Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 61–70 of 111

61

قَالُوا۟ سَنُرَٰوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَٰعِلُونَ

They said, "We will attempt to dissuade his father from [keeping] him, and indeed, we will do [it]."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا سَنُراوِدُ﴾ أيْ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ حِينَ نَصِلَ ﴿عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ نُكَلِّمُهُ فِيهِ ونُنازِعُهُ الكَلامَ ونَحْتالُ عَلَيْهِ فِيهِ، ونَتَلَطَّفُ في ذَلِكَ، ولا نَدْعُ جُهْدًا؛ ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ - بَعْدَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُصَدِّرَةِ بِالسِّينِ - بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُؤَكَّدَةِ بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ، فَقالُوا: ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ أيْ ما أمَرَتْنا بِهِ والتَزْمَناهُ، وقَدْ مَضى عِنْدَ ﴿وراوَدَتْهُ﴾ [يوسف: ٢٣] أنَّ المادَّةَ - يائِيَّةٌ وواوِيَّةٌ بِهَمْزٍ وبِغَيْرِ هَمْزٍ - تَدُورُ عَلى الدَّوَرانِ، ومِن لَوازِمِهِ القَصْدُ والإقْبالُ والإدْبارُ والرِّفْقُ والمُهْلَةُ، وقَدْ مَضى بَيانُ غَيْرُ المَهْمُوزِ، وأمّا المَهْمُوزُ فَمِنهُ دَرَأهُ، أيْ دَفْعَهُ - لِأنَّ المَدْفُوعَ يَرُدُّ إلى المَوْضِعِ الَّذِي أتى مِنهُ، [والمُدارَأةُ]: المُدافَعَةُ والمُنازَعَةُ مُطْلَقًا، أيْ سَواءٌ كانَتْ بِرِفْقٍ أوْ بِعُنْفٍ، ثُمَّ كَثُرَتْ فَقَصَرَتْ عَلى المُلايَنَةِ، ويَلْزَمُ مِنَ الدَّفْعِ حُلُولُ المَدْفُوعِ في مَوْضِعٍ لا يُرِيدُهُ بَغْتَةً، ومِنهُ: دَرَأ عَلَيْنا، أيْ خَرَجَ مُفاجَأةً، قالَ القَزّازُ: وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: جاءَ السَّيْلُ دَرَأً، أيْ يَدْرَأُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وهو الَّذِي يَأْتِي مِن مَكانٍ لا يَعْلَمُ بِهِ، وانْدَرَأ فُلانٌ عَلَيْنا بِالشَّرِّ - إذا أتى بِهِ مِن حَيْثُ لَمْ نَدْرِ، والدَّرْءُ: النُّشُوزُ، وهو مِنَ الدَّفْعِ، وكَوْكَبُ دُرِّئٌ: مُتَوَقِّدٌ مُتَلَأْلِئٌ - كانَ نُورُهُ يَدْفَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ومِنهُ دَرَأتِ النّارُ: أضاءَتْ، وانْدَرَأ الحَرِيقُ: انْتَشَرَ، ودَرَأ الشَّيْءُ: بَسَطَهُ - لِأنَّ المَبْسُوطَ لا يَخْلُو عَنْ دَفْعٍ، وتَدارَءُوا: تَدافَعُوا في الخُصُومَةِ. ودَرَأ البَعِيرُ: أغْدُ، ومَعَ الغُدَّةِ ورَمٌ في ظَهْرِهِ، وناقَةٌ دارِئٌ: مَغْدَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الغُدَّةَ مَلْزُومَةٌ لِلدَّفْعِ، لا تَنْفَكُّ عَنْهُ بِالقَتْبِ والرَّكْبِ وغَيْرِهِما، وكُلُّ ناتِئٍ في الجَسَدِ هَذا شَأْنُهُ، ومِنهُ الدَّرْءُ: لِقِطْعَةٍ مِنَ ”الجَبَلِ مُشْرِقَةٍ“، وناقَةٌ مُدْرِئٌ: أنْزَلَتِ اللَّبَنَ وأرْخَتْ ضَرْعَها عِنْدَ النِّتاجِ - كَأنَّها دَفَعَتْهُما، وادَّرَأتْ الصَّيْدَ - عَلى ”افْتَعَلَتْ“: اتَّخَذَتْ لَهُ دُرِّيئَةً، [وقَدْ تَقَدَّمَتْ ”الدُّرِّيَّةُ“ في الواوِيِّ، ومِنهُ: ادَّرَأْتُ فُلانًا - ذا اعْتَمَدَتْهُ، والدَّرْءُ:] المَيْلُ والعِوَجُ - لِأنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يُدْفَعَ لِيَقُومَ، وطَرِيقٌ ذُو دُرُوءٍ، أيْ كُورٍ وأخاقِيقَ أيْ شُقُوقٍ - فَكَأنَّها تَدْفَعُ صاحِبَها عَنِ القَصْدِ، وتَدَرُّؤًا عَلَيْهِمْ: تَطاوَلُوا - لِأنَّ ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ مُدافَعَةٍ كالنُّشُوزِ، ويَلْزَمُ الدَّفْعُ القُوَّةَ، ومِنهُ رَجُلُ ذُو تَدِرَّأٍ، أيْ مَنعَةٍ وقُوَّةٍ، ورادَّتْهُ بِكَذا - بِتَقْدِيمِ الرّاءِ: جَعَلَتْهُ قُوَّةً لَهُ وعِمادًا يُدافِعُ عَنْهُ، والرَّدْءُ: العَوْنُ والمادَّةُ والعَدْلُ الثَّقِيلُ - لِأنَّهُ يُدافِعُ لِيَعْتَدِلَ، ورَدَأ الحائِطَ: دَعَمَهُ، ورَدَأهُ بِحَجَرٍ: رَماهُ [بِهِ]، لِأنَّهُ إذا أصابَهُ دَفَعَهُ، والإبِلُ: أحْسَنُ القِيامِ عَلَيْها، لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِمُدافَعَةٍ، وأرْدَأ السِّتْرَ: أرْخاهُ، بِدَفْعِهِ لَهُ مِنَ المَكانِ الَّذِي كانَ بِهِ، وأرْدَأ الوَلَدَ: سَكَنَهُ وأنِسَهُ، فَدَفَعَ الهَمَّ عَنْهُ، وأرْدَأ الشَّيْءَ: أقَرَّهُ - كَأنَّهُ لِسَلْبِ الدَّفْعِ، وكَذا أرْدَأهُ أيْ أفْسَدَهُ، إمّا بِأنَّهُ لَمْ يُدافِعْهُ بِإحْسانِ القِيامِ عَلَيْهِ فَأفْسَدَهُ، أوْ أنَّهُ زادَ في الدَّفْعِ حَتّى فَسَدَ، ومِن ذَلِكَ …

62

وَقَالَ لِفِتْيَٰنِهِ ٱجْعَلُوا۟ بِضَٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

And [Joseph] said to his servants, "Put their merchandise into their saddlebags so they might recognize it when they have gone back to their people that perhaps they will [again] return."

ولَمّا أعْلَمَنا سُبْحانَهُ أنَّهُ رَغَّبَهم في شَأْنِ أخِيهِ، ورَهَّبَهم بِالقَوْلِ، أعْلَمَنا بِأنَّهُ رَغَّبَهم فِيهِ بِالفِعْلِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ الماضِي لَهُمْ: ”وقالَ“ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَفَقَةً عَلى إخْوَتِهِ وإرادَةً لِنُصْحِهِمْ فِيما سَألَهم فِيهِ: ﴿لِفِتْيانِهِ﴾ أيْ غِلْمانِهِ، وأصْلُ الفَتى: الشّابُّ القَوِيُّ، وسَيَأْتِي شَرْحُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ﴾ أيْ ما بَضَعُوهُ أيْ قَطَعُوهُ مِن مالِهِمْ لِلتِّجارَةِ وأخَذْناهُ مِنهم ثَمَنًا لِطَعامِهِمُ الَّذِي دَفَعْناهُ لَهم ﴿فِي رِحالِهِمْ﴾ أيْ عُدُولِهِمْ؛ والرَّحْلُ: ما أُعِدَّ لِلرَّحِيلِ مِن وِعاءٍ أوْ مَرْكِبٍ ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ أيْ بِضاعَتَهُمْ؛ وعَبَّرَ بِأداةِ التَّحَقُّقِ تَفاؤُلًا لَهم بِالسَّلامَةِ، أوْ ظَنًّا، أوْ عِلْمًا بِالوَحْيِ، فَقالَ: ﴿إذا انْقَلَبُوا﴾ راجِعِينَ ﴿إلى أهْلِهِمْ﴾ أيْ يَعْرِفُونَ أنَّها هي بِعَيْنِها، رَدَدْتُها عَلَيْهِمْ إحْسانًا [إلَيْهِمْ]، ويَجْزِمُونَ بِذَلِكَ، ولا يَظُنُّونَ أنَّ اللَّهَ أخْلَفَ عَلَيْهِمْ مِثْلَها نَظَرًا إلى حالِهِمْ وكَرامَةً لِأبِيهِمْ، ويَعْرِفُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ لِي ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُهم وحالُ مَن يَرْجِعُ إلَيْنا إذا عَرَفُوها، لِرَدِّها تَوَرُّعًا، أوْ لِلْمِيرَةِ بِها إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم غَيْرُها، أوْ طَمَعًا في مِثْلِ هَذا، وإنَّما لَمْ يُبادِرْ إلى تَعْرِيفِهِمْ بِنَفْسِهِ والتَّعْجِيلِ بِإدْخالِ السُّرُورِ عَلى أبِيهِ، لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ عادَةً - لِما يَأْتِي مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ والتَّدْبِيرِ المَتِينِ، ودَلَّ عَلى إسْراعِهِمْ في الرُّجُوعِ بِالفاءِ فَقالَ:

63

فَلَمَّا رَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيهِمْ قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ

So when they returned to their father, they said, "O our father, [further] measure has been denied to us, so send with us our brother [that] we will be given measure. And indeed, we will be his guardians."

﴿فَلَمّا رَجَعُوا﴾ أيْ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿إلى أبِيهِمْ﴾ حَمَلَهم ما رَأوْا - مِن إحْسانِ الصَّدِيقِ وحاجَتِهِمْ إلَيْهِ وتَبْرِئَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ عَنْ أنْ يَكُونُوا جَواسِيسَ - عَلى أنْ ﴿قالُوا يا أبانا﴾

ولَمّا كانَ المَضارُّ لَهم مُطْلَقُ المَنعِ، بَنَوْا لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُمْ: ﴿مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ لِأخِينا بِنْيامِينَ عَلى بَعِيرِهِ لِغَيْبَتِهِ، ولَنا كُلُّنا بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ إنْ لَمْ نَذْهَبْ بِهِ مَعَنا لِيَظْهَرَ صِدْقُنا؛ والمَنعُ: إيجادُ ما يَتَعَذَّرُ بِهِ عَلى القادِرِ الفِعْلِ.

وضِدُّهُ: التَّسْلِيطُ، وأمّا العَجْزُ فَضِدُّهُ القُدْرَةُ ”فَأرْسَلَ“ أيْ بِسَبَبِ إزالَةِ هَذا المَنعِ ﴿مَعَنا أخانا﴾ إنَّكَ إنْ تُرْسِلْهُ مَعَنا ”نَكْتَلْ“ أيْ لِنَفْسِهِ كَما يَكْتالُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا لِنَفْسِهِ - هَذا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بالتَّحْتانِيَّةِ، ولِنُؤَوِّلَهُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالنُّونِ - مِنَ المِيرَةِ ما وظَّفَهُ العَزِيزُ، وهو لِكُلِّ واحِدٍ حَمْلٌ، وأكَّدُوا لِما تَقَدَّمَ مِن فِعْلِهِمْ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا يُوجِبُ الِارْتِيابَ بِهِمْ، فَقالُوا: ﴿وإنّا لَهُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿لَحافِظُونَ﴾ أيْ عَنْ أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهٌ حَتّى نَرُدَّهُ إلَيْكَ، عَرِيقُونَ في هَذا الوَصْفِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما فَعَلَ في هَذا بَعْدَ ما فَعَلُوا إذْ أرْسَلَ مَعَهم يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟ قِيلَ: عَزَمَ عَلى إرْسالِهِ مَعَهُمْ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ اللِّجاءَ إلى اللَّهِ تَعالى في أمْرِهِ غَيْرَ قانِعٍ بِوَعْدِهِمُ المُؤَكَّدِ في حِفْظِهِ، لِما سَبَقَ مِنهم مِن مِثْلِهِ في يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ

64

قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَٰفِظًۭا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ

He said, "Should I entrust you with him except [under coercion] as I entrusted you with his brother before? But Allah is the best guardian, and He is the most merciful of the merciful."

﴿قالَ هَلْ آمَنُكُمْ﴾ أيْ أقْبَلُ مِنكُمُ الآنَ وفي مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ تَأْمِينُكم لِي فِيهِ مِمّا يَسُوءُنِي تَأْمِينًا مُسْتَعْلِيًا ”عَلَيْهِ“ أيْ بِنْيامِينُ ﴿إلا كَما أمِنتُكُمْ﴾ أيْ في الماضِي ﴿عَلى أخِيهِ﴾ أيْ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ولَمّا كانَ لَمْ يَطْلُعْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى خِيانَةٍ قَبْلَ ما فَعَلُوا بِهِ، وكانَ ائْتِمانُهُ لَهم عَلَيْهِ إنَّما هو زَمانٌ يَسِيرٌ، أثْبَتَ الجارُّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ فَإنَّكم أكَّدْتُمْ غايَةَ التَّأْكِيدِ فَلَمْ تَحْفَظُوهُ لِي ولَمْ تَرُدُّوهُ إلَيَّ - والأمْنُ: اطْمِئْنانُ القَلْبِ إلى سَلامَةِ النَّفْسِ - فَأنا في هَذا لا آمِنٌ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ ﴿فاللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿خَيْرٌ حافِظًا﴾ مِنكم ومِن كُلِّ أحَدٍ ”وهُوَ“ أيْ باطِنًا وظاهِرًا ﴿أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فَهُوَ أرْحَمُ بِي مِن أنْ يُفْجِعَنِي بِهِ بَعْدَ مُصِيبَتِي بِأخِيهِ؛

65

وَلَمَّا فَتَحُوا۟ مَتَٰعَهُمْ وَجَدُوا۟ بِضَٰعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مَا نَبْغِى ۖ هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍۢ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌۭ يَسِيرٌۭ

And when they opened their baggage, they found their merchandise returned to them. They said, "O our father, what [more] could we desire? This is our merchandise returned to us. And we will obtain supplies for our family and protect our brother and obtain an increase of a camel's load; that is an easy measurement."

فَأرادُوا تَفْرِيغَ ما قَدِمُوا بِهِ مِنَ المِيرَةِ ﴿ولَمّا فَتَحُوا﴾ أيْ أوْلادُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿مَتاعَهُمْ﴾ أيْ أوْعِيَتَهُمُ الَّتِي حَمَلُوها مِن مِصْرَ ﴿وجَدُوا بِضاعَتَهُمْ﴾ أيْ ما كانَ مَعَهم مِن كَنْعانَ بِشِراءِ القُوتِ.

ولَمّا كانَ المُفْرِحُ مُطْلَقَ الرَّدِّ. بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿رُدَّتْ إلَيْهِمْ﴾ والوِجْدانُ: ظُهُورُ الشَّيْءِ لِلنَّفْسِ بِحاسَّةٍ أوْ ما يُغْنِي عَنْها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا؟ فَقِيلَ: ”قالُوا“ أيْ لِأبِيهِمْ ﴿يا أبانا ما﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ ﴿نَبْغِي﴾ أيْ نُرِيدُ، فَكَأنَّهُ قالَ لَهُمْ: ما الخَبَرُ؟ فَقالُوا بَيانًا لِذَلِكَ وتَأْكِيدًا لِلسُّؤالِ في اسْتِصْحابِ أخِيهِمْ: ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا﴾ ثُمَّ بَيَّنُوا مَضْمُونَ الإشارَةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رُدَّتْ إلَيْنا﴾ هَلْ فَوْقَ هَذا مِن إكْرامٍ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَنَرْجِعُ بِها إلَيْهِ بِأخِينا، فَيَظْهَرُ لَهُ نُصْحُنا وصِدْقُنا، [بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ]: ﴿ونَمِيرُ أهْلَنا﴾ أيْ نَجْلِبُ إلَيْهِمُ المِيرَةَ بِرُجُوعِنا إلَيْهِ؛ والمِيرَةُ: الأطْعِمَةُ الَّتِي تُحْمَلُ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ﴿ونَحْفَظُ أخانا﴾ فَلا يُصِيبُهُ شَيْءٌ مِمّا يَخْشى عَلَيْهِ، تَأْكِيدًا لِلْوَعْدِ بِحِفْظِهِ وبَيانًا لِعَدَمِ ضَرَرٍ في سَفَرِهِ، ويَدُلُّ عَلى ما في التَّوْراةِ - مِن أنَّهُ كانَ سِجْنَ أحَدِهِمْ لِيَأْتُوا بِأخِيهِمُ الأصْغَرَ - قَوْلُهُ: ﴿ونَـزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أيْ فَيَكُونُ جُمْلَةَ ما نَأْتِي بِهِ بَعْدَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ اثْنَيْ عَشَرَ حَمْلًا، لِكُلٍّ مِنّا حِمْلٌ، ولِلْمَسْجُونِ حِمْلانِ - لِكَرَّتِهِ الأُولى والثّانِيَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ لا يُعْطِي إلّا حِمْلًا لِكُلِّ رَأْسٍ، فَكَأنَّهُ ما أعْطاهم لِما جَهَّزَهم غَيْرَ تِسْعَةِ أحْمالٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهَلْ يُجِيبُكم إلى ذَلِكَ في هَذِهِ الأزْمَةِ؟ فَقالُوا: نَعَمْ، لِأنَّ ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى ما رَأيْنا مِن كَرَمِ شَمائِلِهِ وضَخامَةِ مُلْكِهِ وفَخامَةِ هِمَّتِهِ،

66

قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُۥ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌۭ

[Jacob] said, "Never will I send him with you until you give me a promise by Allah that you will bring him [back] to me, unless you should be surrounded by enemies." And when they had given their promise, he said, "Allah, over what we say, is Witness."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ أيْ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ﴾ أيْ بِنْيامِينَ كائِنًا ﴿مَعَكُمْ﴾ أيْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿حَتّى تُؤْتُونِ﴾ مِنَ الإيتاءِ وهو الإعْطاءُ، أيْ إيصالُ الشَّيْءِ إلى الأخْذِ ﴿مَوْثِقًا﴾ وهو العَقْدُ المُؤَكَّدُ.

ولَمّا كانَ مُرادُهُ مُوَثَّقًا رَبّانِيًّا، وكانَ المُوَثِّقُ الرَّبّانِيُّ - وهو ما كانَ بِأسْمائِهِ تَعالى لِكَوْنِهِ أذِنَ سُبْحانَهُ فِيهِ وأمَرَ بِالوُثُوقِ بِهِ - كَأنَّهُ مِنهُ، قالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ بِأيْمانٍ عَظِيمَةٍ: واللَّهِ ”لِتَأْتُنَّنِي“ كُلُّكم ”بِهِ“ مِنَ الإيتانِ، وهو المَجِيءُ في كُلِّ حالٍ ﴿إلا﴾ في حالِ ﴿أنْ يُحاطَ﴾ أيْ تَحْصُلَ الإحاطَةُ بِمُصِيبَةٍ مِنَ المَصائِبِ، لا طاقَةَ لَكم بِها ﴿بِكُمْ﴾ فَتَهْلَكُوا مِن عِنْدِ آخِرِكُمْ، كُلُّ ذَلِكَ زِيادَةٌ في التَّوْثِيقِ، لِما حَصَلَ لَهُ مِنَ المُصِيبَةِ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ كانَ الِاعْتِمادُ في حِفْظِهِ إنَّما هو عَلى اللَّهِ، وهَذا مِن بابِ ”اعْقِلْها وتَوَكَّلْ“ فَأجابُوهُ إلى جَمِيعِ ما سَألَ ﴿فَلَمّا آتَوْهُ﴾ أيْ أعْطاهُ بَنُوهُ ﴿مَوْثِقَهم قالَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ هو القادِرُ عَلى الوَفاءِ بِهِ المَرْجُوُّ لِلتَّصَرُّفِ فِيهِ بِالغِبْطَةِ، لا أنْتُمْ.

67

وَقَالَ يَٰبَنِىَّ لَا تَدْخُلُوا۟ مِنۢ بَابٍۢ وَٰحِدٍۢ وَٱدْخُلُوا۟ مِنْ أَبْوَٰبٍۢ مُّتَفَرِّقَةٍۢ ۖ وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۖ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ

And he said, "O my sons, do not enter from one gate but enter from different gates; and I cannot avail you against [the decree of] Allah at all. The decision is only for Allah; upon Him I have relied, and upon Him let those who would rely [indeed] rely."

ولَمّا سُمِحَ لَهم بِخُرُوجِهِ مَعَهُمْ، أتْبَعَ تَعالى ذَلِكَ الخَبَرَ عَنْ أمْرِهِ لَهم بِالِاحْتِياطِ مِنَ المَصائِبِ لِأنَّهم أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا إخْوَةُ أهْلِ جَمالٍ وبَسْطَةٍ، وكانُوا قَدْ شُهِرُوا عِنْدَ المِصْرِيِّينَ بَعْضَ الشُّهْرَةِ، بِسَبَبِ ما دارَ بَيْنَهم وبَيْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الكَلامِ في المَرَّةِ الأوْلى، فَكانُوا مَظِنَّةً لِأنْ تَرْمُقَهُمُ الأبْصارُ ويُشارُ إلَيْهِمْ بِالأصابِعِ، فَيُصابُوا بِالعَيْنِ، ولَمْ يُوصِهِمْ في المَرَّةِ الأُولى، لِأنَّهم كانُوا مَجْهُولِينَ، مَعَ شَغْلِ النّاسِ بِما هم فِيهِ مِنَ القَحْطِ، فَقالَ حِكايَةً عَنْهُ: ”وقالَ“ أيْ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِبَنِيهِ عِنْدَما أرادُوا السَّفَرَ: ﴿يا بَنِيَّ﴾ مُحَذِّرًا لَهم مِن شَرِّ الحَسَدِ والعَيْنِ - ﴿لا تَدْخُلُوا﴾ إذا قَدِمْتُمْ إلى مِصْرَ ﴿مِن بابٍ واحِدٍ﴾ مِن أبْوابِها؛ والواحِدُ عَلى الإطْلاقِ: الَّذِي لا يَنْقَسِمُ، وأمّا المُقَيَّدُ بِإجْرائِهِ عَلى مَوْصُوفٍ كَبابٍ واحِدٍ، فَهو ما لا يَنْقَسِمُ في مَعْنى ذَلِكَ المَوْصُوفِ ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ﴾ واحْتَرِزْ مِن أنْ تَكُونَ مُتَلاصِقَةً أوْ مُتَقارِبَةً جِدًّا، فَقالَ: ﴿مُتَفَرِّقَةٍ﴾ أيْ تَفَرُّقًا كَبِيرًا، وهَذا حُكْمُ التَّكْلِيفِ لِئَلّا يُصابُوا بِالعَيْنِ - كَما نَقَلَهُ الرُّمّانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والحَسَنِ وقَتادَةَ والضِّحاكِ والسُّدِّيِّ، فَإنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وهي مِن قَدَرِ اللَّهِ، وقَدْ ورَدَ شَرْعُنا بِذَلِكَ، فَفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ ”العَيْنُ حَقٌّ»“ وفي رِوايَةٍ عِنْدَ أحْمَدَ وابْنِ ماجَةَ: «يَحْضُرُها الشَّيْطانُ وحَسَدُ ابْنِ آدَمَ» ولِمُسْلِمٍ والتِّرْمِذِيِّ والنِّسائِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «العَيْنُ حَقٌّ، ولَوْ شَيْءٌ سابَقَ القَدَرَ لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ، وإذا اسْتَغْسَلْتُمْ فاغْسِلُوا» ولِأبِي نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: «إنَّ العَيْنَ لَتُدْخِلُ الجُمَلَ القِدْرَ والرَّجُلَ القَبْرَ» ولِأبِي داوُدَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «وإنَّما لِتُدْرِكَ الفارِسَ فَتُدَعْثِرَهُ» ولِأحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَوْ كانَ شَيْءٌ سابَقٌ القَدَرَ لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ» قالَ الإمامُ الرّازِيُّ: ومَنشَأُ إصابَةِ العَيْنِ تَوَهُّمُ النَّفْسِ الخَبِيثَةِ هَلاكَ مَن تُصِيبُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى ذَلِكَ في رِوايَةِ أحْمَدَ وابْنِ ماجَةَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَعَ انْضِمامِ حُضُورِ الشَّيْطانِ، وهَذا الِاحْتِياطُ مِن بابِ الأخْذِ بِالأسْبابِ المَأْمُورِ بِها، لِأنَّها مِنَ القَدَرِ، لا مِن بابِ التَّحَرُّزِ مِنَ القَدَرِ، كَما رَوى مُسْلِمٌ وأحْمَدُ وابْنُ ماجَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وأحَبُّ إلى اللَّهِ مِنَ الضَّعِيفِ، وفي كُلِّ خَيْرٍ احْرِصْ عَلى ما يَنْفَعُكَ، واسْتَعِنْ بِاللَّهِ ولا تَعْجَزْ، وإنْ أصابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كَذا وكَذا، ولَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وما شاءَ فَعَلَ، فَإنَّ ”لَوْ“ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ»

مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ: افْعَلْ فِعْلَ الأقْوِياءِ، ولا تَفْعَلْ فِعْلَ العَجَزَةِ، وذَلِكَ بِأنَّ تُنْعِمَ النَّظَرَ، تُمْعِنُ في التَّأمُّلِ وتَتَأنّى، حَتّى تَعْلَمَ المَصادِرَ …

68

وَلَمَّا دَخَلُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةًۭ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَىٰهَا ۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلْمٍۢ لِّمَا عَلَّمْنَٰهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

And when they entered from where their father had ordered them, it did not avail them against Allah at all except [it was] a need within the soul of Jacob, which he satisfied. And indeed, he was a possessor of knowledge because of what We had taught him, but most of the people do not know.

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ صَدَقَ يَعْقُوبَ فِيما قالَ، مُؤَكِّدًا لِما أشارَ إلى اعْتِقادِهِ، فَقالَ: ﴿ولَمّا﴾ وعَطْفُهُ بِالواوِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم ما أسْرَعُوا الكَرَّةَ في هَذِهِ المَرَّةِ خَوْفًا مِن أنْ يَقُولَ لَهُمْ: لَمْ يَفْرَغْ ما عِنْدَكم حَتّى تَضْطَرُّوا إلى الِاسْتِبْدالِ بِهِ، والزَّمانُ زَمانُ رِفْقٍ، لا زَمانُ تَبَسُّطٍ ﴿دَخَلُوا﴾ أيْ أُخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ وُصُولِهِمْ إلى مِصْرَ ﴿مِن حَيْثُ أمَرَهُمْ﴾ أيْ بِهِ ﴿أبُوهُمْ﴾ مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قالُوا: وكانَ لِمِصْرَ أرْبَعَةُ أبْوابٍ ﴿ما كانَ﴾ ذَلِكَ الدُّخُولُ ”يُغْنِي“ أيْ يَدْفَعَ ويَجْزِي ﴿عَنْهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا رادَّ لِأمْرِهِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ كَما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ”إلّا حاجَةً“ أيْ شَيْئًا غَيْرَ أتَمِّ حاجَةٍ ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ﴾ وهو الدُّخُولُ عَلى ما أمَرَ بِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ ”قَضاها“ يَعْقُوبُ، وأبْرَزَها مِن نَفْسِهِ إلى أوْلادِهِ، فَعَمِلُوا فِيها بِمُرادِهِ فَأغْنى عَنْهم ذَلِكَ الإخْلاصُ مِن عُقُوقِ أبِيهِمْ فَقَطْ، [فَإنَّهُمُ ابْتُلُوا في هَذِهِ السُّفْرَةِ بِأمْرٍ عَظِيمٍ لَمْ يَجِدُوا مِنهُ خَلاصًا، وهو نَسَبُهم إلى السَّرِقَةِ، وأسْرُ أخِيهِمْ مِنهُمْ]، قالَ أبُو حَيّانَ: وفِيهِ حُجَّةٌ لِمَن زَعَمَ أنَّ ”لَمّا“ حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ، لا ظَرْفَ زَمانٍ بِمَعْنى ”حِينَ“، إذًا لَوْ كانَ ظَرْفَ زَمانٍ ما جازَ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِما ”بَعْدَ“ ما النّافِيَةِ - انْتَهى.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في الِاحْتِياطِ، أشارَ تَعالى إلى رَدِّهِ بِمَدْحِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حَثًّا عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ في التَّسَبُّبِ مَعَ اعْتِقادِهِ أنَّ الأمْرَ بِيَدِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿وإنَّهُ﴾ أيْ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [مَعَ] أمْرِهِ لِبَنِيهِ بِذَلِكَ ﴿لَذُو عِلْمٍ﴾ أيْ مَعْرِفَةٍ بِالحُكْمَيْنِ: حُكْمُ التَّكْلِيفِ، وحُكْمُ التَّقْدِيرِ، واطِّلاعٌ عَلى الكَوْنَيْنِ عَظِيمٌ ”لِما“ أيْ لِلَّذِي ﴿عَلَّمْناهُ﴾ إيّاهُ مِن أُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَذُو عِلْمٍ لِأجْلِ تَعْلِيمِنا أيّاهُ.

فاقْتَدَوْا بِهِ في الِاحْتِياطِ في تَعاطِي الأسْبابِ، مَعَ اعْتِقادِ أنَّهُ لا أثَرَ لَها إلّا أنْ أمْضاها الواحِدُ القَهّارُ، فَبِهَذا التَّقْدِيرِ يَتَبَيَّنُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ، وفائِدَةُ إبْرازِهِ - في صُورَةِ الِاسْتِثْناءِ عِنْدَ مَن جَعَلَهُ مُنْقَطِعًا - الإشارَةُ إلى تَعْظِيمِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّهُ جَدِيرٌ بِأنْ يَكُونَ ما يَأْمُرُ بِهِ مُغْنِيًا، لِأنَّهُ مِن أمْرِ اللَّهِ، فَلَوْ كانَ كُلُّ شَيْءٍ يُغْنِي مِن قَدَرِ اللَّهِ لَأغْنى ما أشارَ بِهِ، وإنَّما فُسِّرَتْ ”يُغْنِي“ بِـ ”يَدْفَعُ“ لِأنَّ مادَّةَ ”غَنِيَ“ - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - تَدُورُ عَلى الإقامَةِ، فَيَكُونُ أغْنى لِلسَّلْبِ، وهو مَعْنى لِلدَّفْعِ، بَيانُهُ أنَّ غِنًى بِمَعْنى أقامَ، وعاشَ، ولَقِيَ، ومَغْنى الدّارِ: مَوْضِعُ الحُلُولِ، ويَلْزَمُ مِنَ الإقامَةِ الكِفايَةُ والتَّمَوُّلُ، لِأنَّ الفَقِيرَ مُنْزَعِجٌ مُضْطَرِبٌ، والغَنِيُّ - كَإلى: التَّزَوُّجُ، وإذا فَتَحَ مَدَّ، والِاسْمُ الغَنِيَّةُ - بِالضَّمِّ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّزَوُّجَ لازِمُ الإقامَةِ، والغانِيَةُ: المَرْأةُ تُطْلَبُ ولا تَطْلُبُ، أوِ الغَنِيَّةُ بِحُسْنِها عَنِ الزِّينَةِ، أوِ الشّابَّةِ المُتَزَوِّجَةِ، أوِ الشّابَّةِ العَفِيفَةِ ذاتِ زَوْجٍ كانَتْ أمْ لا، ومِثْلُها …

69

وَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And when they entered upon Joseph, he took his brother to himself; he said, "Indeed, I am your brother, so do not despair over what they used to do [to me]."

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنْ دُخُولِهِمْ إلى البَلَدِ، أخْبَرَ عَنْ دُخُولِهِمْ لِحاجَتِهِمْ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقاتَلَ: ﴿ولَمّا دَخَلُوا﴾ أيْ بَنُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿عَلى يُوسُفَ﴾ في هَذِهِ القَدْمَةِ الثّانِيَةِ ﴿آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ شَقِيقُهُ بِنْيامِينَ بَعْدَ أنْ قالُوا لَهُ: هَذا أخُونا الَّذِي أمَرْتَنا بِهِ قَدْ أحْضَرْناهُ، فَقالَ: أصَبْتُمْ، وسَتَجِدُونَ ذَلِكَ عِنْدِي؛ والإيواءُ: ضَمُّ النَّفْسِ بِالتَّصْيِيرِ إلى مَوْضِعِ الرّاحَةِ، وسَبَبِ إيوائِهِ إلَيْهِ أنَّهُ أمْرُ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنهم أنْ يَأْكُلُوا عَلى حِدَةٍ، فَبَقِيَ بِنْيامِينُ بِلا ثانٍ، فَقالَ: هَذا يَأْكُلُ مَعِي، ثُمَّ قالَ لَيًّا: [و] كُلُّ اثْنَيْنِ مِنكم في بَيْتٍ مِن خَمْسَةِ أبْياتٍ أفْرَدَها لَهُمْ، وهَذا الوَحِيدُ يَكُونُ مَعِي في بَيْتِي، وهَذا التَّفْرِيقُ مُوافِقٌ لِما أمَرَهم بِهِ أبُوهم في تَفْرِيقِ الدُّخُولِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهُ، هَلْ أعْلَمَهُ بِنَفَسِهِ أوْ كَتَمَ ذَلِكَ عَنْهُ كَما فَعَلَ بِسائِرِ إخْوَتِهِ؟ فَقِيلَ: بَلْ ﴿قالَ﴾ مُعْلِمًا لَهُ، لِأنَّهُ لا سَبَبَ يَقْتَضِي الكَتْمَ [عَنْهُ ]- كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ، مُؤَكِّدًا لِما لِلْأخِ مِن إنْكارِهِ لِطُولِ غَيْبَتِهِ وتَغَيُّرِ أحْوالِهِ وقَطْعِ الرَّجاءِ مِنهُ: ﴿إنِّي أنا أخُوكَ﴾ يُوسُفُ: ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ أيْ تَجْتَلِبُ البُؤْسَ. وهو الكَراهَةُ والحُزْنُ ﴿بِما كانُوا﴾ أيْ سائِرُ الإخْوَةِ، كَوْنًا هم راسِخُونَ فِيهِ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ مِمّا يَسُوءُنا وإنْ زَعَمُوا أنَّهم بَنَوْا ذَلِكَ العَمَلَ عَلى عِلْمٍ، وقَدْ جَمَعْنا لَهُ خَيْرَ ما يَكُونُ عَلَيْهِ الِاجْتِماعُ، ولا تُعْلِمُهم بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ مَلَأ لَهم أوْعِيَتَهم كَما أرادُوا.

70

فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَٰرِقُونَ

So when he had furnished them with their supplies, he put the [gold measuring] bowl into the bag of his brother. Then an announcer called out, "O caravan, indeed you are thieves."

وكَأنَّهُ في المَرَّةِ الأوْلى أيْضًا في تَجْهِيزِهِمْ لِيَتَعَرَّفَ أخْبارَهم في طُولِ المُدَّةِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، ولِذَلِكَ لَمْ يَعْطِفْ بِالفاءِ، وأسْرَعَ في تَجْهِيزِهِمْ في هَذِهِ المَرَّةِ قَصْدًا إلى انْفِرادِهِ بِأخِيهِ مِن غَيْرِ رَقِيبٍ بِالحِيلَةِ الَّتِي دَبَّرَها. فَلِذَلِكَ أتَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ﴾ أيْ أعْجَلُ جِهازٍ وأحْسَنُهُ ﴿بِجَهازِهِمْ﴾ ويُؤَيِّدُهُ ”فِلْمًا جاءَ أمْرنا“ في قِصَّتَيْ صالِحٍ ولُوطٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَما مَضى في سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿جَعَلَ﴾ أيْ بِنَفْسِهِ أوْ بِمَن أمَرَهُ ﴿السِّقايَةَ﴾ الَّتِي لَهُ. وهي إناءٌ يَسْقِي بِهِ ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ شَقِيقِهِ، لِيَحْتالَ بِذَلِكَ عَلى إبْقائِهِ عِنْدَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ البَصِيرَ لا يَقْضِي بِسَرِقَتِهِ بِذَلِكَ، مَعَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ الصُّواعُ دُسَّ في رَحْلِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَما فَعَلَ بِبِضاعَتِهِمْ في المَرَّةِ الأُولى، وأمّا غَيْرُ البَصِيرِ فَضَرَرُ ثُبُوتِ ذَلِكَ في ذِهْنِهِ مُفْتَقِرٌ لِأنَّهُ يَسِيرُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ النَّفْعِ مَن أُلْفِ إخْوَتِهِ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وزَوالُ وحْشَتِهِمْ مِنهُ بِإقامَتِهِ عِنْدَهُ - كَما سَيَأْتِي مَعَ مَزِيدِ بَيانٍ - هَذا مَعَ تَحَقُّقِ البَراءَةِ عَنْ قُرْبٍ، فَهو مِن بابِ ارْتِكابِ أخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، ثُمَّ أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا، ثُمَّ أرْسَلَ إلَيْهِمْ فَحُبِسُوا ﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ انْطِلاقِهِمْ وإمْعانِهِمْ في السَّيْرِ ﴿أذَّنَ﴾ أيْ أعْلَمَ فِيهِمْ بِالنِّداءِ ﴿مُؤَذِّنٌ﴾ قائِلًا بِرَفِيعِ صَوْتِهِ وإنْ كانُوا في غايَةِ القُرْبِ مِنهُ - بِما دَلَّ عَلَيْهِ إسْقاطُ الأداةِ: ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾ أيْ أهْلُها، وأكَّدَ لِما لَهم مِنَ الإنْكارِ ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ أيْ ثابِتٌ لَكم ذَلِكَ لا مَحالَةَ حَقِيقَةً بِما فَعَلْتُمْ في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ مَجازًا بِأنَّكم فاعِلُونَ فِعْلَ السّارِقِ - كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ آنِفًا، مَعَ أنَّ هَذا النِّداءَ لَيْسَ مِن قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونُ بِأمْرِهِ حَتّى يَحْتاجَ إلى تَصْحِيحِهِ، بَلْ يَكُونُ قائِلُهُ فَهِمَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: صَواعِي مَعَ الرَّكْبِ، أوْ كَأنَّهم أخَذُوا صَواعِي فاذْهَبْ فَآتِنِي بِهِ أوْ بِهِمْ - ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا هو حُقٌّ في نَفْسِهِ؛ والعِيرُ: القافِلَةُ الَّتِي فِيها الأحْمالُ، والأصْلُ فِيها الحَمِيرُ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى أطْلَقَ عَلى كُلِّ قافِلَةٍ تَشْبِيهًا بِها، وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ البَيانَ عَمّا يُوجِبُهُ التَّلَطُّفُ في بُلُوغِ المُرادِ مِن إيقاعِ الأسْبابِ الَّتِي تُؤَدِّي إلَيْهِ وتَبْعَثُ عَلَيْهِ بِظاهِرٍ جَمِيلٍ وباطِنٍ حَقٍّ مِمّا يَخْفى عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ مَوْقِعُهُ، ويُشْكِلُ عَلَيْهِ وجْهُهُ، لِأنَّهُ أنْفَذُ لَهُ وأنْجَحُ لِلْمَطْلُوبِ مِنهُ،

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.