Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 51–60 of 111

51

قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ قُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍۢ ۚ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْـَٰٔنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

Said [the king to the women], "What was your condition when you sought to seduce Joseph?" They said, "Perfect is Allah! We know about him no evil." The wife of al-'Azeez said, "Now the truth has become evident. It was I who sought to seduce him, and indeed, he is of the truthful.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: قالَ المَلِكُ إثْرَ ما بَلَّغَهُ الرَّسُولُ الخَبَرَ وأحْضَرَهُنَّ: ﴿ما خَطْبُكُنَّ﴾ أيْ: شَأْنُكُنَّ - وهو الأمْرُ الَّذِي يَحِقُّ لِعِظَمِهِ أنْ يُخاطِبَ المَرْءُ فِيهِ صاحِبَهُ - ﴿إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ﴾ وخادَعْتُنَّهُ ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ ورَغَّبْتُنَّهُ في إطاعَةِ مَوْلاتِهِ هَلْ وجَدْتُنَّ فِيهِ شَيْئًا مِن سُوءٍ ورِيبَةٍ؟ ﴿قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ﴾ تَنْزِيهًا لَهُ وتَعَجُّبًا مِن نَزاهَتِهِ وعِفَّتِهِ ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ بالَغْنَ في نَفْيِ جِنْسِ السُّوءِ عَنْهُ بِالتَّنْكِيرِ وزِيادَةِ مِن.

﴿قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ﴾ وكانَتْ حاضِرَةً في المَجْلِسِ، وقِيلَ: أقْبَلَتِ النِّسْوَةُ عَلَيْها يُقَرِّرْنَها، وقِيلَ: خافَتْ أنْ يَشْهَدْنَ عَلَيْها بِما قالَتْ لَهُنَّ: ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ فَأقَرَّتْ قائِلَةً: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ أيْ: ثَبَتَ واسْتَقَرَّ، أوْ تَبَيَّنَ وظَهَرَ بَعْدَ خَفاءٍ، قالَهُ الخَلِيلُ، وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصَّةِ وهي القِطْعَةُ مِنَ الجُمْلَةِ، أيْ: تَبَيَّنَ حِصَّةُ الحَقِّ مِن حِصَّةِ الباطِلِ، كَما تَتَبَيَّنُ حِصَصُ الأراضِي وغَيْرِها، وقِيلَ: بانَ وظَهَرَ، مِن حَصَّ شَعَرَهُ إذا اسْتَأْصَلَهُ بِحَيْثُ ظَهَرَتْ بَشَرَةُ رَأْسِهِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن: حَصْحَصَ البَعِيرُ مَبارِكَهُ، أيْ: ألْقاها في الأرْضِ لِلْإناخَةِ، قالَ:

؎ فَحَصْحَصَ في صُمِّ الصَّفا ثَفَناتِهِ وناءَ بِسَلْمى نَوْأةً ثُمَّ صَمَّما

والمَعْنى: أُقِرَّ الحَقُّ في مَقَرِّهِ ووُضِعَ في مَوْضِعِهِ، ولَمْ تُرِدْ بِذَلِكَ مُجَرَّدَ ظُهُورِ ما ظَهَرَ بِشَهادَتِهِنَّ مِن مُطْلَقِ نَزاهَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما أحاطَ بِهِ عِلْمُهُنَّ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَزاهَتِهِ في سائِرِ المَواطِنِ خُصُوصًا فِيما وقَعَ فِيهِ التَّشاجُرُ بِمَحْضَرِ العَزِيزِ، ولا بَحْثٍ عَنْ حال نَفْسِها، وما صَنَعَتْ في ذَلِكَ، بَلْ أرادَتْ ظُهُورَ ما هو مُتَحَقِّقٌ في نَفْسِ الأمْرِ وثُبُوتِهِ مِن نَزاهَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في مَحَلِّ النِّزاعِ وخِيانَتِها فَقالَتْ: ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ لا أنَّهُ راوَدَنِي عَنْ نَفْسِي ﴿وَإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: في قَوْلِهِ حِينَ افْتَرَيْتُ عَلَيْهِ: ﴿ (هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي)﴾ وأرادَتْ بِـ(الآنَ) زَمانَ تَكَلُّمِها بِهَذا الكَلامِ لا زَمانَ شَهادَتِهِنَّ، فَتَأمَّلْ أيُّها المُنْصِفُ هَلْ تَرى فَوْقَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ نَزاهَةً، حَيْثُ لَمْ تَتَمالَكِ الخُصَماءُ مِنَ الشَّهادَةِ بِها، والفَضْلُ ما شَهِدَتْ بِهِ الخُصَماءُ، وإنَّما تَصَدّى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِتَمْهِيدِ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ قَبْلَ الخُرُوجِ لِيُظْهِرَ بَراءَةَ ساحَتِهِ مِمّا قُذِفَ بِهِ، لا سِيَّما عِنْدَ العَزِيزِ قَبْلَ أنْ يَحُلَّ ما عَقَدَهُ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا رَجَعَ إلَيْهِ الرَّسُولُ وأخْبَرَهُ بِكَلامِهِنَّ:

52

ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ

That is so al-'Azeez will know that I did not betray him in [his] absence and that Allah does not guide the plan of betrayers.

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ التَّثْبِيتُ المُؤَدِّي إلى ظُهُورِ حَقِيقَةِ الحالِ ﴿لِيَعْلَمَ﴾ أيِ: العَزِيزُ ﴿أنِّي لَمْ أخُنْهُ﴾ في حُرْمَتِهِ - كَما زَعَمَهُ - لا عِلْمًا مُطْلَقًا، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي تَقْدِيمَ التَّفْتِيشِ عَلى الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ، بَلْ قَبْلَ ما ذُكِرَ مِن نَقْضِ ما أبْرَمَهُ، ولَعَلَّهُ لِمُراعاةِ حُقُوقِ السِّيادَةِ؛ لِأنَّ المُباشَرَةَ لِلْخُرُوجِ مِن حَبْسِهِ قَبْلَ ظُهُورِ بُطْلانِ ما جَعَلَهُ سَبَبًا لَهُ - وإنْ كانَ ذَلِكَ بِأمْرِ المَلِكِ - مِمّا يُوهِمُ الِافْتِياتَ عَلى رَأْيِهِ، وأمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِئَلّا يُتَمَكَّنَ مِن تَقْبِيحِ أمْرِهِ عِنْدَ المَلِكِ تَمَحُّلًا لِإمْضاءِ ما قَضاهُ فَلا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الوُثُوقِ بِأمْرِهِ والتَّوَكُّلِ عَلى رَبِّهِ جَلَّ جَلالُهُ.

﴿بِالغَيْبِ﴾ أيْ: بِظَهْرِ الغَيْبِ، وهو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ أيْ: لَمْ أخُنْهُ وأنا غائِبٌ عَنْهُ، أوْ وهو غائِبٌ عَنْهُ، أوْ وهو غائِبٌ عَنِّي، أوْ ظَرْفٌ أيْ: بِمَكانِ الغَيْبِ وراءَ الأسْتارِ والأبْوابِ المُغَلَّقَةِ، وأيًّا ما كانَ فالمَقْصُودُ بَيانُ كَمالِ نَزاهَتِهِ عَنِ الخِيانَةِ وغايَةِ اجْتِنابِهِ عَنْها عِنْدَ تَعاضُدِ أسْبابِها ﴿وَأنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: ولِيَعْلَمَ أنَّهُ تَعالى ﴿لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ أيْ: لا يُنْفِذُهُ ولا يُسَدِّدُهُ، بَلْ يُبْطِلُهُ ويُزْهِقُهُ، أوْ لا يَهْدِيهِمْ في كَيْدِهِمْ إيقاعًا لِلْفِعْلِ عَلى الكَيْدِ مُبالَغَةً، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: يُضاهِئُونَهم في قَوْلِهِمْ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِامْرَأتِهِ في خِيانَتِها أمانَتَهُ، وبِهِ في خِيانَتِهِ أمانَةَ اللَّهِ تَعالى حِينَ ساعَدَها عَلى حَبْسِهِ بَعْدَما رَأوْا آياتِ نَزاهَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَأْكِيدِ أمانَتِهِ، وأنَّهُ لَوْ كانَ خائِنًا لَما هَدى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أمْرَهُ وأحْسَنَ عاقِبَتَهُ.

53

۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And I do not acquit myself. Indeed, the soul is a persistent enjoiner of evil, except those upon which my Lord has mercy. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."

﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ أيْ: لا أُنَزِّهُها عَنِ السُّوءِ قالَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَضْمًا لِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ البَرِيئَةِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، ورَبْأً بِمَكانِها عَنِ التَّزْكِيَةِ والإعْجابِ بِحالِها عِنْدَ ظُهُورِ كَمالِ نَزاهَتِها، عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ««أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ»» أوْ تَحْدِيثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ – عَلَيْهِ، وإبْرازًا لِسِرِّهِ المَكْنُونِ في شَأْنِ أفْعالِ العِبادِ، أيْ: لا أُنَزِّهُها عَنِ السُّوءِ مِن حَيْثُ هي هي ولا أُسْنِدُ هَذِهِ الفَضِيلَةَ إلَيْها بِمُقْتَضى طَبْعِها مِن غَيْرِ تَوْفِيقٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وعَلا.

﴿إنَّ النَّفْسَ﴾ البَشَرِيَّةَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها نَفْسِي في حَدِّ ذاتِها ﴿لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ مائِلَةٌ إلى الشَّهَواتِ مُسْتَعْمِلَةٌ لِلْقُوى والآلاتِ في تَحْصِيلِها، بَلْ إنَّما ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وعِصْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ، كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿إلا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ مِنَ النُّفُوسِ الَّتِي يَعْصِمُها مِنَ الوُقُوعِ في المَهالِكِ ومِن جُمْلَتِها نَفْسِي، أوْ هي أمّارَةٌ بِالسُّوءِ في كُلِّ وقْتٍ إلّا وقْتَ رَحْمَةِ رَبِّي وعِصْمَتِهِ لَها، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ رَحْمَةَ رَبِّي هي الَّتِي تَصْرِفُ عَنْها السُّوءَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا هم يُنْقِذُونِ * إلّا رَحْمَةً " 50 ﴿إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ عَظِيمُ المَغْفِرَةِ لِما يَعْتَرِي النُّفُوسَ بِمُوجِبِ طِباعِها، ومُبالِغٌ في الرَّحْمَةِ لَها بِعِصْمَتِها مِنَ الجَرَيانِ بِمُقْتَضى ذَلِكَ، وإيثارُ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ - مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية - لِتَرْبِيَةِ مَبادِئِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ.

وَقِيلَ: إلى هُنا مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ، والمَعْنى: ذَلِكَ الَّذِي قُلْتُ لِيَعْلَمَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنِّي لَمْ أخُنْهُ، ولَمْ أكْذِبْ عَلَيْهِ في حالِ الغَيْبَةِ، وجِئْتُ بِما هو الحَقُّ الواقِعُ، وما أُبَرِّئُ نَفْسِي مَعَ ذَلِكَ مِنَ الخِيانَةِ، حَيْثُ قُلْتُ في حَقِّهِ ما قُلْتُ، وفَعَلْتُ بِهِ ما فَعَلْتُ، إنَّ كُلَّ نَفْسٍ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا مَن رَحِمَ رَبِّي، أيْ: إلّا نَفْسًا رَحِمَها اللَّهُ بِالعِصْمَةِ كَنَفْسِ يُوسُفَ، إنَّ رَبِّي غَفُورٌ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ لِذَنْبِهِ واعْتَرَفَ بِهِ، رَحِيمٌ لَهُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ تَأنِّيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ لِعَدَمِ رِضاهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمُلاقاةِ المَلِكِ وأمْرُهُ بَيْنَ بَيْنَ، فَفَعَلَ ما فَعَلَ حَتّى يَتَبَيَّنَ نَزاهَتَهُ، وأنَّهُ إنَّما سُجِنَ بِظُلْمٍ عَظِيمٍ، مَعَ ما لَهُ مِنَ الفَضْلِ ونَباهَةِ الشَّأْنِ؛ لِيَتَلَقّاهُ المَلِكُ بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الإعْظامِ والإجْلالِ، وقَدْ وقَعَ.

54

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌۭ

And the king said, "Bring him to me; I will appoint him exclusively for myself." And when he spoke to him, he said, "Indeed, you are today established [in position] and trusted."

﴿وَقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ﴾ أجْعَلْهُ خالِصًا ﴿لِنَفْسِي﴾ وخاصًّا بِي ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ أيْ: فَأتَوْا بِهِ، فَحُذِفَ لِلْإيذانِ بِسُرْعَةِ الإتْيانِ بِهِ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأمْرِ بِإحْضارِهِ والخِطابِ مَعَهُ زَمانٌ أصْلًا، والضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في (كَلَّمَهُ) لِيُوسُفَ والبارِزُ لِلْمَلِكِ، أيْ: فَلَمّا كَلَّمَهُ يُوسُفُ إثْرَ ما أتاهُ فاسْتَنْطَقَهُ وشاهَدَ مِنهُ ما شاهَدَ ﴿قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ﴾ ذُو مَكانَةٍ ومَنزِلَةٍ رَفِيعَةٍ ﴿أمِينٌ﴾ مُؤْتَمَنٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، و(اليَوْمَ) لَيْسَ بِمِعْيارٍ لِمُدَّةِ المَكانَةِ والأمانَةِ، بَلْ هو آنُ التَّكَلُّمِ، والمُرادُ تَحْدِيدُ مَبْدَئِهِما احْتِرازًا عَنِ احْتِمالِ كَوْنِهِما بَعْدَ حِينٍ.

رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ خَرَجَ مِنَ السِّجْنِ، ودَعا لِأهْلِهِ، واغْتَسَلَ، ولَبِسَ ثِيابًا جُدُدًا، فَلَمّا دَخَلَ عَلى المَلِكِ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِخَيْرِكَ مِن خَيْرِهِ، وأعُوذُ بِعِزَّتِكَ وقُدْرَتِكَ مِن شَرِّهِ وشَرِّ غَيْرِهِ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ، ودَعا لَهُ بِالعِبْرانِيَّةِ، فَقالَ: ما هَذا اللِّسانُ؟ قالَ لِسانُ آبائِي، وكانَ المَلِكُ يَعْرِفُ سَبْعِينَ لِسانًا فَكَلَّمَهُ بِها، فَأجابَهُ بِجَمِيعِها فَتَعَجَّبَ مِنهُ، فَقالَ: أُحِبُّ أنْ أسْمَعَ مِنكَ رُؤْيايَ، فَحَكاها ونَعَتَ لَهُ البَقَراتِ والسَّنابِلَ وأماكِنَها عَلى ما رَآها، فَأجْلَسَهُ عَلى السَّرِيرِ وفَوَّضَ إلَيْهِ أمْرَهُ.

وَقِيلَ: تُوُفِّيَ قِطْفِيرُ في تِلْكَ اللَّيالِي فَنَصَّبَهُ مَنصِبَهُ وزَوَّجَهُ راعِيلَ فَوَجَدَها عَذْراءَ، ووَلَدَتْ لَهُ إفْرايِيمَ ومِيشا، ولَعَلَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ بَعْدَ تَعْيِينِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما عُيِّنَ لَهُ مِن أمْرِ الخَزائِنِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:

55

قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌۭ

[Joseph] said, "Appoint me over the storehouses of the land. Indeed, I will be a knowing guardian."

﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ مِصْرَ، أيْ: ولِّنِي أمْرَها مِنَ الإيرادِ والصَّرْفِ ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ لَها مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّها ﴿عَلِيمٌ﴾ بِوُجُوهِ التَّصَرُّفِ فِيها، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ طَلَبِ الوِلايَةِ إذا كانَ الطّالِبُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى إقامَةِ العَدْلِ وإجْراءِ أحْكامِ الشَّرِيعَةِ، وإنْ كانَ مِن يَدِ الجائِرِ أوِ الكافِرِ.

وَعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ أسْلَمَ المَلِكُ عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَعَلَّ إيثارَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِتِلْكَ الوِلايَةِ خاصَّةً إنَّما كانَ لِلْقِيامِ بِما هو أهَمُّ أُمُورِ السَّلْطَنَةِ - إذْ ذاكَ - مِن تَدْبِيرِ أمْرِ السِّنِينَ، حَسْبَما فُصِّلَ في التَّأْوِيلِ لِكَوْنِهِ مِن فُرُوعِ تِلْكَ الوِلايَةِ لِمُجَرَّدِ عُمُومِ الفائِدَةِ وجُمُومِ العائِدَةِ - كَما قِيلَ - وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ إجابَةُ المَلِكِ إلى ما سَألَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن جَعْلِهِ عَلى خَزائِنِ الأرْضِ؛ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا مَرَدَّ لَهُ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ، لا سِيَّما بَعْدَ تَقْدِيمِ ما يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ مِن أحْكامِ السَّلْطَنَةِ بِحَذافِيرِها مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنَّما المَلِكُ آلَةٌ في ذَلِكَ قِيلَ:

56

وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ

And thus We established Joseph in the land to settle therein wherever he willed. We touch with Our mercy whom We will, and We do not allow to be lost the reward of those who do good.

﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّمْكِينِ البَلِيغِ ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ أيْ: جَعَلْنا لَهُ مَكانًا ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ مِصْرَ.

رُوِيَ أنَّها كانَتْ أرْبَعِينَ فَرْسَخًا في أرْبَعِينَ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الجَعْلِ المَذْكُورِ بِالتَّمْكِينِ في الأرْضِ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِهِ - عَزَّ سُلْطانُهُ - مِن تَشْرِيفِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُبالَغَةِ في كَمالِ وِلايَتِهِ، والإشارَةِ إلى حُصُولِ ذَلِكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ - لا أنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ السُّؤالِ - ما لا يَخْفى.

﴿يَتَبَوَّأُ مِنها﴾ يَنْزِلُ مِن بِلادِها ﴿حَيْثُ يَشاءُ﴾ ويَتَّخِذُهُ مَباءَةً، وهو عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ قدرته عَلى التَّصَرُّفِ فِيها ودُخُولِها تَحْتَ مِلْكَتِهِ وسُلْطانِهِ، فَكَأنَّها مَنزِلُهُ يَتَصَرَّفُ فِيها كَما يَتَصَرَّفُ الرَّجُلُ في مَنزِلِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالنُّونِ.

رُوِيَ أنَّ المَلِكَ تَوَّجَهُ، وخَتَمَهُ بِخاتَمِهِ، ورَدّاهُ بِسَيْفِهِ، ووَضَعَ لَهُ سَرِيرًا مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ والياقُوتِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أمّا السَّرِيرُ فَأشُدُّ بِهِ مُلْكَكَ، وأمّا الخاتَمُ فَأُدَبِّرُ بِهِ أمْرَكَ، وأمّا التّاجُ فَلَيْسَ مِن لِباسِي ولا لِباسِ آبائِي، فَقالَ: قَدْ وضَعْتُهُ إجْلالًا لَكَ، وإقْرارًا بِفَضْلِكَ، فَجَلَسَ عَلى السَّرِيرِ، ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ، وفَوَّضَ إلَيْهِ المَلِكُ أمَرَهُ، وأقامَ العَدْلَ بِمِصْرَ، وأحَبَّتْهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، وباعَ مِن أهْلِ مِصْرَ في سِنِي القَحْطِ الطَّعامَ في السَّنَةِ الأوْلى بِالدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ، وفي الثّانِيَةِ بِالحُلِيِّ والجَواهِرِ، وفي الثّالِثَةِ بِالدَّوابِّ، ثُمَّ بِالضِّياعِ والعَقارِ، ثُمَّ بِرِقابِهِمْ حَتّى اسْتَرَقَّهم جَمِيعًا، فَقالُوا: ما رَأيْنا كاليَوْمِ مَلِكًا أجَلَّ وأعْظَمَ مِنهُ، ثُمَّ أعْتَقَهم ورَدَّ إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ، وكانَ لا يَبِيعُ مِن أحَدٍ مِنَ المُمْتارِينَ أكْثَرَ مِن حِمْلِ بِعِيرٍ تَقْسِيطًا بَيْنَ النّاسِ.

﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا﴾ بِعَطائِنا في الدُّنْيا مِنَ المُلْكِ والغِنى وغَيْرِهِما مِنَ النِّعَمِ ﴿مَن نَشاءُ﴾ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى المَشِيئَةِ ﴿وَلا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ بَلْ نُوَفِّيهِ بِكَمالِهِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَدارَ المَشِيئَةِ المَذْكُورَةِ إحْسانُ مَن تُصِيبُهُ الرَّحْمَةُ المَرْقُومَةُ، وأنَّها أجْرٌ لَهُ، ولِدَفْعِ تَوَهُّمِ انْحِصارِ ثَمَراتِ الإحْسانِ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأجْرِ العاجِلِ قِيلَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ:

57

وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ

And the reward of the Hereafter is better for those who believed and were fearing Allah.

﴿وَلأجْرُ الآخِرَةِ﴾ أيْ: أجْرُهم في الآخِرَةِ، فالإضافَةُ لِلْمُلابَسَةِ، وهو النَّعِيمُ المُقِيمُ الَّذِي لا نَفادَ لَهُ ﴿خَيْرٌ﴾ لَهُمْ، أيْ: لِلْمُحْسِنِينَ المَذْكُورِينَ، وإنَّما وُضِعَ مَوْضِعَهُ المَوْصُولُ فَقِيلَ: " الَّذِينَ آمَنُوا وكانُواْ يَتَّقُونَ " تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُرادَ بِالإحْسانِ إنَّما هو الإيمانُ والثَّباتُ عَلى التَّقْوى المُسْتَفادُ مِن جَمْعِ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ.

58

وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ

And the brothers of Joseph came [seeking food], and they entered upon him; and he recognized them, but he was to them unknown.

﴿وَجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ مُمْتارِينَ لَمّا أصابَ أرْضَ كَنْعانَ وبِلادَ الشّامِ ما أصابَ أرْضَ مِصْرَ، وقَدْ كانَ أرْسَلَهم يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَمِيعًا غَيْرَ بِنْيامِينَ ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى يُوسُفَ، وهو في مَجْلِسِ وِلايَتِهِ ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ لِقُوَّةِ فَهْمِهِ، وعَدَمُ مُبايَنَةِ أحْوالِهِمُ السّابِقَةِ لِحالِهِمْ يَوْمَئِذٍ لِمُفارَقَتِهِ إيّاهم وهم رِجالٌ، وتَشابُهِ هَيْئاتِهِمْ وزِيِّهِمْ في الحالَيْنِ، ولِكَوْنِ هِمَّتِهِ مَعْقُودَةً بِهِمْ وبِمَعْرِفَةِ أحْوالِهِمْ، لا سِيَّما في زَمَنِ القَحْطِ، وعَنِ الحَسَنِ: ما عَرَفَهم حَتّى تَعَرَّفُوا لَهُ.

﴿وَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم مُنْكِرُونَ لَهُ لِطُولِ العَهْدِ، وتَبايُنِ ما بَيْنَ حالَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في نَفْسِهِ ومَنزِلَتِهِ وزِيِّهِ، ولِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ هَلَكَ، وحَيْثُ كانَ إنْكارُهم لَهُ أمْرًا مُسْتَمِرًّا في حالَتَيِ المَحْضَرِ والمَغِيبِ أُخْبِرَ عَنْهُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ بِخِلافِ عِرْفانِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهم.

59

وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍۢ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّىٓ أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَا۠ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ

And when he had furnished them with their supplies, he said, "Bring me a brother of yours from your father. Do not you see that I give full measure and that I am the best of accommodators?

﴿وَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ أيْ: أصْلَحَهم بِعُدَّتِهِمْ مِنَ الزّادِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ، وأوْقَرَ رَكائِبَهم بِما جاءُوا لَهُ مِنَ المِيرَةِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الجِيمِ ﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ لَمْ يَقُلْ بِأخِيكُمْ؛ مُبالَغَةً في إظْهارِ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ لَهُمْ، ولَعَلَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما قالَهُ لِما قِيلَ مِن أنَّهم سَألُوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِمْلًا زائِدًا عَلى المُعْتادِ لِبِنْيامِينَ فَأعْطاهم ذَلِكَ، وشَرَطَهم أنْ يَأْتُوا بِهِ، لا لِما قِيلَ مِن أنَّهُ لَمّا رَأوْهُ وكَلَّمُوهُ بِالعِبْرِيَّةِ، قالَ لَهُمْ: مَن أنْتُمْ فَإنِّي أُنْكِرُكُمْ؟! فَقالُوا لَهُ: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ رُعاةٌ، أصابَنا الجَهْدُ فَجِئْنا نَمْتارُ، فَقالَ لَهُمْ، لَعَلَّكم جِئْتُمْ عُيُونًا؟ فَقالُوا: مَعاذَ اللَّهِ! نَحْنُ إخْوَةٌ مِن أبٍ واحِدٍ، وهو شَيْخٌ كَبِيرٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ، اسْمُهُ يَعْقُوبُ، قالَ: كَمْ أنْتُمْ؟ قالُوا: كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ فَهَلَكَ مِنّا واحِدٌ، فَقالَ: كَمْ أنْتُمْ؟ قالُوا: عَشَرَةٌ، قالَ فَأيْنَ الحادِي عَشَرَ؟ قالُوا: هو عِنْدَ أبِيهِ يَتَسَلّى بِهِ عَنِ الهالِكِ، قالَ: فَمَن يَشْهَدُ لَكم أنَّكم لَسْتُمْ عُيُونًا وأنَّ ما تَقُولُونَ حَقٌّ؟ قالُوا: نَحْنُ بِبِلادٍ لا يَعْرِفُنا فِيها أحَدٌ فَيَشْهَدُ لَنا، قالَ: فَدَعُوا بَعْضَكم عِنْدِي رَهِينَةً وائْتَوِنِي بِأخِيكم مِن أبِيكُمْ، وهو يَحْمِلُ رِسالَةً مِن أبِيكم حَتّى أُصَدِّقَكم فاقْتَرَعُوا فَأصابَ القَرْعَةُ شَمْعُونَ، فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، إذْ لا يُساعِدُهُ وُرُودُ الأمْرِ بِالإتْيانِ بِهِ عِنْدَ التَّجْهِيزِ، ولا الحَثُّ عَلَيْهِ بِإيفاءِ الكَيْلِ، ولا الإحْسانُ في الإنْزالِ، ولا الِاقْتِصارُ عَلى مَنعِ الكَيْلِ عَلى تَقْدِيرِ عَمْدِ الإتْيانِ بِهِ، ولا جَعْلُ بِضاعَتِهِمْ في رِحالِهِمْ لِأجْلِ رُجُوعِهِمْ، ولا عِدَتُهم بِالإتْيانِ بِهِ بِطَرِيقِ المُراوَدَةِ، ولا تَعْلِيلُهم عِنْدَ أبِيهِمْ إرْسالَ أخِيهِمْ بِمَنعِ الكَيْلِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الرِّسالَةِ، عَلى أنَّ اسْتِبْقاءَ شَمْعُونَ لَوْ وقَعَ لَكانَ ذَلِكَ طامَّةً يَنْسى عِنْدَها كُلَّ قِيلٍ وقالَ.

﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أُتِمُّهُ لَكُمْ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ - مَعَ كَوْنِ هَذا الكَلامِ بَعْدَ التَّجْهِيزِ - لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَةٌ لَهُ مُسْتَمِرَّةٌ ﴿وَأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ: ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ لَكم إيفاءً مُسْتَمِرًّا، والحالُ أنِّي في غايَةِ الإحْسانِ في إنْزالِكم وضِيافَتِكُمْ، وقَدْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وتَخْصِيصُ الرُّؤْيَةِ بِالإيفاءِ لِوُقُوعِ الخِطابِ في أثْنائِهِ، وأمّا الإحْسانُ في الإنْزالِ فَقَدْ كانَ مُسْتَمِرًّا فِيما سَبَقَ ولَحِقَ، ولِذَلِكَ أُخْبِرَ عَنْهُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، ولَمْ يَقُلْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِطَرِيقِ الِامْتِنانِ بَلْ لِحَثِّهِمْ عَلى تَحْقِيقِ ما أمَرَهم بِهِ، والِاقْتِصارُ في الكَيْلِ عَلى ذِكْرِ الإيفاءِ؛ لِأنَّ مُعامَلَتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهم في ذَلِكَ كَمُعامَلَتِهِ مَعَ غَيْرِهِمْ في مَراعاةِ مَواجِبِ العَدْلِ، وأمّا الضِّيافَةُ فَلَيْسَ لِلنّاسِ فِيها حَقٌّ فَخَصَّهم في ذَلِكَ بِما شاءَ.

60

فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِۦ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ

But if you do not bring him to me, no measure will there be [hereafter] for you from me, nor will you approach me."

﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ مِن بَعْدُ فَضْلًا عَنْ إيفائِهِ ﴿وَلا تَقْرَبُونِ﴾ بِدُخُولِ بِلادِي فَضْلًا عَنِ الإحْسانِ في الإنْزالِ والضِّيافَةِ، وهو إمّا نَهْيٌ أوْ نَفْيٌ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى نِيَّةٍ الِامْتِيارِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وأنَّ ذَلِكَ كانَ مَعْلُومًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.