ ياءِ أيِسَ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها وحاصِلُ المَعْنى لَمّا انْقَطَعَ طَمَعُهم بِالكُلِّيَّةِ ﴿خَلَصُوا﴾ انْفَرَدُوا عَنْ غَيْرِهِمْ واعْتَزَلُوا النّاسَ.

وقَوْلُ الزَّجّاجِ: انْفَرَدَ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ فِيهِ نَظَرٌ ﴿نَجِيًّا﴾ أيْ مُتَناجِينَ مُتَشاوِرِينَ فِيما يَقُولُونَ لِأبِيهِمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنَّما وحَّدَهُ وكانَ الظّاهِرُ جَمْعَهُ لِأنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِحَسَبِ الأصْلِ كالتَّناجِي أُطْلِقَ عَلى المُتَناجِينَ مُبالَغَةً أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِالمُشْتَقِّ والمَصْدَرِ ولَوْ بِحَسَبِ الأصْلِ يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ أوْ لِكَوْنِهِ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ لِأنَّ فَعِيلًا مِن أبْنِيَةِ المَصادِرِ هو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ كَجَلِيسٍ بِمَعْنى مُجالِسٍ وكَعَشِيرٍ بِمَعْنى مُعاشِرٍ أيْ مُناجٍ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَكُونُونَ مُتَناجِينَ وجَمْعُهُ أنْجِيَةٌ قالَ لَبِيَدٌ:

وشَهِدَتْ أنْجِيَةُ الخِلافَةِ عالِيًا كَعْبَيْ وأرْدافَ المُلُوكِ شُهُودُ

وأنْشَدَ …

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.