Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji

Ayahs 71–80 of 111

71

قَالُوا۟ وَأَقْبَلُوا۟ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ

They said while approaching them, "What is it you are missing?"

(قالوا) أي إخوة يوسف عليه السلام (وأقبلوا عليهم) أي حال كونهم مقبلين على من نادى منهم المنادي من أصحاب الملك، أي التفتوا إليهم وخاطبوهم بقوله (ماذا تفقدون) أي ما الذي فقدتموه، والفقد غيبة الشيء عن الحس بحيث لا يعرف مكانه، يقال فقدت الشيء إذا عدمته بضياع أو نحوه، فكأنهم قالوا ماذا ضاع عليكم وما استفهامية وصيغة المستقبل لاستحضار الصورة.

72

قَالُوا۟ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍۢ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٌۭ

They said, "We are missing the measure of the king. And for he who produces it is [the reward of] a camel's load, and I am responsible for it."

(قالوا) في جوابهم (نفقد صواع الملك) وقرئ بالغين المعجمة وقرئ صوع وصياع وصاع، وقال الزجاج: الصواع الصاع بعينه وهو يذكر ويؤنث وهو السقاية، قال ابن عباس: كل شيء شربت منه فهو صواع وقيل الصواع الذي يكال به وجمعه أصوع والصواع لغة فيه وجمعه صيعان وفيه قراءات كثيرة وهي ثمانية كلها لغات في هذا الحرف، والمراد هنا آلة الكيل سماها تارة كذا وتارة كذا وإنما اتخذ هذا الإناء مكيالاً لعزة ما يكال به في ذلك الوقت.

(ولمن جاء به حمل بعير) من الطعام جعلاً له لا على نية تحقيق الوعد لجزمهم بامتناع (وجود) الشرط وعزمهم على ما لا يخفى من أخذ من وجد في رحله، وهذا قول المؤذن وحده فهو الذي كفر وضمن والبعير الجمل، وفي لغة بعض العرب أنه الحمار؛ والمراد بالحمل هاهنا ما يحمله البعير من الطعام.

ثم قال المنادي (وأنا به) أىِ بحمل البعير الذي جعل لمن جاء بالصواع قبل التفتيش للأوعية (زعيم) كفيل، قاله ابن عباس أي بلسان أهل اليمن.

وعن سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك مثله، ولعل القائل بفقد صواع الملك هو المنادي، وإنما نسب القول إلى الجماعة لكونه واحداً منهم، ثم رجع الكلام إلى نسبة القول إلى المنادي وحده لأنه القائل بالحقيقة وهذه الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم في ذلك الزمان.

73

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ

They said, "By Allah, you have certainly known that we did not come to cause corruption in the land, and we have not been thieves."

(قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض) التاء بدل من واو القسم عند الجمهور، وقيل من الباء وقيل أضل بنفسها وأياً ما كان ففيه التعجب، ولا تدخل إلا على هذا الاسم الشريف دون سائر أسمائه سبحانه وقد دخل نادراً على الرب وعلى الرحمن، والكلام على هذا مستوفى في علم الإعراب.

وجعلوا المقسم عليه هو علم يوسف وأصحابه بنزاهة جانبهم وطهارة ذيلهم عن التلوث بقذر الفساد في الأرض الذي من أعظم أنواعه السرقة لأنهم قد شاهدوا منهم في قدومهم عليه المرة الأولى وهذه المرة من التعفف والزهد عما هو دون السرقة بمراحل ما يستفاد منه العلم الجازم بأنهم ليسوا ممن يتجارى على هذا النوع العظيم من أنواع الفساد، ولو لم يكن من ذلك إلا ردهم لبضاعتهم التي وجدوها في رحالهم لكفى، والمراد بالأرض هنا أرض مصر.

ثم أكدوا هذه الجملة التي اقسموا بالله عليها بقولهم: (وما كنا سارقين) لزيادة التبري مما قذفوهم به والتنزه عن هذه النقيصة الخسيسة الرذيلة الشنعاء.

74

قَالُوا۟ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمْ كَٰذِبِينَ

The accusers said, "Then what would be its recompense if you should be liars?"

(قالوا فما جزاؤه) هذه جملة مستأنفة كما تقدم غير مرة في نظائرها، والقائلون هم أصحاب يوسف عليه السلام أو المنادي منهم وحده كما مر، والضمير في جزاؤه للصواع على حذف مضاف أي فما جزاء سرقة الصواع عندكم أو الضمير للسارق.

(إن كنتم كاذبين) فيما تدعونه لأنفسكم من البراءة عن السرقة؛ وذلك بأن يوجد الصواع معكم.

فأجاب إخوة يوسف عليه السلام

75

قَالُوا۟ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّٰلِمِينَ

[The brothers] said, "Its recompense is that he in whose bag it is found - he [himself] will be its recompense. Thus do we recompense the wrongdoers."

(قالوا جزاؤء) أي جزاء سرقة الصواع أو جزاء سارق الصواع والتقدير جزاء السرقة للصواع أخذ (من وجد في رحله) واسترقاقه، وتكون جملة (فهو جزاؤه) لتأكيد الجملة الأولى وتقريرها.

قال الزجاج: هو زيادة في البيان أي جزاؤه أخذ السارق فهو جزاؤه لا غير.

قال المفسرون: وكان حكم السارق في آل يعقوب أن يسترقّ سنة ثم يخلى سبيله فلذلك استفتوهم في جزائه.

(كذلك) أي مثل ذلك الجزاء الكامل (نجزي الظالمين) لغيرهم من الناس بسرقة أمتعتهم، وهذه الجملة مؤكدة لما قبلها إذا كانت من كلام إخوة يوسف عليه السلام، ويجوز أن تكون من كلام أصحاب يوسف أي كذلك نحن نجزي الظالمين بالسرق.

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77) قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (79)

ثم لما ذكروا جزاء السارق أرادوا أن يفتشوا أمتعتهم حتى يتبين الأمر فأقبل يوسف عليه السلام على ذلك

76

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌۭ

So he began [the search] with their bags before the bag of his brother; then he extracted it from the bag of his brother. Thus did We plan for Joseph. He could not have taken his brother within the religion of the king except that Allah willed. We raise in degrees whom We will, but over every possessor of knowledge is one [more] knowing.

(فبدأ بأوعيتهم) يعني بتفتيش أوعية إخوته العشرة وقيل أن المنادي وأصحابه هم الذين تولوا تفتيشهم وهم الذين استخرجوا الصواع من رحل بنيامين (قبل) تفتيش (وعاء أخيه) بنيامين دفعاً للتهمة ورفعاً لما دبره من الحيلة.

(ثم استخرجها) أي السقاية أو الصواع لأنه يذكر ويؤنث (من وعاء أخيه) فنكس إخوة يوسف عليه السلام رؤوسهم من الحياء ولاموا بنيامين فأخذوه وردوه إلى يوسف عليه السلام.

(كذلك) أي مثل ذلك الكيد العجيب (كدناه) أي دبرنا قاله القتيبي أو أردنا قاله ابن الأنباري (ليوسف) يعني علمناه إياه وأوحينا إليه واللام زائدة وإليه نحا السيوطي.

وفي أبي السعود: ما يقتضي أن اللام للتعليل أي صنعنا له ودبرنا لأجل تحصيل غرضه من المقدمات التي رتبها من دس الصواع وما يتلوه والكيد مبدؤه السعي في الحيلة والخديعة ونهايته إلقاء المخدوع من حيث لا يشعر في أمر مكروه لا سبيل إلى دفعه، وهو محمول في حق الله سبحانه على النهاية لا على البداية.

وقال ابن الأعرابي: الكيد التدبير بالباطل وبالحق، وقيل الكيد هنا جزاء الكيد يعني كما فعلوا بيوسف عليه السلام في الابتداء فعلنا بهم وقيل غير ذلك والأول أولى، وفي الآية دليل على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعاً ثابتاً.

(ما كان) يوسف عليه السلام (ليأخذ أخاه) بنيامين (في دين الملك) أي ملك مصر وفي شريعته التي كان عليها بل كان دينه وقضاؤه أن يضرب السارق ويغرم ضعف ما سرقه دون الاستعباد سنة كما هو دين يعقوب وشريعته؛ وحاصله أن يوسف ما كان يتمكن من إجراء حكم يعقوب على أخيه مع كونه مخالفاً لدين الملك وشريعته لولا ما كاد الله له ودبره وأراده حتى وجد السبيل إليه، وهو ما أجراه على ألسن إخوته من قولهم أن جزاء السارق الاسترقاق، فكان قولهم هذا هو بمشيئة الله وتدبيره.

وهذه الجملة تعليل لما صنعه الله من الكيد ليوسف عليه السلام أو تفسير له يعني أن ذلك الأمر كله كان إلهاماً من أمر الله ليوسف عليه السلام وإخوته حتى جرى الأمر على وفق المراد وهو معنى قوله (إلا أن يشاء الله) أي إلا حال مشيئته وإذنه بذلك وإرادته له والاستثناء منقطع، إذ الأخذ بدين الملك لا يشمل المراد به، فالمعنى ولكن أخذه بشريعة يعقوب.

(نرفع درجات من نشاء) بضروب العلوم والمعارف والعطايا والكرامات كما رفعنا درجة يوسف عليه السلام بذلك؛ والآية على أن العلم أشرف المقامات وأعلى الدرجات لأن الله تعالى مدح يوسف عليه السلام ورفع درجته على أخوته بالعلم، وقرئ درجات بالإضافة والتنوين وهما سبعيتان.

(وفوق كل ذي علم) ممن رفعه الله بالعلم من المخلوقين (عليم) أرفع رتبة منه وأعلى درجة لا يبلغون مداه ولا يرتقون شأوه، وقيل معنى ذلك أن فوق كل أهل العلم عليم إلى أن ينتهي العلم إلى الله وهو سبحانه فوق كل عالم.

عن سعيد بن جبير قال: كنا عند ابن عباس فحدث بحديث؛ فقال رجل عنده وفوق كل ذي علم عليم، فقال ابن عباس: بئس ما قلت؛ الله العليم الخبير وهو فوق كل عالم.

وعن محمد بن كعب: سأل رجل علياً كرم الله وجهه عن مسئلة فقال فيها، فقال الرجل: ليس هكذا ولكن كذا وكذا، فقال عليّ: أصبت واخطأت وفوق كل ذي علم عليم.

وعن عكرمة قال: علم الله فوق كل عالم، قال ابن الأنباري: يجب أن يتهم العالم نفسه ويستشعر التواضع لمواهب ربه ولا يطمع نفسه بالغلبة لأنه لا يخلو عالم عن عالم فوقه، وفي الآية دليل على أن إخوة يوسف عليه السلام كانوا علماء. وكان يوسف عليه السلام أعلم منهم.

77

۞ قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌۭ لَّهُۥ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ

They said, "If he steals - a brother of his has stolen before." But Joseph kept it within himself and did not reveal it to them. He said, "You are worse in position, and Allah is most knowing of what you describe."

(قالوا إن يسرق) أي بنيامين الصواع (فقد سرق أخ له من قبل) يعنون يوسف عليه السلام وكان غرضهم من هذا الكلام إنا لسنا على طريقته ولا على سيرته، بل هذا وأخوه كانا على هذه الطريقة لأنهما من أم أخرى غير أمنا، وقال الخفاجي: أتوا بكلمة إن لعدم تحققهم له بمجرد خروج السقاية من رحله، وأما قولهم إن ابنك سرق فبناء على الظاهر، ويسرق لحكاية الحال الماضية.

والمعنى إن كان سرق فليس ببدع لسبق مثله من أخيه، والعرق نزاع، وقيل أنهم جزموا بذلك وإن لمجرد الشرط انتهى.

وقد اختلف المفسرون في هذه السرقة التي نسبوها إلى يوسف عليه السلام، ما هي فقيل أنه كان ليوسف عليه السلام عمة هي أكبر من يعقوب وكانت عندها منطقة إسحاق لكونها أسن أولاده وكانوا يتوارثونها فيأخذها الأكبر سناً من ذكر أو أنثى، وكانت قد حضنت يوسف عليه السلام وأحبته حباً شديداً، فلما ترعرع قال لها يعقوب سلمي يوسف إليّ فأشفقت من فراقه واحتالت في بقائه لديها فجعلت المنطقة تحت ثيابه وحزمته بها، ثم قالت قد سرقت منطقة إسحاق فانظروا من سرقها، فبحثوا عنها فوجدوها مع يوسف عليه السلام فأخذته عندها كما هو شرع الأنبياء في ذلك الوقت من آل إبراهيم. ذكره محمد بن إسحاق، وقد سبق بيان شريعتهم في السرقة.

وقيل أن يوسف أخذ صنماً كان لجده أبي أمه فكسره، وألقاه على الطريق تغييراً للمنكر فعيره بذلك إخوته، وقد روى معناه عن ابن عباس مرفوعاً. وعن سعيد بن جبير وقتادة مثله غير مرفوع، وقد روي نحوه عن جماعة من التابعين، وحكى عن الزجاج أنه كان صنماً من ذهب، وقيل من فضة، وقال عطية سرق في صباه ميلين من ذهب.

وعن ابن عباس سرق مكحلة لخالته، وقيل كان في النزل دجاجة فأعطاها لسائل، قاله سفيان بن عيينة، وقيل كان يخبأ الطعام من المائدة للفقراء. قال ابن الأنباري: وليس في هذه الأفعال كلها ما يوجب السرقة ولكنها تشبهها فعيروه بها عند الغضب.

وحكى الواحدي عن الزجاج قال: الله أعلم أسرق أخ له أم لا، وحكى القرطبي في تفسيره عنه أنه قال؛ كذبوا عليه فيما نسبوه إليه.

قلت وهذا أولى فما هذه الكذبة بأول كذباتهم، وقد قدمنا ما يدفع قول من قال أنهم قد كانوا أنبياء عند صدور هذه الأمور منهم، وفي البحر لابن المنير أن ما ذكر في تفسير السرقة تكلف لا يسوغ نسبة مثله إلى بيت النبوة ولا إلى أحد من الأشراف فالواجب تركه، وإليه ذهب مكي وفسره بعضهم بإن يسرق فقد سرق مثله من بني آدم، وذكر له نظائر في الحديث، قال الخفاجي وهو كلام حقيق بالقبول.

قال الزجاج وغيره الضمير في (فأسرَّها) يعود إلى الكلمة أو الجملة كأنه قيل فأسر الجملة (يوسف في نفسه ولم يبدها لهم) ثم فسرها بقوله (قال أنتم شر مكاناً) وقد رد أبو علي الفارسي هذا فقال: أن هذا النوع من الإضمار على شريطة التفسير غير مستعمل؛ وعلى هذا يكون في الكلام رجوع الضمير على متأخر لفظاً ورتبة. وفيه أيضاً إطلاق الكلمة على الكلام، والأول سائغ في مقام التفسير كما هنا. والثاني سائغ في اللغة.

وقيل الضمير عائد إلى الإجابة أي أسر يوسف عليه السلام إجابتهم في ذلك الوقت إلى وقت آخر. وقيل أسر في نفسه قولهم إن يسرق الخ. وهذا هو الأولى ويكون معنى ولم يبدها لهم أنه لم يبد لهم هذه المقالة التي أسرها في نفسه بإن يذكر لهم صحتها وبطلانها.

وجملة: قال أنتم شر مكاناً مفسرة على القول الأول ومستأنفة على القولين الأخيرين كأنه قيل فماذا قال يوسف عليه السلام لما قالوا هذه المقالة، أي أنتم شر موضعاً ومنزلاً ممن نسبتموه إلى السرقة ورميتموه بها وهو بريء فإنكم قد فعلتم ما فعلتم من إلقاء يوسف عليه السلام في الجب والكذب على أبيكم وغير ذلك من أفاعيلكم، ولم يكن من يوسف عليه السلام سرقة حقيقية.

ثم قال (والله أعلم بما تصفون) من الباطل بنسبة السرقة إلى يوسف عليه السلام وأنه لا حقيقة لذلك. ثم أرادوا أن يستعطفوه ليطلق لهم أخاه بنيامين ويكون معهم ويرجعون به إلى أبيهم لما …

78

قَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبًۭا شَيْخًۭا كَبِيرًۭا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ

They said, "O 'Azeez, indeed he has a father [who is] an old man, so take one of us in place of him. Indeed, we see you as a doer of good."

(قالوا يا أيها العزيز إن له) أي لبنيامين هذا (أباً) متصفاً بكونه (شيخاً كبيراً) في السن لا يستطيع فراقه ولا يصبر عنه ولا يقدر على الوصول إليه، وقيل كبيراً في القدر لأنه نبي من أولاد الأنبياء وفيه بعد ظاهر، والأول أولى (فخذ أحدنا مكانه) يبقى لديك فإن له منزلة في قلب أبيه ليست لواحد منا، فلا يتضرر بفراق أحدنا كما يتضرر بفراق بنيامين.

ثم عللوا ذلك بقولهم (إنا نراك من المحسنين) إلى الناس كافة، وإلينا خاصة فأتم إحسانك إلينا بإجابتنا إلى هذا المطلب، فأجاب عليهم يوسف و

79

قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذًۭا لَّظَٰلِمُونَ

He said, "[I seek] the refuge of Allah [to prevent] that we take except him with whom we found our possession. Indeed, we would then be unjust."

(قال معاذ الله) أي نعوذ بالله معاذاً فهو مصدر، والمستعيذ بالله هو المستعصم به (أن) أي من أن (نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده) وهو بنيامين لأنه الذي وجد الصواع في رحله فقد حل لنا استعباده بفتواكم التي أفتيتمونا بقولكم (جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه) ولم يقل " من سرق " تحرزاً عن الكذب لأنه يعلم أن أخاه ليس بسارق.

وفيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف شريعة ولا هدمت أصلاً، ولعل الله أمر يوسف عليه السلام بذلك تشديداً للمحنة على يعقوب، ونهاه عن العفو والصفح وأخذ البدل كما أمر صاحب موسى بقتل من لو بقي لطغى وكفر، قاله ابن عادل في اللباب في علوم الكتاب. وجزم صاحب الكشاف بأن هذه الواقعة كانت بوحي كما مر مراراً (إنا إذاً) أي إذا أخذنا غير من وجدنا متاعنا عنده (لظالمون) في دينكم وما تقتضيه فتواكم.

فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83)

80

فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّۭا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ

So when they had despaired of him, they secluded themselves in private consultation. The eldest of them said, "Do you not know that your father has taken upon you an oath by Allah and [that] before you failed in [your duty to] Joseph? So I will never leave [this] land until my father permits me or Allah decides for me, and He is the best of judges.

(فلما استيأسوا منه) أي يئسوا من يوسف وإجابته إياهم وإسعافهم منه إلى مطلبهم الذي طلبوه، والسين والتاء للمبالغة، قاله الزمخشري والبيضاوي. قال ابن إسحاق أي أيسوا منه ورأوا شدته في أمره.

قال أبو عبيدة: استيأسوا أي استيقنوا أن الأخ لا يرد عليهم، وقيل أيسوا من أخيهم أن يرد إليهم، والأول أولى.

(خلصوا نجياً) أي انفردوا عن الناس واعتزلوا مجلسه وانحازوا على حدة حال كونهم متناجين متحدثين فيما بينهم ليس فيهم غيرهم في التشاور في أمر هذه القضية وهو مصدر يقع على الواحد والجمع كقوله (وقربناه نجياً).

قال الزجاج: معناه انفردوا وليس معهم أخوهم متناجين فيما يعملون به في ذهابهم إلى أبيهم من غير أخيهم، وقال قتادة وحدهم.

(قال كبيرهم) قيل هو روبيل لأنه الأسن وهو الذي كان نهاهم عن قتله وكان أكبر القوم في الميلاد قاله قتادة، وقيل كبيرهم في العقل والعلم لا في السن وقيل يهوذا لأنه الأوفر عقلاً.

وقيل شمعون لأنه رئيسهم (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً) أي عهدا (من الله) في حفظ ابنه ورده إليه، ومعنى كونه من الله أنه بإذنه ذكره النحاس وغيره.

(ومن قبل ما فرطتم في يوسف) أي وألم تعلموا أن تفريطكم في أمر يوسف عليه السلام كائن من قبل تفريطكم في بنيامين أو من قبل أخذكم العهد في شأنه، على أن ما مصدرية، ويجوز أن تكون زائدة والأول أولى، والمعنى قصرتم في شأنه ولم تحفظوا عهد أبيكم فيه.

(فلن أبرح الأرض) يقال برح براحاً وبروحاً أي زال فإذا دخله النفي صار مثبتاً أي لن أبرح من أرض مصر بل ألزمها ولا أفارقها ولا أزال مقيماً فيها على أن أبرح هنا تامة (حتى يأذن لي أبي) في مفارقتها والخروج منها بالعود إليه وإنما قال ذلك لأنه يستحي من أبيه أن يأتي إليه بغير ولده الذي أخذ عليهم الميثاق بإرجاعه إليه إلا أن يحاط بهم كما تقدم.

(أو يحكم الله لي) بمفارقتها والخروج منها، وقيل المعنى أو يحكم الله لي بخلاص أخي من الأسر حتى يعود إلى أبي وأعود معه، وقيل المعنى أو يحكم الله لي بالنصر على من أخذ أخي فأجازيه وأخذ أخي منه أو أعجز فأنصرف بعد ذلك قال مجاهد: أقاتل بسيفي حتى أقتل، وعن أبي صالح نحوه (وهو خير الحاكمين) لأن أحكامه لا تجري إلا على ما يوافق الحق ويطابق الصواب ومراده بهذا الكلام الالتجاء إلى الله في إقامة عذره إلى والده يعقوب.

ثم قال كبيرهم مخاطباً لهم

Commentary: Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.