Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 51–60 of 111

51

قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ قُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍۢ ۚ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْـَٰٔنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

Said [the king to the women], "What was your condition when you sought to seduce Joseph?" They said, "Perfect is Allah! We know about him no evil." The wife of al-'Azeez said, "Now the truth has become evident. It was I who sought to seduce him, and indeed, he is of the truthful.

ولَمّا قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ وأبى أنْ يَخْرُجَ مِنَ السِّجْنِ قَبْلُ تَبَيَّنَ الأمْرَ، رَجَعَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ فَأخْبَرَهُ بِما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما فَعَلَ المَلِكُ؟ فَقِيلَ: ”قالَ“ لِلنِّسْوَةِ بَعْدَ أنْ جَمَعَهُنَّ: ﴿ما خَطْبُكُنَّ﴾ أيْ شَأْنُكُنَّ العَظِيمُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿إذْ راوَدْتُنَّ﴾ أيْ خادَعْتُنَّ بِمَكْرٍ ودَوَرانٍ ومُراوَغَةٍ ﴿يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ بَراءَتَهُ كانَتْ مُتَحَقِّقَةً عِنْدَ كُلِّ مَن عَلِمَ القِصَّةَ، فَكَأنَّ المَلِكَ وبَعْضَ النّاسِ - وإنْ عَلِمُوا مُراوَدَتَهُنَّ وعِفَّتَهُ - ما كانُوا يَعْرِفُونَ المُراوَدَةَ هَلْ [هِيَ] لَهُنَّ كُلُّهُنَّ أوْ لِبَعْضِهِنَّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما قُلْنَ؟ فَقِيلَ: مَكَرْنَ في جَوابِهِنَّ إذْ سَألَهُنَّ عَمّا عَمِلْنَ مِنَ السُّوءِ مَعَهُ فَأعْرَضْنَ عَنْهُ وأجَبْنَ بِنَفْيِ السُّوءِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ أنَّهُنَّ ﴿قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ﴾ أيْ عِياذًا بِالمَلِكِ الأعْظَمِ وتَنْزِيهًا لَهُ مِن هَذا الأمْرِ، فَأوْهَمْنَ بِذَلِكَ بَراءَتَهُنَّ مِنهُ؛ ثُمَّ فَسَّرْنَ هَذا العِياذَ بِأنْ قُلْنَ تَعَجُّبًا مِن عِفَّتِهِ الَّتِي لَمْ يَرَيْنَ مِثْلَها، ولا وقْعَ في أوْهامِهِنَّ أنْ تَكُونَ لِآدَمِيٍّ وإنْ بَلَغَ ما بَلَغَ: ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأعْرَقْنَ في النَّفْيِ فَقُلْنَ: ﴿مِن سُوءٍ﴾ فَخَصَّصْنَهُ بِالبَراءَةِ، وهَذا كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ المَلَأِ ﴿أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ [يوسف: ٤٤] هَذا وهو جَوابٌ لِلْمَلِكِ الَّذِي تُبْهِرُ رُؤْيَتُهُ وتَخْشى سَطْوَتُهُ، فَكانَ مِن طَبْعِ البَلَدِ عَدَمُ الإفْصاحِ في المَقالِ - حَتّى لا يَنْفَكَّ عَنْ طُرُوقِ احْتِمالٍ فَيَكُونُ لِلتَّفَصِّي فِيهِ مَجالٌ - وعِبادَةُ المُلُوكِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم.

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَتِ الَّتِي هي أصْلُ هَذا الأمْرِ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ﴾ مُصَرِّحَةً بِحَقِيقَةِ الحالِ: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ أيْ حَصَلَ عَلى أمْكَنِ وُجُوهِهِ، وانْقَطَعَ عَنِ الباطِلِ بِظُهُورِهِ، مِن: حَصَّ شَعْرَهُ. إذا اسْتَأْصَلَ قَطْعَهُ بِحَيْثُ ظَهَرَ ما تَحْتَهُ، ومِنهُ الحِصَّةُ: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، ونَظِيرُهُ: كَبَّ وكَبْكَبَ، وكَفَّ وكَفْكَفَ، فَهَذِهِ زِيادَةُ تَضْعِيفٍ، دَلَّ عَلَيْهِ الِاشْتِقاقُ وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ - قالَهُ الرُّمّانِيُّ. ووافَقَهُ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ وقالَ: وقالَ الأزْهَرِيُّ: هو مَن حَصْحَصَ البَعِيرُ: أثَّرَتْ ثَفِناتُهُ في الأرْضِ إذا بَرَكَ حَتّى تَسْتَبِينَ آثارُها فِيهِ ﴿أنا راوَدْتُهُ﴾ أيْ خادِعَتِهِ وراوَدَتْهُ ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ وأكَّدَتْ ما أفْصَحَتْ بِهِ مَدْحًا ونَفْيًا لِكُلِّ سُوءٍ بِقَوْلِها مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ مِن إنْكارِها: ﴿وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيِ العَرِيقَيْنِ في هَذا الوَصْفِ في نِسْبَةِ المُراوَدَةِ إلَيَّ وتَبْرِئَةِ نَفْسِهِ، فَقَدْ شَهِدَ النِّسْوَةُ كُلُّهُنَّ بِبَراءَتِهِ، وإنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنهُ ما يُنْسَبُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ السُّوءِ إلَيْهِ، فَمَن نَسَبَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ هَمًّا أوْ غَيْرَهُ فَهو تابِعٌ لِمُجَرَّدِ الهَوى في نَبِيٍّ مِنَ المُخْلِصِينَ.

52

ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ

That is so al-'Azeez will know that I did not betray him in [his] absence and that Allah does not guide the plan of betrayers.

ولَمّا انْجَلى الأمْرُ، أمَرَ المَلِكُ بِإحْضارِهِ، لِيَسْتَعِينَ بِهِ فِيما إلَيْهِ مِنَ المَلِكِ، لَكِنْ لَمّا كانَتْ بَراءَةُ الصَّدِيقِ أهَمَّ مِن ذَلِكَ - وهي المَقْصُودُ مِن رَدِّ الرَّسُولِ - قَدَّمَ بَقِيَّةَ الكَلامِ فِيها عَلَيْهِ، ولِيَكُونَ كَلامُهُ في بَراءَتِهِ مُتَّصِلًا بِكَلامِ النِّسْوَةِ في ذَلِكَ، والَّذِي دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كَلامَهُ ما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي لا يَعْرِفُها في ذَلِكَ الزَّمانِ غَيْرُهُ، فَقالَ - بِناءً عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا رَجَعَ الرَّسُولُ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأخْبَرَهُ بِشَهادَتِهِنَّ بِبَراءَتِهِ قالَ -: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الخُلُقُ العَظِيمُ في تَثَبُّتِي في السِّجْنِ إلى أنَّ تَبَيُّنَ الحَقِّ ”لِيَعْلَمَ“ العَزِيزُ عِلْمًا مُؤَكَّدًا ﴿أنِّي لَمْ أخُنْهُ﴾ أيْ في أهْلِهِ ولا في غَيْرِها ﴿بِالغَيْبِ﴾ أيْ والحالُ أنَّ كُلًّا مِنّا غائِبٌ عَنْ صاحِبِهِ ”و“ لِيَعْلَمَ بِإقْرارِها وهي في الأمْنِ والسِّعَةِ، وتَثَبُّتِي وأنا في مَحَلِّ الضِّيقِ والخَوْفِ ما مِن شَأْنِهِ الخَفاءُ عَنْ كُلِّ مَن لَمْ يُؤَيِّدْهُ اللَّهُ بِرَوْحٍ مِنهُ مِن ”إنَّ اللَّهَ“ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ ﴿لا يَهْدِي﴾ أيْ يُسَدِّدُ ويَنْجَحُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الخِيانَةِ، بَلْ لا بُدَّ أنْ يُقِيمَ سَبَبًا لِظُهُورِ الخِيانَةِ وإنِ اجْتَهَدَ الخائِنُ في التَّعْمِيَةِ؛ والخِيانَةُ: مُخالَفَةُ الحَقِّ بِنَقْضِ العَهْدِ العامِّ. وضِدُّها الأمانَةُ، والغَدْرُ: نَقْضُهُ خاصًّا، والمَعْنى أنِّي لَمّا كُنْتُ بَرِيئًا سَدَّدَ اللَّهُ أمْرِي، وجَعَلَ عاقِبَتِي إلى خَيْرٍ كَبِيرٍ وبَراءَةٍ تامَّةٍ، ولَمّا كانَ غَيْرِي خائِنًا، أنْطَقَهُ اللَّهُ بِالإقْرارِ بِها.

53

۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And I do not acquit myself. Indeed, the soul is a persistent enjoiner of evil, except those upon which my Lord has mercy. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."

ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما جَرَّ إلى الإعْجابِ، قالَ: ﴿وما أُبَرِّئُ﴾ أيْ تَبْرِئَةً عَظِيمَةً ﴿نَفْسِي﴾ عَنْ مُطْلَقِ الزَّلَلِ وإنْ غَلَبَهُ التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ، أيْ لَمْ أقْصِدْ بِالبَراءَةِ عَمّا تَقَدَّمَ مُجَرَّدَ التَّزْكِيَةِ لِلنَّفْسِ، وعَلَّلَ عَدَمَ التَّبْرِئَةِ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لِما لِأكْثَرِ النّاسِ مِنَ الإنْكارِ، أوْ لِأنَّ اتِّباعَهم لِأهْوِيَتِهِمْ فِعْلُ مَن يُنْكِرُ فِعْلَ الأمّارَةِ -: ﴿إنَّ النَّفْسَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ ﴿لأمّارَةٌ﴾ أيْ شَدِيدَةُ الأمْرِ ﴿بِالسُّوءِ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ دائِمًا لِطَبْعِها عَلى ذَلِكَ في كُلِّ وقْتٍ ﴿إلا ما﴾ أيْ وقْتَ أنْ ﴿رَحِمَ رَبِّي﴾ بِكَفِّها عَنِ الأمْرِ بِهِ أوْ بِسَتْرِهِ بِكَفِّها عَنْ فِعْلِهِ بَعْدَ إطْلاقِها عَلى الأمْرِ بِهِ، أوْ إلّا ما رَحِمَهُ رَبِّي مِنَ النُّفُوسِ فَلا يَأْمُرُ بِسُوءٍ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا دَفْعًا لِظَنِّ مَن يَظُنُّ أنَّهُ لا تَوْبَةَ لَهُ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيَّ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ بَلِيغُ السَّتْرِ لِلذُّنُوبِ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ بَلِيغُ الإكْرامِ لِمَن يُرِيدُ.

54

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌۭ

And the king said, "Bring him to me; I will appoint him exclusively for myself." And when he spoke to him, he said, "Indeed, you are today established [in position] and trusted."

ولَمّا أتَمَّ ما قَدَّمَهُ مِمّا هو الأهَمُّ - مِن نَزاهَةِ الصَّدِيقِ، وعَلِمَ المَلِكُ بِبَراءَتِهِ وما يُتْبِعُها - عَلى ما كانَ قَلْبُهُ مِن أمْرِ المَلِكِ بِإحْضارِهِ إلَيْهِ، أتْبَعُهُ إيّاهُ عاطِفًا لَهُ عَلى ما كانَ في نَسَقِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ﴾ [يوسف: ٥١] فَقالَ: ﴿وقالَ المَلِكُ﴾ صَرَّحَ بِهِ ولَمْ يَسْتَغْنِ بِضَمِيرِهِ كَراهِيَةَ الإلْباسِ لِما تَخَلَّلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ جَوابِ امْرَأةِ العَزِيزِ مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَوْ كانَ الكُلُّ مِن كَلامِها لاسْتَغْنى بِالضَّمِيرِ ولَمْ يَحْتَجْ إلى إبْرازِهِ ﴿ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ﴾ أيْ أطْلُبُ وأُوجِدُ خُلُوصَهُ ﴿لِنَفْسِي﴾ أيْ فَلا يَكُونُ لِي فِيهِ شَرِيكٌ، قَطْعًا لِطَمَعِ العَزِيزِ عَنْهُ، ودَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّهُ يَرُدُّهُ إلَيْهِ، ولَعَلَّ هَذا [هُوَ] مُرادُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالتَّلَبُّثِ في السِّجْنِ إلى انْكِشافِ الحالِ، خَوْفًا مِن أنْ يَرْجِعَ إلى العَزِيزِ فَتَعُودُ المَرْأةُ إلى حالِها الأُولى فَيَزْدادُ البَلاءُ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَرَجَعَ رَسُولُ المَلِكِ إلَيْهِ فَأخْبَرَهُ أنَّ المَلِكَ سَألَ النِّسْوَةَ [فَقُلْنَ] ما مَضى، وأمَرَ بِإحْضارِهِ لِيَسْتَخْلِصَهُ لِنَفْسِهِ، فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما تَقَدَّمَ مِن تِلْكَ الحِكَمِ البالِغَةِ، وأجابَ أمْرَ المَلِكِ فَأتى إلَيْهِ بَعْدَ أنْ دَعا لِأهْلِ السِّجْنِ فَقالَ: اللَّهُمَّ! عَطَفَ عَلَيْهِمْ قُلُوبَ الأخْيارِ [ولا تَعُمُّ عَلَيْهِمُ الأخْبارُ]، وكَتَبَ عَلى بابِ السِّجْنِ: هَذِهِ مَنازِلُ البَلْوى، وقُبُورُ الأحْياءِ، وبُيُوتُ الأحْزانِ، وتَجْرِبَةُ الأصْدِقاءِ، وشَماتَةُ الأعْداءِ. ثُمَّ اغْتَسَلَ وتَنَظَّفَ ولَبِسَ ثِيابًا جُدُدًا وقَصَدَ إلَيْهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ بِالفاءِ - دَلِيلًا عَلى إسْراعِهِ في ذَلِكَ - قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ وشاهَدَ المَلِكُ فِيهِ ما شاهَدَ مِن جَلالِ النُّبُوَّةِ وجَمِيلِ الوِزارَةِ وخِلالِ السِّيادَةِ ومَخايِلِ السَّعادَةِ ﴿قالَ﴾ مُؤَكِّدًا تَمْكِينًا لِقَوْلِهِ دَفْعًا لِمَن يَظُنُّ أنَّهُ بَعْدَ السِّجْنِ وما قارَبَهُ لا يَرْفَعُهُ هَذِهِ الرِّفْعَةَ: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ﴾ وعَبَّرَ بِما هو لِشِدَّةِ الغَرابَةِ تَمْكِينًا لِلْكَلامِ أيْضًا فَقالَ: ﴿لَدَيْنا مَكِينٌ﴾ أيْ شَدِيدُ المُكْنَةِ، مِنَ المَكانَةِ، وهي حالَةٌ يَتَمَكَّنُ بِها صاحِبُها مِن مُرادِهِ ﴿أمِينٌ﴾ مِنَ الأمانَةِ، وهي حالٌ يُؤْمَنُ مَعَها نَقْضُ العَهْدِ، وذَلِكَ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ المَلِكَ كانَ يَتَكَلَّمُ بِسَبْعِينَ لِسانًا [فَكَلَّمَهُ بِها، فَعَرَّفَها كُلَّها، ثُمَّ دَعا لِلْمَلِكِ بِالعِبْرانِيِّ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ المَلِكُ فَقالَ لَهُ: ما هَذا اللِّسانُ؟ قالَ: لِسانُ ] آبائِي، فَعَظُمَ عِنْدَهُ جِدًّا،

55

قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌۭ

[Joseph] said, "Appoint me over the storehouses of the land. Indeed, I will be a knowing guardian."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ الصِّدِّيقُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ السَّعْيِ في صَلاحِ الدِّينِ والدُّنْيا ”اجْعَلْنِي“ قَيِّمًا ﴿عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ أيْ أرْضُ مِصْرَ الَّتِي هي لِكَثْرَةِ خَيْرِها كَأنَّها الأرْضُ؛ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِما هو مَقْصُودُ المُلُوكِ الَّذِي لا يَكادُونَ يَقِفُونَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ أيْ قادِرٌ عَلى ضَبْطِ ما إلَيَّ أمِينٌ فِيهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ بِوُجُوهِ صَلاحِهِ واسْتِنْمائِهِ فَأخْبَرَ بِما جَمَعَ اللَّهُ [لَهُ] مِن أداتَيِ الحِفْظِ والفَهْمِ، مَعَ ما يَلْزَمُ الحِفْظَ مِنَ القُوَّةِ والأمانَةِ، لِنَجاةِ العِبادِ مِمّا يَسْتَقْبِلُهم مِنَ السُّوءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِرَدِّهِمْ عَنِ الدِّينِ الباطِلِ إلى الدِّينِ الحَقِّ.

56

وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ

And thus We established Joseph in the land to settle therein wherever he willed. We touch with Our mercy whom We will, and We do not allow to be lost the reward of those who do good.

ولَمّا سَألَ ما تَقَدَّمَ، قالَ مُعَلِّمًا بِأنَّهُ أُجِيبَ بِتَسْخِيرِ اللَّهِ لَهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلُ ما مَكَّنّا لِيُوسُفَ في قَلْبِ المَلِكِ مِنَ المَوَدَّةِ والِاعْتِقادِ الصّالِحِ وفي قُلُوبِ جَمِيعِ النّاسِ، ومِثْلُ ما سَألَ مِنَ التَّمْكِينِ ”مَكَّنّا“ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ أيْ مُطْلَقًا لا سِيَّما أرْضُ مِصْرَ بِتَوْلِيَةِ مَلِكِها إيّاهُ عَلَيْها ﴿يَتَبَوَّأُ﴾ أيْ يَتَّخِذُ مَنزِلًا يَرْجِعُ إلَيْهِ، مِن باءَ - إذا رَجَعَ ﴿مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ بِإنْجاحِ جَمِيعِ مَقاصِدِهِ، لِدُخُولِها كُلِّها تَحْتَ سُلْطانِهِ. لِتَبْقى أنْفُسُ أهْلِ المَمْلَكَةِ وما ولّاها عَلى يَدِهِ، فَيَجُوزُ الأجْرُ وجَمِيلُ الذِّكْرِ مَعَ [ما] يَزِيدُ بِهِ مِن عُلُوِّ الشَّأْنِ وفَخامَةِ القَدْرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ كانَ هَذا؟ فَقالَ: لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ لَنا الأمْرَ كُلَّهُ ”نُصِيبُ“ عَلى وجْهِ الِاخْتِصاصِ ﴿بِرَحْمَتِنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مَن نَشاءُ﴾ مِن مُسْتَحِقٌّ فِيما تَرَوْنَ وغَيْرَهُ، لا نَسْألُ عَمّا نَفْعَلُ، وقَدْ شِئْنا إصابَةَ يُوسُفَ بِهَذا، والثّانِي أنَّهُ مُحْسِنٌ يَعْبُدُ اللَّهَ فانِيًا عَنْ جَمِيعِ الأغْيارِ ”و“ نَحْنُ ”لا نُضَيِّعُ“ بِوَجْهٍ ﴿أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في تِلْكَ الصِّفَةِ وإنْ كانَ لَنا أنْ نَفْعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ؛ رَوى أبُو القاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في أوَّلِ فُتُوحِ مِصْرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: فَأتاهُ الرَّسُولُ فَقالَ: ألْقِ عَنْكَ ثِيابَ السِّجْنِ، والبَسْ ثِيابًا جُدُدًا، وهو يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَلَمّا أتاهُ رَأى غُلامًا حَدَثًا فَقالَ: أيَعْلَمُ هَذا رُؤْيايَ ولا يَعْلَمُها السَّحَرَةُ والكَهَنَةُ! وأقْعَدَهُ قُدّامَهُ ثُمَّ قالَ: قالَ عُثْمانُ - يَعْنِي ابْنُ صالِحٍ - وغَيْرُهُ في حَدِيثِهِما: فَلَمّا اسْتَنْطَقَهُ وسايَلَهُ عَظُمَ في عَيْنِهِ، وجَلَّ أمْرُهُ في قَلْبِهِ، فَدَفَعَ إلَيْهِ خاتِمَهُ ووَلّاهُ ما خَلْفَ بابِهِ - ورَجَعَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: وضُرِبَ بِالطَّبْلِ بِمِصْرَ أنَّ يُوسُفَ خَلِيفَةَ المَلِكِ؛ وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ فِرْعَوْنَ قالَ لِيُوسُفَ: قَدْ سَلَّطَتُكَ عَلى مِصْرَ غَيْرَ أنِّي أُرِيدُ أنْ أجْعَلَ كُرْسِيَّ أطْوَلَ مِن كُرْسِيِّكَ بِأرْبَعِ أصابِعَ! قالَ يُوسُفُ: نَعَمْ.

57

وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ

And the reward of the Hereafter is better for those who believed and were fearing Allah.

ولَمّا كانَ هَذا مِمّا يَسْتَعْظِمُهُ النّاسُ في الدُّنْيا، وكانَ عِزُّها لا يُعَدُّ في الحَقِيقَةِ إلّا إنْ كانَ مَوْصُولًا بِنَعِيمِ الآخِرَةِ، نَبَّهَ عَلى ما لَهُ في الآخِرَةِ مِمّا لا يُعَدُّ هَذا في جَنْبِهِ شَيْئًا، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِتَكْذِيبِ الكَفَرَةِ بِذَلِكَ: ﴿ولأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ ولَمّا كانَ سِياقُ الأحْكامِ عَلى وجْهٍ عامٍّ لِتَعْلِيقِها بِأوْصافٍ يَكُونُ السِّياقُ مَرْغُوبًا فِيها أوْ مُرْهِبًا مِنها أحْسَنَ وأبْلَغَ، قالَ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ ﴿وكانُوا﴾ أيْ بِجِبِلّاتِهِمْ ﴿يَتَّقُونَ﴾ أيْ يُوجِدُونَ الخَوْفَ مِنَ اللَّهِ واتِّخاذِ الوَقاياتِ مِنهُ إيجادًا مُسْتَمِرًّا، وهو مِن أجْلِهِمْ حَظًّا وأعْلاهم كَعْبًا - كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَمالِ إيمانِهِ وتَقْواهُ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مِن هَذِهِ صِفاتُهُ يَقُومُ بِما ولِيَهُ أتَمَّ قِيامٍ ويَنْظُرُ فِيهِ أحْسَنَ نَظَرٍ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَجَعَلَهُ المَلِكَ عَلى خَزائِنِ الأرْضِ فَدَبَّرَها بِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وعَلَّمَهُ حَتّى صَلَحَ الأمْرُ وجاءَ الخَيْرُ وذَهَبَ الشَّرُّ، وإنَّما طَوى هَذا لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ بِلَوازِمِهِ مِن قِصَّةِ إخْوَتِهِ الَّتِي هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ - كَما سَيَأْتِي، وقَدْ فُهِمَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ الغالِبَ عَلى طَبْعِ مِصْرَ الرَّداءَةُ: بِغَضِّ الغَرِيبِ، واسْتِذْلالِ الضَّعِيفِ، والخُضُوعِ لِلْقَوِيِّ، فَإنَّهم أساؤُوا إلَيْهِ بِالسَّجْنِ بَعْدَ تَحَقُّقِ البَراءَةِ، ثُمَّ عَفا عَنْهم وأحْسَنَ إلَيْهِمْ بِما اسْتَبْقى [بِهِ] مُهَجَهُمْ، ثُمَّ أعْتَقَهم بَعْدَ أنِ اسْتَرَقَّهُمْ، ورَدَّ إلَيْهِمْ أمْوالَهم بَعْدَ أنِ اسْتَأْصَلَها بِما عِنْدَهُ مِنَ الغِلالِ، فَجَزُّوهُ عَلى ذَلِكَ بِأنِ اسْتَعْبَدُوا أوْلادَهُ وأوْلادَ إخْوَتِهِ بَعْدَهُ وسامُوهم سُوءَ العَذابِ، وأدُلُّ دَلِيلٍ عَلى أنَّ هَذا طَبْعُ البَلَدِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا خَرَجُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وخَلَّصَهم مِن جَمِيعِ ذَلِكَ الذُّلِّ وشَرَّفَهم بِما شَرَّفَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الآياتِ العِظامِ والكِتابِ المُبِينِ، كانُوا كُلٌّ قَلِيلٌ يَنْكُثُونَ مُجْتَرِئِينَ عَلى ما لا يُطاقُ الِاجْتِراءُ عَلَيْهِ، وإذا أمَرَهم عَنِ اللَّهِ بِأمْرٍ جَنَّبُوا عَنْهُ - كَما مَضى ذَلِكَ عَنِ التَّوْراةِ في [الأعْرافِ والبَقَرَةِ] وغَيْرِهِما، فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ بِالتِّيهِ، وكانَ يُسَمِّيهِمُ الجِيلَ المُعْوَجَّ - لِما عَلِمَ مِن سُوءِ طِباعِهِمْ، حَتّى ماتَ كُلُّ مَن نَشَأ بِأرْضِ مِصْرَ، ثُمَّ صارَ أوْلادُهم يَمْتَثِلُونَ الأوامِرَ حَتّى مَلَكُوا ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ [آباءَهُمْ] مِنَ البِلادِ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ في زَبُورِ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، مِنها في المَزْمُورِ الرّابِعِ والتِّسْعِينَ: هَلُمُّوا نَسْجُدُ ونَرْكَعُ ونَخْضَعُ أمامَ الرَّبِّ خالِقِنا، لِأنَّهُ إلَهُنا ونَحْنُ شُعَبُ رَعِيَّتِهِ، وضَأْنُ ماشِيَتِهِ، اليَوْمَ إذا سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلا تَقْسُو قُلُوبُكم وتَسْخَطُوهُ كَمَثَلِ السُّخْطِ يَوْمَ التَّجْرِبَةِ في البَرِّيَّةِ حَيْثُ جَرَّبَنِي آباؤُكُمْ، فَأحْصَوْا أعْمالِي ونَظَّرُوها، أرْبَعِينَ سَنَةً مَقَتَ ذَلِكَ الجِيلَ وقُلْتُ: هو شَعْبٌ في كُلِّ حِينٍ يَطْغَوْنَ بِقُلُوبِهِمْ، فَلَمْ يَعْتَدُّوا لِسَلْبِي كَما أقْسَمْتُ بِرِجْزِي أنَّهم لا يَدْخُلُونَ راحَتِي. آباؤُنا بِمِصْرَ لَمْ يَفْهَمُوا عَجائِبَكَ، ولَمْ يَذْكُرُوا كَثْرَةَ رَحْمَتِكَ حِينَ أغْضَوْكَ وهم صاعِدُونَ مِنَ البَحْرِ الأحْمَرِ، فَنَجَّيْتَهم بِاسْمِكَ …

58

وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ

And the brothers of Joseph came [seeking food], and they entered upon him; and he recognized them, but he was to them unknown.

ولَمّا كانَ المَعْنى - كَما تَقَدَّمَ: فَجَعَلَ إلَيْهِ خَزائِنَ الأرْضِ، فَجاءَتِ السُّنُونُ المُخَصِّبَةُ، فَدَبَّرَها بِما عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ جاءَتِ السُّنُونُ المُجْدِبَةُ فَأجْدَبَتْ جَمِيعَ أرْضِ مِصْرَ وما والاها مِن بِلادِ الشّامِ وغَيْرِها، فَأخْرَجَ ما كانَ ادَّخَرَهُ مِن غِلالٍ سَبْعِ سِنِينَ بِالتَّدْرِيجِ أوَّلًا فَأوَّلًا - كَما حَدَّ لَهُ ”العَلِيم الحَكِيم“ فَتَسامَعَ بِهِ النّاسُ فَجاءُوا لِلِامْتِيارِ مِنهُ مِن كُلِّ أوْبٍ ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ العَشْرَةُ لِذَلِكَ، وحَلِفَ أبُوهم بِنْيامِينُ أخا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأُمِّهِ عِنْدَهُ، ودَلَّ عَلى تَسْهِيلِهِ إذْنَهم بِالفاءِ [فَقالَ]: ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أيْ لِأنَّهُ كانَ يُباشِرُ الأُمُورَ بِنَفْسِهِ كَما هو فِعْلُ الكُفاةِ الحُزْمَةِ، لا يَثِقُ فِيهِ بِغَيْرِهِ ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ لِأنَّهُ كانَ مُرْتِقَبًا لِحُضُورِهِمْ لِعِلْمِهِ بِجَدْبِ بِلادِهِمْ وعَقْدِ هِمَّتِهِ بِهِمْ. مَعَ كَوْنِهِ يَعْرِفُ هَيْئاتِهِمْ في لِباسِهِمْ [وغَيْرِهِ]، ولَمْ يَتَغَيَّرْ [عَلَيْهِ] كَبِيرٌ مِن حالِهِمْ.

لِمُفارَقَتِهِ إيّاهم رِجالًا ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ثابِتُ إنْكارِهِمْ عَرِيقٌ فِيهِمْ وصْفُهم بِهِ، لِعَدَمِ خُطُورِهِ بِبالِهِمْ لِطُولِ العَهْدِ، مَعَ ما تَغَيَّرَ عَلَيْهِمْ مِن هَيْئَتِهِ بِالسِّنِّ وانْضافَ إلَيْهِ مِنَ الحَشَمِ والخَدَمِ واللِّباسِ وهَيْئَةِ البَلَدِ وهَيْبَةِ المَلِكِ وعِزِّ السُّلْطانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُنْكِرُ مَعَهُ المَعْرُوفَ، ويَسْتَوْحِشُ لِأجْلِهِ مِنَ المَأْلُوفِ، وفْقَ ما قالَ تَعالى ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥]

والدُّخُولُ: الِانْتِقالُ إلى مُحِيطٍ، والمَعْرِفَةُ: تُبَيِّنُ الشَّيْءَ بِالقَلْبِ بِما لَوْ شُوهِدَ لَفَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ مِمّا لَيْسَ عَلى خاصِّ صِفَتِهِ.

59

وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍۢ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّىٓ أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَا۠ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ

And when he had furnished them with their supplies, he said, "Bring me a brother of yours from your father. Do not you see that I give full measure and that I am the best of accommodators?

ولَمّا كانَ المَعْنى في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: فَطَلَبُوا مِنهُ المِيرَةَ فَباعَهم بَعْدَ أنِ اسْتَخْبَرَهم عَنْ أمْرِهِمْ، وقالَ لَهُمْ: لَعَلَّكم جَواسِيسُ؟ وسَألَهم عَنْ جَمِيعِ حالِهِمْ. فَأخْبَرُوهُ بِأبِيهِمْ وأخِيهِمْ مِنهُ، لِيَعْلَمَ صَلاحَهم ولا يَظُنَّ أنَّهم جَواسِيسُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَمّا جَهَّزَهُمْ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿بِجَهازِهِمْ﴾ الَّذِي جاءُوا لَهُ وقَدْ أحْسَنَ إلَيْهِمْ؛ والجِهازُ: فاخِرُ المَتاعِ الَّذِي يُحْمَلُ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ”قالَ“ أيْ لَهم ﴿ائْتُونِي﴾ أيُّها العِصابَةُ ﴿بِأخٍ لَكُمْ﴾ كائِنٌ ﴿مِن أبِيكُمْ﴾ يَأْتِي بِرِسالَةٍ مِن أبِيكُمُ الرَّجُلُ الصّالِحُ حَتّى أُصَدِّقَكُمْ، أوْ أنَّهم طَلَبُوا مِنهُ لِأخِيهِمْ حَمْلًا، فَأظْهَرَ أنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ، وطَلَبَ إحْضارَهُ لِيُعْطِيَهُ، فَإنَّهُ كانَ يُوَزِّعُ الطَّعامَ عَلى قَدْرِ الكِفايَةِ؛ ثُمَّ رَغَّبَهم بِإطْماعِهِمْ في مِثْلِ ما فَعَلَ بِهِمْ مِنَ الإحْسانِ، وكانَ قَدْ أحْسَنَ نُزُلَهُمْ، فَقالَ مُقَرِّرًا لَهم [بِما رَأوْا مِنهُ]: ﴿ألا تَرَوْنَ﴾ أيْ تَعْلَمُونَ عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ ﴿أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتِمُّهُ دائِمًا عَلى ما يُوجِبُهُ الحَقُّ ﴿وأنا خَيْرُ المُنْـزِلِينَ﴾ أضَعُ الشَّيْءَ في أُولى مَنازِلِهِ.

60

فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِۦ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ

But if you do not bring him to me, no measure will there be [hereafter] for you from me, nor will you approach me."

ولَمّا رَغَّبَهُمْ، رَهِبَهم فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ﴾ أيْ بِأخِيكم أوَّلَ قَدْمَةٍ تُقَدِّمُونَها ﴿فَلا كَيْلَ لَكُمْ﴾ وعَرَّفَهم أنَّهُ لا يَمْنَعُهم مِن غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ أنَّهُ يُوسُفُ،

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.