Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 61–70 of 111

61

قَالُوا۟ سَنُرَٰوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَٰعِلُونَ

They said, "We will attempt to dissuade his father from [keeping] him, and indeed, we will do [it]."

صفحة ١٤

﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾

وعْدٌ بِأنْ يَبْذُلُوا قُصارى جُهْدِهِمْ في الإتْيانِ بِأخِيهِمْ وإشْعارٌ بِصُعُوبَةِ ذَلِكَ. فَمَعْنى ﴿سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ سَنُحاوِلُ أنْ لا يَشِحَّ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٢٣] .

وجُمْلَةُ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى الوَعْدِ بِتَحْقِيقِ المَوْعُودِ بِهِ، فَهو فِعْلُ ما أمَرَهم بِهِ، وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وحَرْفِ التَّأْكِيدِ.

62

وَقَالَ لِفِتْيَٰنِهِ ٱجْعَلُوا۟ بِضَٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

And [Joseph] said to his servants, "Put their merchandise into their saddlebags so they might recognize it when they have gone back to their people that perhaps they will [again] return."

﴿وقالَ لِفِتْيَتِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ”لِفِتْيَتِهِ“ بِوَزْنِ فِعْلَةٍ جَمْعُ تَكْسِيرِ فَتًى مِثْلِ أخٍ وإخْوَةٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ (لِفِتْيانِهِ) بِوَزْنِ إخْوانٍ. والأوَّلُ صِيغَةُ قِلَّةٍ والثّانِي صِيغَةُ كَثْرَةٍ وكِلاهُما يُسْتَعْمَلُ في الآخَرِ. وعَدَدُ الفِتْيانِ لا يَخْتَلِفُ. والفَتى: مَن كانَ في مَبْدَأِ الشَّبابِ، ومُؤَنَّثُهُ فَتاةٌ، ويُطْلَقُ عَلى الخادِمِ تَلَطُّفًا، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَخِفُّونَ بِالشَّبابِ في الخِدْمَةِ، وكانُوا أكْثَرَ ما يَسْتَخْدِمُونَ العَبِيدَ.

والبِضاعَةُ: المالُ أوِ المَتاعُ المُعَدُّ لِلتِّجارَةِ. والمُرادُ بِها هُنا الدَّراهِمُ الَّتِي ابْتاعُوا بِها الطَّعامَ كَما في التَّوْراةِ.

وقَوْلُهُ ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ رَجاءَ أنْ يَعْرِفُوا أنَّها عَيْنُ بِضاعَتِهِمْ إمّا بِكَوْنِها مَسْكُوكٌ سِكَّةَ بِلادِهِمْ وإمّا بِمَعْرِفَةِ الصُّرَرِ الَّتِي كانَتْ مَصْرُورَةً فِيها كَما في التَّوْراةِ، أيْ يَعْرِفُونَ أنَّها وُضِعَتْ هُنالِكَ قَصْدَ عَطِيَّةٍ مِن عَزِيزِ مِصْرَ.

صفحة ١٥

والرِّحالُ: جَمْعُ رَحْلٍ، وهو ما يُوضَعُ عَلى البَعِيرِ مِن مَتاعِ الرّاكِبِ، ولِذا سُمِّيَ البَعِيرُ راحِلَةً.

والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وجُمْلَةُ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ جَوابٌ لِلْأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ لِأنَّهُ لَمّا أمَرَهم بِالرُّجُوعِ اسْتَشْعَرَ بِنَفاذِ رَأْيِهِ أنَّهم قَدْ يَكُونُونَ غَيْرَ واجِدِينَ بِضاعَةً لِيَبْتاعُوا بِها المِيرَةَ لِأنَّهُ رَأى مَخايِلَ الضِّيقِ عَلَيْهِمْ.

63

فَلَمَّا رَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيهِمْ قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ

So when they returned to their father, they said, "O our father, [further] measure has been denied to us, so send with us our brother [that] we will be given measure. And indeed, we will be his guardians."

﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ فاللَّهُ خَيْرٌ حِفْظًا وهْوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾

مَعْنى ﴿مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ الكَيْلِ في المُسْتَقْبَلِ؛ لِأنَّ رُجُوعَهم بِالطَّعامِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالجَهازِ أنَّ المَنعَ مِنَ الكَيْلِ يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ، ولِأنَّ تَرْكِيبَ (مُنِعَ مِنّا) يُؤْذِنُ بِذَلِكَ، إذْ جَعَلُوا الكَيْلَ مَمْنُوعَ الِابْتِداءِ مِنهم؛ لِأنَّ (مِن) حَرْفُ ابْتِداءٍ.

والكَيْلُ مَصْدَرٌ صالِحٌ لِمَعْنى الفاعِلِيَّةِ والمَفْعُولِيَّةِ، وهو هُنا بِمَعْنى الإسْنادِ إلى الفاعِلِ، أيْ لَنْ نَكِيلَ، فالمَمْنُوعُ هو ابْتِداءُ الكَيْلِ مِنهم. ولَمّا لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِمْ ما يُكالُ تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ الكَيْلِ بِطَلَبِهِ، أيْ مُنِعَ مِنّا ذَلِكَ لِعَدَمِ الفائِدَةِ لِأنَّنا لا نُمْنَحُهُ إلّا إذا وفَّيْنا بِما وعَدْنا مِن إحْضارِ أخِينا. ولِذَلِكَ صَحَّ تَفْرِيعُ ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا﴾ عَلَيْهِ، فَصارَ تَقْدِيمُ الكَلامِ: مُنِعْنا مِن أنْ نَطْلُبَ الكَيْلَ إلّا إذا حَضَرَ

صفحة ١٦

مَعَنا أخُونا. فَتَعَيَّنَ أنَّهم حَكَوُا القِصَّةَ لِأبِيهِمْ مُفَصَّلَةً واخْتَصَرَها القُرْآنُ لِظُهُورِ المُرادِ. والمَعْنى: إنْ أرْسَلْتَهُ مَعَنا نَرْحَلْ لِلِاكْتِيالِ ونَطْلُبْهُ. وإطْلاقُ المَنعِ عَلى هَذا المَعْنى مَجازٌ، لِأنَّهم أُنْذِرُوا بِالحِرْمانِ فَصارَ طَلَبُهم مَمْنُوعًا مِنهم؛ لِأنَّ طَلَبَهُ عَبَثٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَكْتَلْ) بِنُونِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِتَحْتِيَّةٍ عِوَضَ النُّونِ عَلى أنَّهُ عائِدٌ إلى (أخانا): أيْ يَكْتَلْ مَعَنا.

وجُمْلَةُ ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (فَأرْسِلْ)، وأكَّدُوا حِفْظَهُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ وبِحَرْفِ التَّوْكِيدِ.

وجَوابُ أبِيهِمْ كَلامٌ مُوَجَّهٌ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: إنِّي آمَنُكم عَلَيْهِ كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ، وأنْ يَكُونَ مَعْناهُ ماذا أفادَ ائْتِمانُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ حَتّى آمَنَكم عَلَيْهِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ، فَهو يَسْتَفْهِمُ عَنْ وجْهِ التَّأْكِيدِ في قَوْلِهِمْ ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾، والمَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ عَلى احْتِمالَيْها هو التَّفْرِيعُ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾)، أيْ خَيْرٌ حِفْظًا مِنكم، فَإنْ حَفِظَهُ اللَّهُ سَلِمَ وإنْ لَمْ يَحْفَظْهُ لَمْ يَسْلَمْ كَما لَمْ يَسْلَمْ أخُوهُ مِن قَبْلُ حِينَ أمِنتُكم عَلَيْهِ.

وهم قَدِ اقْتَنَعُوا بِجَوابِهِ وعَلِمُوا مِنهُ أنَّهُ مُرْسِلٌ مَعَهم أخاهم، ولِذَلِكَ لَمْ يُراجِعُوهُ في شَأْنِهِ.

و(حِفْظًا) مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ حافِظًا عَلى أنَّهُ حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ وهي حالٌ لازِمَةٌ.

64

قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَٰفِظًۭا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ

He said, "Should I entrust you with him except [under coercion] as I entrusted you with his brother before? But Allah is the best guardian, and He is the most merciful of the merciful."

﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ فاللَّهُ خَيْرٌ حِفْظًا وهْوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾

مَعْنى ﴿مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ الكَيْلِ في المُسْتَقْبَلِ؛ لِأنَّ رُجُوعَهم بِالطَّعامِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالجَهازِ أنَّ المَنعَ مِنَ الكَيْلِ يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ، ولِأنَّ تَرْكِيبَ (مُنِعَ مِنّا) يُؤْذِنُ بِذَلِكَ، إذْ جَعَلُوا الكَيْلَ مَمْنُوعَ الِابْتِداءِ مِنهم؛ لِأنَّ (مِن) حَرْفُ ابْتِداءٍ.

والكَيْلُ مَصْدَرٌ صالِحٌ لِمَعْنى الفاعِلِيَّةِ والمَفْعُولِيَّةِ، وهو هُنا بِمَعْنى الإسْنادِ إلى الفاعِلِ، أيْ لَنْ نَكِيلَ، فالمَمْنُوعُ هو ابْتِداءُ الكَيْلِ مِنهم. ولَمّا لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِمْ ما يُكالُ تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ الكَيْلِ بِطَلَبِهِ، أيْ مُنِعَ مِنّا ذَلِكَ لِعَدَمِ الفائِدَةِ لِأنَّنا لا نُمْنَحُهُ إلّا إذا وفَّيْنا بِما وعَدْنا مِن إحْضارِ أخِينا. ولِذَلِكَ صَحَّ تَفْرِيعُ ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا﴾ عَلَيْهِ، فَصارَ تَقْدِيمُ الكَلامِ: مُنِعْنا مِن أنْ نَطْلُبَ الكَيْلَ إلّا إذا حَضَرَ

صفحة ١٦

مَعَنا أخُونا. فَتَعَيَّنَ أنَّهم حَكَوُا القِصَّةَ لِأبِيهِمْ مُفَصَّلَةً واخْتَصَرَها القُرْآنُ لِظُهُورِ المُرادِ. والمَعْنى: إنْ أرْسَلْتَهُ مَعَنا نَرْحَلْ لِلِاكْتِيالِ ونَطْلُبْهُ. وإطْلاقُ المَنعِ عَلى هَذا المَعْنى مَجازٌ، لِأنَّهم أُنْذِرُوا بِالحِرْمانِ فَصارَ طَلَبُهم مَمْنُوعًا مِنهم؛ لِأنَّ طَلَبَهُ عَبَثٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَكْتَلْ) بِنُونِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِتَحْتِيَّةٍ عِوَضَ النُّونِ عَلى أنَّهُ عائِدٌ إلى (أخانا): أيْ يَكْتَلْ مَعَنا.

وجُمْلَةُ ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (فَأرْسِلْ)، وأكَّدُوا حِفْظَهُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ وبِحَرْفِ التَّوْكِيدِ.

وجَوابُ أبِيهِمْ كَلامٌ مُوَجَّهٌ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: إنِّي آمَنُكم عَلَيْهِ كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ، وأنْ يَكُونَ مَعْناهُ ماذا أفادَ ائْتِمانُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ حَتّى آمَنَكم عَلَيْهِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ، فَهو يَسْتَفْهِمُ عَنْ وجْهِ التَّأْكِيدِ في قَوْلِهِمْ ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾، والمَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ عَلى احْتِمالَيْها هو التَّفْرِيعُ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾)، أيْ خَيْرٌ حِفْظًا مِنكم، فَإنْ حَفِظَهُ اللَّهُ سَلِمَ وإنْ لَمْ يَحْفَظْهُ لَمْ يَسْلَمْ كَما لَمْ يَسْلَمْ أخُوهُ مِن قَبْلُ حِينَ أمِنتُكم عَلَيْهِ.

وهم قَدِ اقْتَنَعُوا بِجَوابِهِ وعَلِمُوا مِنهُ أنَّهُ مُرْسِلٌ مَعَهم أخاهم، ولِذَلِكَ لَمْ يُراجِعُوهُ في شَأْنِهِ.

و(حِفْظًا) مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ حافِظًا عَلى أنَّهُ حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ وهي حالٌ لازِمَةٌ.

65

وَلَمَّا فَتَحُوا۟ مَتَٰعَهُمْ وَجَدُوا۟ بِضَٰعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مَا نَبْغِى ۖ هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍۢ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌۭ يَسِيرٌۭ

And when they opened their baggage, they found their merchandise returned to them. They said, "O our father, what [more] could we desire? This is our merchandise returned to us. And we will obtain supplies for our family and protect our brother and obtain an increase of a camel's load; that is an easy measurement."

صفحة ١٧

﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ قالُوا يا أبانا ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ونَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أصْلُ المَتاعِ ما يُتَمَتَّعُ بِهِ مِنَ العُرُوضِ والثِّيابِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] في سُورَةِ النِّساءِ. وأُطْلِقَ هُنا عَلى أعْدالِ المَتاعِ وأحْمالِهِ مِن تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ الحالِّ فِيهِ.

وجُمْلَةُ قالُوا يا أبانا مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِتَرَقُّبِ السّامِعِ أنْ يَعْلَمَ ماذا صَدَرَ مِنهم حِينَ فَجَأهم وِجْدانُ بِضاعَتِهِمْ في ضِمْنِ مَتاعِهِمْ لِأنَّها مُفاجَأةٌ غَرِيبَةٌ، ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ لَمْ يُعْطَفْ بِالفاءِ.

و(ما) في قَوْلِهِ ما نَبْغِي يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ بِتَنْزِيلِ المُخاطَبِ مَنزِلَةَ مَن يَتَطَلَّبُ مِنهم تَحْصِيلَ بُغْيَةٍ فَيُنْكِرُونَ أنْ تَكُونَ لَهم بُغْيَةٌ أُخْرى أيْ ماذا نَطْلُبُ بَعْدَ هَذا. ويَجُوزُ كَوْنُ (ما) نافِيَةً، والمَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ في مَعْنى النَّفْيِ.

وجُمْلَةُ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما نَبْغِي﴾ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ. وإنَّما عَلِمُوا أنَّها رُدَّتْ إلَيْهِمْ بِقَرِينَةِ وضْعِها في العِدْلِ بَعْدَ وضْعِ الطَّعامِ وهم قَدْ كانُوا دَفَعُوها إلى الكَيّالِينَ، أوْ بِقَرِينَةِ ما شاهَدُوا في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ العَطْفِ عَلَيْهِمْ، والوَعْدِ بِالخَيْرِ إنْ هم أتَوْا بِأخِيهِمْ إذْ قالَ لَهم ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [يوسف: ٥٩] .

وجُمْلَةُ ﴿ونَمِيرُ أهْلَنا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾، لِأنَّها في قُوَّةِ هَذا ثَمَنُ ما نَحْتاجُهُ مِنَ المِيرَةِ صارَ إلَيْنا ونَمِيرُ بِهِ أهْلَنا، أيْ نَأْتِيهِمْ بِالمِيرَةِ.

والمِيرَةُ بِكَسْرِ المِيمِ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ: هي الطَّعامُ المَجْلُوبُ.

صفحة ١٨

وجُمْلَةُ ﴿نَحْفَظُ أخانا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ونَمِيرُ أهْلَنا﴾؛ لِأنَّ المَيْرَ يَقْتَضِي ارْتِحالًا لِلْجَلْبِ، وكانُوا سَألُوا أباهم أنْ يَكُونَ أخُوهم رَفِيقًا لَهم في الِارْتِحالِ المَذْكُورِ، فَكانَتِ المُناسَبَةُ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ونَمِيرُ أهْلَنا﴾ وجُمْلَةِ ﴿ونَحْفَظُ أخانا﴾ بِهَذا الِاعْتِبارِ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ تَطْمِينًا لِخاطِرٍ فِيهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ زِيادَةٌ في إظْهارِ حِرْصِهِمْ عَلى سَلامَةِ أخِيهِمْ؛ لِأنَّ في سَلامَتِهِ فائِدَةً لَهم بِازْدِيادِ كَيْلِ بَعِيرٍ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُعْطِي المُمْتارَ أكْثَرَ مِن حِمْلِ بَعِيرٍ مِنَ الطَّعامِ، فَإذا كانَ أخُوهم مَعَهم أعْطاهُ حِمْلَ بَعِيرٍ في عِدادِ الأُخْوَةِ. وبِهِ تَظْهَرُ المُناسَبَةُ بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والَّتِي قَبْلَها.

وهَذِهِ الجُمَلُ مُرَتَّبَةٌ تَرْتِيبًا بَدِيعًا؛ لِأنَّ بَعْضَها مُتَوَلِّدٌ عَنْ بَعْضٍ.

والإشارَةُ في ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ إلى الطَّعامِ الَّذِي في مَتاعِهِمْ. وإطْلاقُ الكَيْلِ عَلَيْهِ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ بِقَرِينَةِ الإشارَةِ.

قِيلَ: إنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهم: لَعَلَّهم نَسُوا البِضاعَةَ فَإذا قَدِمْتُمْ عَلَيْهِمْ فَأخْبِرُوهم بِأنَّكم وجَدْتُمُوها في رِحالِكم.

66

قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُۥ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌۭ

[Jacob] said, "Never will I send him with you until you give me a promise by Allah that you will bring him [back] to me, unless you should be surrounded by enemies." And when they had given their promise, he said, "Allah, over what we say, is Witness."

﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكم فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ اشْتَهَرَ الإيتاءُ والإعْطاءُ وما يُرادُ بِهِما في إنْشاءِ الحَلِفِ لِيَطْمَئِنَّ بِصِدْقِ الحالِفِ غَيْرُهُ وهو المَحْلُوفُ لَهُ.

وفِي حَدِيثِ الحَشْرِ «فَيُعْطِي اللَّهَ مِن عُهُودٍ ومَواثِيقَ أنْ لا يَسْألَهُ غَيْرَهُ» . كَما أُطْلِقَ فِعْلُ الأخْذِ عَلى تَلَقِّي المَحْلُوفِ لَهُ لِلْحَلِفِ، قالَ تَعالى ﴿وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١] و﴿قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٠] .

صفحة ١٩

ولَعَلَّ سَبَبَ إطْلاقِ فِعْلِ الإعْطاءِ أنَّ الحالِفَ كانَ في العُصُورِ القَدِيمَةِ يُعْطِي المَحْلُوفَ لَهُ شَيْئًا تَذْكِرَةً لِلْيَمِينِ مِثْلَ سَوْطِهِ أوْ خاتَمِهِ، أوْ أنَّهم كانُوا يَضَعُونَ عِنْدَ صاحِبِ الحَقِّ ضَمانًا يَكُونُ رَهِينَةً عِنْدَهُ. وكانَتِ الحَمالَةُ طَرِيقَةً لِلتَّوْثِيقِ فَشَبَّهَ اليَمِينَ بِالحَمالَةِ. وأثْبَتَ لَهُ الإعْطاءَ والأخْذَ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، وقَدِ اشْتُهِرَ ضِدُّ ذَلِكَ في إبْطالِ التَّوْثِيقِ يُقالُ: رَدَّ عَلَيْهِ حِلْفَهُ.

والمَوْثِقُ: أصْلُهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِلتَّوْثِيقِ، أُطْلِقَ هُنا عَلى المَفْعُولِ وهو ما بِهِ التَّوَثُّقُ، يَعْنِي اليَمِينَ.

ومِنَ اللَّهِ صِفَةٌ لِـ (مَوْثِقًا)، و(مِنَ) لِلِابْتِداءِ، أيْ مَوْثِقًا صادِرًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ومَعْنى ذَلِكَ أنْ يَجْعَلُوا اللَّهَ شاهِدًا عَلَيْهِمْ فِيما وعَدُوا بِهِ بِأنْ يَحْلِفُوا بِاللَّهِ فَتَصِيرُ شَهادَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَتَوَثُّقٍ صادِرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهَذا الِاعْتِبارِ. وذَلِكَ أنْ يَقُولُوا: لَكَ مِيثاقُ اللَّهِ أوْ عَهْدُ اللَّهِ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وبِهَذا يُضافُ المِيثاقُ والعَهْدُ إلى اسْمِ الجَلالَةِ كَأنَّ الحالِفَ اسْتَوْدَعَ اللَّهَ ما بِهِ التَّوَثُّقُ لِلْمَحْلُوفِ لَهُ.

وجُمْلَةُ ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (مَوْثِقًا)، وهو حِكايَةٌ لِقَوْلٍ يَقُولُهُ أبْناؤُهُ المَطْلُوبُ مِنهم إيقاعُهُ حِكايَةً بِالمَعْنى عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ الأقْوالِ لِأنَّهم لَوْ نَطَقُوا بِالقَسَمِ لَقالُوا: لَنَأْتِيَنَّكَ بِهِ، فَلَمّا حَكاهُ هو رَكَّبَ الحِكايَةَ بِالجُمْلَةِ الَّتِي هي كَلامُهم وبِالضَّمائِرِ المُناسِبَةِ لِكَلامِهِ بِخِطابِهِ إيّاهم.

ومِن هَذا النَّوْعِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧]، وإنَّ ما أمَرَهُ اللَّهُ: قُلْ لَهم أنْ يَعْبُدُوا رَبَّكَ ورَبَّهم.

ومَعْنى ﴿يُحاطَ بِكُمْ﴾ يُحِيطُ بِكم مُحِيطٌ. والإحاطَةُ: الأخْذُ بِأسْرٍ أوْ هَلاكٍ مِمّا هو خارِجٌ عَنْ قُدْرَتِهِمْ، وأصْلُهُ إحاطَةُ الجَيْشِ في الحَرْبِ، فاسْتُعْمِلَ مَجازًا في الحالَةِ الَّتِي لا يُسْتَطاعُ التَّغَلُّبُ عَلَيْها، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] .

صفحة ٢٠

والِاسْتِثْناءُ في ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ أحْوالٍ، فالمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن أنْ مَعَ الفِعْلِ في مَوْضِعِ الحالِ، وهو كالإخْبارِ بِالمَصْدَرِ، فَتَأْوِيلُهُ: إلّا مُحاطًا بِكم.

وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] تَذْكِيرٌ لَهم بِأنَّ اللَّهَ رَقِيبٌ عَلى ما وقَعَ بَيْنَهم. وهَذا تَوْكِيدٌ لِلْحَلِفِ.

والوَكِيلُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَوْكُولٍ إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ في ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: …

67

وَقَالَ يَٰبَنِىَّ لَا تَدْخُلُوا۟ مِنۢ بَابٍۢ وَٰحِدٍۢ وَٱدْخُلُوا۟ مِنْ أَبْوَٰبٍۢ مُّتَفَرِّقَةٍۢ ۖ وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۖ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ

And he said, "O my sons, do not enter from one gate but enter from different gates; and I cannot avail you against [the decree of] Allah at all. The decision is only for Allah; upon Him I have relied, and upon Him let those who would rely [indeed] rely."

﴿وقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾

وقالَ يا بَنِيَّ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [يوسف: ٦٦] .

وإعادَةُ فِعْلِ ”قالَ“ لِلْإشارَةِ إلى اخْتِلافِ زَمَنِ القَوْلَيْنِ وإنْ كانا مَعًا مُسَبَّبَيْنِ عَلى إيتاءِ مَوْثِقِهِمْ، لِأنَّهُ اطْمَأنَّ لِرِعايَتِهِمُ ابْنَهُ وظَهَرَتْ لَهُ المَصْلَحَةُ في سَفَرِهِمْ لِلِامْتِيارِ، فَقَوْلُهُ ﴿يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ صادِرٌ في وقْتِ إزْماعِهِمُ الرَّحِيلَ. والمَقْصُودُ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِ هَذا العِبْرَةُ بِقَوْلِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ إلَخَّ.

والأبْوابُ: أبْوابُ المَدِينَةِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ البابِ آنِفًا. وكانَتْ مَدِينَةَ مَنفِيسَ مِن أعْظَمِ مُدُنِ العالَمِ فَهي ذاتُ أبْوابٍ. وإنَّما نَهاهم أنْ يَدْخُلُوها مِن بابٍ واحِدٍ خَشْيَةَ أنْ يَسْتَرْعِيَ عَدَدُهم أبْصارَ أهْلِ المَدِينَةِ وحُرّاسَها وأزْياؤُهم أزْياءُ الغُرَباءِ عَنْ أهْلِ المَدِينَةِ أنْ يُوجِسُوا مِنهم خِيفَةً مِن تَجَسُّسٍ أوْ سَرِقَةٍ فَرُبَّما سَجَنُوهم

صفحة ٢١

أوْ رَصَدُوا الأعْيُنَ إلَيْهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ضُرًّا لَهم وحائِلًا دُونَ سُرْعَةِ وُصُولِهِمْ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ودُونَ قَضاءِ حاجَتِهِمْ. وقَدْ قِيلَ في الحِكْمَةِ: اسْتَعِينُوا عَلى قَضاءِ حَوائِجِكم بِالكِتْمانِ.

ولَمّا كانَ شَأْنُ إقامَةِ الحُرّاسِ والأرْصادِ أنْ تَكُونَ عَلى أبْوابِ المَدِينَةِ اقْتَصَرَ عَلى تَحْذِيرِهِمْ مِنَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ دُونَ أنْ يُحَذِّرَهم مِنَ المَشْيِ في سِكَّةٍ واحِدَةٍ مِن سِكَكِ المَدِينَةِ، ووَثِقَ بِأنَّهم عارِفُونَ بِسِكَكِ المَدِينَةِ فَلَمْ يَخْشَ ضَلالَهم فِيها، وعَلِمَ أنَّ بِنْيامِينَ يَكُونُ في صُحْبَةِ أحَدِ إخْوَتِهِ لِئَلّا يَضِلَّ في المَدِينَةِ.

والمُتَفَرِّقَةُ أرادَ بِها المُتَعَدِّدَةَ لِأنَّهُ جَعَلَها في مُقابَلَةِ الواحِدِ. ووَجْهُ العُدُولِ عَنِ المُتَعَدِّدَةِ إلى المُتَفَرِّقَةِ الإيماءُ إلى عِلَّةِ الأمْرِ وهي إخْفاءُ كَوْنِهِمْ جَماعَةً واحِدَةً.

وجُمْلَةُ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ، أيْ وما أُغْنِي عَنْكم بِوَصِيَّتِي هَذِهِ شَيْئًا. ومِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ أُغْنِي، أيْ لا يَكُونُ ما أمَرْتُكم بِهِ مُغْنِيًا غَناءً مُبْتَدِئًا مِن عِنْدِ اللَّهِ بَلْ هو الأدَبُ والوُقُوفُ عِنْدَ ما أمَرَ اللَّهُ، فَإنْ صادَفَ ما قَدَّرَهُ فَقَدْ حَصَلَ فائِدَتانِ، وإنْ خالَفَ ما قَدَّرَهُ حَصَلَتْ فائِدَةُ امْتِثالِ أوامِرِهِ واقْتِناعُ النَّفْسِ بِعَدَمِ التَّفْرِيطِ.

وتَقَدَّمَ وجْهُ تَرْكِيبِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] في سُورَةِ العُقُودِ.

وأرادَ بِهَذا تَعْلِيمَهُمُ الِاعْتِمادَ عَلى تَوْفِيقِ اللَّهِ ولُطْفِهِ مَعَ الأخْذِ بِالأسْبابِ المُعْتادَةِ الظّاهِرَةِ تَأدُّبًا مَعَ واضِعِ الأسْبابِ ومُقَدِّرِ الألْطافِ في رِعايَةِ الحالَيْنِ، لِأنّا لا نَسْتَطِيعُ أنْ نَطَّلِعَ عَلى مُرادِ اللَّهِ في الأعْمالِ فَعَلَيْنا أنْ نَتَعَرَّفَها بِعَلاماتِها ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِالسَّعْيِ لَها.

وهَذا سِرُّ مَسْألَةِ القَدَرِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ»، وفي الأثَرِ: ”إذا أرادَ اللَّهُ أمْرًا يَسَّرَ أسْبابَهُ“ . …

68

وَلَمَّا دَخَلُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةًۭ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَىٰهَا ۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلْمٍۢ لِّمَا عَلَّمْنَٰهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

And when they entered from where their father had ordered them, it did not avail them against Allah at all except [it was] a need within the soul of Jacob, which he satisfied. And indeed, he was a possessor of knowledge because of what We had taught him, but most of the people do not know.

﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهم ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ. والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.

ودَلَّتْ (حَيْثُ) عَلى الجِهَةِ، أيْ لَمّا دَخَلُوا مِنَ الجِهاتِ الَّتِي أمَرَهم أبُوهم بِالدُّخُولِ مِنها. فالجُمْلَةُ الَّتِي تُضافُ إلَيْها حَيْثُ هي الَّتِي تُبَيِّنُ المُرادَ مِنَ الجِهَةِ.

وقَدْ أغْنَتْ جُمْلَةُ ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ عَنْ جُمَلٍ كَثِيرَةٍ، وهي أنَّهُمُ ارْتَحَلُوا ودَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهم، ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم سَلِمُوا مِمّا كانَ يَخافُهُ عَلَيْهِمْ. وما كانَ دُخُولُهم مِن حَيْثُ أمَرَهم يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَوْ قَدَّرَ اللَّهُ أنْ يُحاطَ بِهِمْ، فالكَلامُ إيجازٌ. ومَعْنى ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أنَّهُ ما كانَ يَرُدُّ عَنْهم قَضاءَ اللَّهِ لَوْلا أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ سَلامَتَهم.

والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا حاجَةً﴾ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ الحاجَةَ الَّتِي في نَفْسِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الشَّيْءِ المَنفِيِّ إغْناؤُهُ عَنْهم مِنَ اللَّهِ، فالتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَضاها.

والقَضاءُ: الإنْفاذُ، ومَعْنى قَضاها أنْفَذَها. يُقالُ: قَضى حاجَةً لِنَفْسِهِ، إذا أنْفَذَ ما أضْمَرَهُ في نَفْسِهِ، أيْ نَصِيحَةً لِأبْنائِهِ أدّاها لَهم ولَمْ يَدَّخِرْها عَنْهم لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِأنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا يَظُنُّهُ نافِعًا لَهم إلّا أبْلَغَهُ إلَيْهِمْ.

صفحة ٢٥

والحاجَةُ: الأمْرُ المَرْغُوبُ فِيهِ. سُمِّيَ حاجَةً لِأنَّهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ، فَهي مِنَ التَّسْمِيَةِ بِاسْمِ المَصْدَرِ. والحاجَةُ الَّتِي في نَفْسِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ هي حِرْصُهُ عَلى تَنْبِيهِهِمْ لِلْأخْطارِ الَّتِي تَعْرِضُ لِأمْثالِهِمْ في مِثْلِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ إذا دَخَلُوا مِن بابٍ واحِدٍ. وتَعْلِيمُهُمُ الأخْذَ بِالأسْبابِ مَعَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ.

وجُمْلَةُ ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ إلَخْ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .

وهُوَ ثَناءٌ عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعِلْمِ والتَّدْبِيرِ، وأنَّ ما أسْداهُ مِنَ النُّصْحِ لَهم هو مِنَ العِلْمِ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ وهو مِن عِلْمِ النُّبُوءَةِ.

وقَوْلُهُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ اسْتِدْراكٌ نَشَأ عَنْ جُمْلَةِ ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ إلَخَّ. والمَعْنى أنَّ اللَّهَ أمَرَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأخْذِ أسْبابِ الِاحْتِياطِ والنَّصِيحَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ ذَلِكَ لا يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قَدَّرَهُ لَهم، فَإنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى خَفِيٌّ عَنِ النّاسِ، وقَدْ أمَرَ بِسُلُوكِ الأسْبابِ المُعْتادَةِ. وعَلِمَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ تَطَلُّبَ الأمْرَيْنِ فَيُهْمِلُونَ أحَدَهُما. فَمِنهم مَن يُهْمِلُ مَعْرِفَةَ أنَّ الأسْبابَ الظّاهِرِيَّةَ لا تَدْفَعُ أمْرًا قَدَّرَهُ اللَّهُ وعَلِمَ أنَّهُ واقِعٌ، ومِنهم مَن يُهْمِلُ الأسْبابَ وهو لا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أرادَ في بَعْضِ الأحْوالِ عَدَمَ تَأْثِيرِها.

وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ بِصَرِيحِهِ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمِلَ بِما عَلَّمَهُ …

69

وَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And when they entered upon Joseph, he took his brother to himself; he said, "Indeed, I am your brother, so do not despair over what they used to do [to me]."

﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّيَ أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ كَمُوقِعِ جُمْلَةِ ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ [يوسف: ٦٨] في إيجازِ الحَذْفِ.

والإيواءُ: الإرْجاعُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ﴾ [يونس: ٨] في سُورَةِ يُونُسَ.

وأُطْلِقَ الإيواءُ هُنا مَجازًا عَلى الإدْناءِ والتَّقْرِيبِ كَأنَّهُ إرْجاعٌ إلى مَأْوًى، وإنَّما أدْناهُ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الإسْرارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنِّي أنا أخُوكَ﴾ .

وجُمْلَةُ ﴿قالَ إنِّي أنا أخُوكَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾، وكَلَّمَهُ بِكَلِمَةٍ مُخْتَصَرَةٍ بَلِيغَةٍ إذْ أفادَهُ أنَّهُ هو أخُوهُ الَّذِي ظَنَّهُ أكَلَهُ الذِّئْبُ. فَأكَّدَ الخَبَرَ بِـ (إنَّ) وبِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وبِالقَصْرِ الَّذِي أفادَهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ، أيْ (أنا) مَقْصُورَةٌ عَلى الكَوْنِ أخاكَ لا أجْنَبِيٌّ عَنْكَ، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ لِاعْتِقادِهِ أنَّ الَّذِي كَلَّمَهُ لا قَرابَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ.

وفَرَّعَ عَلى هَذا الخَبَرِ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، والِابْتِئاسُ: مُطاوَعَةُ الإبْئاسِ، أيْ جَعْلُ أحَدٍ بائِسًا، أيْ صاحِبَ بُؤْسٍ.

والبُؤْسُ: هو الحُزْنُ والكَدَرُ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن سُورَةِ هُودٍ. والضَّمِيرانِ في (كانُوا) و(يَعْلَمُونَ) راجِعانِ إلى

صفحة ٢٧

إخْوَتِهِما بِقَرِينَةِ المَقامِ، وأرادَ بِذَلِكَ ما كانَ يَجِدُهُ أخُوهُ بِنْيامِينُ مِنَ الحُزْنِ لِهَلاكِ أخِيهِ الشَّقِيقِ وفَظاظَةِ إخْوَتِهِ وغَيْرَتِهِمْ مِنهُ.

والنَّهْيُ عَنِ الِابْتِئاسِ مُقْتَضٍ الكَفَّ عَنْهُ، أيْ أزِلْ عَنْكَ الحُزْنَ واعْتَضْ عَنْهُ بِالسُّرُورِ.

وأفادَ فِعْلُ الكَوْنِ في المُضِيِّ أنَّ المُرادَ ما عَمِلُوهُ فِيما مَضى. وأفادَ صَوْغُ (يَعْلَمُونَ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ أنَّهُ أعْمالٌ مُتَكَرِّرَةٌ مِنَ الأذى. وفي هَذا تَهْيِئَةٌ لِنَفْسِ أخِيهِ لِتَلَقِّي حادِثِ الصُّواعِ بِاطْمِئْنانٍ حَتّى لا يَخْشى أنْ يَكُونَ بِمَحَلِّ الرِّيبَةِ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

70

فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَٰرِقُونَ

So when he had furnished them with their supplies, he put the [gold measuring] bowl into the bag of his brother. Then an announcer called out, "O caravan, indeed you are thieves."

﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهْوَ جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ في الآياتِ قَبْلَ هَذِهِ. وإسْنادُ (جَعَلَ السِّقايَةَ) إلى ضَمِيرِ يُوسُفَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وإنَّما هو آمِرٌ بِالجَعْلِ والَّذِينَ جَعَلُوا السِّقايَةَ هُمُ العَبِيدُ المُوَكَّلُونَ بِالكَيْلِ.

والسِّقايَةُ: إناءٌ كَبِيرٌ يُسْقى بِهِ الماءُ والخَمْرُ. والصُّواعُ: لُغَةٌ في الصّاعِ، وهو وِعاءٌ لِلْكَيْلِ يُقَدَّرُ بِوَزْنِ رِطْلٍ ورُبُعٍ أوْ وثُلُثٍ. وكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ

صفحة ٢٨

بِالمِقْدارِ، يُقَدِّرُ كُلُّ شارِبٍ لِنَفْسِهِ ما اعْتادَ أنَّهُ لا يَصْرَعُهُ، ويَجْعَلُونَ آنِيَةَ الخَمْرِ مُقَدَّرَةً بِمَقادِيرَ مُخْتَلِفَةٍ، فَيَقُولُ الشّارِبُ لِلسّاقِي: رِطْلًا أوْ صاعًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. فَتَسْمِيَةُ هَذا الإناءِ سِقايَةً وتَسْمِيَتُهُ صُواعًا جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ. وفي التَّوْراةِ سُمِّيَ طاسًا، ووُصِفَ بِأنَّهُ مِن فِضَّةٍ.

وتَعْرِيفُ السِّقايَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ سِقايَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا يَخْلُو عَنْ مِثْلِها مَجْلِسُ العَظِيمِ.

وإضافَةُ الصُّواعِ إلى المَلِكِ لِتَشْرِيفِهِ، وتَهْوِيلِ سَرِقَتِهِ عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ شُئُونَ الدَّوْلَةِ كُلَّها لِلْمَلِكِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ المَلِكُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْظِيمًا لَهُ.

والتَّأْذِينُ: النِّداءُ المُكَرَّرُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والعِيرُ: اسْمٌ لِلْحَمُولَةِ مِن إبِلٍ وحَمِيرٍ وما عَلَيْها مِن أحْمالٍ وما مَعَها مِن رُكّابِها، فَهو اسْمٌ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُسْنِدَتِ السَّرِقَةُ إلى جَمِيعِهِمْ جَرْيًا عَلى المُعْتادِ مِن مُؤاخَذَةِ الجَماعَةِ بِجُرْمِ الواحِدِ مِنهم.

وتَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ وهو أيَّتُها لِتَأْوِيلِ العِيرِ بِمَعْنى الجَماعَةِ؛ لِأنَّ الرُّكّابَ هُمُ الأهَمُّ.

وجُمْلَةُ (قالُوا) جَوابٌ لِنِداءِ المُنادِي إيّاهم ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾، فَفُصِلَتِ الجُمْلَةُ لِأنَّها في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ كَما تَكَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وضَمِيرُ (قالُوا) عائِدٌ إلى العِيرِ.

وجُمْلَةُ ﴿وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (قالُوا)، ومَرْجِعُ ضَمِيرِ (أقْبَلُوا) عائِدٌ إلى فِتْيانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) راجِعٌ

صفحة ٢٩

إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (قالُوا)، أيْ وقَدْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ فِتْيانُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وجَعَلُوا جُعْلًا لِمَن يَأْتِي بِالصُّواعِ. والَّذِي قالَ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ واحِدٌ مِنَ المُقْبِلِينَ وهو كَبِيرُهم. والزَّعِيمُ: الكَفِيلُ.

وهَذِهِ الآيَةُ قَدْ جَعَلَها الفُقَهاءُ أصْلًا لِمَشْرُوعِيَّةِ الجُعْلِ والكَفالَةِ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ ذا شَرْعٍ حَتّى يَسْتَأْنِسَ لِلْأخْذِ بِـ (أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا) إذا حَكاهُ كَلامُ اللَّهِ أوْ رَسُولِهِ. ولَوْ قُدِّرَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَوْمَئِذٍ نَبِيًّا فَلا يَثْبُتُ أنَّهُ رَسُولٌ بِشَرْعٍ، …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.