Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji

Ayahs 61–70 of 111

61

قَالُوا۟ سَنُرَٰوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَٰعِلُونَ

They said, "We will attempt to dissuade his father from [keeping] him, and indeed, we will do [it]."

(قالوا سنراود عنه أباه) أي سنطلبه منه ونجتهد في ذلك، بما نقدر عليه، وقيل معنى المراودة هنا المخادعة منهم لأبيهم والاحتيال عليه حتى ينتزعوه منه (وإنا لفاعلون) هذه المراودة غير مقصرين فيها، وقيل معناه وإنا لقادرون على ذلك لا نتعانى به ولا نتعاظمه.

62

وَقَالَ لِفِتْيَٰنِهِ ٱجْعَلُوا۟ بِضَٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

And [Joseph] said to his servants, "Put their merchandise into their saddlebags so they might recognize it when they have gone back to their people that perhaps they will [again] return."

(وقال) يوسف (لفتيته) أي لغلمانه وأتباعه، قرأ به أهل المدينة وأبو عمرو وعاصم من رواية شعبة وابن عامر، واختار هذه القراءة أبو حاتم والنحاس وغيرهما، وقرأ سائر الكوفيين لفتيانه، واختار هذه القراءة أبو عبيدة وبه قرأ ابن مسعود، قال النحاس لفتيانه مخالف للسواد الأعظم ولا يترك السواد المجمع عليه لهذا الإسناد المنقطع.

وأيضاً فإن فتية أشبه من فتيان لأن فتية عند العرب لأقل العدد، وأمر القليل بأن يجعلوا البضاعة في الرحال أشبه، والجملة مستأنفة جواب سؤال كأنه قيل فما قال يوسف عليه السلام بعد وعدهم له بذلك فأجيب بأنه قال لفتيته.

قال الزجاج: الفتية والفتيان في هذا الموضع المماليك، وقال الثعلبي: هما لغتان جيدتان مثل الصبية والصبيان.

قال الكرخي: وكلاهما جمع فتى كإخوة وإخوان جمع أخ، الأول للقلة والثاني للكثرة قال البيضاوي وهم الكيالون.

(اجعلوا بضاعتهم) المراد بالبضاعة هنا هي التي وصلوا بها من بلادهم ليشتروا بها الطعام وكانت نعالاً وأدماً، وقال ابن عباس: أوراقاً.

(في رحالهم) وكل لكل رحل واحداً من غلمانه يدس فيه البضاعة التي اشتروا بها الطعام الذي في هذا الرحل، والرحال جمع رحل وهي الأوعية التي يحمل فيها الطعام وغيره والمراد به هنا ما يستصحبه الرجل معه من الأثاث.

قال الواحدي: الرحل كل شيء معد للرحيل من وعاء للمتاع ومركب للبعير ومجلس ورسن انتهى. والمراد هنا الأوعية التي يجعلون فيها ما يمتارونه من الطعام.

قال ابن الأنباري: يقال للوعاء رحل وللبيت رحل، فعل يوسف عليه السلام ذلك تفضلاً عليهم، وقيل ليستعينوا بها على الرجوع إليه سريعاً لشراء الطعام، وقيل ليرجعوا إليه مرة أخرى لعلمه أنهم لا يقبلون الطعام إلاًّ بثمن قاله الفراء، وجرى عليه الجلال.

وقيل أنه خاف أن لا يكون عند أبيه شيء آخر من المال لأن الزمان كان زمان قحط وشدة وقيل أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم فيه منة ولا عيب وقيل أراد أن يريهم بره وكرمه وإحسانه إليهم، وقيل أراد أن يكون ذلك عوناً لأبيه ولأخوته على شدة الزمان، وقيل غير ذلك، وقيل أنه استقبح أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمن الطعام.

ثم علل يوسف عليه السلام ما أمر به من جعل البضاعة في الرحال وهي معرفتهم لها فقال (لعلهم يعرفونها) أي بضاعتهم (اذا انقلبوا) رجعوا (إلى أهلهم) لأنهم لا يعلمون برد البضاعة إليهم إلا عند تفريغ الأوعية التي جعلوا فيها الطعام وهم لا يفرغونها إلا عند الوصول إلى أهلهم.

ثم علل معرفتهم للبضاعة المردودة إليهم المجعولة في رحالهم بقوله (لعلهم يرجعون) إلينا فإنهم إذا عرفوا ذلك علموا أنهم أخذوا الطعام بلا ثمن وأن ما دفعوه عوضاً عنه قد رجع إليهم وتفضل به من وصلوا إليه عليهم، نشطوا إلى العود ولا سيما مع ما هم فيه من الجدب الشديد والحاجة إلى الطعام وعدم وجوده لديهم، فإن ذلك من أعظم ما يدعوهم إلى الرجوع؛ وبهذا يظهر يوسف عليه السلام لم يرد البضاعة إليهم إلا لهذا المقصود وهو رجوعهم إليه فلا يتم تعليل ردها بغير ذلك.

63

فَلَمَّا رَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيهِمْ قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ

So when they returned to their father, they said, "O our father, [further] measure has been denied to us, so send with us our brother [that] we will be given measure. And indeed, we will be his guardians."

(فلما رجعوا إلى أبيهم) قبل أن يشتغلوا بفتح المتاع (قالوا يا أبانا) قدمنا على خير رجل أنزلنا واكرمنا كرامة عظيمة فقال لهم يعقوب إذا رجعتم إلى ملك مصر فاقرأوا عليه مني السلام وقولوا إن أبانا يدعو لك بما أوليتنا فقالوا (منع منا الكيل) وارادوا بهذا ما تقدم من قول يوسف علية السلام.

(فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي) أي منع الكيل في المستقبل بعد هذه المرة وفيه دليل على أن الامتياز مرة بعد مرة معهود فيما بينهم وبينه ولعلهم قالوا له بهذه المقالة قبل أن يفتحوا متاعهم ويعلموا برد بضاعتهم كما يفيد ذلك قوله فيما بعد (فلما فتحوا متاعهم) الآية.

ثم ذكروا له ما أمرهم به يوسف عليه السلام فقالوا (فأرسل معنا أخانا) بنيامين إلى مصر (نكتل) بسبب إرساله معنا ما نريده من الطعام وهو مجزوم في جواب الأمر. وأصله نكتيل بوزن نغتنم ووزنه الآن نفتل، وبحسب الأصل نفتعل قرأ سائر الكوفيين بالتحتية، واختار أبو عبيدة قراءة النون قال: ليكونوا كلهم داخلين فيمن يكتال، وزعم أنه إذا كان بالياء كان للأخ وحده أي يكتال أخونا بنيامين واعترضه النحاس بما حاصله إن إسناد الكيل إلى الأخ لا ينافى كونه للجميع والمعنى يكتال بنيامين لنا جميعاً، والقراءتان سبعيتان، قال الزجاج: أي إن أرسلته اكتلنا وإلا منعنا الكيل (وإنا له) أي لبنيامين (لحافظون) من أن يصبه سوء أو مكروه.

64

قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَٰفِظًۭا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ

He said, "Should I entrust you with him except [under coercion] as I entrusted you with his brother before? But Allah is the best guardian, and He is the most merciful of the merciful."

(قال) يعقوب لما قالوا له هذه المقالة (هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل) مستأنفة كما تقدم نظائر ذلك في مواضع كثيرة، والمعنى أنه لا يأمنهم على بنيامين إلا كما أمنهم على أخيه يوسف عليه السلام وقد قالوا له في يوسف عليه السلام وإنا له لحافظون كما قالوا هنا ثم خانوه في يوسف عليه السلام فهو إن آمنهم في بنيامين خاف أن يخونوه كما خانوه في يوسف عليه السلام.

(فالله خير حافظاً) منصوب على الحالية وقرئ حفظاً على التمييز، ولعل هنا إضماراً والتقدير فتوكل يعقوب على الله ودفعه إليهم وقال فالله خير حافظاً والمعنى أن حفظ الله إياه خير من حفظهم له وإنما أرسله معهم لأنه لم يشاهد فيما بينهم وبين بنيامين من الحقد والحسد مثل ما شاهد بينهم وبين يوسف عليه السلام، أو أن شدة القحط وضيق الوقت أحوجه إلى ذلك.

(وهو أرحم الراحمين) فأرجو أن ينعم عليَّ بحفظه ولا يجمع عليَّ مصيبتين قيل لما وكل يعقوب حفظه إلى الله سبحانه حفظه وأرجعه إليه، ولما قال في يوسف عليه السلام (وأخاف أن يأكله الذئب) وقع له من الامتحان ما وقع، قال كعب: لما قال ذلك قال الله تعالى وعزتي وجلالي لأردن عليك كليهما.

وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66)

65

وَلَمَّا فَتَحُوا۟ مَتَٰعَهُمْ وَجَدُوا۟ بِضَٰعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مَا نَبْغِى ۖ هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍۢ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌۭ يَسِيرٌۭ

And when they opened their baggage, they found their merchandise returned to them. They said, "O our father, what [more] could we desire? This is our merchandise returned to us. And we will obtain supplies for our family and protect our brother and obtain an increase of a camel's load; that is an easy measurement."

(ولما فتحوا) بحضرة أبيهم (متاعهم) أي أوعية الطعام أو ما هو أعم من ذلك مما يطلق عليه اسم المتاع سواء كان الذي فيه طعاماً أو غير طعام (وجدوا بضاعتهم) التي حملوا إلى مصر ليمتاروا بها وهي ثمن الطعام وقد تقدم بيانها (ردت إليهم) وجملة (قالوا يا أبانا) مستأنفة كما تقدم (ما نبغي) ما للاستفهام الإنكاري، والمعنى أي شيء نطلب من هذا الملك بعد أن صنع معنا ما صنع من الإحسان بِرَدِّ البضاعة والإكرام عند القدوم إليه، وتوفير ما أردناه من الميرة، وأرادوا بهذا الكلام تطييب قلب أبيهم.

وقال قتادة: ما نبغي وراء هذا، وقيل أن ما نافية أي ما نبغي في القول وما نزيد فيما وصفنا لك من إحسان الملك إلينا وإكرامه لنا، وقرئ بالفوقية خطابا ليعقوب أي أيُّ شيء تطلب وراء هذا الإحسان أو أي شيء تطلب من الدليل على صدقنا.

ثم برهنوا على ما نفوه من التزيد في وصف الملك بقولهم (هذه بضاعتنا ردت إلينا) فإن من تفضل عليهم برد ذلك حقيق بالثناء عليه منهم، مستحق لما وصفوه به وهي جملة مقررة لما دل عليه الاستفهام من الإنكار لطلب شيء مع كونها قد ردت إليهم.

(ونمير أهلنا) نجلب إليهم الميرة وهي الطعام يقال مار أهله يميرهم إذا حمل لهم الطعام وجلبه من بلد آخر إليهم، والمائر الذي يأتي بالطعام، وقرأ السلمي بضم النون (ونحفظ أخانا) بنيامين مما تخافه عليه (ونزداد) بسبب إرساله معنا (كيل) حمل (بعير) زائد على ما جئنا به هذه المرة لأنه كان يكال لكل رجل ومرّ بعير قال مجاهد حمل حمار وهي لغة، قال أبو عبيدة: يعني أن الحمار يقال له في بعض اللغات بعير.

(ذلك) أي زيادة كيل بعير لاخينا (كيل يسير) يسهل على الملك ولا يمتنع علينا من زيادته له لكونه يسيراً لا يتعاظمه ولا يضايقنا فيه، وقيل أن المعنى ذلك المكيل لأجلنا قليل نريد أن ينضاف إليه حمل بعير لأخينا، واختار الزجاج الأول، وقيل أن هذا من كلام يعقوب جواباً على ما نزله أولاده (ونزداد كيل بعير) يعني إن حمل بعير شيء يسير لا يخاطر لأجله بالولد وهو ضعيف لأن جواب يعقوب هو:

66

قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُۥ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌۭ

[Jacob] said, "Never will I send him with you until you give me a promise by Allah that you will bring him [back] to me, unless you should be surrounded by enemies." And when they had given their promise, he said, "Allah, over what we say, is Witness."

(قال لن أرسله معكم حتى تؤتون) أي تعطوني (موثقاً) ما أثق به وأركن إليه (من) جهة (الله) سبحانه وهو الحلف به والموثق العهد المؤكد باليمين، وقيل هو المؤكد بإشهاد الله عليه، واللام في (لتأتنني به) جواب القسم أي تحلفو بالله لتردن بنيامين أي لتأتُنَّني به، والاستثناء بقوله (إلا أن يحاط بكم) مفرغ من أعم الأحوال لأن لتأتنني به وإن كان كلاماً مثبتاً فهو في معنى النفي فكأنه قال: لا تمنعون من إتياني به على حال إلا حال الإحاطة بكم أو من أعم العلل أي لعلة من العلل إلا لعلة الإحاطة بكم، والإحاطة مأخوذة من أحاطه العدو ومن أحاط به العدو فقد غلب أو هلك.

تقول العرب: أحيط بفلان إذا هلك أو قارب هلاكه، فأخذ يعقوب عليهم العهد بأن يأتوه ببنْيامين إلا أن يغلبوا عليه أو يهلكوا دونه جميعاً فيكون ذلك عذراً لهم عنده.

(فلما آتوه موثقهم) أي أعطوه ما طلبه منهم من اليمين والعهد (قال: الله على ما نقول وكيل) أي قال يعقوب: الله على ما قلناه من طلبي الموثق منكم وإعطائكم لي ما طلبته منكم مطلع رقيب لا يخفى عليه منه خافية فهو المعاقب لمن خاس في عهده وفجر في الحلف به، أو موكول إليه القيام بما شهد عليه منا.

وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (68) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69)

67

وَقَالَ يَٰبَنِىَّ لَا تَدْخُلُوا۟ مِنۢ بَابٍۢ وَٰحِدٍۢ وَٱدْخُلُوا۟ مِنْ أَبْوَٰبٍۢ مُّتَفَرِّقَةٍۢ ۖ وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۖ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ

And he said, "O my sons, do not enter from one gate but enter from different gates; and I cannot avail you against [the decree of] Allah at all. The decision is only for Allah; upon Him I have relied, and upon Him let those who would rely [indeed] rely."

(وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة) لما تجهز أولاد يعقوب للسير إلى مصر خاف عليهم أبوهم أن تصيبهم العين لكونهم كانوا ذوي جمال ظاهر، وثياب حسنة مع كونهم أولاد رجل واحد، فنهاهم أن يدخلوا مجتمعين من باب واحد، لأن في ذلك مظنة لإصابة العين لهم والعين حق فأمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة، وكان لمدينة مصر يومئذ أربعة أبواب، وقال السدي؛ أراد الطرق لا الأبواب ولم يأمرهم بالتفرق في الكرة الأولى لأنهم كانوا مجهولين في الكرة الأولى.

ولم يكتف بقوله (لا تدخلوا من باب واحد) من قوله (وادخلوا من أبواب متفرقة) لأنهم لو دخلوا من بابين مثلاً كانوا قد امتثلوا النهي عن الدخول من باب واحد، ولكنه لما كان في الدخول من بابين مثلاً نوع اجتماع يخشى معه أن تصيبهم العين، أمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة.

قال النخعي: أحب يعقوب أن يلقى أخاه في خلوة، قيل وكان قد علم أن ملك مصر هو ولده يوسف عليه السلام إلا أن الله لم يأذن له في إظهاره ذلك، فلما بعث أبناءه إليه قال لهم ذلك القول، والأول أولى، أعني أنه خاف عليهم العين، وبه قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وجمهور المفسرين.

وقد أنكر بعض المعتزلة كأبي علي الجبائي وأتباعه أن للعين تأثيراً إنكاراً بليغاً ولم يذكروا في إنكاره شبهة فضلاً عن حجة، وليس هذا بمستنكر من هؤلاء فقد صار دفع أدلة الكتاب والسنة بمجرد الاستبعادات العقلية دأبهم وديدنهم، وأي مانع من إصابة العين بتقدير الله سبحانه لذلك.

وقد وردت الأحاديث الصحيحة بأن العين حق وأصيب بها جماعة في عصر النبوة منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعجب من إنكار هؤلاء لما وردت به نصوص هذه الشريعة ما يقع من بعضهم من الإزراء على من يعمل بالدليل المخالف لمجرد الاستبعاد العقلي، والتنطع في العبارات كالزمخشري في تفسيره فإنه في كثير من المواطن لا يقف على دفع دليل الشرع بالاستبعاد الذي يدعيه على العقل حتى يضم إلى ذلك الوقاحة في العبارة على وجه يوقع المقصرين في الأقوال الباطلة والمذاهب الزائفة.

وبالجملة فقول هؤلاء مدفوع بالأدلة المتكاثرة وإجماع من يعتد به من هذه الأمة سلفاً وخلفاً، وبما هو مشاهد في الوجود، فكم من شخص من هذا النوع الإنساني وغيره من أنواع الحيوان هلك بهذا السبب، وقد اختلف العلماء فيمن عرف بالإصابة بالعين، فقال قوم يمنع من الاتصال بالناس دفعاً لضرره بحبس أو غيره من لزوم بيته، وقيل ينفى، وأبعد من قال أنه يقتل إلا إذا كان يتعمد ذلك ويتوقف إصابته على اختياره وقصده ولم ينزجر عن ذلك فإنه إذا قتل كان له حكم القاتل.

ثم قال يعقوب لأولاده (وما أغني عنكم من الله من شيء) أي لا أدفع عنكم ضرراً ولا أجلب إليكم نفعاً بتدبيري هذا بل ما قضاه الله عليكم فهو واقع لا محالة قال الزجاج وابن الأنباري: لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم مع الاجتماع لكان تفرقهم كاجتماعهم.

وقال آخرون: ما كان يغني عنهم يعقوب شيئاً قط حيث أصابهم ما أصابهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم، قال أبو السعود: ولم يرد عليه السلام إلغاء الحذر بالمرة، كيف لا وقد قال تعالى (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وقال تعالى (خذوا حذركم) بل أراد بيان أن ما وصاهم به ليس مما يستوجب المراد لا محالة بل هو تدبير في الجملة، وإنما التأثير وترتب المنفعة عليه من العزيز القدير، وأن ذلك ليس بمدافعة للقدر بل هو استعانة بالله وهرب منه إليه. ثم صرح يعقوب بأنه لا حكم إلا لله سبحانه فقال (إن الحكم إلا لله) وحده لا لغيره ولا يشاركه فيه مشارك (عليه) لا على غيره (توكلت) أي اعتمدت ووثقت في كل إيراد وإصدار (وعليه) لا على غيره (فليتوكل المتوكلون) على العموم ويدخل فيه أولاده دخولاً أولياً.

68

وَلَمَّا دَخَلُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةًۭ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَىٰهَا ۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلْمٍۢ لِّمَا عَلَّمْنَٰهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

And when they entered from where their father had ordered them, it did not avail them against Allah at all except [it was] a need within the soul of Jacob, which he satisfied. And indeed, he was a possessor of knowledge because of what We had taught him, but most of the people do not know.

(ولما دخلوا) المدينة (من حيث أمرهم أبوهم) أي من الأبواب المتفرقة ولم يجتمعوا داخلين من باب واحد، وجواب لما (ما كان يغني عنهم) ذلك الدخول أو رأي يعقوب واتباعهم له (من الله) أي من جهته (من شيء) من الأشياء مما قدره الله عليهم، أي الذي أراد وقوعه فقد نسبوا للسرقة وأخذ منهم بنيامين، وتضاعفت المصيبة على يعقوب لأن الحذر لا يدفع القدر.

والاستثناء بقوله (إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها) منقطع، والمعنى ولكن حاجة كانت في نفسه وهي شفقته عليهم ومحبته لسلامتهم أظهرها ْيعقوب لهم ووصاهم بها غير معتقد إن للتدبير الذي دبره لهم تأثيراً في دفع ما قضاه الله عليهم، وقيل أنه خطر ببال يعقوب أن الله إذا رآهم مجتمعين مع ما يظهر فيهم من كمال الخلقة وسيما الشجاعة أوقع بهم حسداً وحقداً وخوفاً منهم فأمرهم بالتفرق لهذه العلة.

وقد اختار هذا النحاس وقال لا معنى للعين هنا؛ وفيه أن هذا لو كان السبب لأمرهم بالتفرق لم يخص النهي عن ذلك بالاجتماع عند الدخول من باب واحد لأن هذا الحسد أو الخوف يحصل باجتماعهم داخل المدينة كما يحصل باجتماعهم عند الدخول من باب واحد، وقيل أن الفاعل في قضاها ضمير يعود إلى الدخول لا إلى يعقوب؛ والمعنى ما كان الدخول يغني عنهم من جهة الله شيئاً ولكنه قضى ذلك الدخول حاجة في نفس يعقوب لوقوعه حسب إرادته.

(وإنه) أي وإن يعقوب (لذو علم) جليل (لما علمناه) أي لتعليمنا بالوحي ونصب الأدلة حيث لم يعتقد إن الحذر يدفع القدر وأن التدبير له حظ من التأثير حتى يتبين الخلل في رأيه عند تخلف الأثر، وعلم أن ما قضاه الله سبحانه فهو كائن لا محالة وقيل غير ذلك، وهذا أولى، وفي تأكيد الجملة بإن واللام وتنكير العلم وتعليله بالتعليم المسند إلى ذاته سبحانه من الدلالة على جلالة شأن يعقوب عليه السلام وعلو مرتبة علمه وفخامته ما لا يخفى (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) بذلك كما ينبغي، وقيل لا يعلمون أن الحذر مندوب إليه وإن كان لا يغني من القدر شيئاً والسياق يدفعه، وقيل المراد بأكثر الناس المشركون.

69

وَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And when they entered upon Joseph, he took his brother to himself; he said, "Indeed, I am your brother, so do not despair over what they used to do [to me]."

(ولما دخلوا على يوسف) أي في محل حكمه (آوى) ضم (إليه أخاه) بنيامين، قيل أنه أمر بإنزال كل اثنين في منزل، فبقي أخوه منفرداً فضمه إليه (وقال إني أنا أخوك) يوسف قال له ذلك سراً من دون أن يطلع عليه إخوته.

(فلا تبتئس) أي فلا تحزن، والابتئاس اجتلاب الحزن والبؤس والضر والشدة (بما كانوا يعملون) إخوتك من الأعمال الماضية التي عملوها: وقيل أنه لم يخبره بأنه يوسف عليه السلام بل قال له إني أنا أخوك مكان أخيك يوسف عليه السلام فلا تحزن بما كنت تلقاه منهم من الجفاء حسداً وبغياً.

فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75)

وقيل أنه أخبره بما سيدبره معهم من جعل السقاية في رحله فقال لا أبالي فدس الصاع في رحله وهو المراد بالسقاية في قوله

70

فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَٰرِقُونَ

So when he had furnished them with their supplies, he put the [gold measuring] bowl into the bag of his brother. Then an announcer called out, "O caravan, indeed you are thieves."

(فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية) وأصلها المشربة التي كان الملك يشرب بها جعلت صاعاً يكال به. وقيل كانت تسقى بها الدواب ويكال بها الحب، وقيل كانت من فضة، وقيل من ذهب، وقيل من زبرجد، وقيل مرصعة بالجوهر؛ وقيل غير ذلك، وقد تقدم تفسير الجهاز والرحل.

وعبر بالفاء هنا إشارة إلى طلب سرعة سيرهم وذهابهم لبلادهم لأن الغرض منه قد حصل، وقد عرفت حالهم بخلاف المرة الأولى كان المطلوب طول مدة إقامتهم ليتعرف الملك حالهم.

والمعنى أنه جعل السقاية التي هي الصواع (في رحل أخيه) الذي هو الوعاء الذي يجعل فيه ما يشتريه من الطعام من مصر (ثم) بعد ذلك (أذن) نادى (مؤذن) منادٍ وأعلم معلم، والأذان في اللغة الإعلام، وكان ذلك النداء مع رفع الصوت مراراً كثيرة بدليل التفعيل بعد انفصالهم عن مجلس يوسف عليه السلام حتى انطلقوا وخرجوا من العمارة، ثم أرسل خلفهم من استوقفهم وحبسهم كما يشير له التعبير بثم التي للتراخي بل قيل أنهم وصلوا إلى بلبيس وردوا من عندها.

(أيتها العير) قال الزجاج: معناه يا أصحاب العير، أي الإبل فهو مجاز مرسل علاقته المجاورة كما قاله السمين، وفي المصباح العير بالكسر اسم للإبل التي تحمل الميرة في الأصل ثم غلب على كل قافلة، انتهى.

وكل ما امتير عليه من الإبل والحمير والبغال فهو عير، قاله الهيثم، وقيل قافلة الحمير. وقال أبو عبيدة: العير الإبل المرحولة المركوبة، ثم كثر ذلك في الاستعمال حتى قيل لكل قافلة عير لأنه يعير أي يذهب ويجيء.

(إنكم لسارقون) نسبة السرقة إليهم على حقيقتها لأن المنادي غير عالم بما دبره يوسف عليه السلام. وقيل أن المعنى أن حالكم حال السارقين من كون الصواع صار لديكم من غير رضاً من الملك، وليس في القرآن ما يدل على أنهم قالوا ذلك بأمر يوسف عليه السلام، وهو الأقرب إلى ظاهر الحال؛ لأنهم طلبوا السقاية فلم يجدوها ولم يكن هناك أحد غيرهم، وغلب على ظنهم أنهم هم الذين أخذوها فقالوا ذلك بناء على غلبة ظنهم؛ وقيل غير ذلك وهذا أولى.

Commentary: Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.