Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 51–60 of 111

51

قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ قُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍۢ ۚ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْـَٰٔنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

Said [the king to the women], "What was your condition when you sought to seduce Joseph?" They said, "Perfect is Allah! We know about him no evil." The wife of al-'Azeez said, "Now the truth has become evident. It was I who sought to seduce him, and indeed, he is of the truthful.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَما سَبَقَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: قالَ المَلِكُ إثْرَ ما بَلَّغَهُ الرَّسُولُ الخَبَرَ وأحْضَرَهُنَّ: ﴿ما خَطْبُكُنَّ﴾ أيْ شَأْنُكُنَّ، وأصْلُهُ الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي يَحِقُّ لِعَظَمَتِهِ أنْ يُكْثِرَ فِيهِ التَّخاطُبَ ويَخْطُبَ لَهُ ﴿إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ﴾ وخادَعْتُنَّهُ ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ ورَغَّبْتُنَّهُ في طاعَةِ مَوْلاتِهِ هَلْ وجَدْتُنَّ فِيهِ مَيْلًا إلَيْكُنَّ؟ ﴿قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ﴾ تَنْزِيهًا لَهُ وتَعْجِيبًا مِن نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وعِفَّتِهِ ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ بالَغْنَ في نَفْيِ جِنْسِ السُّوءِ عَنْهُ بِالتَّنْكِيرِ وزِيادَةِ (مِن) وفي الكَشْفِ في تَوْجِيهِ كَوْنِ السُّؤالِ المُقَدَّرِ في نَظْمِ الكَلامِ عَنْ وِجْدانِهِنَّ فِيهِ المَيْلَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُؤالٌ عَنْ شَأْنِهِنَّ مَعَهُ عِنْدَ المُراوَدَةِ، وأوَّلُهُ المَيْلُ ثُمَّ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وحَمْلُهُ عَلى السُّؤالِ يَدَّعِي النَّزاهَةَ الكُلِّيَّةَ فَيَكُونُ سُؤالُ المَلِكِ مُنْزَلًا عَلَيْهِ إذْ لا يُمْكِنُ ما بَعْدَهُ إلّا إذا سَلِمَ المَيْلَ، وجَوابُهُنَّ عَلَيْهِ يَنْطَبِقُ لِتَعَجُّبِهِنَّ عَنْ نَزاهَتِهِ بِسَبَبِ التَّعَجُّبِ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى خُلُقٍ عَفِيفٍ مِثْلِهِ لِيَكُونَ التَّعَجُّبُ مِنها عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ فَيَكُونُ أبْلَغَ وأبْلَغَ، ثُمَّ نَفْيُهُنَّ العِلْمَ مُطْلَقًا وطَرَفًا أيَّ طَرَفٍ دَهَمَ مِن سُوءٍ أيَّ سُوءٍ فَضْلًا عَنْ شُهُودِ المَيْلِ مَعَهُنَّ، اهـ، وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ.

وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ -مِن أنَّ النِّسْوَةَ قَدْ أجَبْنَ بِجَوابٍ جَيِّدٍ يَظْهَرُ مِنهُ بَراءَةُ أنْفُسِهِنَّ جُمْلَةً وأعْطَيْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْضَ بَراءَةٍ، وذَلِكَ أنَّ المَلِكَ لَمّا قَرَّرَهُنَّ أنَّهُنَّ راوَدْنَهُ قُلْنَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ وتَنْزِيهًا لِأنْفُسِهِنَّ: ﴿حاشَ لِلَّهِ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في جِهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُنَّ: ﴿ما عَلِمْنا﴾ إلَخْ لَيْسَ بِإبْراءٍ تامٍّ، وإنَّما هو شَرْحُ القِصَّةِ عَلى وجْهِها حَتّى يَتَقَرَّرَ الخَطَأُ في جِهَتِهِنَّ- ناشِئٌ عَنِ الغَفْلَةِ عَمّا قَرَّرَهُ المَوْلى صاحِبُ الكَشْفِ ﴿قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ﴾ وكانَتْ حاضِرَةَ المَجْلِسِ، قِيلَ: أقْبَلَتِ النِّسْوَةُ عَلَيْها يُقَرِّرْنَها، وقِيلَ: خافَتْ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْها بِما قالَتْ يَوْمَ قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ فَأقَرَّتْ قائِلَةً: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ بَعْدَ خَفاءٍ قالَهُ الخَلِيلُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصَّةِ وهي القِطْعَةُ مِنَ الجُمْلَةِ أيْ تَبَيَّنَتْ حِصَّةُ الحَقِّ مِن حِصَّةِ الباطِلِ، والمُرادُ تُمَيُّزُ هَذا عَنْ هَذا، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الزَّجّاجُ أيْضًا، وقِيلَ: هو مِن حَصَّ شَعَرَهُ إذا اسْتَأْصَلَهُ بِحَيْثُ ظَهَرَتْ بَشَرَةُ رَأْسِهِ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ:

قَدْ حَصَّتِ البَيْضَةُ رَأْسِي فَما أطْعَمُ نَوْمًا غَيْرَ تَهْجاعٍ

ويَرْجِعُ هَذا إلى الظُّهُورِ أيْضًا، وقِيلَ: هو مِن حَصْحَصَ البَعِيرُ إذا ألْقى مَبارِكَهُ لِيُناخَ، قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ الهِلالِيُّ يَصِفُ بَعِيرًا:

فَحَصْحَصَ في صُمٍّ الصَّفا ثَفِناتِهِ ∗∗∗ وناءَ بِسَلْمى نَوْءَةً ثُمَّ صَمَّما

والمَعْنى الآنَ ثَبَتَ الحَقُّ واسْتَقَرَّ، وذَكَرَ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ أنَّ حَصَّ وحَصْحَصَ -كَكَفَّ وكَفْكَفَ، وكَبَّ وكَبْكَبَ، وقُرِئَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى مَعْنى أُقِرَّ الحَقُّ في مَقَرِّهِ ووُضِعَ في مَوْضِعِهِ، و(الآنَ) مِنَ الظُّرُوفِ المَبْنِيَّةِ في المَشْهُورِ وهو اسْمٌ لِلْوَقْتِ …

52

ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ

That is so al-'Azeez will know that I did not betray him in [his] absence and that Allah does not guide the plan of betrayers.

﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى التَّثَبُّتِ مَعَ ما تَلاهُ مِنَ القِصَّةِ أجْمَعَ فَهو مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَعَلَهُ فَذْلَكَةً مِنهُ لِما نَهَضَ لَهُ أوَّلًا مِنَ التَّشَمُّرِ لِطَهارَةِ ذَيْلِهِ وبَراءَةِ ساحَتِهِ، وقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى ما وقَعَ مِن ذَلِكَ طِبْقَ الوُجُودِ مَعَ رِعايَةِ ما عَلَيْهِ دَأْبُ القُرْآنِ مِنَ الإيجازِ كَحَذْفِ فَرَجَعَ إلى رَبِّهِ فَأنْهاهُ مَقالَةَ يُوسُفَ فَأحْضَرَهُنَّ سائِلًا قالَ: ﴿ما خَطْبُكُنَّ﴾ إلَخْ، وكَذَلِكَ كَما قِيلَ في ﴿قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ﴾ إلَخْ، وكَذَلِكَ هَذا أيْضًا لِأنَّ المَعْنى فَرَجَعَ إلَيْهِ الرَّسُولُ قائِلًا فَتَّشَ المَلِكُ عَنْ كُنْهِ الأمْرِ وبانَ لَهُ جَلِيَّةَ الحَقِّ مِن عِصْمَتِكَ وأنَّكَ لَمْ تَرْجِعْ في ذَلِكَ المَقامِ الدَّحْضِ بِمَسِّ مَلامٍ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ العَزِيزُ ﴿أنِّي لَمْ أخُنْهُ﴾ في حُرْمَتِهِ ﴿بِالغَيْبِ﴾ أيْ بِظَهْرِ الغَيْبِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ (يَعْلَمَ) لِلْمَلِكِ، وضَمِيرُ (أخُنْهُ) لِلْعَزِيزِ، وقِيلَ: لِلْمَلِكِ أيْضًا لِأنَّ خِيانَةَ وزِيرِهِ خِيانَةٌ لَهُ، والباءُ إمّا لِلْمُلابَسَةِ أوْ لِلظَّرْفِيَّةِ، وعَلى الأوَّلِ هو حالٌ مِن فاعِلِ ﴿أخُنْهُ﴾ أيْ تَرَكْتُ خِيانَتَهُ وأنا غائِبٌ عَنْهُ، أوْ مِن مَفْعُولِهِ أيْ وهو غائِبٌ عَنِّي وهُما مُتَلازِمانِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنهُما ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وعَلى الثّانِي فَهو ظَرْفُ لَغْوٍ لِما عِنْدَهُ أيْ ﴿لَمْ أخُنْهُ﴾ بِمَكانِ الغَيْبِ وراءَ الأسْتارِ والأبْوابِ المُغْلَقَةِ، ويَحْتَمِلُ الحالِيَّةَ أيْضًا ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ أيْ ولِيَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى.

﴿لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ أيْ لا يُنْفِذُهُ ولا يُسَدِّدُهُ بَلْ يُبْطِلُهُ ويُزْهِقُهُ فَهِدايَةُ الكَيْدِ مَجازٌ عَنْ تَنْفِيذِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لا يَهْدِي الخائِنِينَ بِسَبَبِ كَيْدِهِمْ فَأوْقَعَ الهِدايَةَ المَنفِيَّةَ عَلى الكَيْدِ وهي واقِعَةٌ عَلَيْهِمْ تَجَوُّزًا لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّهُ إذا لَمْ يُهْدَ السَّبَبَ عُلِمَ مِنهُ عَدَمُ هِدايَةِ مُسَبِّبِهِ بِالطَّرِيقِ الأُولى، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِامْرَأةِ العَزِيزِ في خِيانَتِها أمانَتَهُ، وبِهِ في خِيانَتِهِ أمانَةَ اللَّهِ تَعالى حِينَ ساعَدَها عَلى حَبْسِهِ بَعْدَما رَأوُا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِأمانَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مَعْنى لَوْ كُنْتُ خائِنًا لَما هَدى اللَّهُ تَعالى كَيْدِي ولا سَدَّدَهُ، وتُوهِمُ عِبارَةُ بَعْضِهِمْ عَدَمَ اجْتِماعِ التَّأْكِيدِ والتَّعْرِيضِ، والحَقُّ أنَّهُ لا مانِعَ مِن ذَلِكَ، وأرادَ بِكَيْدِهِ تَشَمُّرَهُ وثَباتَهُ ذَلِكَ، وتَسْمِيَتُهُ كَيْدًا عَلى فَرْضِ الخِيانَةِ عَلى بابِها حَقِيقَةٌ كَما لا يَخْفى، فَما في الكَشْفِ مِن أنَّهُ سَمّاهُ كَيْدًا اسْتِعارَةٌ أوْ مُشاكَلَةٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: إنَّ ضَمِيرَ (يَعْلَمُ) و﴿لَمْ أخُنْهُ﴾ لِلَّهِ تَعالى أيْ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنِّي لَمْ أعْصِهِ أيْ لِيُظْهِرَ أنِّي غَيْرُ عاصٍ ويُكْرِمَنِي بِهِ ويَصِيرُ سَبَبَ رَفْعِ مَنزِلَتِي، ولِيُظْهِرَ أنَّ كَيْدَ الخائِنِ لا يَنْفُذُ وأنَّ العاقِبَةَ لِلْمُطِيعِ لا لِلْعاصِي فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ﴾ ولَهُ نَظائِرُ أُخَرُ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ وأمّا غَيْرُهُ فَلَمْ يَرِدْ في الكِتابِ العَزِيزِ، وفِيهِ نَوْعُ إيهامٍ التَّحاشِي …

53

۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And I do not acquit myself. Indeed, the soul is a persistent enjoiner of evil, except those upon which my Lord has mercy. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."

صفحة 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ أيْ أُنَزِّهُها عَنِ السُّوءِ قالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَضْمًا لِنَفْسِهِ البَرِيَّةِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وتَواضُعًا لِلَّهِ تَعالى وتَحاشِيًا عَنِ التَّزْكِيَةِ والإعْجابِ بِحالِها عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ» أوْ تَحْدِيثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى وإبْرازًا لِسِرِّهِ المَكْنُونِ في شَأْنِ أفْعالِ العِبادِ أيْ أُنَزِّهُها مِن حَيْثُ هي هي ولا أُسْنِدُ هَذِهِ الفَضِيلَةَ إلَيْها بِمُقْتَضى طَبْعِها مِن غَيْرِ تَوْفِيقٍ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بَلْ إنَّما ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ورَحْمَتُهُ وقِيلَ: إنَّهُ أشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ المَيْلِ الطَّبِيعِيِّ بَلْ لِخَوْفِ اللَّهِ تَعالى ﴿إنَّ النَّفْسَ﴾ البَشَرِيَّةَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها نَفْسِي في حَدِّ ذاتِها ﴿لأمّارَةٌ﴾ لَكَثِيرَةُ الأمْرِ ﴿بِالسُّوءِ﴾ أيْ بِجِنْسِهِ والمُرادُ أنَّها كَثِيرَةُ المَيْلِ إلى الشَّهَواتِ مُسْتَعْمِلَةٌ في تَحْصِيلِها القُوى والآلاتِ وفي كَثِيرٍ مِنَ التَّفاسِيرِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ: ﴿لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ولا حِينَ هَمَمْتَ فَقالَ: ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ .. إلَخْ وقَدْ أخْرَجَهُ الحاكِمُ في تارِيخِهِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِلَفْظٍ قَرِيبٍ مِن هَذا عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا ورَوى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وحَكِيمِ بْنِ جابِرٍ والحَسَنِ وغَيْرِهِمْ وهو إنْ صَحَّ يُحْمَلُ الهَمُّ فِيهِ عَلى المَيْلِ الصّادِرِ عَنْ طَرِيقِ الشَّهْوَةِ البَشَرِيَّةِ لا عَنْ طَرِيقِ العَزْمِ والقَصْدِ وقِيلَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُحْمَلَ عَلى الثّانِي ويُقالَ: إنَّهُ صَغِيرَةٌ وهي تَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ ويَلْتَزِمُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ نَبِيًّا والزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَ ذَلِكَ وما أشْبَهُهُ مِن تَلْفِيقِ المُبْطِلَةِ وبُهْتِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ وارْتَضاهُ وهو الحَرِيُّ بِذَلِكَ ابْنُ المُنِيرِ وعَرَّضَ بِالمُعْتَزِلَةِ بِقَوْلِهِ: وذَلِكَ شَأْنُ المُبْطِلَةِ مِن كُلِّ طائِفَةٍ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الجُمْهُورُ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ و( ما ) مَصْدَرِيَّةٌ أيْ لَكِنَّ رَحْمَةَ رَبِّي هي الَّتِي تَصْرِفُ عَنْها السُّوءَ عَلى حَدِّ ما جُوِّزَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ ﴿إلا رَحْمَةً مِنّا﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن أعَمِّ الأوْقاتِ و( ما ) مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ زَمانِيَّةٌ أيْ هي أمّارَةٌ بِالسُّوءِ في كُلِّ وقْتٍ إلّا في وقْتِ رَحْمَةِ رَبِّي وعِصْمَتِهِ والنَّصْبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لا عَلى الِاسْتِثْناءِ كَما تُوُهِّمَ لَكِنَّ فِيهِ التَّفْرِيغَ في الإثْباتِ والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا بَعْدَ النَّفْيِ أوْ شِبْهِهِ نَعَمْ أجازَهُ بَعْضُهم في الإثْباتِ إنِ اسْتَقامَ المَعْنى كَقَرَأْتُ إلّا يَوْمَ الجُمُعَةِ وأوْرَدَ عَلى هَذا بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُ نَفْسِ يُوسُفَ وغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مائِلَةً إلى الشَّهَواتِ في أكْثَرِ الأوْقاتِ إلّا أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى ما قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِناءً عَلى جَوازِ ما ذُكِرَ قَبْلَها أوْ يُرادُ جِنْسُ النَّفْسِ لا كُلَّ واحِدَةٍ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ الأخِيرَ غَيْرُ ظاهِرٍ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِعْيارُ العُمُومِ ولا يَرِدُ ما ذُكِرَ رَأْسًا لِأنَّ المُرادَ هَضْمُ النَّوْعِ البَشَرِيِّ …

54

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌۭ

And the king said, "Bring him to me; I will appoint him exclusively for myself." And when he spoke to him, he said, "Indeed, you are today established [in position] and trusted."

﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ﴾ أجْعَلْهُ خالِصًا لِنَفْسِي وخاصًّا بِي ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ في الكَلامِ إيجازٌ أيْ فَأتَوْا بِهِ فَلَمّا .. إلَخْ وحُذِفَ ذَلِكَ لِلْإيذانِ بِسُرْعَةِ الإتْيانِ فَكَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأمْرِ بِإحْضارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والخِطابُ مَعَهُ زَمانٌ أصْلًا ولَمْ يَكُنْ حاضِرًا مَعَ النِّسْوَةِ في المَجْلِسِ كَما زَعَمَهُ بَعْضٌ وجَعَلَ المُرادَ مِن هَذا الأمْرِ قَرِّبُوهُ إلَيَّ والضَّمِيرُ المُسْتَكِنُ في ( كَلَّمَهَ ) لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ والبارِزُ لِلْمَلِكِ أيْ فَلَمّا كَلَّمَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ المَلِكَ إثْرَ ما أتاهُ فاسْتَنْطَقَهُ ورَأى حُسْنَ مَنطِقِهِ بِما صَدَّقَ الخَبَرُ الخَبَرَ واسْتَظْهَرَ في البَحْرِ كَوْنَ الضَّمِيرِ الأوَّلِ لِلْمَلِكِ والثّانِي لِيُوسُفَ أيْ فَلَمّا كَلَّمَهُ المَلِكُ ورَأى حُسْنَ جَوابِهِ ومُحاوَرَتِهِ ﴿قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ﴾ ذُو مَكانَةٍ ومَنزِلَةٍ رَفِيعَةٍ ﴿أمِينٌ﴾ . (54) . مُؤْتَمَنٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وقِيلَ: آمِنٌ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ والوَصْفُ بِالأمانَةِ هو الأبْلَغُ في الإكْرامِ و﴿اليَوْمَ﴾ لَيْسَ بِمِعْيارٍ لِلْمَكانَةِ والأمانَةِ بَلْ هو آنُ التَّكَلُّمِ والمُرادُ تَحْدِيدُ مَبْدَئِهِما احْتِرازًا عَنْ كَوْنِهِما بَعْدَ حِينٍ وفي اخْتِيارِ لَدَيَّ عَلى عِنْدَ ما لا يَخْفى مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا في اسْمِيَّةِ الجُمْلَةِ وتَأْكِيدِها رُوِيَ أنَّ الرَّسُولَ جاءَهُ فَقالَ لَهُ: أجِبِ المَلِكَ الآنَ بِلا مُعاوَدَةٍ وألْقِ عَنْكَ ثِيابَ السِّجْنِ واغْتَسِلْ والبَسْ ثِيابًا جُدُدًا فَفَعَلَ فَلَمّا قامَ لِيَخْرُجَ دَعا لِأهْلِ السِّجْنِ اللَّهُمَّ عَطِّفْ عَلَيْهِمْ قُلُوبَ الأخْيارِ ولا تُعَمِّ عَلَيْهِمُ الأخْبارَ فَهم أعْلَمُ النّاسِ بِالأخْبارِ في كُلِّ بَلَدٍ ثُمَّ خَرَجَ فَكُتِبَ عَلى البابِ هَذِهِ مَنازِلُ البَلْوى وقُبُورُ الأحْياءِ وشَماتَةُ الأعْداءِ وتَجْرِبَةُ الأصْدِقاءِ فَلَمّا وصَلَ إلى بابِ المَلِكِ قالَ: حَسْبِي رَبِّي مِن دُنْيايَ وحَسْبِي رَبِّي مِن خَلْقِهِ عَزَّ جارُكَ وجَلَّ ثَناؤُكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ فَلَمّا دَخَلَ عَلى المَلِكِ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِخَيْرِكَ مِن خَيْرِهِ وأعُوذُ بِكَ مِن شَرِّهِ وشَرِّ غَيْرِهِ ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ بِالعَرَبِيَّةِ فَقالَ لَهُ المَلِكُ: ما هَذا اللِّسانُ فَقالَ: لِسانُ عَمِّي إسْماعِيلَ ثُمَّ دَعا لَهُ بِالعِبْرانِيَّةِ فَقالَ لَهُ: وما هَذا اللِّسانُ أيْضًا فَقالَ: هَذا لِسانُ آبائِي وكانَ المَلِكُ يَعْرِفُ سَبْعِينَ لِسانًا فَكَلَّمَهُ بِها فَأجابَهُ بِجَمِيعِها فَتَعَجَّبَ مِنهُ وقالَ: أيُّها الصِّدِّيقُ إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَ رُؤْيايَ مِنكَ فَحَكاها عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ طِبْقَ ما رَأى لَمْ يَخْرِمْ مِنها حَرْفًا فَقالَ المَلِكُ: أعْجَبُ مِن تَأْوِيلِكَ إيّاها مَعْرِفَتُكَ لَها فَأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلى السَّرِيرِ وفَوَّضَ إلَيْهِ أمْرَهُ وقِيلَ: إنَّهُ أجْلَسَهُ قَبْلَ أنْ يَقُصَّ الرُّؤْيا وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ قالَ: ذَكَرُوا أنَّ قِطْفِيرَ هَلَكَ في تِلْكَ اللَّيالِي وأنَّ المَلِكَ زَوَّجَ يُوسُفَ امْرَأتَهُ راعِيلَ فَقالَ لَها حِينَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ: ألَيْسَ هَذا خَيْرًا مِمّا كُنْتِ تُرِيدِينَ فَقالَتْ: أيُّها الصِّدِّيقُ لا تَلُمْنِي فَإنِّي كُنْتُ امْرَأةً

صفحة 5

كَما تَرى حَسْناءَ جَمْلاءَ ناعِمَةً في مُلْكٍ ودُنْيا وكانَ صاحِبِي لا يَأْتِي النِّساءَ وكُنْتَ كَما جَعَلَكَ اللَّهُ تَعالى في حُسْنِكَ وهَيْئَتِكَ فَغَلَبَتْنِي نَفْسِي عَلى ما رَأيْتَ فَيَزْعُمُونَ أنَّهُ وجَدَها …

55

قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌۭ

[Joseph] said, "Appoint me over the storehouses of the land. Indeed, I will be a knowing guardian."

﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ مِصْرَ وفي مَعْناهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ أيْ أرْضِكَ الَّتِي تَحْتَ تَصَرُّفِكَ وقِيلَ: أرادَ بِالأرْضِ الجِنْسَ وبِخَزائِنِها الطَّعامَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنها و( عَلى ) مُتَعَلِّقَةٌ عَلى ما قِيلَ بِمُسْتَوْلٍ مُقَدَّرٍ والمَعْنى ولِّنِي عَلى أمْرِها مِنَ الإيرادِ والصَّرْفِ ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ لَها مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّها ﴿عَلِيمٌ﴾ . (55) . بِوُجُوهِ التَّصَرُّفِ فِيها وقِيلَ: بِوَقْتِ الجُوعِ وقِيلَ: حَفِيظٌ لِلْحِسابِ عَلِيمٌ بِالألْسُنِ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مَدْحِ الإنْسانِ نَفْسَهُ بِالحَقِّ إذا جُهِلَ أمْرُهُ: وجَوازُ طَلَبِ الوِلايَةِ إذا كانَ الطّالِبُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى إقامَةِ العَدْلِ وإجْراءِ أحْكامِ الشَّرِيعَةِ وإنْ كانَ مِن يَدِ الجائِرِ أوِ الكافِرِ ورُبَّما يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ إذا تَوَقَّفَ عَلى وِلايَتِهِ إقامَةُ واجِبٍ مَثَلًا وكانَ مُتَعَيَّنًا لِذَلِكَ وما في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لا تَسْألِ الإمارَةَ فَإنَّكَ إنْ أُوتِيتَها عَنْ مَسْألَةٍ وُكِلْتَ إلَيْها وإنْ أُعْطِيتَها مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْها» وارِدٌ في غَيْرِ ما ذُكِرَ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ أسْلَمَ عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَعَلَّ إيثارَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتِلْكَ الوِلايَةِ خاصَّةً إنَّما كانَ لِلْقِيامِ بِما هو أهَمُّ أُمُورِ السَّلْطَنَةِ إذْ ذاكَ مِن تَدْبِيرِ أمْرِ السِّنِينَ لِكَوْنِهِ مِن فُرُوعِ تِلْكَ الوِلايَةِ لا لِمُجَرَّدِ عُمُومِ الفائِدَةِ كَما قِيلَ.

وجاءَ في رِوايَةِ أنَّ المَلِكَ لَمّا كَلَّمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَصَّ رُؤْياهُ لَهُ قالَ: ما تَرى أيُّها الصِّدِّيقُ قالَ: تَزْرَعُ في سِنِي الخِصْبِ زَرْعًا كَثِيرًا فَإنَّكَ لَوْ زَرَعْتَ فِيها عَلى حَجْرٍ نَبَتَ وتَبْنِي الخَزائِنَ وتَجْمَعُ فِيها الطَّعامَ بِقَصَبِهِ وسُنْبُلِهِ فَإنَّهُ أبْقى لَهُ ويَكُونُ القَصَبُ عَلَفًا لِلدَّوابِّ فَإذا جاءَتِ السُّنُونُ بِعْتُ ذَلِكَ فَيَحْصُلُ لَكَ مالٌ عَظِيمٌ فَقالَ المَلِكُ: ومَن لِي بِهَذا ومَن يَجْمَعُهُ ويَبِيعُهُ لِي ويَكْفِينِي العَمَلُ فِيهِ فَقالَ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ .. إلَخْ والظّاهِرُ أنَّهُ أجابَهُ لِذَلِكَ حِينَ سَألَهُ وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ إجابَتَهُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا مَرَدَّ لَهُ غِنًى عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ لا سِيَّما بَعْدَ تَقْدِيمِ ما تَنْدَرِجُ تَحْتَهُ أحْكامُ السَّلْطَنَةِ جَمِيعُها وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى أخِي يُوسُفَ لَوْ لَمْ يَقُلِ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ لاسْتَعْمَلَهُ مِن ساعَتِهِ ولَكِنَّهُ أخَّرَ ذَلِكَ سَنَةً» ثُمَّ إنَّهُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ تَوَّجَهُ وخَتَمَهُ بِخاتَمِهِ ورَدّاهُ بِسَيْفِهِ ووَضَعَ لَهُ سَرِيرًا مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ والياقُوتِ طُولُهُ ثَلاثُونَ ذِراعًا وعَرْضُهُ عَشْرَةُ أذْرُعٍ

صفحة 6

ووَضَعَ عَلَيْهِ الفُرُشَ وضَرَبَ عَلَيْهِ حُلَّةً مَنِ إسْتَبْرَقٍ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أمّا السَّرِيرُ فَأشُدُّ بِهِ مُلْكَكَ وأمّا الخاتَمُ فَأُدَبِّرُ بِهِ أمْرَكَ وأمّا التّاجُ فَلَيْسَ مِن لِباسِي ولا لِباسِ آبائِي فَقالَ: قَدْ وضَعْتُهُ إجْلالًا لَكَ وإقْرارًا بِفَضْلِكَ فَجَلَسَ عَلى السَّرِيرِ ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ وفَوَّضَ إلَيْهِ المَلِكُ أمَرَهُ وأقامَ العَدْلَ بِمِصْرَ وأحَبَّتْهُ الرِّجالُ والنِّساءُ وباعَ مِن أهْلِ مِصْرَ في سِنِي القَحْطِ الطَّعامَ في السَّنَةِ …

56

وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ

And thus We established Joseph in the land to settle therein wherever he willed. We touch with Our mercy whom We will, and We do not allow to be lost the reward of those who do good.

﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ التَّمْكِينِ البَدِيعِ ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ أيْ جَعَلْنا لَهُ مَكانًا ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ مِصْرَ رُوِيَ أنَّها كانَتْ أرْبَعِينَ فَرْسَخًا في أرْبَعِينَ وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الجَعْلِ المَذْكُورِ بِالتَّمْكِينِ في الأرْضِ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِهِ تَعالى مِن تَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُبالَغَةِ في كَمالِ وِلايَتِهِ والإشارَةُ إلى حُصُولِ ذَلِكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ لا أنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ السُّؤالِ ما لا يَخْفى واللّامُ في ( لِيُوسُفَ ) عَلى ما زَعَمَ أبُو البَقاءِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ زائِدَةً أيْ مَكَّنّا يُوسُفَ وأنْ تَكُونَ كَذَلِكَ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ مَكَّنّا لَهُ الأُمُورَ وقَدْ مَرَّ لَكَ ما يَتَّضِحُ مِنهُ الحَقُّ ﴿يَتَبَوَّأُ مِنها﴾ يَنْزِلُ مِن قِطَعِها وبِلادِها ﴿حَيْثُ يَشاءُ﴾ ظَرْفٌ لِيَتَبَوَّأُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ و( مِنها ) مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن حَيْثُ وتُعُقِّبَ بِأنَّ ( حَيْثُ ) لا يَتِمُّ إلّا بِالمُضافِ إلَيْهِ وتَقْدِيمُ الحالِ عَلى المُضافِ إلَيْهِ لا يَجُوزُ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن يُوسُفَ وضَمِيرُ ( يَشاءُ ) لَهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعالى فَفِيهِ التِفاتٌ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والحَسَنُ وبِخِلافٍ عَنْهم أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ ( نَشاءُ ) بِالنُّونِ فَإنَّ الضَّمِيرَ عَلى ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى قَطْعًا ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا﴾ بِنِعْمَتِنا وعَطائِنا في الدُّنْيا مِنَ المُلْكِ والغِنى وغَيْرِهِما مِنَ النِّعَمِ وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ النُّبُوَّةُ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿مَن نَشاءُ﴾ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ لِلْمَشِيئَةِ ﴿ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ . (56) . بَلْ نُوَفِّي لَهم أُجُورَهم في الدُّنْيا لِإحْسانِهِمْ والمُرادُ بِهِ عَلى ما قِيلَ: الإيمانُ والثَّباتُ عَلى التَّقْوى فَإنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ:

57

وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ

And the reward of the Hereafter is better for those who believed and were fearing Allah.

﴿ولأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ . (57) . قَدْ وُضِعَ فِيهِ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِ ﴿المُحْسِنِينَ﴾ وجُمِعَ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ والمَعْنى ولَأجْرُهم في الآخِرَةِ خَيْرٌ والإضافَةُ

صفحة 7

فِيهِ لِلْمُلابَسَةِ وجَعَلَ في تَعْقِيبِ الجُمْلَةِ المُثْبَتَةِ بِالجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ إشْعارٌ بِأنَّ مَدارَ المَشِيئَةِ المَذْكُورَةِ إحْسانُ مَن تُصِيبُهُ الرَّحْمَةُ المَذْكُورَةُ وفي ذِكْرِ الجُمْلَةِ الثّالِثَةِ المُؤَكَّدَةِ بَعْدَ دَفْعِ تَوَهُّمِ انْحِصارِ ثَمَراتِ الإحْسانِ فِيما ذَكَرَ مِنَ الأجْرِ العاجِلِ ويُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ المُرادَ مِمَّنْ نَشاءُ مَن نَشاءُ أنْ نُصِيبَهُ بِالرَّحْمَةِ مِن عِبادِنا الَّذِينَ آمَنُوا واسْتَمَرُّوا عَلى التَّقْوى وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ ولَعَلَّ الظّاهِرَ حَمْلُ ( مَن ) عَلى ما هو أعَمُّ مِمّا ذُكِرَ وحِينَئِذٍ لا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالرَّحْمَةِ النِّعْمَةُ الَّتِي لا تَكُونُ في مُقابَلَةِ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ وبِالأجْرِ ما كانَ في مُقابَلَةِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ يَبْقى أمْرُ وضْعِ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ عَلى حالِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: نَتَفَضَّلُ عَلى مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا كَيْفَ كانُوا ونُنْعِمُ عَلَيْهِمْ بِالمُلْكِ والغِنى وغَيْرِهِما لا في مُقابَلَةِ شَيْءٍ ونُوَفِّي أُجُورَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى التَّقْوى مِنهم ونُعْطِيهِمْ في الدُّنْيا ما نُعْطِيهِمْ في مُقابَلَةِ إيمانِهِمْ واسْتِمْرارِهِمْ عَلى التَّقْوى وما نُعْطِيهِمْ في مُقابَلَةِ ذَلِكَ في الآخِرَةِ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ المُقِيمِ خَيْرٌ لَهم مِمّا نُعْطِيهِمْ في الدُّنْيا لِعِظَمِهِ ودَوامِهِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ إطْلاقَ الرَّحْمَةِ عَلى ما يُصِيبُ الكافِرَ مِن نَحْوِ المُلْكِ والغِنى مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِرَحْمَةٍ كَما يُشْعِرُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ ويَقْتَضِيهِ قَوْلُهم: لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى نِعْمَةٌ عَلى كافِرٍ وأُجِيبَ بِأنَّ قَوْلَهم: في ( الرَّحْمَنِ ) أنَّهُ الَّذِي يَرْحَمُ المُؤْمِنَ والكافِرَ في الدُّنْيا ظاهِرٌ في صِحَّةِ إطْلاقِ الرَّحْمَةِ عَلى ما يُصِيبُ الكافِرَ مِن ذَلِكَ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ ظاهِرٌ في صِحَّةِ القَوْلِ بِكَوْنِ الكافِرِ مَرْحُومًا في الجُمْلَةِ وأمْرُ الإشْعارِ سَهْلٌ وقَوْلُهم: لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى نِعْمَةٌ عَلى كافِرٍ إنَّما قالَهُ البَعْضُ بِناءً عَلى أخْذٍ يُحْمَدُ عاقِبَتُها في تَعْرِيفِها وإنْ أبَيْتَ ولا أظُنُّ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَبَّرَ عَمّا ذُكِرَ بِالرَّحْمَةِ رِعايَةً لِجانِبِ مَنِ انْدَرَجَ في عُمُومِ ( مَن ) مِنَ المُؤْمِنِينَ.

نَعَمْ يُرَدُّ عَلى تَفْسِيرِ الرَّحْمَةِ هُنا بِالنِّعْمَةِ الَّتِي لا تَكُونُ في مُقابَلَةِ شَيْءٍ مِنَ الأعْمال والأجْرِ بِما كانَ ما رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: المُؤْمِنُ يُثابُ عَلى حَسَناتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ والفاجِرُ يُعَجَّلُ لَهُ الخَيْرُ في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ وتَلا الآيَةَ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ ما يُصِيبُ الكافِرَ مِمّا تَقَدَّمَ في مُقابَلَةِ عَمَلٍ لَهُ وأنَّ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ولَيْسَ هو إلّا ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ﴾ وقَدْ يُجابُ بِأنَّهُ لَعَلَّهُ حَمَلَ ﴿المُحْسِنِينَ﴾ عَلى ما يَشْمَلُ الكُفّارَ الفاعِلِينَ لِما يُحْسُنُ كَصِلَةِ الرَّحِمِ ونُصْرَةِ المَظْلُومِ وإطْعامِ الفَقِيرِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَحَصْرُ الدَّلالَةِ فِيما ذُكِرَ مَمْنُوعٌ نَعَمْ إنَّ هَذا الأثَرَ يُعَكِّرُ عَلى …

58

وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ

And the brothers of Joseph came [seeking food], and they entered upon him; and he recognized them, but he was to them unknown.

﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ مُمْتارِينَ لِما أصابَ أرْضَ كَنْعانَ وبِلادَ الشّامِ ما أصابَ مِصْرَ وقَدْ كانَ حَلَّ بِآلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما آلَ بِأهْلِها فَدَعا أبْناءَهُ ما عَدا بِنْيامِينَ فَقالَ لَهم: يا بَنِيَّ بَلَغَنِي أنَّ بِمِصْرَ مَلِكًا صالِحًا يَبِيعُ

صفحة 8

الطَّعامَ فَتَجَهَّزُوا إلَيْهِ واقْصِدُوهُ تَشْتَرُوا مِنهُ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ فَخَرَجُوا حَتّى قَدِمُوا مِصْرَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو في مَجْلِسِ وِلايَتِهِ فَعَرَفَهم لِقُوَّةِ فَهْمِهِ وعَدَمِ مُبايَنَةِ أحْوالِهِمُ السّابِقَةِ أحْوالَهم يَوْمَ المُفارَقَةِ لِمُفارَقَتِهِ إيّاهم وهم رِجالٌ وتَشابُهِ هَيْئاتِهِمْ وزِيِّهِمْ في الحالَيْنِ ولِكَوْنِ هِمَّتِهِ مَعْقُودَةً بِهِمْ وبِمَعْرِفَةِ أحْوالِهِمْ لا سِيَّما في زَمَنِ القَحْطِ ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُتَرَقِّبًا مَجِيئَهم إلَيْهِ لِما يَعْلَمُ مِن تَأْوِيلِ رُؤْياهُ ورُوِيَ أنَّهُمُ انْتَسَبُوا في الِاسْتِئْذانِ عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وأمَرَ بِإنْزالِهِمْ ولِذَلِكَ قالَ الحَسَنُ: ما عَرَفَهم حَتّى تَعَرَّفُوا إلَيْهِ وتُعُقِّبَ ذَلِكَ في الِانْتِصافِ بِأنَّ تَوْسِيطَ الفاءِ بَيْنَ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ ومَعْرِفَتِهِ لَهم يَأْبى كَلامَ الحَسَنِ ويَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ اسْتَعْقَبَهُ المَعْرِفَةُ بِلا مُهْلَةٍ وفِيهِ تَأمُّلٌ.

﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ . (58) . أيْ والحالُ أنَّهم مُنْكِرُونَ لَهُ لِنِسْيانِهِمْ لَهُ بِطُولِ العَهْدِ وتَبايُنِ ما بَيْنَ حالَيْهِ في نَفْسِهِ ومَنزِلَتِهِ وزِيِّهِ ولِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ هَلَكَ وقِيلَ: إنَّما لَمْ يَعْرِفُوهُ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْقَفَهم مَوْقِفَ ذَوِي الحاجاتِ بَعِيدًا مِنهُ وكَلَّمَهم بِالواسِطَةِ وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِمَحْضِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَخْلُقِ العِرْفانَ في قُلُوبِهِمْ تَحْقِيقًا لِما أخْبَرَ أنَّهُ سَيُنْبِئُهم بِأمْرِهِمْ وهم لا يَشْعُرُونَ فَكانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقابَلَ المَعْرِفَةَ بِالإنْكارِ عَلى ما هو الِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ فَعَنِ الرّاغِبِ المَعْرِفَةُ والعِرْفانُ مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ بِتَفَكُّرٍ في إثْرِهِ فَهو أخَصُّ مِنَ العِلْمِ وأصْلُهُ مِن عَرَفْتُ أيْ أصَبْتُ عَرْفَهُ أيْ رائِحَتَهُ ويُضادُّ المَعْرِفَةَ الإنْكارُ والعِلْمُ والجَهْلُ وحَيْثُ كانَ إنْكارُهم لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمْرًا مُسْتَمِرًّا في حالَتَيِ المَحْضَرِ والمَغِيبِ أُخْبِرَ عَنْهُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ بِخِلافِ عِرْفانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهم.

59

وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍۢ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّىٓ أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَا۠ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ

And when he had furnished them with their supplies, he said, "Bring me a brother of yours from your father. Do not you see that I give full measure and that I am the best of accommodators?

﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ أصْلَحَهم بِعُدَّتِهِمْ وأوْقَرَ رَكائِبَهم بِما جاءُوا لِأجْلِهِ ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما باعَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم حِمْلَ بِعِيرٍ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لا يَبِيعُ أحَدًا مِنَ المُمْتارِينَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ تَقْسِيطًا بَيْنَ النّاسِ وفِيما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ ما يُؤَيِّدُهُ وأصْلُ الجَهازِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ مِن زادٍ ومَتاعٍ وجَهازُ العَرُوسِ ما تُزَفُّ بِهِ إلى زَوْجِها والمَيِّتِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في دَفْنِهِ وقُرِئَ بِكَسْرِ الجِيمِ قالَ ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ بِأخِيكم مُبالَغَةً في إظْهارِ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ لَهم كَأنَّهُ لا يَدْرِي مَن هو ولَوْ أضافَهُ اقْتَضى مَعْرِفَتَهُ لِإشْعارِ الإضافَةِ بِهِ ومِن هُنا قالُوا في أرْسِلْ غُلامًا لَكَ: الغُلامُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وفي أرْسِلْ غُلامَكَ مَعْرُوفٌ بَيْنَكَ وبَيْنَ مُخاطِبِكَ عَهْدٌ فِيهِ ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما قالَ ذَلِكَ لِما قِيلَ: مِن أنَّهم سَألُوهُ حِمْلًا زائِدًا عَلى المُعْتادِ لِبِنْيامِينَ فَأعْطاهم ذَلِكَ وشَرَطَ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْتُوهُ بِهِ مُظْهِرًا لَهم أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ صِدْقَهم وقِيلَ: إنَّهم لَمّا رَأوْهُ فَكَلَّمُوهُ بِالعِبْرِيَّةِ قالَ لَهم: مَن أنْتُمْ فَإنِّي أُنْكِرُكم فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ رُعاةٌ أصابَنا الجَهْدُ فَجِئْنا نَمْتارُ فَقالَ: لَعَلَّكم جِئْتُمْ عُيُونًا تَنْظُرُونَ عَوْرَةَ بِلادِي قالُوا: مَعاذَ اللَّهِ نَحْنُ إخْوَةٌ بَنُو أبٍ واحِدٍ وهو شَيْخٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ قالَ: كَمْ أنْتُمْ قالُوا: كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ فَهَلَكَ مِنّا واحِدٌ فَقالَ: كَمْ أنْتُمْ ها هُنا قالُوا: عَشَرَةٌ قالَ: فَأيْنَ الحادِي عَشَرَ قالُوا: هو عِنْدَ أبِيهِ يَتَسَلّى بِهِ عَنِ الهالِكِ قالَ: فَمَن يَشْهَدُ لَكم أنَّكم لَسْتُمْ عُيُونًا وأنَّ ما تَقُولُونَ حَقٌّ قالُوا: نَحْنُ بِبِلادٍ لا يَعْرِفُنا فِيها أحَدٌ فَيَشْهَدُ لَنا قالَ: فَدَعُوا بَعْضَكم عِنْدِي رَهِينَةً وائْتَوِنِي بِأخِيكم مِن أبِيكم وهو يَحْمِلُ رِسالَةً مِن أبِيكم حَتّى أُصَدِّقَكم فاقْتَرَعُوا فَأصابَ القُرْعَةُ شَمْعُونَ وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي اخْتارَهُ لِأنَّهُ كانَ أحْسَنَهم رَأْيًا فِيهِ والمَشْهُورُ أنَّ الأحْسَنَ يَهُوذا فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ ومِن هَذا يُعْلَمُ سَبَبُ هَذا القَوْلِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ وُرُودُ الأمْرِ بِالإتْيانِ بِهِ

صفحة 9

عِنْدَ التَّجْهِيزِ ولا الحَثُّ عَلَيْهِ بِإيفاءِ الكَيْلِ ولا الإحْسانِ في الإنْزالِ ولا الِاقْتِصارِ عَلى مَنعِ الكَيْلِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الرِّسالَةِ عَلى أنَّ اسْتِبْقاءَ شَمْعُونَ لَوْ وقَعَ لَكانَ ذَلِكَ طامَّةً يَنْسى عِنْدَها كُلَّ قِيلٍ وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ يُضْعِفُ الخَبَرَ اشْتِمالُهُ عَلى بُهْتُ إخْوَتِهِ يَجْعَلُهم جَواسِيسَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ عَنْ وحْيٍ.

وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّهُ إذا ظَنَّهم جَواسِيسَ كَيْفَ يَطْلُبُ مِنهم واحِدًا مِن إخْوَتِهِمْ وما في النَّظْمِ الكَرِيمِ يُخالِفُهُ وأطالَ في ذَلِكَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهم لَمّا قالُوا لَهُ: إنَّهم أوْلادُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ أخاهم وبِهِ يَتَّضِحُ الحالُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ جاءَ بِصُواعِ المَلِكِ الَّذِي كانَ يَشْرَبُ فِيهِ فَوَضَعَهُ …

60

فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِۦ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ

But if you do not bring him to me, no measure will there be [hereafter] for you from me, nor will you approach me."

﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ إيعادٌ لَهم عَلى عَدَمِ الإتْيانِ بِهِ والمُرادُ لا كَيْلَ لَكم في المَرَّةِ الأُخْرى فَضْلًا عَنْ إيفائِهِ ﴿ولا تَقْرَبُونِ﴾ . (60) . أيْ لا تَقْرَبُونِي بِدُخُولِ بِلادِي فَضْلًا عَنِ الإحْسانِ في الإنْزالِ والضِّيافَةِ وهو إمّا نَهْيٌ أوْ نَفْيٌ مَعْطُوفٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ عَلى الجَزاءِ وقِيلَ: وهو عَلى الأوَّلِ اسْتِئْنافٌ لِئَلّا يَلْزَمَ عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ وأُجِيبَ بِأنَّ العَطْفَ مُغْتَفَرٌ فِيهِ لِأنَّ النَّهْيَ يَقَعُ جَزاءً وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى نِيَّةِ الِامْتِيارِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى وأنَّ ذَلِكَ كانَ مَعْلُومًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ والظّاهِرُ أنَّ ما فَعَلَهُ مَعَهم كانَ بِوَحْيٍ وإلّا فالبِرُّ يَقْتَضِي أنْ يُبادِرَ إلى أبِيهِ ويَسْتَدْعِيَهُ لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أرادَ تَكْمِيلَ أجْرِ يَعْقُوبَ في مِحْنَتِهِ وهو الفَعّالُ لِما يُرِيدُ في خَلِيفَتِهِ

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.