Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji

Ayahs 51–60 of 111

51

قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ قُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍۢ ۚ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْـَٰٔنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

Said [the king to the women], "What was your condition when you sought to seduce Joseph?" They said, "Perfect is Allah! We know about him no evil." The wife of al-'Azeez said, "Now the truth has become evident. It was I who sought to seduce him, and indeed, he is of the truthful.

(قال ما خطبكن إذ روادتن يوسف عن نفسه) مستأنفة كأنه قيل فماذا قال الملك بعد أن أبلغه الرسول ما قال يوسف عليه السلام والخطب الشأن العظيم الذي يحق له أن يخاطب فيه صاحبه خاصة وإنما يخطب في الأمور العظام قال الأزهري: تقول هذا خطب جليل وخطب يسير والمعنى ما شأنكن وكانت النسوة أربعين كما تقدم وقد تقدم معنى المراودة وإنما نسب إليهن المراودة لأن كل واحدة منهن وقع منها ذلك كما تقدم.

ومن جملة من شمله خطاب الملك امرأة العزيز أو أراد بنسبة ذلك إليهن وقوعه منهن في الجملة كما كان من امرأة العزيز تحاشياً عن التصريح منه بنسبة ذلك إليها لكونها امرأة وزيره وهو العزيز فأجبن عليه بقولهن (قلن حاش لله) أي معاذ الله تنزيهاً له عن أن يتصف بالعجز عن خلق بشر عفيف مثل هذا.

(ما علمنا عليه من سوء) أي من أمر سيء ينسب إليه من خيانة في شيء من الأشياء وغير ذلك ولما علمت زليخا أن هذه المناظرات والتفحصات إنما هي بسببها فعند ذلك كشفت الغطاء وصرحت بما هو الواقع.

و (قالت امرأة العزيز) منزهة لجانبه مقرة على نفسه بالمراودة له (الآن حصحص الحق) أي تبين وظهر بعد خفائه وأصله حص فقيل حصحص كما قيل في كبوا كبكبوا قاله الزجاج، واصل الحص استئصال الشيء يقال حص شعره إذا استأصله والمعنى أنه انقطع الحق عن الباطل بظهوره وبيانه، وقيل هو مشتق من الحصة والمعنى بانت حصة الباطل.

قال الخليل: معناه ظهر الحق بعد خفائه، وقال ابن عباس: تبين، وعن مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد والسدي مثله.

ثم لما علمت أن يوسف عليه السلام راعى جانبها حيث قال: ما بال النسوة ولم يذكرها مع أن الفتن كلها إنما نشأت من جهتها، كافأته على ذلك باعترافها بأن الذنب منها وأوضحت ذلك بقولها (أنا روادته عن نفسه) ولم تقع منه المراودة لي أصلاً (وإنه لمن الصادقين) فيما قاله من تنزيه نفسه ونسبة المراودة إليها وأرادت بالآن زمان تكلمها بهذا الكلام فأخبر الرسول يوسف عليه السلام بجواب النسوة المذكورة فقال

52

ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ

That is so al-'Azeez will know that I did not betray him in [his] absence and that Allah does not guide the plan of betrayers.

(ذلك) أي الحادثة الواقعة منه وهي تثبته وتأنيه، ذهب أكثر المفسرين إلى أن هذا الكلام من كلام يوسف عليه السلام.

قال الفراء: ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة الصارفة لكل منهما إلى ما يليق به. وهذه هي المرة الثالثة من مرات مجيء الرسول ليوسف عليه السلام في السجن، والمعنى فعلت ذلك (ليعلم) العزيز (أني لم أخنه) في أهله (بالغيب) والمعنى بظهر الغيب، أي وهو غائب عني أو وأنا غائب عنه. قال الزمخشري: أي مكان الغيب وهو الخفاء والاستتار وراء الأبواب السبعة المغلقة.

قيل أنه قال ذلك وهو في السجن بعد أن أخبره الرسول بما قالته النسوة وما قالته امرأة العزيز، وقيل أنه قال ذلك وقد صار عند الملك والأول أولى. وذهب الأقلون من المفسرين إلى إن هذا كلام امرأة العزيز، والمعنى ذلك القول الذي قلته في تنزيهه والإقرار على نفسي بالمراودة ليعلم يوسف عليه السلام إني لم أخنه فأنسب إليه ما لم يكن منه وهو غائب عني أو أنا غائبة عنه.

(وأن الله لا يهدي كيد الخائنين) أي لا يثبته ولا ينفذه ولا يمضيه ولا يسدده، أو لا يهديهم في كيدهم حتى يوقعوه على وجه يكون له ما يثبت به ويدوم وإذا كان من قول يوسف عليه السلام ففيه تعريض بامرأة العزيز حيث وقع منه الكيد له والخيانة لزوجها، وتعريض بالعزيز حيث ساعدها على حبسه بعد أن علم براءته ونزاهته، ولعل المراد منه إني لو كنت خائناً لما خلصني الله من هذه الورطة، وحيث خلصني منها ظهر إني كنت بريئاً مما نسبوني إليه، ثم تواضع لله تعالى وتبارك فقال:

53

۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And I do not acquit myself. Indeed, the soul is a persistent enjoiner of evil, except those upon which my Lord has mercy. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."

(وما أبرئ نفسي) وهذا إن كان من كلام يوسف عليه السلام فهو من باب الهضم للنفس وعدم التزكية لها مع أنه قد علم هو وغيره من الناس أنه بريء وظهر ذلك ظهور الشمس وأقرت به المرأة التي ادعت عليه الباطل، ونزهته النسوة اللاتي قطعن أيديهن، وإن كان من كلام امرأة العزيز فهو واقع على الحقيقة لأنها قد أقرت بالذنب واعترفت بالمراودة وبالافتراء على يوسف عليه السلام.

وقد قيل أن هذا من قول العزيز وهو بعيد جداً، ومعناه وما أُبرّئ نفسي من سوء الظن بيوسف عليه السلام والمساعدة على حبسه بعد أن علمت برائته.

(إن النفس لأمارة بالسوء) أي إن هذا الجنس من الأنفس البشرية شأنه الأمر بالسوء لميله إلى الشهوات وتأثيرها بالطبع وصعوبة قهرها وكفها عن ذلك (إلا ما رحم ربي) أي إلا من رحم من النفوس فعصمها عن أن تكون أمارة بالسوء أو إلا وقت رحمة ربي وعصمته لها.

وقيل الاستثناء منقطع والمعنى لكن رحمة ربي هي التي تكفها عن أن تكون أمارة بالسوء (إن ربي غفور رحيم) تعليل لما قبلها. أي إن من شأنه كثرة المغفرة لعباده والرحمة لهم.

وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57) وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59)

54

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌۭ

And the king said, "Bring him to me; I will appoint him exclusively for myself." And when he spoke to him, he said, "Indeed, you are today established [in position] and trusted."

(وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي) الملك هو الريان بن الوليد لا العزيز كما تقدم، والمعنى أجعله خالصاً لي دون غيري وقد كان قبل ذلك خالصاً للعزيز، والاستخلاص طلب خلوص الشيء من شوائب الشركه. قال ذلك لما كان يوسف عليه السلام نفيساً، وعادة الملوك أن يجعلوا الأشياء النفيسة خالصة لهم دون غيرهم.

قال ابن عباس: فأتاه الرسول فقال: ألق عنك ثياب السجن والبس ثياباً جدداً وقم إلى الملك، فدعا له أهل السجن ودعا لهم وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة، فلما أتاه رآه غلاماً حدثا فقال: أيعلم هذا رؤياي ولم يعلمها السحرة والكهنة، واقعده قدامه وقال: لا تخف، وألبسه طوقاً من ذهب، وثياب حرير، وإعطاه دابة مسروجة مزينة كدابة الملك وضرب الطبل بمصر أن يوسف عليه السلام خليفة الملك.

وعنه قال: قال الملك ليوسف عليه السلام إني أحب إن تخالطني في كل شيء إلا في أهلي وأنا آنف إن تأكل معي، فغضب يوسف عليه السلام فقال: أنا أحق أن آنف أنا ابن إبراهيم خليل الله وأنا ابن إسحاق ذبيح الله وأنا ابن يعقوب نبي الله، وهذه هي المرة الرابعة من مجيء الرسول ليوسف عليه السلام في السجن.

(فلما كلمه) في الكلام حذف وتقديره فأتوه به فلما كلمه أي الملك يوسف عليه السلام ويحتمل أن يكون المعنى فلما كلم يوسف عليه السلام الملك، قيل والأول أولى لأن مجالس الملوك لا يتكلم فيها ابتداء إلا هم دون من يدخل عليهم، وقيل الثاني الأولى لقول الملك (قال إنك اليوم لدينا مكين أمين) فإن هذا يفيد أنه لما تكلم يوسف عليه السلام في الملك جاء بما حببه إلى الملك وقربه من قلبه فقال له هذه المقالة، ومعنى مكين أمين ذو مكانة وأمانة بحيث يتمكن مما يريده من الملك يأمنه الملك على ما يطلع عليه من أمره أو على ما يكله إليه من ذلك.

وقيل المكانة المنزلة والجاه، والمعنى قد عرفنا أمانتك ومنزلتك وصدقك وبراءتك مما نُسِبَ إليك، ومكين كلمة جامعة لكل ما يحتاج إليه من الفضائل والمناقب في أمر الدين والدنيا واليوم ليس بمعيار لمدة المكانة والأمانة بل هو آن التكلم، والمراد تحديد مبدئهما احترازاً عن احتمال كونهما بعد حين.

قيل أنه لما وصل إلى الملك أجلسه على سريره وقال له: إني أحب أن أسمع تأويل رؤياي منك، فعبرها له بأكمل بيان وأتم عبارة، فلما سمع الملك منه ذلك قال له: إنك اليوم لدينا مكين أمين.

فلما سمع يوسف عليه السلام منه ذلك

55

قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌۭ

[Joseph] said, "Appoint me over the storehouses of the land. Indeed, I will be a knowing guardian."

(قال اجعلني على خزائن الأرض) أي ولني أمر الأرض التي أمرها إليك، وهي أرض مصر، أو اجعلني على حفظ خزائن الأرض وهي الأمكنة التي تخزن فيها الأموال والطعام، جمع خزينة وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء، طلب يوسف عليه السلام منه ذلك ليتوصل به إلى نشر العدل، ورفع الظلم ويتوسل به إلى دعاء أهل مصر إلى الإيمان بالله وترك عبادة الأوثان.

وفيه دليل على أنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق ويهدم ما أمكنه من الباطل أن يطلب ذلك لنفسه، ويجوز له أن يصف نفسه بالأوصاف التي لها ترغيباً فيما يرومه وتنشيطاً لمن يخاطبه من الملوك بإلقاء مقاليد الأمور إليه وجعلها منوطة به.

ولكنه يعارض هذا الجواز ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن طلب الولاية والمنع من توليه من طلبه أو حرص عليها، وكان يوسف عليه السلام طلبه ابتغاء لوجه الله لا لحب الملك والدنيا وبهذا يجمع بينهما.

(إني حفيظ) وهو الذي يحفظ الشيء أي إني حفيظ لما جعلته إليّ من حفظ الأموال لا أخرجها في غير مخارجها ولا أصرفها في غير مصارفها (عليم) بوجوه جمعها وتفريقها ومدخلها ومخرجها ومصالحها.

عن شيبة بن نعامة الضبي قال: يقول اجعلني على جميع الطعام إني حفيظ لما استودعتني عليم بسنين المجاعة. وقيل حفيظ لما استودعتني عليم لما وليتني، وقيل حفيظ للحساب عليم أعلم لغة من يأتيني.

56

وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ

And thus We established Joseph in the land to settle therein wherever he willed. We touch with Our mercy whom We will, and We do not allow to be lost the reward of those who do good.

(وكذلك) أي مثل ذلك التمكين العجيب (مكنا ليوسف) أي جعلنا له مكاناً (في الأرض) أي أرض مصر. روي أنها كانت أربعين فرسخا في أربعين والتمكين عبارة عن كمال قدرته ونفوذ أمره ونهيه حتى لا ينازعه منازع فيما يراه ويختاره وصار الملك يصدر عن رأيه ولا يعترض عليه في كل ما رأى وكان في حكم التابع وصار الناس يعملون على أمره ونهيه.

(يتبوأ منها حيث يشاء) أي ينزل منها حيث أراد بعد الضيق والحبس ويتخذه مباءة وهو عبارة عن كمال قدرته كما تقدم وكأنه يتصرف في الأرض التي أمرها إلى سلطان مصر كما يتصرف الرجل في منزله، وفي القصة إن الملك توَّجَهُ وختمه وولاه مكان العزيز وعزله فمات بعد، فزوجه امرأته فوجدها عذراء وولدت له ولدين وأقام العدل بمصر ودانت له الرقاب. قاله السيوطي.

وعن ابن زيد أن يوسف عليه السلام تزوج امرأة العزيز فوجدها بكراً، وكان زوجها عنيناً، وقد استدل بهذه الآية على أنه يجوز تولي الأعمال من جهة السلطان الجائر بل الكافر لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق، وقد قدمنا الكلام مستوفى على هذا في قوله سبحانه (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) قال مجاهد: ولم يزل يوسف عليه السلام يدعو الملك إلى الإسلام ويتلطف به حتى أسلم الملك وكثير من الناس فذلك قوله (وكذلك مكنا) الخ.

(نصيب برحمتنا من نشاء) من العباد فنرحمه في الدنيا بالإحسان إليه والإنعام عليه وفي الآخرة بإدخاله الجنة وانجائه من النار (ولا نضيع أجر المحسنين) في أعمالهم الحسنة التي هي مطلوبنا منهم، أي لا نضيع ثوابهم فيها ومجازاتهم عليها.

57

وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ

And the reward of the Hereafter is better for those who believed and were fearing Allah.

(ولأجر الآخرة) أي أجرهم في الآخرة، وأضيف الأجر إلى الآخرة للملابسة واللام للقسم وأجرهم هو الجزاء الذي يجازيهم الله به فيها وهو الجنة التي لا ينفذ نعيمها ولا تنقضي مدتها.

(خير للذين آمنوا) بالله (وكانوا يتقون) الوقوع فيما حرمه عليهم، والمراد بهم المحسنون الذين تقدم ذكرهم، وفيه تنبيه على أن الإحسان المعتد به هو الإيمان والتقوى، وفي الكلام إظهار في مقام الإضمار للتوصل إلى وصفهم بالأيمان والتقوى بعد وصفهم بالإحسان.

58

وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ

And the brothers of Joseph came [seeking food], and they entered upon him; and he recognized them, but he was to them unknown.

(وجاء إخوة يوسف) أي جاءوا إلى مصر من أرض كنعان ليمتاروا لما أصابهم القحط وكانوا عشرة، وكان مسكنهم بالعربات من أرض فلسطين، والعربات ثغور الشام وكانوا أهل بادية وشياه.

(فدخلوا عليه) أي على يوسف عليه السلام وهو في مجلس ولايته (فعرفهم) لقوة فهمه وعدم مباينة أحوالهم السابقة لحالهم يومئذ لأنه فارقهم رجالاً قيل بأول نظرة نظر إليهم عرفهم، وقيل لم يعرفهم حتى تعرفوا إليه. قاله الحسن والأول أولى وهو ظاهر النظم القرآني، وبه قال ابن عباس ومجاهد.

(وهم له منكرون) لم يعرفوه لأنهم فارقوه صبياً يباع بالدراهم في أيدي السيارة بعد أن أخرجوه من الجب، ودخلوا عليه الآن وهو رجل عليه أبهة الملك ورونق الرياسة وعنده الخدم والحشم، وقيل أنهم أنكروه لكونه في تلك الحال على هيئة ملك مصر ولبس تاجه وتطوق بطوقه، وقيل كانوا بعيدي العهد منه فلم يعرفوه.

قيل كان بين إن قذفوه بالجب وبين دخولهم عليه مدة أربعين سنة؛ فِلذلك أنكروه، وقيل غير ذلك، وكل واحد من هذه الأسباب مانع من حصول المعرفة فكيف وقد اجتمعت فيه، ولما كان إنكارهم له مستمراً في حالتي المحضر والمغيب أخبر عنه بالجملة الاسمية بخلاف عرفانه عليه السلام.

59

وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍۢ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّىٓ أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَا۠ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ

And when he had furnished them with their supplies, he said, "Bring me a brother of yours from your father. Do not you see that I give full measure and that I am the best of accommodators?

(ولما جهزهم بجهازهم) المراد به هنا أنه أعطاهم ما طلبوه من الميرة وما يصلحون به سفرهم من العدة التي يحتاجها السافر، يقال جهزت القوم تجهيزاً إذا تكلفت لهم جهاز السفر قال الأزهري: القراء كلهم على فتح الجيم والكسر لغة جيدة. وقيل بالعكس.

وفي الآية تضمين ضمن جهز معنى أكرم، أي ولما أكرمهم بجهازهم أي بتحصيله لهم، قيل حمل لكل واحد منهم بعيراً من الطعام وأكرمهم في النزول وأحسن ضيافتهم، وجميع ما فعله يوسف عليه السلام معهم في هذه القصة كان بالوحي كما قاله بعض المفسرين.

(قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم) يعني أخاه بنيامين الذي تقدم ذكره، وهو أخو يوسف لأبيه وأمه، ولم يقل بأخيكم بالإضافة مبالغة في عدم تعرفه بهم، ولذلك فرقوا بين مررت بغلامك وبغلام لك، فإن الأول يقتضي عرفانك بالغلام وأن بينك وبين مخاطبك نوع عهد، والثاني لا يقتضي ذلك قاله الكرخي، أو أتى باللام لأنه كان أخاهم لأبيهم لا لأمهم وهذا أحسن من الأول.

ولعله عليه السلام إنما قاله لما قيل من أنهم سألوه عليه السلام حملاً زائداً على المعتاد لبنيامين فأعطاهم ذلك وشرطهم أن يأتوا به، لا لما قيل من أنه لما رأوه وكلموه بالعبرية.

قال لهم: من أنتم فإني أنكركم؟

فقالوا له: نحن قوم من أهل الشام رعاة أصابنا الجهد فجئنا نمتار.

فقال لهم: لعلكم جئتم عيوناً.

فقالوا: معاذ الله نحن أخوة بنو أب واحد وهو شيخ كبير صديق نبي من الأنبياء اسمه يعقوب.

قال: كم أنتم؟

قالوا: كنا اثني عشر فذهب أخ لنا إلى البرية فهلك وكان أحبنا إلى أبينا.

فقال: كم أنتم هاهنا؟

قالوا: عشرة.

قال: فأين الحادي عشر؟

قالوا: هو عند أبيه يتسلى به عن الهالك.

قال: فمن يشهد لكم أنكم لست عيوناً وأن ما تقولون حق؟

قالوا: نحن ببلاد لا يعرفنا فيها أحد فيشهد لنا.

قال: فدعوا بعضكم عندي رهينا وأتوني بأخيكم من أبيكم وهو يحمل رسالة من أبيكم حتى أصدقكم، فاقترعوا فأصاب القرعة شمعون فخلفوه عنده إذ لا يساعده ورود الأمر بالإتيان به عند التجهيز ولا الحث عليه بإيفاء الكيل ولا الإحسان في الإنزال ولا الاقتصار على منع الكيل على تقدير عدم الإتيان به ولا جعل بضاعتهم في رحالهم لأجل رجوعهم ولا عدتهم بالإتيان به بطريق المراودة ولا تعليلهم عند أبيهم إرسال أخيهم بمنع الكيل من غير ذكر الرسالة، على أن استبقاء شمعون لو وقع لكان ذلك طامة ينسى عندها كل قيل وقال.

ثم قال لهم (ألا ترون أني أوف الكيل) أي أتممه وجاء بصيغة الاستقبال مع كونه قال لهم هذه المقالة بعد تجهيزهم للدلالة على أن ذلك عادته المستمرة وغرضه ترغيبهم في العود إليه مرة أخرى، ثم أخبرهم بما يزيدهم وثوقاً به وتصديقاً لقوله فقال:

(وأنا خير المنزلين) أي والحال أنا خير لمن نزل بي كما فعلته بكم من حسن الضيافة وحسن الإنزال، قال الزجاج: قال يوسف عليه السلام ذلك حين أنزلهم وأحسن ضيافتهم، وقال ابن عباس: أنا خير من يضيف بمصر، قال الرازي: وهذا الكلام يضعف قول من يقول من المفسرين أنه اتهمهم ونسبهم إلى أنهم جواسيس ومن يشافههم بهذا الكلام فلا يليق به أن يقول لهم ألا ترون الخ، وأيضاً يبعد من يوسف عليه السلام مع كونه صديقاً أن يقول لهم ذلك مع أنه يعرف براءتهم من هذه التهمة لأن البهتان لا يليق بالصديق.

فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (60) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ …

60

فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِۦ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ

But if you do not bring him to me, no measure will there be [hereafter] for you from me, nor will you approach me."

(فإن لم تأتوني) إذا عدتم مرة أخرى (به) أي بأخيكم الذي من أبيكم (فلا كيل لكم عندي) أي فلا أبيعكم شيئا فيما بعد فضلاً عن إيفائه، وأما في الحال فقد أوفاهم كيلهم، وهذا نهاية التخويف لأنهم كانوا محتاجين إلى تحصيل الطعام ولا يمكن إلا من عنده فإذا منعهم من العود فقد ضيق عليهم.

(ولا تقربون) أي لا تدخلوا بلادي فضلاً أن أحسن إليكم، وقيل معناه لا أنزلكم عندي كما أنزلتكم هذه المرة ولم يرد أنهم لا يقربون بلاده والمعنى لا تدنوا مني ولا تقربون مجزوماً على أن لا ناهية أو على أنها نافية وهو معطوف على محل الجزاء داخل في حكمه كأنه قال فإن لم تأتوني به تحرموا ولا تقربوا، فلما سمعوا منه ذلك وعدوه بما طلبه منهم.

Commentary: Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.