Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 61–70 of 111

61

قَالُوا۟ سَنُرَٰوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَٰعِلُونَ

They said, "We will attempt to dissuade his father from [keeping] him, and indeed, we will do [it]."

﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ سَنُخادِعُهُ ونَسْتَمِيلُهُ بِرِفْقٍ ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عِزِّ المَطْلَبِ وصُعُوبَةِ مَنالِهِ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ . (61) . أيْ إنّا لَقادِرُونَ عَلى ذَلِكَ لا نَتَعايا بِهِ وإنّا لَفاعِلُونَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ ولا نُفَرِّطُ فِيهِ ولا نَتَوانى والجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ تَذْيِيلٌ يُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الأُولى ويُحَقِّقُ حُصُولَ المَوْعُودِ مِن إطْلاقِ المُسَبَّبِ أعْنِي الفِعْلَ عَلى السَّبَبِ أعْنِي

صفحة 10

القُدْرَةَ وعَلى الثّانِي هي تَحْقِيقٌ لِلْوَفاءِ بِالوَعْدِ ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْعُودَ يَحْصُلُ أوَّلًا.

62

وَقَالَ لِفِتْيَٰنِهِ ٱجْعَلُوا۟ بِضَٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

And [Joseph] said to his servants, "Put their merchandise into their saddlebags so they might recognize it when they have gone back to their people that perhaps they will [again] return."

﴿وقالَ﴾ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لِفِتْيانِهِ﴾ لِغِلْمانِهِ الكَيّالِينَ كَما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ أوْ لِأعْوانِهِ المُوَظِّفِينَ لِخِدْمَتِهِ كَما قِيلَ وهو جَمْعُ فَتًى أوِ اسْمُ جَمْعٍ لَهُ عَلى قَوْلٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ ( لِفِتْيَتِهِ ) وهو جَمْعُ قِلَّةٍ لَهُ ورُجِّحَتِ القِراءَةُ الأُولى بِأنَّها أوْفَقُ بِقَوْلِهِ: ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ فَإنَّ الرِّحالَ فِيهِ جَمْعُ كَثْرَةٍ ومُقابَلَةُ الجَمْعِ بِالجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسامَ الآحادِ عَلى الآحادِ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في مُقابَلَةِ صِيغَةِ جَمْعِ الكَثْرَةِ وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى يُسْتَعارُ أحَدُ الجَمْعَيْنِ لِلْآخَرِ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَلَ بِكُلِّ رَحْلٍ رَجُلًا يُعَبِّي فِيهِ بِضاعَتَهُمُ الَّتِي اشْتَرَوْا بِها الطَّعامَ وكانَتْ نِعالًا وأُدْمًا وأصْلُ البِضاعَةِ قِطْعَةٌ وافِرَةٌ مِنَ المالِ تُقْتَنى لِلتِّجارَةِ والمُرادُ بِها هُنا ثَمَنُ ما اشْتَرَوْهُ.

والرَّحْلُ ما عَلى ظَهَرَ المَرْكُوبُ مِن مَتاعِ الرّاكِبِ وغَيْرُهُ كَما في البَحْرِ وقالَ الرّاغِبُ: هو ما يُوضَعُ عَلى البَعِيرِ لِلرُّكُوبِ ثُمَّ يُعَبَّرُ بِهِ تارَةً عَنِ البَعِيرِ وأُخْرى عَمّا يُجْلَسُ عَلَيْهِ في المَنزِلِ ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أرْحِلَةٍ والظّاهِرُ أنَّ هَذا الأمْرَ كانَ بَعْدَ تَجْهِيزِهِمْ وقِيلَ: قَبْلَهُ فَفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ ولا حاجَةَ إلَيْهِ وإنَّما فَعَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ وخَوْفًا أنْ لا يَكُونَ عِنْدَ أبِيهِ ما يَرْجِعُونَ بِهِ مَرَّةً أُخْرى وكُلُّ ذَلِكَ لِتَحْقِيقِ ما يَتَوَخّاهُ مِن رُجُوعِهِمْ بِأخِيهِمْ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ أيْ يَعْرِفُونَ حَقَّ رَدِّها والتَّكَرُّمِ بِذَلِكَ فَلَعَلَّ عَلى ظاهِرِها وفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لِكَيْ يَعْرِفُوها فَلا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ وهو ظاهِرُ التَّعَلُّقِ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا انْقَلَبُوا﴾ أيْ رَجَعُوا ﴿إلى أهْلِهِمْ﴾ فَإنَّ مَعْرِفَتَهم لَها مُقَيَّدَةٌ بِالرُّجُوعِ وتَفْرِيغِ الأوْعِيَةِ قَطْعًا وأمّا مَعْرِفَةُ حَقِّ التَّكَرُّمِ في رَدِّها وإنْ كانَتْ في ذاتِها غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِذَلِكَ لَكِنْ لَمّا كانَ ابْتِداؤُها حِينَئِذٍ قُيِّدَتْ بِهِ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ . (62) . حَسْبَما طَلَبْتُ مِنهم فَإنَّ التَّفَضُّلَ بِإعْطاءِ البَدَلَيْنِ ولا سِيَّما عِنْدَ إعْوازِ البِضاعَةِ مِن أقْوى الدَّواعِي إلى الرُّجُوعِ وقِيلَ: إنَّما فَعَلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما أنَّهُ لَمْ يَرَ مِنَ الكَرَمِ أنْ يَأْخُذَ مِن أبِيهِ وإخْوَتِهِ ثَمَنًا وهو الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ وهو كَلامٌ حَقٌّ في نَفْسِهِ ولَكِنْ يَأْباهُ التَّعْلِيلُ المَذْكُورُ ومِثْلُهُ في هَذا ما زَعَمَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن وُجُوبِ صِلَتِهِمْ وجَبْرِهِمْ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في تِلْكَ الشِّدَّةِ إذْ هو مَلِكٌ عادِلٌ وهم أهْلُ إيمانٍ ونُبُوَّةٍ وأغْرَبُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَلَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِجَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِيَتَبَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ لِمَن يَتَأمَّلُ القِصَّةَ ووَجَّهَ بَعْضُهم عَلَيْهِ الجَعْلَ المَذْكُورَ لِلرُّجُوعِ بِأنَّ دِيانَتَهم تَحْمِلُهم عَلى رَدِّ البِضاعَةِ لِاحْتِمالِ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ قَصْدًا أوْ قَصْدًا لِلتَّجْرِبَةِ فَيَرْجِعُونَ عَلى هَذا إمّا لازِمٌ وإمّا مُتَعَدٍّ والمَعْنى يُرْجِعُونَها أيْ يَرُدُّونَها وفِيهِ أنَّ هَيْئَةَ التَّعْبِيَةِ تُنادِي بِأنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ فاحْتِمالُ غَيْرِهِ في …

63

فَلَمَّا رَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيهِمْ قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ

So when they returned to their father, they said, "O our father, [further] measure has been denied to us, so send with us our brother [that] we will be given measure. And indeed, we will be his guardians."

﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ أيْ حُكِمَ بِمَنعِهِ بَعْدَ اليَوْمِ إنْ لَمْ نَذْهَبْ بِأخِينا بِنْيامِينَ حَيْثُ قالَ لَنا المَلِكُ ( إنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ) والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ عَمّا ذُكِرَ مَجازٌ والدّاعِي لِارْتِكابِهِ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ مَنعٌ ماضٍ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى كَوْنِ الِامْتِيارِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى كانَ مَعْهُودًا بَيْنَهم وبَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: إنَّ الفِعْلَ عَلى حَقِيقَتِهِ والمُرادُ مُنِعَ أنْ يُكالَ لِأخِيهِمُ الغائِبِ حِمْلًا آخَرَ ورُدَّ بِعِيرُهُ غَيْرَ مُحَمَّلٍ بِناءً عَلى رِوايَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُعْطِ لَهُ وسْقًا ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا﴾ بِنْيامِينَ إلى مِصْرَ وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ مَدارَ المَنعِ عَلى عَدَمِ

صفحة 11

كَوْنِهِ مَعَهم ﴿نَكْتَلْ﴾ أيْ مِنَ الطَّعامِ ما نَحْتاجُ إلَيْهِ وهو جَوابُ الطَّلَبِ قِيلَ: والأصْلُ يَرْفَعُ المانِعَ ونَكْتَلْ فالجَوابُ هو يَرْفَعُ إلّا أنَّهُ رُفِعُ ووُضِعَ مَوْضِعَهُ يَكْتَلْ لِأنَّهُ لَمّا عُلِّقَ المَنعُ مِنَ الكَيْلِ بِعَدَمِ إتْيانِ أخِيهِمْ كانَ إرْسالُهُ رَفْعًا لِذَلِكَ المانِعِ ووُضِعَ مَوْضِعُهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ المَقْصُودُ وقِيلَ: إنَّهُ جِيءَ بِآخِرِ الجُزْأيْنِ تَرَتُّبًا دَلالَةً عَلى أوَّلِهِما مُبالَغَةً وأصْلُ هَذا الفِعْلِ نَكْتِيلُ عَلى وزْنِ نَفْعِيلٍ قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها ثُمَّ حُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ ومِنَ الغَرِيبِ أنَّهُ نَقَلَ السَّجاوَنْدِيُّ أنَّهُ سَألَ المازِنِيُّ ابْنَ السِّكِّيتِ عِنْدَ الواثِقِ عَنْ وزْنِ نَكْتَلْ فَقالَ: تَفْعَلُ فَقالَ المازِنِيُّ: فَإذا ماضِيهِ كُتَلْ فَخَطَّأهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يَكْتَلْ ) بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى إسْنادِهِ لِلْأخِ مَجازًا لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلِاكْتِيالِ أوْ يَكْتَلْ أخُونا فَيَنْضَمَّ اكْتِيالُهُ إلى اكْتِيالِنا وقَوّى أبُو حَيّانَ بِهَذِهِ القِراءَةِ القَوْلَ بِبَقاءِ مُنِعَ عَلى حَقِيقَتِهِ ومِثْلُهُ الإمامُ ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ . (63) . مِن أنْ يُصِيبَهُ مَكْرُوهٌ وهَذا سَدٌّ لِبابِ الِاعْتِذارِ وقَدْ بالَغُوا في ذَلِكَ كَما لا يَخْفى وفي بَعْضِ الأخْبارِ ولا يَخْفى حالُهُ أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلى أبِيهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ سَلَّمُوا عَلَيْهِ سَلامًا ضَعِيفًا فَقالَ لَهم: يا بَنِيَّ ما لَكم تُسَلِّمُونَ عَلَيَّ سَلامًا ضَعِيفًا وما لِي لا أسْمَعُ فِيكم صَوْتَ شَمْعُونَ فَقالُوا: يا أبانا جِئْناكَ مِن عِنْدِ أعْظَمِ النّاسِ مُلْكًا ولَمْ يُرَ مِثْلُهُ عِلْمًا وحُكْمًا وخُشُوعًا وسَكِينَةً ووَقارًا ولَئِنْ كانَ لَكَ شَبَهٌ فَإنَّهُ يُشْبِهُكَ ولَكِنّا أهْلُ بَيْتٍ خُلِقْنا لِلْبَلاءِ إنَّهُ اتَّهَمَنا وزَعَمَ أنَّهُ لا يُصَدِّقُنا حَتّى تُرْسِلَ مَعَنا بِنْيامِينَ بِرِسالَةٍ مِنكَ تُخْبِرُهُ عَنْ حُزْنِكَ وما الَّذِي أحْزَنَكَ وعَنْ سُرْعَةِ الشَّيْبِ إلَيْكَ وذَهابِ بَصَرِكَ وقَدْ مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فِيما يُسْتَقْبَلُ إنْ لَمْ نَأْتِهِ بِأخِينا فَأرْسِلْهُ مَعَنا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ حَتّى نَأْتِيَكَ بِهِ

64

قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَٰفِظًۭا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ

He said, "Should I entrust you with him except [under coercion] as I entrusted you with his brother before? But Allah is the best guardian, and He is the most merciful of the merciful."

قالَ ﴿هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ و﴿آمَنُكُمْ﴾ بِالمَدِّ وفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ النُّونِ مُضارِعٌ مِن بابِ عَلِمَ وأمِنَهُ وائْتَمَنَهُ بِمَعْنًى أيْ ما ائْتَمَنكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم أيْ إلّا ائْتِمانًا مِثْلَ ائْتِمانِي إيّاكم عَلى أخِيهِ يُوسُفَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ وقَدْ قُلْتُمْ أيْضًا في حَقِّهِ ما قُلْتُمْ ثُمَّ فَعَلْتُمْ بِهِ ما فَعَلْتُمْ فَلا أثِقُ بِكم ولا بِحِفْظِكم وإنَّما أُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ تَعالى ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ . (64) . فَأرْجُو أنْ يَرْحَمَنِي بِحِفْظِهِ ولا يَجْمَعَ عَلَيَّ مُصِيبَتَيْنِ وهَذا كَما تَرى مَيْلٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الإذْنِ والإرْسالِ لَمّا رَأى فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ وفِيهِ أيْضًا مِنَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى ما لا يَخْفى ولِذا رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: وعِزَّتِي وجَلالِي لَأرُدَّهُما عَلَيْكَ إذْ تَوَكَّلْتَ عَلَيَّ ونُصِبَ ﴿حافِظًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ نَحْوَ لِلَّهِ دَرُّهُ فارِسًا وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ عَلى الحالِيَّةِ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما فِيهِ مِن تَقْيِيدِ الخَيْرِيَّةِ بِهَذِهِ الحالَةِ ورُدَّ بِأنَّها حالٌ لازِمَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لا مُبَيِّنَةٌ ومِثْلُها كَثِيرٌ مَعَ أنَّهُ قَوْلٌ بِالمَفْهُومِ وهو غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ولَوِ اعْتُبِرَ ورُدَّ عَلى التَّمْيِيزِ وفِيهِ نَظَرٌ وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ ( حِفْظًا ) ونَصْبُهُ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ عَلى التَّمْيِيزِ لا غَيْرَ وقَرَأ الأعْمَشُ ( خَيْرُ حافِظٍ ) عَلى الإضافَةِ وإفْرادُ ( حافِظٍ ) وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ ( خَيْرُ الحافِظِينَ ) عَلى الإضافَةِ والجَمْعِ ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو خَيْرُ الحافِظِينَ ) قالَ أبُو حَيّانَ: ويَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ جُمْلَةُ ( وهو خَيْرُ ) .. إلَخْ تَفْسِيرًا لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها لا أنَّها قُرْآنٌ وقَدْ مَرَّ تَعْلِيلُ ذَلِكَ

65

وَلَمَّا فَتَحُوا۟ مَتَٰعَهُمْ وَجَدُوا۟ بِضَٰعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مَا نَبْغِى ۖ هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍۢ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌۭ يَسِيرٌۭ

And when they opened their baggage, they found their merchandise returned to them. They said, "O our father, what [more] could we desire? This is our merchandise returned to us. And we will obtain supplies for our family and protect our brother and obtain an increase of a camel's load; that is an easy measurement."

﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ قالَ الرّاغِبُ: المَتاعُ كُلُّ ما يُنْتَفَعُ بِهِ عَلى وجْهٍ وهو في الآيَةِ الطَّعامُ وقِيلَ: الوِعاءُ وكِلاهُما مَتاعٌ وهُما مُتَلازِمانِ فَإنَّ الطَّعامَ كانَ في الوِعاءِ والمَعْنى عَلى أنَّهم لَمّا فَتَحُوا أوْعِيَةَ طَعامِهِمْ ﴿وجَدُوا بِضاعَتَهُمْ﴾ الَّتِي كانُوا أعْطَوْها ثَمَنًا لِلطَّعامِ ﴿رُدَّتْ إلَيْهِمْ﴾ أيْ تَفَضُّلًا وقَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ بِما مَرَّ مِن دَلالَةِ الحالِ وقَرَأ عَلْقَمَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ

صفحة 12

( رِدَّتْ ) بِكَسْرِ الرّاءِ وذَلِكَ أنَّهُ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الدّالِ المُدْغَمَةِ إلى الرّاءِ بَعْدَ تَوَهُّمِ خُلُوِّها مِنَ الضَّمَّةِ وهي لُغَةٌ لِبَنِي ضَبَّةَ كَما نَقَلَتِ العَرَبُ في قِيلَ وبِيعَ وحَكى قُطْرُبٌ النَّقْلَ في الحَرْفِ الصَّحِيحِ غَيْرِ المُدْغَمِ نَحْوَ ضِرِبَ زَيْدٌ.

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا حِينَئِذٍ فَقِيلَ: قالُوا لِأبِيهِمْ ولَعَلَّهُ كانَ حاضِرًا عِنْدَ الفَتْحِ ﴿يا أبانا ما نَبْغِي﴾ إذا فُسِّرَ البَغْيُّ بِمَعْنى الطَّلَبِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ فَما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً مَنصُوبَةَ المَحَلِّ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِنَبْغِي فالمَعْنى ماذا نَطْلُبُ وراءَ ما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِ المَلِكِ إلَيْنا وكَرَمِهِ الدّاعِي إلى امْتِثالِ أمْرِهِ والمُراجَعَةِ إلَيْهِ في الحَوائِجِ وقَدْ كانُوا أخْبَرُوهُ بِذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ أنَّهم قالُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنّا قَدِمْنا عَلى خَيْرِ رَجُلٍ وأنْزَلَنا وأكْرَمَنا كَرامَةً لَوْ كانَ رَجُلًا مِن آلِ يَعْقُوبَ ما أكْرَمَنا كَرامَتَهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الإنْكارُ مِن بُلُوغِ اللُّطْفِ غايَتَهُ كَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ لا وهَذِهِ بِضاعَتُنا رَدَّها إلَيْنا تَفَضُّلًا مِن حَيْثُ لا نَدْرِي بَعْدَ ما مَنَّ عَلَيْنا بِما يُثْقِلُ الكَواهِلَ مِنَ المِنَنِ العِظامِ وهَلْ مِن مَزِيدٍ عَلى هَذا فَنَطْلُبُهُ ومُرادُهم بِهِ أنَّ ذَلِكَ كافٍ في اسْتِيجابِ الِامْتِثالِ لِأمْرِهِ والِالتِجاءِ إلَيْهِ في اسْتِجْلابِ المَزِيدِ ولَمْ يُرِيدُوا أنَّهُ كافٍ مُطْلَقًا فَيَنْبَغِي التَّقاعُدُ عَنْ طَلَبِ نَظائِرِهِ وهو ظاهِرٌ.

وجُمْلَةُ ﴿رُدَّتْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿بِضاعَتُنا﴾ بِتَقْدِيرِ قَدْ عِنْدَ مَن يَرى وُجُوبَها في أمْثالِ ذَلِكَ والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ وجَعْلُها خَبَرَ ﴿هَذِهِ﴾ و﴿بِضاعَتُنا﴾ بَيانًا لَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ وإيثارُ صِيغَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ قِيلَ: لِلْإيذانِ بِكَمالِ الإحْسانِ النّاشِئِ عَنْ كَمالِ الإخْفاءِ المَفْهُومِ مِن كَمالِ غَفْلَتِهِمْ عَنْهُ بِحَيْثُ لَمْ يَشْعُرُوا بِهِ ولا بِفاعِلِهِ وقِيلَ: لِلْإيذانِ بِتَعَيُّنِ الفاعِلِ وفِيهِ مِن مَدْحِهِ أيْضًا ما فِيهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَمِيرُ أهْلَنا﴾ أيْ نَجْلِبُ لَهُمُ المِيرَةَ وهي بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الياءِ طَعامٌ يَمْتارُهُ الإنْسانُ أيْ يَجْلِبُهُ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ وحاصِلُهُ نَجْلِبُ لَهُمُ الطَّعامَ مِن عِنْدِ المَلِكِ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ رَدُّ البِضاعَةِ أيْ فَنَسْتَظْهِرُ بِها ونُمَيْرُ أهْلَنا ﴿ونَحْفَظُ أخانا﴾ مِنَ المَكارِهِ حَسْبَما وعَدْنا وتَفَرُّعُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ بِاعْتِبارِ دَلالَتِهِ عَلى إحْسانِ المَلِكِ فَإنَّهُ مِمّا يُعِينُ عَلى الحِفْظِ ﴿ونَزْدادُ﴾ أيْ بِواسِطَتِهِ ولِذَلِكَ وسَّطَ الإخْبارَ بِهِ بَيْنَ الأصْلِ والمَزِيدِ ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أيْ وسْقَ بَعِيرٍ زائِدًا عَلى أوَساقِ أباعِرِنا عَلى قَضِيَّةِ التَّقْسِيطِ …

66

قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُۥ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌۭ

[Jacob] said, "Never will I send him with you until you give me a promise by Allah that you will bring him [back] to me, unless you should be surrounded by enemies." And when they had given their promise, he said, "Allah, over what we say, is Witness."

﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ﴾ بَعْدَ أنْ عايَنْتُ مِنكم ما أجْرى المَدامِعَ ﴿حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ حَتّى تُعْطُونِي ما أتَوَثَّقُ بِهِ مِن جِهَتِهِ فالمَوْثِقُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى المَفْعُولِ وأرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَحْلِفُوا لَهُ بِاللَّهِ تَعالى وإنَّما جَعَلَ الحَلِفَ بِهِ سُبْحانَهُ مَوْثِقًا مِنهُ لِأنَّهُ مِمّا تُؤَكَّدُ العُهُودُ بِهِ وتُشَدَّدُ وقَدْ أذِنَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ فَهو إذْنٌ مِنهُ تَعالى شَأْنُهُ ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مُضْمَرٍ إذِ المَعْنى حَتّى تَحْلِفُوا بِاللَّهِ وتَقُولُوا واللَّهِ لَنَأْتِيَنَّكَ بِهِ.

وفِي مَجْمَعِ البَيانِ نَقْلًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنهم أنْ يَحْلِفُوا بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاتَمِ النَّبِيِّينَ وسَيِّدِ المُرْسَلِينَ والظّاهِرُ عَدَمُ صِحَّةِ الخَبَرِ وذَكَرَ العِمادِيُّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهم: قُولُوا بِاللَّهِ رَبِّ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَنَأْتِيَنَّكَ بِهِ ﴿إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ أيْ إلّا أنْ تُغْلَبُوا فَلا تُطِيقُوا ذَلِكَ أوْ إلّا أنْ تَهْلَكُوا جَمِيعًا وكِلاهُما مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ واسْتِعْمالُهُ في الهَلاكِ لِأنَّ مَن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ فَقَدْ هَلَكَ غالِبًا والِاسْتِثْناءُ قِيلَ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ والتَّقْدِيرُ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ عَلى كُلِّ حالٍ إلّا حالَ الإحاطَةِ بِكم ورُدَّ بِأنَّ المَصْدَرَ مِن ( أنْ ) والفِعْلِ لا يَقَعُ مَوْقِعَ الحالِ كالمَصْدَرِ الصَّرِيحِ فَيَجُوزُ جِئْتُكَ رَكْضًا أيْ راكِضًا دُونَ جِئْتُكَ أنْ تَرْكُضَ وإنْ كانَ في تَأْوِيلِهِ لِما أنَّ الحالَ عِنْدَهم نَكِرَةٌ و( أنْ ) مَعَ ما في حَيِّزِها مَعْرِفَةٌ في رُتْبَةِ الضَّمِيرِ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالحالِ الحالَ المُصْطَلَحَ عَلَيْها بَلِ الحالُ اللُّغَوِيَّةُ ويَؤُولُ ذَلِكَ إلى نَصْبِ المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وفِيهِ نَظَرٌ وفي البَحْرِ أنَّهُ لَوْ قُدِّرَ كَوْنُ أنْ والفِعْلِ في مَوْقِعِ المَصْدَرِ الواقِعِ ظَرْفَ زَمانٍ أيْ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ في كُلِّ وقْتٍ إلّا إحاطَةً بِكم أيْ إلّا وقْتَ إحاطَةٍ بِكم لَمْ يَجُزْ عِنْدَ ابْنِ الأنْبارِيِّ لِأنَّهُ يَمْنَعُ وُقُوعَ المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ ظَرْفًا ويَشْتَرِطُ المَصْدَرَ الصَّرِيحَ فَيَجُوزُ خَرَجْنا صِياحَ الدِّيكِ دُونَ خَرَجْنا أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ أوْ ما يَصِيحُ الدِّيكُ وجازَ عِنْدَ ابْنِ جِنِّيٍّ المُجَوِّزِ لِذاكَ كَما في قَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:

وتاللَّهِ ما إنَّ شَهْلَةَ أُمَّ واحِدٍ بِأوْجَدَ مِنِّي أنْ يُهانَ صَغِيرُها

وقِيلَ: مِن أعَمِّ العِلَلِ عَلى تَأْوِيلِ الكَلامِ بِالنَّفْيِ الَّذِي يَنْساقُ إلَيْهِ أيْ لَتَأْتُنَّنِي ولا تَمْتَنِعُنَّ مِنَ الإتْيانِ بِهِ إلّا الإحاطَةَ بِكم كَقَوْلِهِمْ: أقْسَمْتُ عَلَيْكَ إلّا فَعَلْتَ أيْ ما أطْلُبُ إلّا فِعْلَكَ والظّاهِرُ اعْتِبارُ التَّأْوِيلِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ فِيهِ مُفَرَّغٌ كَما عَلِمْتَ وهو لا يَكُونُ في الإثْباتِ إلّا إذا كانَ صَحَّ وظَهَرَ إرادَةُ العُمُومِ فِيهِ نَحْوَ قَرَأْتُ إلّا يَوْمَ الجُمُعَةِ لِإمْكانِ القِراءَةِ في كُلِّ يَوْمٍ غَيْرَ الجُمُعَةِ وهُنا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ لِإخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَأْتُوا بِأخِيهِمْ في كُلِّ وقْتٍ وعَلى كُلِّ حالٍ سِوى وقْتِ الإحاطَةِ بِهِمْ لِظُهُورِ أنَّهم لا يَأْتُونَ بِهِ لَهُ وهو في الطَّرِيقِ أوْ في مِصْرَ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: …

67

وَقَالَ يَٰبَنِىَّ لَا تَدْخُلُوا۟ مِنۢ بَابٍۢ وَٰحِدٍۢ وَٱدْخُلُوا۟ مِنْ أَبْوَٰبٍۢ مُّتَفَرِّقَةٍۢ ۖ وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۖ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ

And he said, "O my sons, do not enter from one gate but enter from different gates; and I cannot avail you against [the decree of] Allah at all. The decision is only for Allah; upon Him I have relied, and upon Him let those who would rely [indeed] rely."

﴿وقالَ﴾ ناصِحًا لَهم لَمّا عَزَمَ عَلى إرْسالِهِمْ جَمِيعًا ﴿يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا﴾ مِصْرَ ﴿مِن بابٍ واحِدٍ﴾ نَهاهم عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ حَذَرًا مِن إصابَةِ العَيْنِ فَإنَّهم كانُوا ذَوِي جَمالٍ وشارَةٍ حَسَنَةٍ وقَدِ اشْتَهَرُوا بَيْنَ أهْلِ مِصْرَ بِالزُّلْفى والكَرامَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِهِمْ عِنْدَ المَلِكِ فَكانُوا مَظِنَّةً لِأنْ يُعانُوا إذا دَخَلُوا كَوْكَبَةً واحِدَةً وحَيْثُ كانُوا مَجْهُولِينَ مَغْمُورِينَ بَيْنَ النّاسِ لَمْ يُوصِهِمْ بِالتَّفَرُّقِ في المَرَّةِ الأُولى وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَوْفُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ مِنَ العَيْنِ في هَذِهِ الكَرَّةِ بِسَبَبِ أنَّ فِيهِمْ مَحْبُوبَهُ وهو بِنْيامِينُ الَّذِي يَتَسَلّى بِهِ عَنْ شَقِيقِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَكُنْ فِيهِمْ في المَرَّةِ الأُولى فَأهْمَلَ أمْرَهم ولَمْ يَحْتَفِلْ بِهِمْ لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ في يُوسُفَ والقَوْلُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَهاهم عَنْ ذَلِكَ أنْ يُسْتَرابَ بِهِمْ لِتَقَدُّمِ قَوْلِ أنْتُمْ جَواسِيسُ لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ طَمَعًا أنْ يَتَسَمَّعُوا خَبَرَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ «والعَيْنُ حَقٌّ» كَما صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وصَحَّ أيْضًا بِزِيادَةٍ «ولَوْ كانَ شَيْءٌ سابِقَ القَدَرِ سَبَقَتْهُ العَيْنُ وإذا اسْتَغْسَلْتُمْ فاغْتَسِلُوا» وقَدْ ورَدَ أيْضًا «إنَّ العَيْنَ لَتُدْخِلُ الرَّجُلَ القَبْرَ والجَمَلَ القِدْرَ» «وقَدْ كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُعَوِّذُ الحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِقَوْلِهِ: أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ تَعالى التّامَّةِ مَن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ وكانَ يَقُولُ: كانَ أبُوكُما يُعَوِّذُ بِهِما إسْماعِيلَ وإسْحاقَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ».

ولِبَعْضِهِمْ في هَذا المَقامِ كَلامٌ مُفَصَّلٌ مَبْسُوطٌ لا بَأْسَ بِاطِّلاعِكَ عَلَيْهِ وهو أنَّ تَأْثِيرَ شَيْءٍ في آخَرَ إمّا نَفْسانِيٌّ أوْ جُسْمانِيٌّ وكُلٌّ مِنهُما إمّا في نَفْسانِيٍّ أوْ جُسْمانِيٍّ فالأنْواعُ أرْبَعَةٌ يَنْدَرِجُ تَحْتَها ضُرُوبُ الوَحْيِ والمُعْجِزاتِ

صفحة 16

والكَراماتِ والإلْهاماتِ والمَناماتِ وأنْواعِ السِّحْرِ والأعْيُنِ والنِّيرَنْجاتِ ونَحْوِ ذَلِكَ أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ أعْنِي تَأْثِيرَ النَّفْسانِيِّ في مِثْلِهِ فَكَتَأْثِيرِ المَبادِئِ العالِيَةِ في النُّفُوسِ الإنْسانِيَّةِ بِإفاضَةِ العُلُومِ والمَعارِفِ ويَنْدَرِجُ في ذَلِكَ صِنْفانِ:

أحَدُهُما ما يَتَعَلَّقُ بِالعِلْمِ الحَقِيقِيِّ بِأنْ يُلْقى إلى النَّفْسِ المُسْتَعِدَّةِ لِذَلِكَ كَما العِلْمُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ تَعْلِيمٍ وتَعَلُّمٍ حَتّى تُحِيطَ بِمَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ بِحَسَبِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ كَما أُلْقِيَ إلى نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عُلُومُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانَ يَتْلُو مِن قَبْلُ كِتابًا ولا يَخُطُّهُ بِيَمِينِهِ.

وثانِيهِما ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّخَيُّلِ القَوِيِّ بِأنْ يُلْقى إلى مَن يَكُونُ مُسْتَعِدًّا لَهُ ما يَقْوى بِهِ عَلى تَخَيُّلاتِ الأُمُورِ الماضِيَةِ والِاطِّلاعِ عَلى المُغَيَّباتِ المُسْتَقْبَلَةِ والمَناماتِ والإلْهاماتُ داخِلَةٌ أيْضًا تَحْتَ هَذا النَّوْعِ وقَدْ يَدْخُلُ تَحْتَهُ نَوْعٌ مِنَ السِّحْرِ وهو تَأْثِيرُ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ القَوِيَّةِ فِيها قُوَّتا التَّخَيُّلِ والوَهْمِ في نُفُوسٍ بَشَرِيَّةٍ أُخْرى ضَعِيفَةٌ فِيها هاتانِ القُوَّتانِ كَنُفُوسِ البُلْهِ والصِّبْيانِ …

68

وَلَمَّا دَخَلُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةًۭ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَىٰهَا ۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلْمٍۢ لِّمَا عَلَّمْنَٰهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

And when they entered from where their father had ordered them, it did not avail them against Allah at all except [it was] a need within the soul of Jacob, which he satisfied. And indeed, he was a possessor of knowledge because of what We had taught him, but most of the people do not know.

﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ مِنَ الأبْوابِ المُتَفَرِّقَةِ مِنَ البَلَدِ قِيلَ: كانَتْ لَهُ أرْبَعَةُ أبْوابٍ فَدَخَلُوا مِنها وإنَّما اكْتَفى بِذِكْرِهِ لِاسْتِلْزامِهِ الِانْتِهاءَ عَمّا نُهُوا عَنْهُ

صفحة 20

وحاصِلُهُ لَمّا دَخَلُوا مُتَفَرِّقِينَ ﴿ما كانَ﴾ ذَلِكَ الدُّخُولُ ﴿يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ﴾ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ شَيْئًا مِمّا قَضاهُ عَلَيْهِمْ جَلَّ شَأْنُهُ والجُمْلَةُ قِيلَ: جَوابُ ( لَمّا ) والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ المُقارَنَةِ الواجِبَةِ بَيْنَ جَوابِ ( لَمّا ) ومَدْخُولِها فَإنَّ عَدَمَ الإغْناءِ بِالفِعْلِ إنَّما يَتَحَقَّقُ عِنْدَ نُزُولِ المَحْذُورِ لا وقْتَ الدُّخُولِ وإنَّما المُتَحَقَّقُ حِينَئِذٍ ما أفادَهُ الجَمْعُ المَذْكُورُ مِن عَدَمِ كَوْنِ الدُّخُولِ مُغْنِيًا فِيما سَيَأْتِي ولَيْسَ المُرادُ بَيانَ سَبَبِيَّةِ الدُّخُولِ لِعَدَمِ الإغْناءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلا نُفُورًا﴾ فَإنَّ مَجِيءَ النَّذِيرِ هُناكَ سَبَبٌ لِزِيادَةِ نُفُورِهِمْ بَلْ بَيانُ عَدَمِ سَبَبِيَّتِهِ لِلْإغْناءِ مَعَ كَوْنِها مُتَوَقَّعَةً في بادِئِ الرَّأْيِ حَيْثُ أنَّهُ وقَعَ حَسْبَما وصّاهم بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو نَظِيرُ قَوْلِكَ: حَلَفَ أنْ يُعْطِيَ حَقِّيَ عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ فَلَمّا حَلَّ لَمْ يُعْطِنِي شَيْئًا فَإنَّ المُرادَ بَيانُ عَدَمِ سَبَبِيَّةِ حُلُولِ الأجَلِ لِلْإعْطاءِ مَعَ كَوْنِها مَرْجُوَّةً بِمُوجِبِ الحَلِفِ لا بَيانَ سَبَبِيَّتِهِ لِعَدَمِ الإعْطاءِ فالمَآلُ بَيانُ عَدَمِ تَرَتُّبِ الغَرَضِ المَقْصُودِ عَلى التَّدْبِيرِ المَعْهُودِ مَعَ كَوْنِهِ مَرْجُوَّ الوُجُودِ لا بَيانَ تَرَتُّبِ عَدَمِهِ عَلَيْهِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ذَلِكَ أيْضًا بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَضاعِيفِ وصِيَّتِهِ مِن أنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهم تَدْبِيرُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَمّا فَعَلُوا ما وصّاهم بِهِ لَمْ يُفِدْهِمْ ذَلِكَ شَيْئًا ووَقَعَ الأمْرُ حَسْبَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَقُوا ما لَقُوا فَيَكُونُ مِن بابِ وُقُوعِ المُتَوَقَّعِ. اهَـ. وإلى كَوْنِ الجَوابِ ما ذُكِرَ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ وقالَ: إنَّ فِيهِ حُجَّةً لِمَن زَعَمَ أنَّ لَمّا حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ لا ظَرْفَ زَمانٍ بِمَعْنى حِينَ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ ما جازَ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لَما بَعْدَ ( ما ) النّافِيَةِ ولَعَلَّ مَن يَذْهَبُ إلى ظَرْفِيَّتِها يُجَوِّزُ ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ الظَّرْفَ يُتَوَسَّعُ فِيهِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: في جَوابِ ( لَمّا ) وجْهانِ أحَدُهُما أنَّهُ ﴿آوى﴾ وهو جَوابُ ( لَمّا ) الأُولى والثّانِيَةِ كَقَوْلِكَ: لَمّا جِئْتُكَ وكَلَّمْتُكَ أجَبْتَنِي وحَسَّنَ ذَلِكَ أنَّ دُخُولَهم عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعَقَّبَ دُخُولَهم مِنَ الأبْوابِ والثّانِي أنَّهُ مَحْذُوفٌ أيِ امْتَثَلُوا أوْ قَضَوْا حاجَةَ أبِيهِمْ وإلى الوَجْهِ الأخِيرِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا ولا يَخْفى أنَّهُ عَلَيْهِ وعَلى ما قَبْلَهُ تَرْتَفِعُ غائِلَةُ تَوْجِيهِ أمْرِ التَّرَتُّبِ وما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ القِيلِ في ثانِي وجْهَيْهِ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ حَيْثُ ذَكَرُوا أنَّ هَذا مِنهُ تَعالى تَصْدِيقٌ لِما أشارَ إلَيْهِ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِنَ شَيْءٍ﴾ .

واعْتُرِضَ القَوْلُ بِعَدَمِ تَرَتُّبِ الغَرَضِ عَلى التَّدْبِيرِ بِأنَّ الغَرَضَ لَيْسَ إلّا دَفْعَ إصابَةِ العَيْنِ لَهم …

69

وَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And when they entered upon Joseph, he took his brother to himself; he said, "Indeed, I am your brother, so do not despair over what they used to do [to me]."

﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى﴾ أيْ ضَمَّ ﴿إلَيْهِ أخاهُ﴾ بِنْيامِينَ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا: أيُّها المَلِكُ هَذا أخُونا الَّذِي أمَرْتَنا أنْ نَأْتِيَكَ بِهِ قَدْ جِئْناكَ بِهِ فَقالَ لَهم: أحْسَنْتُمْ وأصَبْتُمْ وسَتَجِدُونَ ذَلِكَ عِنْدِي وبَلَّغُوهُ رِسالَةَ أبِيهِمْ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ودَّعُوهُ قالَ لَهم: بَلِّغُوا مَلِكَ مِصْرَ سَلامِي وقُولُوا لَهُ: إنَّ أبانا يُصَلِّي عَلَيْكَ ويَدْعُو لَكَ ويَشْكُرُ صَنِيعَكَ مَعَنا وقالَ أبُو مَنصُورٍ المُهْرانِيُّ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خاطَبَهُ بِذَلِكَ في كِتابٍ فَلَمّا قَرَأهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَكى ثُمَّ إنَّهُ أكْرَمَهم وأنْزَلَهم وأحْسَنَ نُزُلَهم ثُمَّ أضافَهم وأجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنهم عَلى مائِدَةٍ فَبَقِيَ بِنْيامِينُ وحِيدًا فَبَكى وقالَ: لَوْ كانَ أخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأجْلَسَنِي مَعَهُ فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَقِيَ أخُوكم وحْدَهُ فَقالُوا لَهُ: كانَ لَهُ أخٌ فَهَلَكَ قالَ: فَأنا أُجْلِسُهُ مَعِي فَأخَذَهُ وأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلى مائِدَةٍ وجَعَلَ يُؤاكِلُهُ فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ أمَرَهم بِمِثْلِ ذَلِكَ وقالَ: يَنامُ كُلُّ اثْنَيْنِ مِنكم عَلى فِراشٍ فَبَقِيَ بِنْيامِينُ وحْدَهُ فَقالَ: هَذا يَنامُ عِنْدِي عَلى فِراشِي فَنامَ مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فِراشِهِ فَجَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَضُمُّهُ إلَيْهِ ويَشُمُّ رِيحَهُ حَتّى أصْبَحَ وسَألَهُ عَنْ ولَدِهِ فَقالَ: لِي عَشَرَةُ بَنِينَ اشْتَقَقْتُ أسْماءَهم مِنَ اسْمِ أخٍ لِي هَلَكَ فَقالَ لَهُ: أتُحِبُّ أنْ أكُونَ أخاكَ بَدَلَ أخِيكَ الهالِكِ قالَ: مَن يَجِدُ أخًا مِثْلَكَ أيُّها المَلِكُ ولَكِنْ لَمْ يَلِدْكَ يَعْقُوبُ ولا راحِيلُ فَبَكى يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقامَ إلَيْهِ وعانَقَهُ وتَعَرَّفَ إلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿قالَ إنِّي أنا أخُوكَ﴾ يُوسُفُ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ أيْ فَلا تَحْزَنْ ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . (69) . بِنا فِيما مَضى فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أحْسَنَ إلَيْنا وجَمَعَنا عَلى خَيْرٍ ولا تُعْلِمْهم بِما أعْلَمْتُكَ والقَوْلُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعَرَّفَ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ بِأنَّهُ أخُوهُ حَقِيقَةً هو الظّاهِرُ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِما إلّا أنَّ ابْنَ إسْحاقَ قالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ بَعْدَ أنْ تَعَرَّفَ إلَيْهِ: لا تُبالِ بِكُلِّ ما تَراهُ مِنَ المَكْرُوهِ في تَحَيُّلِي في أخْذِكَ مِنهم قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إلى ما يَعْمَلُهُ فِتْيانُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أمْرِ السِّقايَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ وهو لَعَمْرِي مِمّا لا يَكادُ يَقُولُ بِهِ مَن لَهُ أدْنى مَعْرِفَةٍ بِأسالِيبِ الكَلامِ وقالَ وهْبٌ: إنَّما أخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قائِمٌ مَقامَ أخِيهِ الذّاهِبِ في الوِدِّ ولَمْ يَكْشِفْ إلَيْهِ الأمْرَ ومَعْنى ”( لا تَبْتَئِسْ )“ .. إلَخْ لا تَحْزَنْ بِما كُنْتَ تَلْقاهُ مِنهم مَنِ الحَسَدِ والأذى فَقَدْ أمِنتَهم ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أنا لا أُفارِقُكَ قالَ: قَدْ عَلِمْتُ اغْتِمامَ والِدِي فَإذا حَبَسْتُكَ ازْدادَ غَمُّهُ ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا أنْ أنْسِبُكَ إلى ما لا يَجْمُلُ قالَ: لا أُبالِي فافْعَلْ ما بَدا لَكَ قالَ: فَإنِّي أدُسُّ صاعِيَ في

صفحة 24

رَحْلِكَ ثُمَّ أُنادِي عَلَيْكَ بِأنَّكَ سَرَقْتَهُ لِيَتَهَيَّأ لِي رَدُّكَ بَعْدَ تَسْرِيحِكَ مَعَهم قالَ: افْعَلْ

70

فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَٰرِقُونَ

So when he had furnished them with their supplies, he put the [gold measuring] bowl into the bag of his brother. Then an announcer called out, "O caravan, indeed you are thieves."

﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ ووَفّى لَهُمُ الكَيْلَ وزادَ كُلًّا مِنهم عَلى ما رُوِيَ حِمْلَ بِعِيرٍ ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ هي إناءٌ يَشْرَبُ بِهِ المَلِكُ وبِهِ كانَ يُكالُ الطَّعامُ لِلنّاسِ وقِيلَ: كانَتْ تُسْقى بِها الدَّوابُّ ويُكالُ بِها الحُبُوبُ وكانَتْ مِن فِضَّةٍ مُرَصَّعَةٍ بِالجَواهِرِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أوْ بِدُونِ ذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّها مِن ذَهَبٍ وقِيلَ: مِن فِضَّةٍ مُمَوَّهَةٍ بِالذَّهَبِ وقِيلَ: كانَتْ إناءً مُسْتَطِيلَةً تُشْبِهُ المَكُّوكَ الفارِسِيَّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفاهُ يَسْتَعْمِلُهُ الأعاجِمُ يُرْوى أنَّهُ كانَ لِلْعَبّاسِ مِثْلُهُ يَشْرَبُ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ ولِعِزَّةِ الطَّعامِ في تِلْكَ الأعْوامِ قَصَرَ كَيْلَهُ عَلى ذَلِكَ والظّاهِرُ أنَّ الجاعِلَ هو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسُهُ ويَظْهَرُ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ مَلِكًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُباشِرِ الجَعْلَ بِنَفْسِهِ بَلْ أمَرَ أحَدًا فَجَعَلَها ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ بِنْيامِينَ مِن حَيْثُ يَشْعُرُ أوْ لا يَشْعُرُ.

وقُرِئَ ( وجَعَلَ ) بِواوٍ وفي ذَلِكَ احْتِمالانِ الأوَّلُ أنْ تَكُونَ الواوُ زائِدَةً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ وما بَعْدَها هو جَوابُ ( لَمّا ) والثّانِي أنْ تَكُونَ عاطِفَةً عَلى مَحْذُوفٍ وهو الجَوابُ أيْ فَلَمّا جَهَّزَهم أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا وجَعَلَ ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نادى مُسْمِعٌ كَما في مَجْمَعِ البَيانِ وفي الكَشّافِ وغَيْرِهِ نادى مُنادٍ.

وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ النُّحاةَ قالُوا: لا يُقالُ قامَ قائِمٌ لِأنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ وأُجِيبَ بِأنَّهم أرادُوا أنَّ ذَلِكَ المُنادِيَ مِن شَأْنِهِ الإعْلامُ بِما نادى بِهِ بِمَعْنى أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِصِفَةٍ مُقَدَّرَةٍ تَتِمُّ بِها الفائِدَةُ أيْ أذَّنَ رَجُلٌ مُعَيَّنٌ لِلْأذانِ ﴿أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ . (70) . وقَدْ يُقالُ: قِياسُ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى المِثالِ المَذْكُورِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ وكَثِيرًا ما تَتِمُّ الفائِدَةُ بِما لَيْسَ مِن أجْزاءِ الجُمْلَةِ ومِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ ولا يَشْرَبُ الخَمْرَ وهو مُؤْمِنٌ» والعِيرُ الإبِلُ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَعِيرُ أيْ تَذْهَبُ وتَجِيءُ وهو اسْمُ جَمْعٍ لِذَلِكَ لا واحِدَ لَهُ والمُرادُ هُنا أصْحابُ العِيرِ كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي» وذَلِكَ إمّا مِن بابِ المَجازِ أوِ الإضْمارِ إلّا أنَّهُ نُظِرَ إلى المَعْنى في الآيَةِ ولَمْ يُنْظَرْ إلَيْهِ في الحَدِيثِ وقِيلَ: العِيرُ قافِلَةُ الحَمِيرِ ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيها حَتّى قِيلَتْ لِكُلِّ قافِلَةٍ كَأنَّها جَمْعُ عَيْرٍ بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ وهو الحِمارُ وأصْلُها عُيُرٌ بِضَمِّ العَيْنِ والياءِ اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الياءِ فَحُذِفَتْ ثُمَّ كُسِرَتِ العَيْنُ لِثِقَلِ الياءِ بَعْدَ الضَّمَّةِ كَما فُعِلَ في بِيضٍ جَمْعِ أبْيَضَ وغِيدٍ جَمْعِ أغْيَدَ وحُمِلَ العِيرُ هُنا عَلى قافِلَةِ الإبِلِ هو المَرْوِيُّ عَنِ الأكْثَرِينَ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها كانَتْ قافِلَةُ حَمِيرٍ والخِطابُ بِـ ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ إنْ كانَ بِأمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَعَلَّهُ أُرِيدَ بِالسَّرِقَةِ أخْذُهم لَهُ مِن أبِيهِ عَلى وجْهِ الخِيانَةِ كالسُّرّاقِ ودُخُولِ بِنْيامِينَ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ أوْ أُرِيدُ سَرِقَةُ السِّقايَةِ ولا يَضُرُّ لُزُومُ الكَذِبِ لِأنَّهُ إذا تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً رُخِّصَ فِيهِ وإمّا كَوْنُهُ بِرِضا أخِيهِ …

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.