Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 61–70 of 111

61

قَالُوا۟ سَنُرَٰوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَٰعِلُونَ

They said, "We will attempt to dissuade his father from [keeping] him, and indeed, we will do [it]."

.

قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ أيْ جاءُوا إلى مِصْرَ مِن أرْضِ كَنْعانَ لِيَمْتارُوا لَمّا أصابَهُمُ القَحْطُ فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم رِجالًا ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِأنَّهم فارَقُوهُ صَبِيًّا يُباعُ بِالدَّراهِمِ في أيْدِي السَّيّارَةِ بَعْدَ أنْ أخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ الآنَ وهو رَجُلٌ عَلَيْهِ أُبَّهَةُ المُلْكِ، ورَوْنَقُ الرِّئاسَةِ، وعِنْدَهُ الخَدَمُ والحَشَمُ وقِيلَ إنَّهم أنْكَرُوهُ لِكَوْنِهِ كانَ في تِلْكَ الحالِ عَلى هَيْئَةِ مَلِكِ مِصْرَ، ولَبِسَ تاجَهُ وتَطَوَّقَ بِطَوْقِهِ، وقِيلَ كانُوا بَعِيدًا مِنهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ المُرادُ هُنا أنَّهُ أعْطاهم ما طَلَبُوهُ مِنَ المِيرَةِ وما يُصْلِحُونَ بِهِ سَفَرَهم مِنَ العُدَّةِ الَّتِي يَحْتاجُها المُسافِرُ، يُقالُ جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا: إذا تَكَلَّفْتُ لَهم جِهازًا لِلسَّفَرِ.

قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ ﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قِيلَ: لا بُدَّ مِن كَلامٍ يَنْشَأُ عَنْهُ طَلَبُهُ لَهم بِأنْ يَأْتُوهُ بِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا رَآهم وكَلَّمُوهُ بِالعِبْرانِيَّةِ قالَ لَهم: ما أنْتُمْ وما شَأْنُكم فَإنِّي أُنْكِرُكم ؟ فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ جِئْنا نَمْتارُ ولَنا أبٌ شَيْخٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ.

قالَ: كَمْ أنْتُمْ ؟ قالُوا عَشَرَةٌ وقَدْ كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ، فَذَهَبَ أخٌ لَنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، وكانَ أحَبَّنا إلى أبِينا، وقَدْ سَكَنَ بَعْدَهُ إلى أخٍ لَهُ أصْغَرَ مِنهُ هو باقٍ لَدَيْهِ يَتَسَلّى بِهِ، فَقالَ لَهم حِينَئِذٍ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ يَعْنِي أخاهُ بِنْيامِينَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.

فَوَعَدُوهُ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَتْرُكُوا أحَدَهم رَهِينَةً عِنْدَهُ حَتّى يَأْتُوهُ بِالأخِ الَّذِي طَلَبَهُ، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتَمِّمُهُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ مَعَ كَوْنِهِ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ تَجْهِيزِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِما يَزِيدُهم وُثُوقًا بِهِ وتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، فَقالَ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيْ والحالُ أنِّي خَيْرُ المُنْزِلِينَ لِمَن نَزَلَ بِي، كَما فَعَلْتُهُ بِكم مِن حُسْنِ الضِّيافَةِ وحُسْنِ الإنْزالِ.

قالَ الزَّجّاجُ: قالَ يُوسُفُ ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم إذا لَمْ يَأْتُوهُ بِهِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ فَلا أبِيعُكم شَيْئًا فِيما بَعْدُ، وأمّا في الحالِ فَقَدْ أوْفاهم كَيْلَهم، ومَعْنى لا تَقْرُبُونِ: لا تَدْخُلُونَ بِلادِي فَضْلًا عَنْ أنْ أُحْسِنَ إلَيْكم وقِيلَ مَعْناهُ: لا أُنْزِلُكم عِنْدِي كَما أنْزَلْتُكم هَذِهِ المَرَّةَ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهم لا يَقْرُبُونَ بِلادَهُ، وتَقْرُبُونِ مَجْزُومٌ إمّا عَلى أنَّ لا ناهِيَةٌ أوْ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ داخِلٌ في حُكْمِهِ كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي تُحْرَمُوا ولا تُقَرَّبُوا فَلَمّا سَمِعُوا مِنهُ ذَلِكَ وعَدُوهُ بِما طَلَبَهُ مِنهم.

فَ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ سَنَطْلُبُهُ مِنهُ، ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ بِما نَقْدِرُ …

62

وَقَالَ لِفِتْيَٰنِهِ ٱجْعَلُوا۟ بِضَٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

And [Joseph] said to his servants, "Put their merchandise into their saddlebags so they might recognize it when they have gone back to their people that perhaps they will [again] return."

.

قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ أيْ جاءُوا إلى مِصْرَ مِن أرْضِ كَنْعانَ لِيَمْتارُوا لَمّا أصابَهُمُ القَحْطُ فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم رِجالًا ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِأنَّهم فارَقُوهُ صَبِيًّا يُباعُ بِالدَّراهِمِ في أيْدِي السَّيّارَةِ بَعْدَ أنْ أخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ الآنَ وهو رَجُلٌ عَلَيْهِ أُبَّهَةُ المُلْكِ، ورَوْنَقُ الرِّئاسَةِ، وعِنْدَهُ الخَدَمُ والحَشَمُ وقِيلَ إنَّهم أنْكَرُوهُ لِكَوْنِهِ كانَ في تِلْكَ الحالِ عَلى هَيْئَةِ مَلِكِ مِصْرَ، ولَبِسَ تاجَهُ وتَطَوَّقَ بِطَوْقِهِ، وقِيلَ كانُوا بَعِيدًا مِنهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ المُرادُ هُنا أنَّهُ أعْطاهم ما طَلَبُوهُ مِنَ المِيرَةِ وما يُصْلِحُونَ بِهِ سَفَرَهم مِنَ العُدَّةِ الَّتِي يَحْتاجُها المُسافِرُ، يُقالُ جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا: إذا تَكَلَّفْتُ لَهم جِهازًا لِلسَّفَرِ.

قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ ﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قِيلَ: لا بُدَّ مِن كَلامٍ يَنْشَأُ عَنْهُ طَلَبُهُ لَهم بِأنْ يَأْتُوهُ بِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا رَآهم وكَلَّمُوهُ بِالعِبْرانِيَّةِ قالَ لَهم: ما أنْتُمْ وما شَأْنُكم فَإنِّي أُنْكِرُكم ؟ فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ جِئْنا نَمْتارُ ولَنا أبٌ شَيْخٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ.

قالَ: كَمْ أنْتُمْ ؟ قالُوا عَشَرَةٌ وقَدْ كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ، فَذَهَبَ أخٌ لَنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، وكانَ أحَبَّنا إلى أبِينا، وقَدْ سَكَنَ بَعْدَهُ إلى أخٍ لَهُ أصْغَرَ مِنهُ هو باقٍ لَدَيْهِ يَتَسَلّى بِهِ، فَقالَ لَهم حِينَئِذٍ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ يَعْنِي أخاهُ بِنْيامِينَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.

فَوَعَدُوهُ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَتْرُكُوا أحَدَهم رَهِينَةً عِنْدَهُ حَتّى يَأْتُوهُ بِالأخِ الَّذِي طَلَبَهُ، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتَمِّمُهُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ مَعَ كَوْنِهِ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ تَجْهِيزِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِما يَزِيدُهم وُثُوقًا بِهِ وتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، فَقالَ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيْ والحالُ أنِّي خَيْرُ المُنْزِلِينَ لِمَن نَزَلَ بِي، كَما فَعَلْتُهُ بِكم مِن حُسْنِ الضِّيافَةِ وحُسْنِ الإنْزالِ.

قالَ الزَّجّاجُ: قالَ يُوسُفُ ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم إذا لَمْ يَأْتُوهُ بِهِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ فَلا أبِيعُكم شَيْئًا فِيما بَعْدُ، وأمّا في الحالِ فَقَدْ أوْفاهم كَيْلَهم، ومَعْنى لا تَقْرُبُونِ: لا تَدْخُلُونَ بِلادِي فَضْلًا عَنْ أنْ أُحْسِنَ إلَيْكم وقِيلَ مَعْناهُ: لا أُنْزِلُكم عِنْدِي كَما أنْزَلْتُكم هَذِهِ المَرَّةَ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهم لا يَقْرُبُونَ بِلادَهُ، وتَقْرُبُونِ مَجْزُومٌ إمّا عَلى أنَّ لا ناهِيَةٌ أوْ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ داخِلٌ في حُكْمِهِ كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي تُحْرَمُوا ولا تُقَرَّبُوا فَلَمّا سَمِعُوا مِنهُ ذَلِكَ وعَدُوهُ بِما طَلَبَهُ مِنهم.

فَ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ سَنَطْلُبُهُ مِنهُ، ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ بِما نَقْدِرُ …

63

فَلَمَّا رَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيهِمْ قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ

So when they returned to their father, they said, "O our father, [further] measure has been denied to us, so send with us our brother [that] we will be given measure. And indeed, we will be his guardians."

.

قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ أيْ جاءُوا إلى مِصْرَ مِن أرْضِ كَنْعانَ لِيَمْتارُوا لَمّا أصابَهُمُ القَحْطُ فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم رِجالًا ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِأنَّهم فارَقُوهُ صَبِيًّا يُباعُ بِالدَّراهِمِ في أيْدِي السَّيّارَةِ بَعْدَ أنْ أخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ الآنَ وهو رَجُلٌ عَلَيْهِ أُبَّهَةُ المُلْكِ، ورَوْنَقُ الرِّئاسَةِ، وعِنْدَهُ الخَدَمُ والحَشَمُ وقِيلَ إنَّهم أنْكَرُوهُ لِكَوْنِهِ كانَ في تِلْكَ الحالِ عَلى هَيْئَةِ مَلِكِ مِصْرَ، ولَبِسَ تاجَهُ وتَطَوَّقَ بِطَوْقِهِ، وقِيلَ كانُوا بَعِيدًا مِنهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ المُرادُ هُنا أنَّهُ أعْطاهم ما طَلَبُوهُ مِنَ المِيرَةِ وما يُصْلِحُونَ بِهِ سَفَرَهم مِنَ العُدَّةِ الَّتِي يَحْتاجُها المُسافِرُ، يُقالُ جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا: إذا تَكَلَّفْتُ لَهم جِهازًا لِلسَّفَرِ.

قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ ﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قِيلَ: لا بُدَّ مِن كَلامٍ يَنْشَأُ عَنْهُ طَلَبُهُ لَهم بِأنْ يَأْتُوهُ بِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا رَآهم وكَلَّمُوهُ بِالعِبْرانِيَّةِ قالَ لَهم: ما أنْتُمْ وما شَأْنُكم فَإنِّي أُنْكِرُكم ؟ فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ جِئْنا نَمْتارُ ولَنا أبٌ شَيْخٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ.

قالَ: كَمْ أنْتُمْ ؟ قالُوا عَشَرَةٌ وقَدْ كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ، فَذَهَبَ أخٌ لَنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، وكانَ أحَبَّنا إلى أبِينا، وقَدْ سَكَنَ بَعْدَهُ إلى أخٍ لَهُ أصْغَرَ مِنهُ هو باقٍ لَدَيْهِ يَتَسَلّى بِهِ، فَقالَ لَهم حِينَئِذٍ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ يَعْنِي أخاهُ بِنْيامِينَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.

فَوَعَدُوهُ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَتْرُكُوا أحَدَهم رَهِينَةً عِنْدَهُ حَتّى يَأْتُوهُ بِالأخِ الَّذِي طَلَبَهُ، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتَمِّمُهُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ مَعَ كَوْنِهِ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ تَجْهِيزِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِما يَزِيدُهم وُثُوقًا بِهِ وتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، فَقالَ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيْ والحالُ أنِّي خَيْرُ المُنْزِلِينَ لِمَن نَزَلَ بِي، كَما فَعَلْتُهُ بِكم مِن حُسْنِ الضِّيافَةِ وحُسْنِ الإنْزالِ.

قالَ الزَّجّاجُ: قالَ يُوسُفُ ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم إذا لَمْ يَأْتُوهُ بِهِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ فَلا أبِيعُكم شَيْئًا فِيما بَعْدُ، وأمّا في الحالِ فَقَدْ أوْفاهم كَيْلَهم، ومَعْنى لا تَقْرُبُونِ: لا تَدْخُلُونَ بِلادِي فَضْلًا عَنْ أنْ أُحْسِنَ إلَيْكم وقِيلَ مَعْناهُ: لا أُنْزِلُكم عِنْدِي كَما أنْزَلْتُكم هَذِهِ المَرَّةَ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهم لا يَقْرُبُونَ بِلادَهُ، وتَقْرُبُونِ مَجْزُومٌ إمّا عَلى أنَّ لا ناهِيَةٌ أوْ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ داخِلٌ في حُكْمِهِ كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي تُحْرَمُوا ولا تُقَرَّبُوا فَلَمّا سَمِعُوا مِنهُ ذَلِكَ وعَدُوهُ بِما طَلَبَهُ مِنهم.

فَ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ سَنَطْلُبُهُ مِنهُ، ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ بِما نَقْدِرُ …

64

قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَٰفِظًۭا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ

He said, "Should I entrust you with him except [under coercion] as I entrusted you with his brother before? But Allah is the best guardian, and He is the most merciful of the merciful."

.

قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ أيْ جاءُوا إلى مِصْرَ مِن أرْضِ كَنْعانَ لِيَمْتارُوا لَمّا أصابَهُمُ القَحْطُ فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم رِجالًا ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِأنَّهم فارَقُوهُ صَبِيًّا يُباعُ بِالدَّراهِمِ في أيْدِي السَّيّارَةِ بَعْدَ أنْ أخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ الآنَ وهو رَجُلٌ عَلَيْهِ أُبَّهَةُ المُلْكِ، ورَوْنَقُ الرِّئاسَةِ، وعِنْدَهُ الخَدَمُ والحَشَمُ وقِيلَ إنَّهم أنْكَرُوهُ لِكَوْنِهِ كانَ في تِلْكَ الحالِ عَلى هَيْئَةِ مَلِكِ مِصْرَ، ولَبِسَ تاجَهُ وتَطَوَّقَ بِطَوْقِهِ، وقِيلَ كانُوا بَعِيدًا مِنهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ المُرادُ هُنا أنَّهُ أعْطاهم ما طَلَبُوهُ مِنَ المِيرَةِ وما يُصْلِحُونَ بِهِ سَفَرَهم مِنَ العُدَّةِ الَّتِي يَحْتاجُها المُسافِرُ، يُقالُ جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا: إذا تَكَلَّفْتُ لَهم جِهازًا لِلسَّفَرِ.

قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ ﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قِيلَ: لا بُدَّ مِن كَلامٍ يَنْشَأُ عَنْهُ طَلَبُهُ لَهم بِأنْ يَأْتُوهُ بِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا رَآهم وكَلَّمُوهُ بِالعِبْرانِيَّةِ قالَ لَهم: ما أنْتُمْ وما شَأْنُكم فَإنِّي أُنْكِرُكم ؟ فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ جِئْنا نَمْتارُ ولَنا أبٌ شَيْخٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ.

قالَ: كَمْ أنْتُمْ ؟ قالُوا عَشَرَةٌ وقَدْ كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ، فَذَهَبَ أخٌ لَنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، وكانَ أحَبَّنا إلى أبِينا، وقَدْ سَكَنَ بَعْدَهُ إلى أخٍ لَهُ أصْغَرَ مِنهُ هو باقٍ لَدَيْهِ يَتَسَلّى بِهِ، فَقالَ لَهم حِينَئِذٍ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ يَعْنِي أخاهُ بِنْيامِينَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.

فَوَعَدُوهُ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَتْرُكُوا أحَدَهم رَهِينَةً عِنْدَهُ حَتّى يَأْتُوهُ بِالأخِ الَّذِي طَلَبَهُ، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتَمِّمُهُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ مَعَ كَوْنِهِ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ تَجْهِيزِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِما يَزِيدُهم وُثُوقًا بِهِ وتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، فَقالَ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيْ والحالُ أنِّي خَيْرُ المُنْزِلِينَ لِمَن نَزَلَ بِي، كَما فَعَلْتُهُ بِكم مِن حُسْنِ الضِّيافَةِ وحُسْنِ الإنْزالِ.

قالَ الزَّجّاجُ: قالَ يُوسُفُ ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم إذا لَمْ يَأْتُوهُ بِهِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ فَلا أبِيعُكم شَيْئًا فِيما بَعْدُ، وأمّا في الحالِ فَقَدْ أوْفاهم كَيْلَهم، ومَعْنى لا تَقْرُبُونِ: لا تَدْخُلُونَ بِلادِي فَضْلًا عَنْ أنْ أُحْسِنَ إلَيْكم وقِيلَ مَعْناهُ: لا أُنْزِلُكم عِنْدِي كَما أنْزَلْتُكم هَذِهِ المَرَّةَ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهم لا يَقْرُبُونَ بِلادَهُ، وتَقْرُبُونِ مَجْزُومٌ إمّا عَلى أنَّ لا ناهِيَةٌ أوْ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ داخِلٌ في حُكْمِهِ كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي تُحْرَمُوا ولا تُقَرَّبُوا فَلَمّا سَمِعُوا مِنهُ ذَلِكَ وعَدُوهُ بِما طَلَبَهُ مِنهم.

فَ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ سَنَطْلُبُهُ مِنهُ، ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ بِما نَقْدِرُ …

65

وَلَمَّا فَتَحُوا۟ مَتَٰعَهُمْ وَجَدُوا۟ بِضَٰعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مَا نَبْغِى ۖ هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍۢ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌۭ يَسِيرٌۭ

And when they opened their baggage, they found their merchandise returned to them. They said, "O our father, what [more] could we desire? This is our merchandise returned to us. And we will obtain supplies for our family and protect our brother and obtain an increase of a camel's load; that is an easy measurement."

.

قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ أيْ جاءُوا إلى مِصْرَ مِن أرْضِ كَنْعانَ لِيَمْتارُوا لَمّا أصابَهُمُ القَحْطُ فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم رِجالًا ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِأنَّهم فارَقُوهُ صَبِيًّا يُباعُ بِالدَّراهِمِ في أيْدِي السَّيّارَةِ بَعْدَ أنْ أخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ الآنَ وهو رَجُلٌ عَلَيْهِ أُبَّهَةُ المُلْكِ، ورَوْنَقُ الرِّئاسَةِ، وعِنْدَهُ الخَدَمُ والحَشَمُ وقِيلَ إنَّهم أنْكَرُوهُ لِكَوْنِهِ كانَ في تِلْكَ الحالِ عَلى هَيْئَةِ مَلِكِ مِصْرَ، ولَبِسَ تاجَهُ وتَطَوَّقَ بِطَوْقِهِ، وقِيلَ كانُوا بَعِيدًا مِنهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ المُرادُ هُنا أنَّهُ أعْطاهم ما طَلَبُوهُ مِنَ المِيرَةِ وما يُصْلِحُونَ بِهِ سَفَرَهم مِنَ العُدَّةِ الَّتِي يَحْتاجُها المُسافِرُ، يُقالُ جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا: إذا تَكَلَّفْتُ لَهم جِهازًا لِلسَّفَرِ.

قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ ﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قِيلَ: لا بُدَّ مِن كَلامٍ يَنْشَأُ عَنْهُ طَلَبُهُ لَهم بِأنْ يَأْتُوهُ بِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا رَآهم وكَلَّمُوهُ بِالعِبْرانِيَّةِ قالَ لَهم: ما أنْتُمْ وما شَأْنُكم فَإنِّي أُنْكِرُكم ؟ فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ جِئْنا نَمْتارُ ولَنا أبٌ شَيْخٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ.

قالَ: كَمْ أنْتُمْ ؟ قالُوا عَشَرَةٌ وقَدْ كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ، فَذَهَبَ أخٌ لَنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، وكانَ أحَبَّنا إلى أبِينا، وقَدْ سَكَنَ بَعْدَهُ إلى أخٍ لَهُ أصْغَرَ مِنهُ هو باقٍ لَدَيْهِ يَتَسَلّى بِهِ، فَقالَ لَهم حِينَئِذٍ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ يَعْنِي أخاهُ بِنْيامِينَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.

فَوَعَدُوهُ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَتْرُكُوا أحَدَهم رَهِينَةً عِنْدَهُ حَتّى يَأْتُوهُ بِالأخِ الَّذِي طَلَبَهُ، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتَمِّمُهُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ مَعَ كَوْنِهِ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ تَجْهِيزِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِما يَزِيدُهم وُثُوقًا بِهِ وتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، فَقالَ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيْ والحالُ أنِّي خَيْرُ المُنْزِلِينَ لِمَن نَزَلَ بِي، كَما فَعَلْتُهُ بِكم مِن حُسْنِ الضِّيافَةِ وحُسْنِ الإنْزالِ.

قالَ الزَّجّاجُ: قالَ يُوسُفُ ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم إذا لَمْ يَأْتُوهُ بِهِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ فَلا أبِيعُكم شَيْئًا فِيما بَعْدُ، وأمّا في الحالِ فَقَدْ أوْفاهم كَيْلَهم، ومَعْنى لا تَقْرُبُونِ: لا تَدْخُلُونَ بِلادِي فَضْلًا عَنْ أنْ أُحْسِنَ إلَيْكم وقِيلَ مَعْناهُ: لا أُنْزِلُكم عِنْدِي كَما أنْزَلْتُكم هَذِهِ المَرَّةَ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهم لا يَقْرُبُونَ بِلادَهُ، وتَقْرُبُونِ مَجْزُومٌ إمّا عَلى أنَّ لا ناهِيَةٌ أوْ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ داخِلٌ في حُكْمِهِ كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي تُحْرَمُوا ولا تُقَرَّبُوا فَلَمّا سَمِعُوا مِنهُ ذَلِكَ وعَدُوهُ بِما طَلَبَهُ مِنهم.

فَ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ سَنَطْلُبُهُ مِنهُ، ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ بِما نَقْدِرُ …

66

قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُۥ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌۭ

[Jacob] said, "Never will I send him with you until you give me a promise by Allah that you will bring him [back] to me, unless you should be surrounded by enemies." And when they had given their promise, he said, "Allah, over what we say, is Witness."

.

قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ أيْ جاءُوا إلى مِصْرَ مِن أرْضِ كَنْعانَ لِيَمْتارُوا لَمّا أصابَهُمُ القَحْطُ فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم رِجالًا ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِأنَّهم فارَقُوهُ صَبِيًّا يُباعُ بِالدَّراهِمِ في أيْدِي السَّيّارَةِ بَعْدَ أنْ أخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ الآنَ وهو رَجُلٌ عَلَيْهِ أُبَّهَةُ المُلْكِ، ورَوْنَقُ الرِّئاسَةِ، وعِنْدَهُ الخَدَمُ والحَشَمُ وقِيلَ إنَّهم أنْكَرُوهُ لِكَوْنِهِ كانَ في تِلْكَ الحالِ عَلى هَيْئَةِ مَلِكِ مِصْرَ، ولَبِسَ تاجَهُ وتَطَوَّقَ بِطَوْقِهِ، وقِيلَ كانُوا بَعِيدًا مِنهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ المُرادُ هُنا أنَّهُ أعْطاهم ما طَلَبُوهُ مِنَ المِيرَةِ وما يُصْلِحُونَ بِهِ سَفَرَهم مِنَ العُدَّةِ الَّتِي يَحْتاجُها المُسافِرُ، يُقالُ جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا: إذا تَكَلَّفْتُ لَهم جِهازًا لِلسَّفَرِ.

قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ ﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قِيلَ: لا بُدَّ مِن كَلامٍ يَنْشَأُ عَنْهُ طَلَبُهُ لَهم بِأنْ يَأْتُوهُ بِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا رَآهم وكَلَّمُوهُ بِالعِبْرانِيَّةِ قالَ لَهم: ما أنْتُمْ وما شَأْنُكم فَإنِّي أُنْكِرُكم ؟ فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ جِئْنا نَمْتارُ ولَنا أبٌ شَيْخٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ.

قالَ: كَمْ أنْتُمْ ؟ قالُوا عَشَرَةٌ وقَدْ كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ، فَذَهَبَ أخٌ لَنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، وكانَ أحَبَّنا إلى أبِينا، وقَدْ سَكَنَ بَعْدَهُ إلى أخٍ لَهُ أصْغَرَ مِنهُ هو باقٍ لَدَيْهِ يَتَسَلّى بِهِ، فَقالَ لَهم حِينَئِذٍ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ يَعْنِي أخاهُ بِنْيامِينَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.

فَوَعَدُوهُ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَتْرُكُوا أحَدَهم رَهِينَةً عِنْدَهُ حَتّى يَأْتُوهُ بِالأخِ الَّذِي طَلَبَهُ، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتَمِّمُهُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ مَعَ كَوْنِهِ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ تَجْهِيزِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِما يَزِيدُهم وُثُوقًا بِهِ وتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، فَقالَ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيْ والحالُ أنِّي خَيْرُ المُنْزِلِينَ لِمَن نَزَلَ بِي، كَما فَعَلْتُهُ بِكم مِن حُسْنِ الضِّيافَةِ وحُسْنِ الإنْزالِ.

قالَ الزَّجّاجُ: قالَ يُوسُفُ ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم إذا لَمْ يَأْتُوهُ بِهِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ فَلا أبِيعُكم شَيْئًا فِيما بَعْدُ، وأمّا في الحالِ فَقَدْ أوْفاهم كَيْلَهم، ومَعْنى لا تَقْرُبُونِ: لا تَدْخُلُونَ بِلادِي فَضْلًا عَنْ أنْ أُحْسِنَ إلَيْكم وقِيلَ مَعْناهُ: لا أُنْزِلُكم عِنْدِي كَما أنْزَلْتُكم هَذِهِ المَرَّةَ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهم لا يَقْرُبُونَ بِلادَهُ، وتَقْرُبُونِ مَجْزُومٌ إمّا عَلى أنَّ لا ناهِيَةٌ أوْ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ داخِلٌ في حُكْمِهِ كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي تُحْرَمُوا ولا تُقَرَّبُوا فَلَمّا سَمِعُوا مِنهُ ذَلِكَ وعَدُوهُ بِما طَلَبَهُ مِنهم.

فَ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ سَنَطْلُبُهُ مِنهُ، ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ بِما نَقْدِرُ …

67

وَقَالَ يَٰبَنِىَّ لَا تَدْخُلُوا۟ مِنۢ بَابٍۢ وَٰحِدٍۢ وَٱدْخُلُوا۟ مِنْ أَبْوَٰبٍۢ مُّتَفَرِّقَةٍۢ ۖ وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۖ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ

And he said, "O my sons, do not enter from one gate but enter from different gates; and I cannot avail you against [the decree of] Allah at all. The decision is only for Allah; upon Him I have relied, and upon Him let those who would rely [indeed] rely."

.

لَمّا تَجَهَّزَ أوْلادُ يَعْقُوبَ لِلْمَسِيرِ إلى مِصْرَ خافَ عَلَيْهِمْ أبُوهم أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ لِكَوْنِهِمْ كانُوا ذَوِي جَمالٍ ظاهِرٍ وثِيابٍ حَسَنَةٍ مَعَ كَوْنِهِمْ أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ.

فَنَهاهم أنْ يَدْخُلُوا مُجْتَمِعِينَ مِن بابٍ واحِدٍ لِأنَّ في ذَلِكَ مَظِنَّةً لِإصابَةِ الأعْيُنِ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لِأنَّهم لَوْ دَخَلُوا مِن بابَيْنِ مَثَلًا كانُوا قَدِ امْتَثَلُوا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الدُّخُولِ مِن بابَيْنِ مَثَلًا نَوْعُ اجْتِماعٍ يُخْشى مَعَهُ أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ أمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قِيلَ وكانَتْ أبْوابُ مِصْرَ أرْبَعَةً.

وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي هاشِمٍ والبَلْخِيِّ أنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا، وقالا: لا يَمْتَنِعُ أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ كانَتِ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُعَلَّقًا بِهِ.

ولَيْسَ هَذا بِمُسْتَنْكَرٍ مِن هَذَيْنِ وأتْباعِهِما، فَقَدْ صارَ دَفْعُ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ دَأْبَهم ودَيْدَنَهم، وأيُّ مانِعٍ مِن إصابَةِ العَيْنِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ ؟ وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وأُصِيبَ بِها جَماعَةٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ، ومِنهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

وأعْجَبُ مِن إنْكارِ هَؤُلاءِ لِما ورَدَتْ بِهِ نُصُوصُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الإزْراءِ عَلى مَن يَعْمَلُ بِالدَّلِيلِ المُخالِفِ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ العَقْلِيِّ والتَّنَطُّعِ في العِباراتِ كالزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِنَ المُواطِنِ لا يَقِفُ عَلى دَفْعِ دَلِيلِ الشَّرْعِ بِالِاسْتِبْعادِ الَّذِي يَدَّعِيهِ عَلى العَقْلِ حَتّى يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الوَقاحَةَ في العِبارَةِ عَلى وجْهٍ يُوقِعُ المُقَصِّرِينَ في الأقْوالِ الباطِلَةِ والمَذاهِبِ الزّائِفَةِ.

وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُ هَؤُلاءِ مَدْفُوعٌ بِالأدِلَّةِ المُتَكاثِرَةِ وإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا، وبِما هو مُشاهَدٌ في الوُجُودِ، فَكَمْ مِن شَخْصٍ مِن هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ هَلَكَ بِهَذا السَّبَبِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن عُرِفَ بِالإصابَةِ بِالعَيْنِ، فَقالَ قَوْمٌ، يُمْنَعُ مِنَ الِاتِّصالِ بِالنّاسِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ بِحَبْسٍ أوْ غَيْرِهِ مِن لُزُومِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يُنْفى، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهُ يُقْتَلُ إلّا إذا كانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وتَتَوَقَّفُ إصابَتُهُ عَلى اخْتِيارِهِ وقَصْدِهِ ولَمْ يَنْزَجِزْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ إذا قَتَلَ كانَ لَهُ حُكْمُ القاتِلِ.

ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ لِأوْلادِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لا أدْفَعُ عَنْكم ضَرَرًا ولا أجْلِبُ إلَيْكم نَفْعًا بِتَدْبِيرِي هَذا، بَلْ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْكم فَهو واقِعٌ لا مَحالَةَ.

قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: لَوْ سِيقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ العَيْنَ تُهْلِكُهم مَعَ الِاجْتِماعِ لَكانَ تَفَرُّقُهم كاجْتِماعِهِمْ.

وقالَ آخَرُونَ: ما كانَ يُغْنِي عَنْهم يَعْقُوبُ شَيْئًا قَطُّ حَيْثُ أصابَهم ما أصابَهم - مَعَ تَفَرُّقِهِمْ - مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ …

68

وَلَمَّا دَخَلُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةًۭ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَىٰهَا ۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلْمٍۢ لِّمَا عَلَّمْنَٰهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

And when they entered from where their father had ordered them, it did not avail them against Allah at all except [it was] a need within the soul of Jacob, which he satisfied. And indeed, he was a possessor of knowledge because of what We had taught him, but most of the people do not know.

.

لَمّا تَجَهَّزَ أوْلادُ يَعْقُوبَ لِلْمَسِيرِ إلى مِصْرَ خافَ عَلَيْهِمْ أبُوهم أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ لِكَوْنِهِمْ كانُوا ذَوِي جَمالٍ ظاهِرٍ وثِيابٍ حَسَنَةٍ مَعَ كَوْنِهِمْ أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ.

فَنَهاهم أنْ يَدْخُلُوا مُجْتَمِعِينَ مِن بابٍ واحِدٍ لِأنَّ في ذَلِكَ مَظِنَّةً لِإصابَةِ الأعْيُنِ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لِأنَّهم لَوْ دَخَلُوا مِن بابَيْنِ مَثَلًا كانُوا قَدِ امْتَثَلُوا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الدُّخُولِ مِن بابَيْنِ مَثَلًا نَوْعُ اجْتِماعٍ يُخْشى مَعَهُ أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ أمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قِيلَ وكانَتْ أبْوابُ مِصْرَ أرْبَعَةً.

وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي هاشِمٍ والبَلْخِيِّ أنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا، وقالا: لا يَمْتَنِعُ أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ كانَتِ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُعَلَّقًا بِهِ.

ولَيْسَ هَذا بِمُسْتَنْكَرٍ مِن هَذَيْنِ وأتْباعِهِما، فَقَدْ صارَ دَفْعُ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ دَأْبَهم ودَيْدَنَهم، وأيُّ مانِعٍ مِن إصابَةِ العَيْنِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ ؟ وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وأُصِيبَ بِها جَماعَةٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ، ومِنهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

وأعْجَبُ مِن إنْكارِ هَؤُلاءِ لِما ورَدَتْ بِهِ نُصُوصُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الإزْراءِ عَلى مَن يَعْمَلُ بِالدَّلِيلِ المُخالِفِ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ العَقْلِيِّ والتَّنَطُّعِ في العِباراتِ كالزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِنَ المُواطِنِ لا يَقِفُ عَلى دَفْعِ دَلِيلِ الشَّرْعِ بِالِاسْتِبْعادِ الَّذِي يَدَّعِيهِ عَلى العَقْلِ حَتّى يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الوَقاحَةَ في العِبارَةِ عَلى وجْهٍ يُوقِعُ المُقَصِّرِينَ في الأقْوالِ الباطِلَةِ والمَذاهِبِ الزّائِفَةِ.

وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُ هَؤُلاءِ مَدْفُوعٌ بِالأدِلَّةِ المُتَكاثِرَةِ وإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا، وبِما هو مُشاهَدٌ في الوُجُودِ، فَكَمْ مِن شَخْصٍ مِن هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ هَلَكَ بِهَذا السَّبَبِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن عُرِفَ بِالإصابَةِ بِالعَيْنِ، فَقالَ قَوْمٌ، يُمْنَعُ مِنَ الِاتِّصالِ بِالنّاسِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ بِحَبْسٍ أوْ غَيْرِهِ مِن لُزُومِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يُنْفى، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهُ يُقْتَلُ إلّا إذا كانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وتَتَوَقَّفُ إصابَتُهُ عَلى اخْتِيارِهِ وقَصْدِهِ ولَمْ يَنْزَجِزْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ إذا قَتَلَ كانَ لَهُ حُكْمُ القاتِلِ.

ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ لِأوْلادِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لا أدْفَعُ عَنْكم ضَرَرًا ولا أجْلِبُ إلَيْكم نَفْعًا بِتَدْبِيرِي هَذا، بَلْ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْكم فَهو واقِعٌ لا مَحالَةَ.

قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: لَوْ سِيقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ العَيْنَ تُهْلِكُهم مَعَ الِاجْتِماعِ لَكانَ تَفَرُّقُهم كاجْتِماعِهِمْ.

وقالَ آخَرُونَ: ما كانَ يُغْنِي عَنْهم يَعْقُوبُ شَيْئًا قَطُّ حَيْثُ أصابَهم ما أصابَهم - مَعَ تَفَرُّقِهِمْ - مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ …

69

وَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And when they entered upon Joseph, he took his brother to himself; he said, "Indeed, I am your brother, so do not despair over what they used to do [to me]."

.

لَمّا تَجَهَّزَ أوْلادُ يَعْقُوبَ لِلْمَسِيرِ إلى مِصْرَ خافَ عَلَيْهِمْ أبُوهم أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ لِكَوْنِهِمْ كانُوا ذَوِي جَمالٍ ظاهِرٍ وثِيابٍ حَسَنَةٍ مَعَ كَوْنِهِمْ أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ.

فَنَهاهم أنْ يَدْخُلُوا مُجْتَمِعِينَ مِن بابٍ واحِدٍ لِأنَّ في ذَلِكَ مَظِنَّةً لِإصابَةِ الأعْيُنِ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لِأنَّهم لَوْ دَخَلُوا مِن بابَيْنِ مَثَلًا كانُوا قَدِ امْتَثَلُوا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الدُّخُولِ مِن بابَيْنِ مَثَلًا نَوْعُ اجْتِماعٍ يُخْشى مَعَهُ أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ أمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قِيلَ وكانَتْ أبْوابُ مِصْرَ أرْبَعَةً.

وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي هاشِمٍ والبَلْخِيِّ أنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا، وقالا: لا يَمْتَنِعُ أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ كانَتِ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُعَلَّقًا بِهِ.

ولَيْسَ هَذا بِمُسْتَنْكَرٍ مِن هَذَيْنِ وأتْباعِهِما، فَقَدْ صارَ دَفْعُ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ دَأْبَهم ودَيْدَنَهم، وأيُّ مانِعٍ مِن إصابَةِ العَيْنِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ ؟ وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وأُصِيبَ بِها جَماعَةٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ، ومِنهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

وأعْجَبُ مِن إنْكارِ هَؤُلاءِ لِما ورَدَتْ بِهِ نُصُوصُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الإزْراءِ عَلى مَن يَعْمَلُ بِالدَّلِيلِ المُخالِفِ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ العَقْلِيِّ والتَّنَطُّعِ في العِباراتِ كالزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِنَ المُواطِنِ لا يَقِفُ عَلى دَفْعِ دَلِيلِ الشَّرْعِ بِالِاسْتِبْعادِ الَّذِي يَدَّعِيهِ عَلى العَقْلِ حَتّى يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الوَقاحَةَ في العِبارَةِ عَلى وجْهٍ يُوقِعُ المُقَصِّرِينَ في الأقْوالِ الباطِلَةِ والمَذاهِبِ الزّائِفَةِ.

وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُ هَؤُلاءِ مَدْفُوعٌ بِالأدِلَّةِ المُتَكاثِرَةِ وإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا، وبِما هو مُشاهَدٌ في الوُجُودِ، فَكَمْ مِن شَخْصٍ مِن هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ هَلَكَ بِهَذا السَّبَبِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن عُرِفَ بِالإصابَةِ بِالعَيْنِ، فَقالَ قَوْمٌ، يُمْنَعُ مِنَ الِاتِّصالِ بِالنّاسِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ بِحَبْسٍ أوْ غَيْرِهِ مِن لُزُومِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يُنْفى، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهُ يُقْتَلُ إلّا إذا كانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وتَتَوَقَّفُ إصابَتُهُ عَلى اخْتِيارِهِ وقَصْدِهِ ولَمْ يَنْزَجِزْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ إذا قَتَلَ كانَ لَهُ حُكْمُ القاتِلِ.

ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ لِأوْلادِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لا أدْفَعُ عَنْكم ضَرَرًا ولا أجْلِبُ إلَيْكم نَفْعًا بِتَدْبِيرِي هَذا، بَلْ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْكم فَهو واقِعٌ لا مَحالَةَ.

قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: لَوْ سِيقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ العَيْنَ تُهْلِكُهم مَعَ الِاجْتِماعِ لَكانَ تَفَرُّقُهم كاجْتِماعِهِمْ.

وقالَ آخَرُونَ: ما كانَ يُغْنِي عَنْهم يَعْقُوبُ شَيْئًا قَطُّ حَيْثُ أصابَهم ما أصابَهم - مَعَ تَفَرُّقِهِمْ - مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ …

70

فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَٰرِقُونَ

So when he had furnished them with their supplies, he put the [gold measuring] bowl into the bag of his brother. Then an announcer called out, "O caravan, indeed you are thieves."

.

لَمّا تَجَهَّزَ أوْلادُ يَعْقُوبَ لِلْمَسِيرِ إلى مِصْرَ خافَ عَلَيْهِمْ أبُوهم أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ لِكَوْنِهِمْ كانُوا ذَوِي جَمالٍ ظاهِرٍ وثِيابٍ حَسَنَةٍ مَعَ كَوْنِهِمْ أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ.

فَنَهاهم أنْ يَدْخُلُوا مُجْتَمِعِينَ مِن بابٍ واحِدٍ لِأنَّ في ذَلِكَ مَظِنَّةً لِإصابَةِ الأعْيُنِ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لِأنَّهم لَوْ دَخَلُوا مِن بابَيْنِ مَثَلًا كانُوا قَدِ امْتَثَلُوا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الدُّخُولِ مِن بابَيْنِ مَثَلًا نَوْعُ اجْتِماعٍ يُخْشى مَعَهُ أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ أمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قِيلَ وكانَتْ أبْوابُ مِصْرَ أرْبَعَةً.

وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي هاشِمٍ والبَلْخِيِّ أنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا، وقالا: لا يَمْتَنِعُ أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ كانَتِ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُعَلَّقًا بِهِ.

ولَيْسَ هَذا بِمُسْتَنْكَرٍ مِن هَذَيْنِ وأتْباعِهِما، فَقَدْ صارَ دَفْعُ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ دَأْبَهم ودَيْدَنَهم، وأيُّ مانِعٍ مِن إصابَةِ العَيْنِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ ؟ وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وأُصِيبَ بِها جَماعَةٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ، ومِنهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

وأعْجَبُ مِن إنْكارِ هَؤُلاءِ لِما ورَدَتْ بِهِ نُصُوصُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الإزْراءِ عَلى مَن يَعْمَلُ بِالدَّلِيلِ المُخالِفِ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ العَقْلِيِّ والتَّنَطُّعِ في العِباراتِ كالزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِنَ المُواطِنِ لا يَقِفُ عَلى دَفْعِ دَلِيلِ الشَّرْعِ بِالِاسْتِبْعادِ الَّذِي يَدَّعِيهِ عَلى العَقْلِ حَتّى يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الوَقاحَةَ في العِبارَةِ عَلى وجْهٍ يُوقِعُ المُقَصِّرِينَ في الأقْوالِ الباطِلَةِ والمَذاهِبِ الزّائِفَةِ.

وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُ هَؤُلاءِ مَدْفُوعٌ بِالأدِلَّةِ المُتَكاثِرَةِ وإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا، وبِما هو مُشاهَدٌ في الوُجُودِ، فَكَمْ مِن شَخْصٍ مِن هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ هَلَكَ بِهَذا السَّبَبِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن عُرِفَ بِالإصابَةِ بِالعَيْنِ، فَقالَ قَوْمٌ، يُمْنَعُ مِنَ الِاتِّصالِ بِالنّاسِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ بِحَبْسٍ أوْ غَيْرِهِ مِن لُزُومِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يُنْفى، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهُ يُقْتَلُ إلّا إذا كانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وتَتَوَقَّفُ إصابَتُهُ عَلى اخْتِيارِهِ وقَصْدِهِ ولَمْ يَنْزَجِزْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ إذا قَتَلَ كانَ لَهُ حُكْمُ القاتِلِ.

ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ لِأوْلادِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لا أدْفَعُ عَنْكم ضَرَرًا ولا أجْلِبُ إلَيْكم نَفْعًا بِتَدْبِيرِي هَذا، بَلْ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْكم فَهو واقِعٌ لا مَحالَةَ.

قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: لَوْ سِيقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ العَيْنَ تُهْلِكُهم مَعَ الِاجْتِماعِ لَكانَ تَفَرُّقُهم كاجْتِماعِهِمْ.

وقالَ آخَرُونَ: ما كانَ يُغْنِي عَنْهم يَعْقُوبُ شَيْئًا قَطُّ حَيْثُ أصابَهم ما أصابَهم - مَعَ تَفَرُّقِهِمْ - مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ …

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.