Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 71–80 of 111

71

قَالُوا۟ وَأَقْبَلُوا۟ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ

They said while approaching them, "What is it you are missing?"

.

لَمّا تَجَهَّزَ أوْلادُ يَعْقُوبَ لِلْمَسِيرِ إلى مِصْرَ خافَ عَلَيْهِمْ أبُوهم أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ لِكَوْنِهِمْ كانُوا ذَوِي جَمالٍ ظاهِرٍ وثِيابٍ حَسَنَةٍ مَعَ كَوْنِهِمْ أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ.

فَنَهاهم أنْ يَدْخُلُوا مُجْتَمِعِينَ مِن بابٍ واحِدٍ لِأنَّ في ذَلِكَ مَظِنَّةً لِإصابَةِ الأعْيُنِ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لِأنَّهم لَوْ دَخَلُوا مِن بابَيْنِ مَثَلًا كانُوا قَدِ امْتَثَلُوا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الدُّخُولِ مِن بابَيْنِ مَثَلًا نَوْعُ اجْتِماعٍ يُخْشى مَعَهُ أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ أمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قِيلَ وكانَتْ أبْوابُ مِصْرَ أرْبَعَةً.

وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي هاشِمٍ والبَلْخِيِّ أنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا، وقالا: لا يَمْتَنِعُ أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ كانَتِ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُعَلَّقًا بِهِ.

ولَيْسَ هَذا بِمُسْتَنْكَرٍ مِن هَذَيْنِ وأتْباعِهِما، فَقَدْ صارَ دَفْعُ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ دَأْبَهم ودَيْدَنَهم، وأيُّ مانِعٍ مِن إصابَةِ العَيْنِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ ؟ وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وأُصِيبَ بِها جَماعَةٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ، ومِنهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

وأعْجَبُ مِن إنْكارِ هَؤُلاءِ لِما ورَدَتْ بِهِ نُصُوصُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الإزْراءِ عَلى مَن يَعْمَلُ بِالدَّلِيلِ المُخالِفِ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ العَقْلِيِّ والتَّنَطُّعِ في العِباراتِ كالزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِنَ المُواطِنِ لا يَقِفُ عَلى دَفْعِ دَلِيلِ الشَّرْعِ بِالِاسْتِبْعادِ الَّذِي يَدَّعِيهِ عَلى العَقْلِ حَتّى يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الوَقاحَةَ في العِبارَةِ عَلى وجْهٍ يُوقِعُ المُقَصِّرِينَ في الأقْوالِ الباطِلَةِ والمَذاهِبِ الزّائِفَةِ.

وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُ هَؤُلاءِ مَدْفُوعٌ بِالأدِلَّةِ المُتَكاثِرَةِ وإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا، وبِما هو مُشاهَدٌ في الوُجُودِ، فَكَمْ مِن شَخْصٍ مِن هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ هَلَكَ بِهَذا السَّبَبِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن عُرِفَ بِالإصابَةِ بِالعَيْنِ، فَقالَ قَوْمٌ، يُمْنَعُ مِنَ الِاتِّصالِ بِالنّاسِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ بِحَبْسٍ أوْ غَيْرِهِ مِن لُزُومِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يُنْفى، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهُ يُقْتَلُ إلّا إذا كانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وتَتَوَقَّفُ إصابَتُهُ عَلى اخْتِيارِهِ وقَصْدِهِ ولَمْ يَنْزَجِزْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ إذا قَتَلَ كانَ لَهُ حُكْمُ القاتِلِ.

ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ لِأوْلادِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لا أدْفَعُ عَنْكم ضَرَرًا ولا أجْلِبُ إلَيْكم نَفْعًا بِتَدْبِيرِي هَذا، بَلْ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْكم فَهو واقِعٌ لا مَحالَةَ.

قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: لَوْ سِيقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ العَيْنَ تُهْلِكُهم مَعَ الِاجْتِماعِ لَكانَ تَفَرُّقُهم كاجْتِماعِهِمْ.

وقالَ آخَرُونَ: ما كانَ يُغْنِي عَنْهم يَعْقُوبُ شَيْئًا قَطُّ حَيْثُ أصابَهم ما أصابَهم - مَعَ تَفَرُّقِهِمْ - مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ …

72

قَالُوا۟ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍۢ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٌۭ

They said, "We are missing the measure of the king. And for he who produces it is [the reward of] a camel's load, and I am responsible for it."

.

لَمّا تَجَهَّزَ أوْلادُ يَعْقُوبَ لِلْمَسِيرِ إلى مِصْرَ خافَ عَلَيْهِمْ أبُوهم أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ لِكَوْنِهِمْ كانُوا ذَوِي جَمالٍ ظاهِرٍ وثِيابٍ حَسَنَةٍ مَعَ كَوْنِهِمْ أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ.

فَنَهاهم أنْ يَدْخُلُوا مُجْتَمِعِينَ مِن بابٍ واحِدٍ لِأنَّ في ذَلِكَ مَظِنَّةً لِإصابَةِ الأعْيُنِ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لِأنَّهم لَوْ دَخَلُوا مِن بابَيْنِ مَثَلًا كانُوا قَدِ امْتَثَلُوا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الدُّخُولِ مِن بابَيْنِ مَثَلًا نَوْعُ اجْتِماعٍ يُخْشى مَعَهُ أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ أمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قِيلَ وكانَتْ أبْوابُ مِصْرَ أرْبَعَةً.

وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي هاشِمٍ والبَلْخِيِّ أنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا، وقالا: لا يَمْتَنِعُ أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ كانَتِ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُعَلَّقًا بِهِ.

ولَيْسَ هَذا بِمُسْتَنْكَرٍ مِن هَذَيْنِ وأتْباعِهِما، فَقَدْ صارَ دَفْعُ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ دَأْبَهم ودَيْدَنَهم، وأيُّ مانِعٍ مِن إصابَةِ العَيْنِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ ؟ وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وأُصِيبَ بِها جَماعَةٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ، ومِنهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

وأعْجَبُ مِن إنْكارِ هَؤُلاءِ لِما ورَدَتْ بِهِ نُصُوصُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الإزْراءِ عَلى مَن يَعْمَلُ بِالدَّلِيلِ المُخالِفِ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ العَقْلِيِّ والتَّنَطُّعِ في العِباراتِ كالزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِنَ المُواطِنِ لا يَقِفُ عَلى دَفْعِ دَلِيلِ الشَّرْعِ بِالِاسْتِبْعادِ الَّذِي يَدَّعِيهِ عَلى العَقْلِ حَتّى يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الوَقاحَةَ في العِبارَةِ عَلى وجْهٍ يُوقِعُ المُقَصِّرِينَ في الأقْوالِ الباطِلَةِ والمَذاهِبِ الزّائِفَةِ.

وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُ هَؤُلاءِ مَدْفُوعٌ بِالأدِلَّةِ المُتَكاثِرَةِ وإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا، وبِما هو مُشاهَدٌ في الوُجُودِ، فَكَمْ مِن شَخْصٍ مِن هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ هَلَكَ بِهَذا السَّبَبِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن عُرِفَ بِالإصابَةِ بِالعَيْنِ، فَقالَ قَوْمٌ، يُمْنَعُ مِنَ الِاتِّصالِ بِالنّاسِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ بِحَبْسٍ أوْ غَيْرِهِ مِن لُزُومِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يُنْفى، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهُ يُقْتَلُ إلّا إذا كانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وتَتَوَقَّفُ إصابَتُهُ عَلى اخْتِيارِهِ وقَصْدِهِ ولَمْ يَنْزَجِزْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ إذا قَتَلَ كانَ لَهُ حُكْمُ القاتِلِ.

ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ لِأوْلادِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لا أدْفَعُ عَنْكم ضَرَرًا ولا أجْلِبُ إلَيْكم نَفْعًا بِتَدْبِيرِي هَذا، بَلْ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْكم فَهو واقِعٌ لا مَحالَةَ.

قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: لَوْ سِيقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ العَيْنَ تُهْلِكُهم مَعَ الِاجْتِماعِ لَكانَ تَفَرُّقُهم كاجْتِماعِهِمْ.

وقالَ آخَرُونَ: ما كانَ يُغْنِي عَنْهم يَعْقُوبُ شَيْئًا قَطُّ حَيْثُ أصابَهم ما أصابَهم - مَعَ تَفَرُّقِهِمْ - مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ …

73

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ

They said, "By Allah, you have certainly known that we did not come to cause corruption in the land, and we have not been thieves."

.

لَمّا تَجَهَّزَ أوْلادُ يَعْقُوبَ لِلْمَسِيرِ إلى مِصْرَ خافَ عَلَيْهِمْ أبُوهم أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ لِكَوْنِهِمْ كانُوا ذَوِي جَمالٍ ظاهِرٍ وثِيابٍ حَسَنَةٍ مَعَ كَوْنِهِمْ أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ.

فَنَهاهم أنْ يَدْخُلُوا مُجْتَمِعِينَ مِن بابٍ واحِدٍ لِأنَّ في ذَلِكَ مَظِنَّةً لِإصابَةِ الأعْيُنِ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لِأنَّهم لَوْ دَخَلُوا مِن بابَيْنِ مَثَلًا كانُوا قَدِ امْتَثَلُوا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الدُّخُولِ مِن بابَيْنِ مَثَلًا نَوْعُ اجْتِماعٍ يُخْشى مَعَهُ أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ أمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قِيلَ وكانَتْ أبْوابُ مِصْرَ أرْبَعَةً.

وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي هاشِمٍ والبَلْخِيِّ أنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا، وقالا: لا يَمْتَنِعُ أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ كانَتِ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُعَلَّقًا بِهِ.

ولَيْسَ هَذا بِمُسْتَنْكَرٍ مِن هَذَيْنِ وأتْباعِهِما، فَقَدْ صارَ دَفْعُ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ دَأْبَهم ودَيْدَنَهم، وأيُّ مانِعٍ مِن إصابَةِ العَيْنِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ ؟ وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وأُصِيبَ بِها جَماعَةٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ، ومِنهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

وأعْجَبُ مِن إنْكارِ هَؤُلاءِ لِما ورَدَتْ بِهِ نُصُوصُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الإزْراءِ عَلى مَن يَعْمَلُ بِالدَّلِيلِ المُخالِفِ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ العَقْلِيِّ والتَّنَطُّعِ في العِباراتِ كالزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِنَ المُواطِنِ لا يَقِفُ عَلى دَفْعِ دَلِيلِ الشَّرْعِ بِالِاسْتِبْعادِ الَّذِي يَدَّعِيهِ عَلى العَقْلِ حَتّى يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الوَقاحَةَ في العِبارَةِ عَلى وجْهٍ يُوقِعُ المُقَصِّرِينَ في الأقْوالِ الباطِلَةِ والمَذاهِبِ الزّائِفَةِ.

وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُ هَؤُلاءِ مَدْفُوعٌ بِالأدِلَّةِ المُتَكاثِرَةِ وإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا، وبِما هو مُشاهَدٌ في الوُجُودِ، فَكَمْ مِن شَخْصٍ مِن هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ هَلَكَ بِهَذا السَّبَبِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن عُرِفَ بِالإصابَةِ بِالعَيْنِ، فَقالَ قَوْمٌ، يُمْنَعُ مِنَ الِاتِّصالِ بِالنّاسِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ بِحَبْسٍ أوْ غَيْرِهِ مِن لُزُومِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يُنْفى، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهُ يُقْتَلُ إلّا إذا كانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وتَتَوَقَّفُ إصابَتُهُ عَلى اخْتِيارِهِ وقَصْدِهِ ولَمْ يَنْزَجِزْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ إذا قَتَلَ كانَ لَهُ حُكْمُ القاتِلِ.

ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ لِأوْلادِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لا أدْفَعُ عَنْكم ضَرَرًا ولا أجْلِبُ إلَيْكم نَفْعًا بِتَدْبِيرِي هَذا، بَلْ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْكم فَهو واقِعٌ لا مَحالَةَ.

قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: لَوْ سِيقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ العَيْنَ تُهْلِكُهم مَعَ الِاجْتِماعِ لَكانَ تَفَرُّقُهم كاجْتِماعِهِمْ.

وقالَ آخَرُونَ: ما كانَ يُغْنِي عَنْهم يَعْقُوبُ شَيْئًا قَطُّ حَيْثُ أصابَهم ما أصابَهم - مَعَ تَفَرُّقِهِمْ - مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ …

74

قَالُوا۟ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمْ كَٰذِبِينَ

The accusers said, "Then what would be its recompense if you should be liars?"

.

لَمّا تَجَهَّزَ أوْلادُ يَعْقُوبَ لِلْمَسِيرِ إلى مِصْرَ خافَ عَلَيْهِمْ أبُوهم أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ لِكَوْنِهِمْ كانُوا ذَوِي جَمالٍ ظاهِرٍ وثِيابٍ حَسَنَةٍ مَعَ كَوْنِهِمْ أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ.

فَنَهاهم أنْ يَدْخُلُوا مُجْتَمِعِينَ مِن بابٍ واحِدٍ لِأنَّ في ذَلِكَ مَظِنَّةً لِإصابَةِ الأعْيُنِ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لِأنَّهم لَوْ دَخَلُوا مِن بابَيْنِ مَثَلًا كانُوا قَدِ امْتَثَلُوا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الدُّخُولِ مِن بابَيْنِ مَثَلًا نَوْعُ اجْتِماعٍ يُخْشى مَعَهُ أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ أمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قِيلَ وكانَتْ أبْوابُ مِصْرَ أرْبَعَةً.

وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي هاشِمٍ والبَلْخِيِّ أنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا، وقالا: لا يَمْتَنِعُ أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ كانَتِ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُعَلَّقًا بِهِ.

ولَيْسَ هَذا بِمُسْتَنْكَرٍ مِن هَذَيْنِ وأتْباعِهِما، فَقَدْ صارَ دَفْعُ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ دَأْبَهم ودَيْدَنَهم، وأيُّ مانِعٍ مِن إصابَةِ العَيْنِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ ؟ وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وأُصِيبَ بِها جَماعَةٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ، ومِنهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

وأعْجَبُ مِن إنْكارِ هَؤُلاءِ لِما ورَدَتْ بِهِ نُصُوصُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الإزْراءِ عَلى مَن يَعْمَلُ بِالدَّلِيلِ المُخالِفِ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ العَقْلِيِّ والتَّنَطُّعِ في العِباراتِ كالزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِنَ المُواطِنِ لا يَقِفُ عَلى دَفْعِ دَلِيلِ الشَّرْعِ بِالِاسْتِبْعادِ الَّذِي يَدَّعِيهِ عَلى العَقْلِ حَتّى يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الوَقاحَةَ في العِبارَةِ عَلى وجْهٍ يُوقِعُ المُقَصِّرِينَ في الأقْوالِ الباطِلَةِ والمَذاهِبِ الزّائِفَةِ.

وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُ هَؤُلاءِ مَدْفُوعٌ بِالأدِلَّةِ المُتَكاثِرَةِ وإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا، وبِما هو مُشاهَدٌ في الوُجُودِ، فَكَمْ مِن شَخْصٍ مِن هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ هَلَكَ بِهَذا السَّبَبِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن عُرِفَ بِالإصابَةِ بِالعَيْنِ، فَقالَ قَوْمٌ، يُمْنَعُ مِنَ الِاتِّصالِ بِالنّاسِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ بِحَبْسٍ أوْ غَيْرِهِ مِن لُزُومِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يُنْفى، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهُ يُقْتَلُ إلّا إذا كانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وتَتَوَقَّفُ إصابَتُهُ عَلى اخْتِيارِهِ وقَصْدِهِ ولَمْ يَنْزَجِزْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ إذا قَتَلَ كانَ لَهُ حُكْمُ القاتِلِ.

ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ لِأوْلادِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لا أدْفَعُ عَنْكم ضَرَرًا ولا أجْلِبُ إلَيْكم نَفْعًا بِتَدْبِيرِي هَذا، بَلْ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْكم فَهو واقِعٌ لا مَحالَةَ.

قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: لَوْ سِيقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ العَيْنَ تُهْلِكُهم مَعَ الِاجْتِماعِ لَكانَ تَفَرُّقُهم كاجْتِماعِهِمْ.

وقالَ آخَرُونَ: ما كانَ يُغْنِي عَنْهم يَعْقُوبُ شَيْئًا قَطُّ حَيْثُ أصابَهم ما أصابَهم - مَعَ تَفَرُّقِهِمْ - مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ …

75

قَالُوا۟ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّٰلِمِينَ

[The brothers] said, "Its recompense is that he in whose bag it is found - he [himself] will be its recompense. Thus do we recompense the wrongdoers."

.

لَمّا تَجَهَّزَ أوْلادُ يَعْقُوبَ لِلْمَسِيرِ إلى مِصْرَ خافَ عَلَيْهِمْ أبُوهم أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ لِكَوْنِهِمْ كانُوا ذَوِي جَمالٍ ظاهِرٍ وثِيابٍ حَسَنَةٍ مَعَ كَوْنِهِمْ أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ.

فَنَهاهم أنْ يَدْخُلُوا مُجْتَمِعِينَ مِن بابٍ واحِدٍ لِأنَّ في ذَلِكَ مَظِنَّةً لِإصابَةِ الأعْيُنِ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لِأنَّهم لَوْ دَخَلُوا مِن بابَيْنِ مَثَلًا كانُوا قَدِ امْتَثَلُوا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الدُّخُولِ مِن بابَيْنِ مَثَلًا نَوْعُ اجْتِماعٍ يُخْشى مَعَهُ أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ أمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قِيلَ وكانَتْ أبْوابُ مِصْرَ أرْبَعَةً.

وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي هاشِمٍ والبَلْخِيِّ أنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا، وقالا: لا يَمْتَنِعُ أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ كانَتِ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُعَلَّقًا بِهِ.

ولَيْسَ هَذا بِمُسْتَنْكَرٍ مِن هَذَيْنِ وأتْباعِهِما، فَقَدْ صارَ دَفْعُ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ دَأْبَهم ودَيْدَنَهم، وأيُّ مانِعٍ مِن إصابَةِ العَيْنِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ ؟ وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وأُصِيبَ بِها جَماعَةٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ، ومِنهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

وأعْجَبُ مِن إنْكارِ هَؤُلاءِ لِما ورَدَتْ بِهِ نُصُوصُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الإزْراءِ عَلى مَن يَعْمَلُ بِالدَّلِيلِ المُخالِفِ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ العَقْلِيِّ والتَّنَطُّعِ في العِباراتِ كالزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِنَ المُواطِنِ لا يَقِفُ عَلى دَفْعِ دَلِيلِ الشَّرْعِ بِالِاسْتِبْعادِ الَّذِي يَدَّعِيهِ عَلى العَقْلِ حَتّى يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الوَقاحَةَ في العِبارَةِ عَلى وجْهٍ يُوقِعُ المُقَصِّرِينَ في الأقْوالِ الباطِلَةِ والمَذاهِبِ الزّائِفَةِ.

وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُ هَؤُلاءِ مَدْفُوعٌ بِالأدِلَّةِ المُتَكاثِرَةِ وإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا، وبِما هو مُشاهَدٌ في الوُجُودِ، فَكَمْ مِن شَخْصٍ مِن هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ هَلَكَ بِهَذا السَّبَبِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن عُرِفَ بِالإصابَةِ بِالعَيْنِ، فَقالَ قَوْمٌ، يُمْنَعُ مِنَ الِاتِّصالِ بِالنّاسِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ بِحَبْسٍ أوْ غَيْرِهِ مِن لُزُومِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يُنْفى، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهُ يُقْتَلُ إلّا إذا كانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وتَتَوَقَّفُ إصابَتُهُ عَلى اخْتِيارِهِ وقَصْدِهِ ولَمْ يَنْزَجِزْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ إذا قَتَلَ كانَ لَهُ حُكْمُ القاتِلِ.

ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ لِأوْلادِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لا أدْفَعُ عَنْكم ضَرَرًا ولا أجْلِبُ إلَيْكم نَفْعًا بِتَدْبِيرِي هَذا، بَلْ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْكم فَهو واقِعٌ لا مَحالَةَ.

قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: لَوْ سِيقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ العَيْنَ تُهْلِكُهم مَعَ الِاجْتِماعِ لَكانَ تَفَرُّقُهم كاجْتِماعِهِمْ.

وقالَ آخَرُونَ: ما كانَ يُغْنِي عَنْهم يَعْقُوبُ شَيْئًا قَطُّ حَيْثُ أصابَهم ما أصابَهم - مَعَ تَفَرُّقِهِمْ - مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ …

76

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌۭ

So he began [the search] with their bags before the bag of his brother; then he extracted it from the bag of his brother. Thus did We plan for Joseph. He could not have taken his brother within the religion of the king except that Allah willed. We raise in degrees whom We will, but over every possessor of knowledge is one [more] knowing.

.

لَمّا تَجَهَّزَ أوْلادُ يَعْقُوبَ لِلْمَسِيرِ إلى مِصْرَ خافَ عَلَيْهِمْ أبُوهم أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ لِكَوْنِهِمْ كانُوا ذَوِي جَمالٍ ظاهِرٍ وثِيابٍ حَسَنَةٍ مَعَ كَوْنِهِمْ أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ.

فَنَهاهم أنْ يَدْخُلُوا مُجْتَمِعِينَ مِن بابٍ واحِدٍ لِأنَّ في ذَلِكَ مَظِنَّةً لِإصابَةِ الأعْيُنِ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لِأنَّهم لَوْ دَخَلُوا مِن بابَيْنِ مَثَلًا كانُوا قَدِ امْتَثَلُوا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الدُّخُولِ مِن بابَيْنِ مَثَلًا نَوْعُ اجْتِماعٍ يُخْشى مَعَهُ أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ أمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قِيلَ وكانَتْ أبْوابُ مِصْرَ أرْبَعَةً.

وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي هاشِمٍ والبَلْخِيِّ أنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا، وقالا: لا يَمْتَنِعُ أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ كانَتِ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُعَلَّقًا بِهِ.

ولَيْسَ هَذا بِمُسْتَنْكَرٍ مِن هَذَيْنِ وأتْباعِهِما، فَقَدْ صارَ دَفْعُ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ دَأْبَهم ودَيْدَنَهم، وأيُّ مانِعٍ مِن إصابَةِ العَيْنِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ ؟ وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وأُصِيبَ بِها جَماعَةٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ، ومِنهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

وأعْجَبُ مِن إنْكارِ هَؤُلاءِ لِما ورَدَتْ بِهِ نُصُوصُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الإزْراءِ عَلى مَن يَعْمَلُ بِالدَّلِيلِ المُخالِفِ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ العَقْلِيِّ والتَّنَطُّعِ في العِباراتِ كالزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِنَ المُواطِنِ لا يَقِفُ عَلى دَفْعِ دَلِيلِ الشَّرْعِ بِالِاسْتِبْعادِ الَّذِي يَدَّعِيهِ عَلى العَقْلِ حَتّى يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الوَقاحَةَ في العِبارَةِ عَلى وجْهٍ يُوقِعُ المُقَصِّرِينَ في الأقْوالِ الباطِلَةِ والمَذاهِبِ الزّائِفَةِ.

وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُ هَؤُلاءِ مَدْفُوعٌ بِالأدِلَّةِ المُتَكاثِرَةِ وإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا، وبِما هو مُشاهَدٌ في الوُجُودِ، فَكَمْ مِن شَخْصٍ مِن هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ هَلَكَ بِهَذا السَّبَبِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن عُرِفَ بِالإصابَةِ بِالعَيْنِ، فَقالَ قَوْمٌ، يُمْنَعُ مِنَ الِاتِّصالِ بِالنّاسِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ بِحَبْسٍ أوْ غَيْرِهِ مِن لُزُومِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يُنْفى، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهُ يُقْتَلُ إلّا إذا كانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وتَتَوَقَّفُ إصابَتُهُ عَلى اخْتِيارِهِ وقَصْدِهِ ولَمْ يَنْزَجِزْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ إذا قَتَلَ كانَ لَهُ حُكْمُ القاتِلِ.

ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ لِأوْلادِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لا أدْفَعُ عَنْكم ضَرَرًا ولا أجْلِبُ إلَيْكم نَفْعًا بِتَدْبِيرِي هَذا، بَلْ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْكم فَهو واقِعٌ لا مَحالَةَ.

قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: لَوْ سِيقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ العَيْنَ تُهْلِكُهم مَعَ الِاجْتِماعِ لَكانَ تَفَرُّقُهم كاجْتِماعِهِمْ.

وقالَ آخَرُونَ: ما كانَ يُغْنِي عَنْهم يَعْقُوبُ شَيْئًا قَطُّ حَيْثُ أصابَهم ما أصابَهم - مَعَ تَفَرُّقِهِمْ - مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ …

77

۞ قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌۭ لَّهُۥ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ

They said, "If he steals - a brother of his has stolen before." But Joseph kept it within himself and did not reveal it to them. He said, "You are worse in position, and Allah is most knowing of what you describe."

.

قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ﴾ أيْ بِنْيامِينُ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ يَعْنُونَ يُوسُفَ.

وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ السَّرِقَةِ الَّتِي نَسَبُوها إلى يُوسُفَ ما هي ؟ فَقِيلَ إنَّهُ كانَ لِيُوسُفَ عَمَّةٌ هي أكْبَرُ مِن يَعْقُوبَ، وكانَتْ عِنْدَها مِنطَقَةُ إسْحاقَ لِكَوْنِها أسَنَّ أوْلادِهِ وكانُوا يَتَوارَثُونَها فَيَأْخُذُها الأكْبَرُ سِنًّا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، وكانَتْ قَدْ حَضَنَتْ يُوسُفَ وأحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَلَمّا تَرَعْرَعَ قالَ لَها يَعْقُوبُ: سَلِّمِي يُوسُفَ إلَيَّ فَأشْفَقَتْ مِن فِراقِهِ واحْتالَتْ في بَقائِهِ لَدَيْها، فَجَعَلَتِ المِنطَقَةَ تَحْتَ ثِيابِهِ وحَزَّمَتْهُ بِها، ثُمَّ قالَتْ: قَدْ سُرِقَتْ مِنطَقَةُ إسْحاقَ فانْظُرُوا مَن سَرَقَها، فَبَحَثُوا عَنْها فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ فَأخَذَتْهُ عِنْدَها كَما هو شَرْعُ الأنْبِياءِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن آلِ إبْراهِيمَ.

وقَدْ سَبَقَ بَيانُ شَرِيعَتِهِمْ في السَّرِقَةِ: وقِيلَ إنَّ يُوسُفَ أخَذَ صَنَمًا كانَ لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ عَلى الطَّرِيقِ تَغْيِيرًا لِلْمُنْكَرِ.

وحُكِيَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ كانَ صَنَمًا مِن ذَهَبٍ.

وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: اللَّهُ أعْلَمُ، أسَرَقَ أخٌ لَهُ أمْ لا ؟ وحَكى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: كَذَبُوا عَلَيْهِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ.

قُلْتُ: وهَذا أوْلى، فَما هَذِهِ الكَذْبَةُ بِأوَّلِ كَذْباتِهِمْ، وقَدْ قَدَّمْنا ما يَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّهم قَدْ كانُوا أنْبِياءَ عِنْدَ صُدُورِ هَذِهِ الأُمُورِ مِنهم.

قَوْلُهُ: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: الضَّمِيرُ في " أسَرَّها " يَعُودُ إلى الكَلِمَةِ أوِ الجُمْلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ فَأسَرَّ الجُمْلَةَ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ وقَدْ رَدَّ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذا فَقالَ: إنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الإضْمارِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإجابَةِ، أيْ: أسَرَّ يُوسُفُ إجابَتَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى وقْتٍ آخَرَ، وقِيلَ: أسَرَّ في نَفْسِهِ قَوْلَهم: إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ وهَذا هو الأوْلى، ويَكُونُ مَعْنى ﴿ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ أنَّهُ لَمْ يُبْدِ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ الَّتِي أسَرَّها في نَفْسِهِ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم صِحَّتَها أوْ بُطْلانَها، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ مُفَسِّرَةٌ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، ومُسْتَأْنَفَةٌ عَلى القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ يُوسُفُ لَمّا قالَ هَذِهِ المَقالَةَ ؟ أيْ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا، أيْ: مَوْضِعًا ومَنزِلًا مِمَّنْ نَسَبْتُمُوهُ إلى السَّرِقَةِ وهو بَرِيءٌ، فَإنَّكم قَدْ فَعَلْتُمْ مِن إلْقاءِ يُوسُفَ إلى الجُبِّ والكَذِبِ عَلى أبِيكم وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أفاعِيلِكم.

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ مِنَ الباطِلِ بِنِسْبَةِ السَّرَقِ إلى يُوسُفَ، وأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لِذَلِكَ، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَسْتَعْطِفُوهُ لِيُطْلِقَ لَهم أخاهم بِنْيامِينَ يَكُونُ مَعَهم يَرْجِعُونَ بِهِ إلى أبِيهِمْ لِما تَقَدَّمَ مِن أخْذِهِ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَرُدُّوهُ إلَيْهِ.

﴿قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أيْ إنَّ لِبِنْيامِينَ هَذا أبًا مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي كَوْنُهُ شَيْخًا كَبِيرًا لا يَسْتَطِيعُ فِراقَهُ ولا يَصْبِرُ عَنْهُ ولا يَقْدِرُ عَلى الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ يَبْقى …

78

قَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبًۭا شَيْخًۭا كَبِيرًۭا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ

They said, "O 'Azeez, indeed he has a father [who is] an old man, so take one of us in place of him. Indeed, we see you as a doer of good."

.

قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ﴾ أيْ بِنْيامِينُ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ يَعْنُونَ يُوسُفَ.

وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ السَّرِقَةِ الَّتِي نَسَبُوها إلى يُوسُفَ ما هي ؟ فَقِيلَ إنَّهُ كانَ لِيُوسُفَ عَمَّةٌ هي أكْبَرُ مِن يَعْقُوبَ، وكانَتْ عِنْدَها مِنطَقَةُ إسْحاقَ لِكَوْنِها أسَنَّ أوْلادِهِ وكانُوا يَتَوارَثُونَها فَيَأْخُذُها الأكْبَرُ سِنًّا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، وكانَتْ قَدْ حَضَنَتْ يُوسُفَ وأحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَلَمّا تَرَعْرَعَ قالَ لَها يَعْقُوبُ: سَلِّمِي يُوسُفَ إلَيَّ فَأشْفَقَتْ مِن فِراقِهِ واحْتالَتْ في بَقائِهِ لَدَيْها، فَجَعَلَتِ المِنطَقَةَ تَحْتَ ثِيابِهِ وحَزَّمَتْهُ بِها، ثُمَّ قالَتْ: قَدْ سُرِقَتْ مِنطَقَةُ إسْحاقَ فانْظُرُوا مَن سَرَقَها، فَبَحَثُوا عَنْها فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ فَأخَذَتْهُ عِنْدَها كَما هو شَرْعُ الأنْبِياءِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن آلِ إبْراهِيمَ.

وقَدْ سَبَقَ بَيانُ شَرِيعَتِهِمْ في السَّرِقَةِ: وقِيلَ إنَّ يُوسُفَ أخَذَ صَنَمًا كانَ لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ عَلى الطَّرِيقِ تَغْيِيرًا لِلْمُنْكَرِ.

وحُكِيَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ كانَ صَنَمًا مِن ذَهَبٍ.

وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: اللَّهُ أعْلَمُ، أسَرَقَ أخٌ لَهُ أمْ لا ؟ وحَكى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: كَذَبُوا عَلَيْهِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ.

قُلْتُ: وهَذا أوْلى، فَما هَذِهِ الكَذْبَةُ بِأوَّلِ كَذْباتِهِمْ، وقَدْ قَدَّمْنا ما يَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّهم قَدْ كانُوا أنْبِياءَ عِنْدَ صُدُورِ هَذِهِ الأُمُورِ مِنهم.

قَوْلُهُ: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: الضَّمِيرُ في " أسَرَّها " يَعُودُ إلى الكَلِمَةِ أوِ الجُمْلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ فَأسَرَّ الجُمْلَةَ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ وقَدْ رَدَّ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذا فَقالَ: إنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الإضْمارِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإجابَةِ، أيْ: أسَرَّ يُوسُفُ إجابَتَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى وقْتٍ آخَرَ، وقِيلَ: أسَرَّ في نَفْسِهِ قَوْلَهم: إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ وهَذا هو الأوْلى، ويَكُونُ مَعْنى ﴿ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ أنَّهُ لَمْ يُبْدِ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ الَّتِي أسَرَّها في نَفْسِهِ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم صِحَّتَها أوْ بُطْلانَها، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ مُفَسِّرَةٌ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، ومُسْتَأْنَفَةٌ عَلى القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ يُوسُفُ لَمّا قالَ هَذِهِ المَقالَةَ ؟ أيْ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا، أيْ: مَوْضِعًا ومَنزِلًا مِمَّنْ نَسَبْتُمُوهُ إلى السَّرِقَةِ وهو بَرِيءٌ، فَإنَّكم قَدْ فَعَلْتُمْ مِن إلْقاءِ يُوسُفَ إلى الجُبِّ والكَذِبِ عَلى أبِيكم وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أفاعِيلِكم.

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ مِنَ الباطِلِ بِنِسْبَةِ السَّرَقِ إلى يُوسُفَ، وأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لِذَلِكَ، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَسْتَعْطِفُوهُ لِيُطْلِقَ لَهم أخاهم بِنْيامِينَ يَكُونُ مَعَهم يَرْجِعُونَ بِهِ إلى أبِيهِمْ لِما تَقَدَّمَ مِن أخْذِهِ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَرُدُّوهُ إلَيْهِ.

﴿قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أيْ إنَّ لِبِنْيامِينَ هَذا أبًا مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي كَوْنُهُ شَيْخًا كَبِيرًا لا يَسْتَطِيعُ فِراقَهُ ولا يَصْبِرُ عَنْهُ ولا يَقْدِرُ عَلى الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ يَبْقى …

79

قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذًۭا لَّظَٰلِمُونَ

He said, "[I seek] the refuge of Allah [to prevent] that we take except him with whom we found our possession. Indeed, we would then be unjust."

.

قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ﴾ أيْ بِنْيامِينُ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ يَعْنُونَ يُوسُفَ.

وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ السَّرِقَةِ الَّتِي نَسَبُوها إلى يُوسُفَ ما هي ؟ فَقِيلَ إنَّهُ كانَ لِيُوسُفَ عَمَّةٌ هي أكْبَرُ مِن يَعْقُوبَ، وكانَتْ عِنْدَها مِنطَقَةُ إسْحاقَ لِكَوْنِها أسَنَّ أوْلادِهِ وكانُوا يَتَوارَثُونَها فَيَأْخُذُها الأكْبَرُ سِنًّا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، وكانَتْ قَدْ حَضَنَتْ يُوسُفَ وأحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَلَمّا تَرَعْرَعَ قالَ لَها يَعْقُوبُ: سَلِّمِي يُوسُفَ إلَيَّ فَأشْفَقَتْ مِن فِراقِهِ واحْتالَتْ في بَقائِهِ لَدَيْها، فَجَعَلَتِ المِنطَقَةَ تَحْتَ ثِيابِهِ وحَزَّمَتْهُ بِها، ثُمَّ قالَتْ: قَدْ سُرِقَتْ مِنطَقَةُ إسْحاقَ فانْظُرُوا مَن سَرَقَها، فَبَحَثُوا عَنْها فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ فَأخَذَتْهُ عِنْدَها كَما هو شَرْعُ الأنْبِياءِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن آلِ إبْراهِيمَ.

وقَدْ سَبَقَ بَيانُ شَرِيعَتِهِمْ في السَّرِقَةِ: وقِيلَ إنَّ يُوسُفَ أخَذَ صَنَمًا كانَ لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ عَلى الطَّرِيقِ تَغْيِيرًا لِلْمُنْكَرِ.

وحُكِيَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ كانَ صَنَمًا مِن ذَهَبٍ.

وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: اللَّهُ أعْلَمُ، أسَرَقَ أخٌ لَهُ أمْ لا ؟ وحَكى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: كَذَبُوا عَلَيْهِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ.

قُلْتُ: وهَذا أوْلى، فَما هَذِهِ الكَذْبَةُ بِأوَّلِ كَذْباتِهِمْ، وقَدْ قَدَّمْنا ما يَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّهم قَدْ كانُوا أنْبِياءَ عِنْدَ صُدُورِ هَذِهِ الأُمُورِ مِنهم.

قَوْلُهُ: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: الضَّمِيرُ في " أسَرَّها " يَعُودُ إلى الكَلِمَةِ أوِ الجُمْلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ فَأسَرَّ الجُمْلَةَ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ وقَدْ رَدَّ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذا فَقالَ: إنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الإضْمارِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإجابَةِ، أيْ: أسَرَّ يُوسُفُ إجابَتَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى وقْتٍ آخَرَ، وقِيلَ: أسَرَّ في نَفْسِهِ قَوْلَهم: إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ وهَذا هو الأوْلى، ويَكُونُ مَعْنى ﴿ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ أنَّهُ لَمْ يُبْدِ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ الَّتِي أسَرَّها في نَفْسِهِ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم صِحَّتَها أوْ بُطْلانَها، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ مُفَسِّرَةٌ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، ومُسْتَأْنَفَةٌ عَلى القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ يُوسُفُ لَمّا قالَ هَذِهِ المَقالَةَ ؟ أيْ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا، أيْ: مَوْضِعًا ومَنزِلًا مِمَّنْ نَسَبْتُمُوهُ إلى السَّرِقَةِ وهو بَرِيءٌ، فَإنَّكم قَدْ فَعَلْتُمْ مِن إلْقاءِ يُوسُفَ إلى الجُبِّ والكَذِبِ عَلى أبِيكم وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أفاعِيلِكم.

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ مِنَ الباطِلِ بِنِسْبَةِ السَّرَقِ إلى يُوسُفَ، وأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لِذَلِكَ، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَسْتَعْطِفُوهُ لِيُطْلِقَ لَهم أخاهم بِنْيامِينَ يَكُونُ مَعَهم يَرْجِعُونَ بِهِ إلى أبِيهِمْ لِما تَقَدَّمَ مِن أخْذِهِ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَرُدُّوهُ إلَيْهِ.

﴿قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أيْ إنَّ لِبِنْيامِينَ هَذا أبًا مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي كَوْنُهُ شَيْخًا كَبِيرًا لا يَسْتَطِيعُ فِراقَهُ ولا يَصْبِرُ عَنْهُ ولا يَقْدِرُ عَلى الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ يَبْقى …

80

فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّۭا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ

So when they had despaired of him, they secluded themselves in private consultation. The eldest of them said, "Do you not know that your father has taken upon you an oath by Allah and [that] before you failed in [your duty to] Joseph? So I will never leave [this] land until my father permits me or Allah decides for me, and He is the best of judges.

.

قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ﴾ أيْ بِنْيامِينُ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ يَعْنُونَ يُوسُفَ.

وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ السَّرِقَةِ الَّتِي نَسَبُوها إلى يُوسُفَ ما هي ؟ فَقِيلَ إنَّهُ كانَ لِيُوسُفَ عَمَّةٌ هي أكْبَرُ مِن يَعْقُوبَ، وكانَتْ عِنْدَها مِنطَقَةُ إسْحاقَ لِكَوْنِها أسَنَّ أوْلادِهِ وكانُوا يَتَوارَثُونَها فَيَأْخُذُها الأكْبَرُ سِنًّا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، وكانَتْ قَدْ حَضَنَتْ يُوسُفَ وأحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَلَمّا تَرَعْرَعَ قالَ لَها يَعْقُوبُ: سَلِّمِي يُوسُفَ إلَيَّ فَأشْفَقَتْ مِن فِراقِهِ واحْتالَتْ في بَقائِهِ لَدَيْها، فَجَعَلَتِ المِنطَقَةَ تَحْتَ ثِيابِهِ وحَزَّمَتْهُ بِها، ثُمَّ قالَتْ: قَدْ سُرِقَتْ مِنطَقَةُ إسْحاقَ فانْظُرُوا مَن سَرَقَها، فَبَحَثُوا عَنْها فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ فَأخَذَتْهُ عِنْدَها كَما هو شَرْعُ الأنْبِياءِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن آلِ إبْراهِيمَ.

وقَدْ سَبَقَ بَيانُ شَرِيعَتِهِمْ في السَّرِقَةِ: وقِيلَ إنَّ يُوسُفَ أخَذَ صَنَمًا كانَ لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ عَلى الطَّرِيقِ تَغْيِيرًا لِلْمُنْكَرِ.

وحُكِيَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ كانَ صَنَمًا مِن ذَهَبٍ.

وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: اللَّهُ أعْلَمُ، أسَرَقَ أخٌ لَهُ أمْ لا ؟ وحَكى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: كَذَبُوا عَلَيْهِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ.

قُلْتُ: وهَذا أوْلى، فَما هَذِهِ الكَذْبَةُ بِأوَّلِ كَذْباتِهِمْ، وقَدْ قَدَّمْنا ما يَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّهم قَدْ كانُوا أنْبِياءَ عِنْدَ صُدُورِ هَذِهِ الأُمُورِ مِنهم.

قَوْلُهُ: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: الضَّمِيرُ في " أسَرَّها " يَعُودُ إلى الكَلِمَةِ أوِ الجُمْلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ فَأسَرَّ الجُمْلَةَ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ وقَدْ رَدَّ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذا فَقالَ: إنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الإضْمارِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإجابَةِ، أيْ: أسَرَّ يُوسُفُ إجابَتَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى وقْتٍ آخَرَ، وقِيلَ: أسَرَّ في نَفْسِهِ قَوْلَهم: إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ وهَذا هو الأوْلى، ويَكُونُ مَعْنى ﴿ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ أنَّهُ لَمْ يُبْدِ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ الَّتِي أسَرَّها في نَفْسِهِ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم صِحَّتَها أوْ بُطْلانَها، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ مُفَسِّرَةٌ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، ومُسْتَأْنَفَةٌ عَلى القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ يُوسُفُ لَمّا قالَ هَذِهِ المَقالَةَ ؟ أيْ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا، أيْ: مَوْضِعًا ومَنزِلًا مِمَّنْ نَسَبْتُمُوهُ إلى السَّرِقَةِ وهو بَرِيءٌ، فَإنَّكم قَدْ فَعَلْتُمْ مِن إلْقاءِ يُوسُفَ إلى الجُبِّ والكَذِبِ عَلى أبِيكم وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أفاعِيلِكم.

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ مِنَ الباطِلِ بِنِسْبَةِ السَّرَقِ إلى يُوسُفَ، وأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لِذَلِكَ، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَسْتَعْطِفُوهُ لِيُطْلِقَ لَهم أخاهم بِنْيامِينَ يَكُونُ مَعَهم يَرْجِعُونَ بِهِ إلى أبِيهِمْ لِما تَقَدَّمَ مِن أخْذِهِ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَرُدُّوهُ إلَيْهِ.

﴿قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أيْ إنَّ لِبِنْيامِينَ هَذا أبًا مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي كَوْنُهُ شَيْخًا كَبِيرًا لا يَسْتَطِيعُ فِراقَهُ ولا يَصْبِرُ عَنْهُ ولا يَقْدِرُ عَلى الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ يَبْقى …

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.