Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 51–60 of 111

51

قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ قُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍۢ ۚ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْـَٰٔنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

Said [the king to the women], "What was your condition when you sought to seduce Joseph?" They said, "Perfect is Allah! We know about him no evil." The wife of al-'Azeez said, "Now the truth has become evident. It was I who sought to seduce him, and indeed, he is of the truthful.

.

المُرادُ بِالمَلِكِ هُنا: هو المَلِكُ الأكْبَرُ، وهو الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ الَّذِي كانَ العَزِيزُ وزِيرًا لَهُ، رَأى في نَوْمِهِ لَمّا دَنا فَرَجُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ خَرَجَ مِن نَهْرٍ يابِسٍ سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ جَمْعُ سَمِينٍ وسَمِينَةٍ، في إثْرِهِنَّ سَبْعٌ عِجافٌ: أيْ مَهازِيلُ، وقَدْ أقْبَلَتِ العِجافُ عَلى السِّمانِ فَأكَلَتْهُنَّ.

والمَعْنى: إنِّي رَأيْتُ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ يَأْكُلُهُنَّ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِلِاسْتِحْضارِ، والعِجافُ جَمْعُ عَجْفاءَ، وقِياسُ جَمْعِهِ عُجُفٌ، لِأنَّ فَعْلاءَ وأفْعَلَ لا تُجْمَعُ عَلى فِعالٍ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ عَنِ القِياسِ حَمْلًا عَلى سِمانٍ، وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ مَعْطُوفٌ عَلى سَبْعَ بَقَراتٍ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ خُضْرٍ أنَّهُ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّها، واليابِساتُ الَّتِي قَدْ بَلَغَتِ الحَصادَ، والمَعْنى: وأرى سَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ، وكانَ قَدْ رَأى أنَّ السَّبْعَ السُّنْبُلاتِ اليابِساتِ قَدْ أدْرَكَتِ الخُضْرَ والتَوَتْ عَلَيْها حَتّى غَلَبَتْها، ولَعَلَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِ هَذا في النَّظْمِ القُرْآنِيِّ لِلِاكْتِفاءِ بِما ذُكِرَ مِن حالِ البَقَراتِ. ﴿ياأيُّها المَلَأُ﴾ خِطابٌ لِلْأشْرافِ مِن قَوْمِهِ ﴿أفْتُونِي في رُؤْيايَ﴾ أيْ أخْبَرُونِي بِحُكْمِ هَذِهِ الرُّؤْيا ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ أيْ تَعْلَمُونَ عِبارَةَ الرُّؤْيا، وأصْلُ العِبارَةِ مُشْتَقَّةٌ مِن عُبُورِ النَّهْرِ، فَمَعْنى عَبَرْتُ النَّهْرَ: بَلَغْتُ شاطِئَهُ، فَعابِرُ الرُّؤْيا يُخْبِرُ بِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُها.

قالَ الزَّجّاجُ: اللّامُ في لِلرُّؤْيا لِلتَّبْيِينِ: أيْ إنْ كُنْتُمْ تَعْبُرُونَ، ثُمَّ بَيَّنَ فَقالَ لِلرُّؤْيا وقِيلَ هو لِلتَّقْوِيَةِ، وتَأْخِيرُ الفِعْلِ العامِلِ فِيهِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ.

وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والأضْغاثُ جَمْعُ ضِغْثٍ، وهو كُلُّ مُخْتَلِطٍ مِن بَقْلٍ أوْ حَشِيشٍ أوْ غَيْرِهِما، والمَعْنى: أخالِيطُ أحْلامٍ جَمْعُ حُلْمٍ: وهي الرُّؤْيا الكاذِبَةُ الَّتِي لا حَقِيقَةَ لَها كَما يَكُونُ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ووَسْواسِ الشَّيْطانِ، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، وجَمَعُوا الأحْلامَ ولَمْ يَكُنْ مِنَ المَلِكِ إلّا رُؤْيا واحِدَةٌ مُبالَغَةً مِنهم في وصْفِها بِالبُطْلانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَأى مَعَ هَذِهِ الرُّؤْيا غَيْرَها مِمّا لَمْ يَقُصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا ﴿وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ المُخْتَلِطَةِ، نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمْ عِلْمَ ما لا تَأْوِيلَ لَهُ، لا مُطْلَقَ العِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ، وقِيلَ إنَّهُما نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمْ عِلْمَ التَّعْبِيرِ مُطْلَقًا ولَمْ يَدَّعُوا أنَّهُ لا تَأْوِيلَ لِهَذِهِ الرُّؤْيا، وقِيلَ إنَّهم قَصَدُوا مَحْوَها مَن صَدْرِ المَلِكِ حَتّى لا يَشْتَغِلَ بِها، ولَمْ يَكُنْ ما ذَكَرُوهُ مَن نَفْيِ العِلْمِ حَقِيقَةً.

﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما﴾ أيْ مِنَ الغُلامَيْنِ، وهو السّاقِي الَّذِي قالَ لَهُ يُوسُفُ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ، [يوسف: ٤٢] وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ بِالدّالِ المُهْمَلَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهي القِراءَةُ الفَصِيحَةُ: أيْ تَذَكَّرَ السّاقِي يُوسُفَ وما شاهَدَهُ مِنهُ مِنَ العِلْمِ بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيا.

وقُرِئَ بِالمُعْجَمَةِ، ومَعْنى بَعْدَ أُمَّةٍ: بَعْدَ حِينٍ، ومِنهُ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ [هود: ٨] أيْ إلى وقْتٍ.

قالَ ابْنِ دَرَسْتُوَيْهِ: والأُمَّةُ لا تَكُونُ عَلى الحِينِ إلّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ وإقامَةِ …

52

ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ

That is so al-'Azeez will know that I did not betray him in [his] absence and that Allah does not guide the plan of betrayers.

الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ قَبْلَ هَذا، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ فَأخْبَرَهُ بِما أخْبَرَهُ بِهِ يُوسُفُ مِن تَعْبِيرِ تِلْكَ الرُّؤْيا، وقالَ المَلِكُ لِمَن بِحَضْرَتِهِ ائْتُونِي بِهِ: أيْ بِيُوسُفَ، رَغِبَ إلى رُؤْيَتِهِ ومَعْرِفَةِ حالِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمَ مِن فَضْلِهِ ما عَلِمَهُ مِن وصْفِ الرَّسُولِ لَهُ ومِن تَعْبِيرِهِ لِرُؤْياهُ فَلَمّا جاءَهُ أيْ جاءَ إلى يُوسُفَ الرَّسُولُ واسْتَدْعاهُ إلى حَضْرَةِ المَلِكِ وأمَرَهُ بِالخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ قالَ يُوسُفُ لِلرَّسُولِ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ أيْ سَيِّدِكَ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَسْألَ المَلِكَ عَنْ ذَلِكَ وتَوَقَّفَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ، ولَمْ يُسارِعْ إلى إجابَةِ المَلِكِ، لِيُظْهِرَ لِلنّاسِ بَراءَةَ ساحَتِهِ ونَزاهَةَ جانِبِهِ، وأنَّهُ ظُلِمَ بِكَيْدِ امْرَأةِ العَزِيزِ ظُلْمًا بَيِّنًا، ولَقَدْ أُعْطِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحِلْمِ والصَّبْرِ والأناةِ ما تَضِيقُ الأذْهانُ عَنْ تَصَوُّرِهِ، ولِهَذا ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ولَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ يُوسُفُ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ»، يَعْنِي الرَّسُولَ الَّذِي جاءَ يَدْعُوهُ إلى المَلِكِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا الفِعْلُ مِن يُوسُفَ أناةً وصَبْرًا، وطَلَبًا لِبَراءَةِ ساحَتِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ خَشِيَ أنْ يَخْرُجَ ويَنالَ مِنَ المَلِكِ مَرْتَبَةً، ويَسْكُتَ عَنْ أمْرِ ذَنْبِهِ فَيَراهُ النّاسُ بِتِلْكَ العَيْنِ يَقُولُونَ هَذا الَّذِي راوَدَ امْرَأةَ العَزِيزِ، وإنَّما قالَ: ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ وسَكَتَ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ رِعايَةً لِذِمامِ المَلِكِ العَزِيزِ، أوْ خَوْفًا مِنهُ مِن كَيْدِها وعَظِيمِ شَرِّها، وذَكَرَ السُّؤالَ عَنْ تَقْطِيعِ الأيْدِي ولَمْ يَذْكُرْ مُراوَدَتَهُنَّ لَهُ، تَنَزُّهًا مِنهُ عَنْ نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْسِبْ المُراوَدَةَ فِيما تَقَدَّمَ إلى امْرَأةِ العَزِيزِ إلّا بَعْدَ أنْ رَمَتْهُ بِدائِها وانْسَلَّتْ.

وقَدِ اكْتَفى هُنا بِالإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ فَجَعَلَ عِلْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِما وقَعَ عَلَيْهِ مِنَ الكَيْدِ مِنهُنَّ مُغْنِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ.

وجُمْلَةُ قالَ ﴿ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ المَلِكُ بَعْدَ أنْ أبْلَغَهُ الرَّسُولُ ما قالَ يُوسُفُ، والخَطْبُ: الشَّأْنُ العَظِيمُ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ أنْ يُخاطِبَ فِيهِ صاحِبَهُ خاصَّةً.

والمَعْنى: ما شَأْنُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المُراوَدَةُ، وإنَّما نَسَبَ إلَيْهِنَّ المُراوَدَةَ، …

53

۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And I do not acquit myself. Indeed, the soul is a persistent enjoiner of evil, except those upon which my Lord has mercy. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."

الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ قَبْلَ هَذا، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ فَأخْبَرَهُ بِما أخْبَرَهُ بِهِ يُوسُفُ مِن تَعْبِيرِ تِلْكَ الرُّؤْيا، وقالَ المَلِكُ لِمَن بِحَضْرَتِهِ ائْتُونِي بِهِ: أيْ بِيُوسُفَ، رَغِبَ إلى رُؤْيَتِهِ ومَعْرِفَةِ حالِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمَ مِن فَضْلِهِ ما عَلِمَهُ مِن وصْفِ الرَّسُولِ لَهُ ومِن تَعْبِيرِهِ لِرُؤْياهُ فَلَمّا جاءَهُ أيْ جاءَ إلى يُوسُفَ الرَّسُولُ واسْتَدْعاهُ إلى حَضْرَةِ المَلِكِ وأمَرَهُ بِالخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ قالَ يُوسُفُ لِلرَّسُولِ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ أيْ سَيِّدِكَ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَسْألَ المَلِكَ عَنْ ذَلِكَ وتَوَقَّفَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ، ولَمْ يُسارِعْ إلى إجابَةِ المَلِكِ، لِيُظْهِرَ لِلنّاسِ بَراءَةَ ساحَتِهِ ونَزاهَةَ جانِبِهِ، وأنَّهُ ظُلِمَ بِكَيْدِ امْرَأةِ العَزِيزِ ظُلْمًا بَيِّنًا، ولَقَدْ أُعْطِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحِلْمِ والصَّبْرِ والأناةِ ما تَضِيقُ الأذْهانُ عَنْ تَصَوُّرِهِ، ولِهَذا ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ولَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ يُوسُفُ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ»، يَعْنِي الرَّسُولَ الَّذِي جاءَ يَدْعُوهُ إلى المَلِكِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا الفِعْلُ مِن يُوسُفَ أناةً وصَبْرًا، وطَلَبًا لِبَراءَةِ ساحَتِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ خَشِيَ أنْ يَخْرُجَ ويَنالَ مِنَ المَلِكِ مَرْتَبَةً، ويَسْكُتَ عَنْ أمْرِ ذَنْبِهِ فَيَراهُ النّاسُ بِتِلْكَ العَيْنِ يَقُولُونَ هَذا الَّذِي راوَدَ امْرَأةَ العَزِيزِ، وإنَّما قالَ: ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ وسَكَتَ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ رِعايَةً لِذِمامِ المَلِكِ العَزِيزِ، أوْ خَوْفًا مِنهُ مِن كَيْدِها وعَظِيمِ شَرِّها، وذَكَرَ السُّؤالَ عَنْ تَقْطِيعِ الأيْدِي ولَمْ يَذْكُرْ مُراوَدَتَهُنَّ لَهُ، تَنَزُّهًا مِنهُ عَنْ نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْسِبْ المُراوَدَةَ فِيما تَقَدَّمَ إلى امْرَأةِ العَزِيزِ إلّا بَعْدَ أنْ رَمَتْهُ بِدائِها وانْسَلَّتْ.

وقَدِ اكْتَفى هُنا بِالإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ فَجَعَلَ عِلْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِما وقَعَ عَلَيْهِ مِنَ الكَيْدِ مِنهُنَّ مُغْنِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ.

وجُمْلَةُ قالَ ﴿ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ المَلِكُ بَعْدَ أنْ أبْلَغَهُ الرَّسُولُ ما قالَ يُوسُفُ، والخَطْبُ: الشَّأْنُ العَظِيمُ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ أنْ يُخاطِبَ فِيهِ صاحِبَهُ خاصَّةً.

والمَعْنى: ما شَأْنُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المُراوَدَةُ، وإنَّما نَسَبَ إلَيْهِنَّ المُراوَدَةَ، …

54

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌۭ

And the king said, "Bring him to me; I will appoint him exclusively for myself." And when he spoke to him, he said, "Indeed, you are today established [in position] and trusted."

الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ قَبْلَ هَذا، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ فَأخْبَرَهُ بِما أخْبَرَهُ بِهِ يُوسُفُ مِن تَعْبِيرِ تِلْكَ الرُّؤْيا، وقالَ المَلِكُ لِمَن بِحَضْرَتِهِ ائْتُونِي بِهِ: أيْ بِيُوسُفَ، رَغِبَ إلى رُؤْيَتِهِ ومَعْرِفَةِ حالِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمَ مِن فَضْلِهِ ما عَلِمَهُ مِن وصْفِ الرَّسُولِ لَهُ ومِن تَعْبِيرِهِ لِرُؤْياهُ فَلَمّا جاءَهُ أيْ جاءَ إلى يُوسُفَ الرَّسُولُ واسْتَدْعاهُ إلى حَضْرَةِ المَلِكِ وأمَرَهُ بِالخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ قالَ يُوسُفُ لِلرَّسُولِ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ أيْ سَيِّدِكَ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَسْألَ المَلِكَ عَنْ ذَلِكَ وتَوَقَّفَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ، ولَمْ يُسارِعْ إلى إجابَةِ المَلِكِ، لِيُظْهِرَ لِلنّاسِ بَراءَةَ ساحَتِهِ ونَزاهَةَ جانِبِهِ، وأنَّهُ ظُلِمَ بِكَيْدِ امْرَأةِ العَزِيزِ ظُلْمًا بَيِّنًا، ولَقَدْ أُعْطِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحِلْمِ والصَّبْرِ والأناةِ ما تَضِيقُ الأذْهانُ عَنْ تَصَوُّرِهِ، ولِهَذا ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ولَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ يُوسُفُ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ»، يَعْنِي الرَّسُولَ الَّذِي جاءَ يَدْعُوهُ إلى المَلِكِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا الفِعْلُ مِن يُوسُفَ أناةً وصَبْرًا، وطَلَبًا لِبَراءَةِ ساحَتِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ خَشِيَ أنْ يَخْرُجَ ويَنالَ مِنَ المَلِكِ مَرْتَبَةً، ويَسْكُتَ عَنْ أمْرِ ذَنْبِهِ فَيَراهُ النّاسُ بِتِلْكَ العَيْنِ يَقُولُونَ هَذا الَّذِي راوَدَ امْرَأةَ العَزِيزِ، وإنَّما قالَ: ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ وسَكَتَ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ رِعايَةً لِذِمامِ المَلِكِ العَزِيزِ، أوْ خَوْفًا مِنهُ مِن كَيْدِها وعَظِيمِ شَرِّها، وذَكَرَ السُّؤالَ عَنْ تَقْطِيعِ الأيْدِي ولَمْ يَذْكُرْ مُراوَدَتَهُنَّ لَهُ، تَنَزُّهًا مِنهُ عَنْ نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْسِبْ المُراوَدَةَ فِيما تَقَدَّمَ إلى امْرَأةِ العَزِيزِ إلّا بَعْدَ أنْ رَمَتْهُ بِدائِها وانْسَلَّتْ.

وقَدِ اكْتَفى هُنا بِالإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ فَجَعَلَ عِلْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِما وقَعَ عَلَيْهِ مِنَ الكَيْدِ مِنهُنَّ مُغْنِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ.

وجُمْلَةُ قالَ ﴿ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ المَلِكُ بَعْدَ أنْ أبْلَغَهُ الرَّسُولُ ما قالَ يُوسُفُ، والخَطْبُ: الشَّأْنُ العَظِيمُ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ أنْ يُخاطِبَ فِيهِ صاحِبَهُ خاصَّةً.

والمَعْنى: ما شَأْنُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المُراوَدَةُ، وإنَّما نَسَبَ إلَيْهِنَّ المُراوَدَةَ، …

55

قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌۭ

[Joseph] said, "Appoint me over the storehouses of the land. Indeed, I will be a knowing guardian."

الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ قَبْلَ هَذا، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ فَأخْبَرَهُ بِما أخْبَرَهُ بِهِ يُوسُفُ مِن تَعْبِيرِ تِلْكَ الرُّؤْيا، وقالَ المَلِكُ لِمَن بِحَضْرَتِهِ ائْتُونِي بِهِ: أيْ بِيُوسُفَ، رَغِبَ إلى رُؤْيَتِهِ ومَعْرِفَةِ حالِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمَ مِن فَضْلِهِ ما عَلِمَهُ مِن وصْفِ الرَّسُولِ لَهُ ومِن تَعْبِيرِهِ لِرُؤْياهُ فَلَمّا جاءَهُ أيْ جاءَ إلى يُوسُفَ الرَّسُولُ واسْتَدْعاهُ إلى حَضْرَةِ المَلِكِ وأمَرَهُ بِالخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ قالَ يُوسُفُ لِلرَّسُولِ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ أيْ سَيِّدِكَ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَسْألَ المَلِكَ عَنْ ذَلِكَ وتَوَقَّفَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ، ولَمْ يُسارِعْ إلى إجابَةِ المَلِكِ، لِيُظْهِرَ لِلنّاسِ بَراءَةَ ساحَتِهِ ونَزاهَةَ جانِبِهِ، وأنَّهُ ظُلِمَ بِكَيْدِ امْرَأةِ العَزِيزِ ظُلْمًا بَيِّنًا، ولَقَدْ أُعْطِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحِلْمِ والصَّبْرِ والأناةِ ما تَضِيقُ الأذْهانُ عَنْ تَصَوُّرِهِ، ولِهَذا ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ولَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ يُوسُفُ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ»، يَعْنِي الرَّسُولَ الَّذِي جاءَ يَدْعُوهُ إلى المَلِكِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا الفِعْلُ مِن يُوسُفَ أناةً وصَبْرًا، وطَلَبًا لِبَراءَةِ ساحَتِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ خَشِيَ أنْ يَخْرُجَ ويَنالَ مِنَ المَلِكِ مَرْتَبَةً، ويَسْكُتَ عَنْ أمْرِ ذَنْبِهِ فَيَراهُ النّاسُ بِتِلْكَ العَيْنِ يَقُولُونَ هَذا الَّذِي راوَدَ امْرَأةَ العَزِيزِ، وإنَّما قالَ: ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ وسَكَتَ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ رِعايَةً لِذِمامِ المَلِكِ العَزِيزِ، أوْ خَوْفًا مِنهُ مِن كَيْدِها وعَظِيمِ شَرِّها، وذَكَرَ السُّؤالَ عَنْ تَقْطِيعِ الأيْدِي ولَمْ يَذْكُرْ مُراوَدَتَهُنَّ لَهُ، تَنَزُّهًا مِنهُ عَنْ نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْسِبْ المُراوَدَةَ فِيما تَقَدَّمَ إلى امْرَأةِ العَزِيزِ إلّا بَعْدَ أنْ رَمَتْهُ بِدائِها وانْسَلَّتْ.

وقَدِ اكْتَفى هُنا بِالإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ فَجَعَلَ عِلْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِما وقَعَ عَلَيْهِ مِنَ الكَيْدِ مِنهُنَّ مُغْنِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ.

وجُمْلَةُ قالَ ﴿ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ المَلِكُ بَعْدَ أنْ أبْلَغَهُ الرَّسُولُ ما قالَ يُوسُفُ، والخَطْبُ: الشَّأْنُ العَظِيمُ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ أنْ يُخاطِبَ فِيهِ صاحِبَهُ خاصَّةً.

والمَعْنى: ما شَأْنُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المُراوَدَةُ، وإنَّما نَسَبَ إلَيْهِنَّ المُراوَدَةَ، …

56

وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ

And thus We established Joseph in the land to settle therein wherever he willed. We touch with Our mercy whom We will, and We do not allow to be lost the reward of those who do good.

الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ قَبْلَ هَذا، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ فَأخْبَرَهُ بِما أخْبَرَهُ بِهِ يُوسُفُ مِن تَعْبِيرِ تِلْكَ الرُّؤْيا، وقالَ المَلِكُ لِمَن بِحَضْرَتِهِ ائْتُونِي بِهِ: أيْ بِيُوسُفَ، رَغِبَ إلى رُؤْيَتِهِ ومَعْرِفَةِ حالِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمَ مِن فَضْلِهِ ما عَلِمَهُ مِن وصْفِ الرَّسُولِ لَهُ ومِن تَعْبِيرِهِ لِرُؤْياهُ فَلَمّا جاءَهُ أيْ جاءَ إلى يُوسُفَ الرَّسُولُ واسْتَدْعاهُ إلى حَضْرَةِ المَلِكِ وأمَرَهُ بِالخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ قالَ يُوسُفُ لِلرَّسُولِ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ أيْ سَيِّدِكَ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَسْألَ المَلِكَ عَنْ ذَلِكَ وتَوَقَّفَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ، ولَمْ يُسارِعْ إلى إجابَةِ المَلِكِ، لِيُظْهِرَ لِلنّاسِ بَراءَةَ ساحَتِهِ ونَزاهَةَ جانِبِهِ، وأنَّهُ ظُلِمَ بِكَيْدِ امْرَأةِ العَزِيزِ ظُلْمًا بَيِّنًا، ولَقَدْ أُعْطِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحِلْمِ والصَّبْرِ والأناةِ ما تَضِيقُ الأذْهانُ عَنْ تَصَوُّرِهِ، ولِهَذا ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ولَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ يُوسُفُ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ»، يَعْنِي الرَّسُولَ الَّذِي جاءَ يَدْعُوهُ إلى المَلِكِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا الفِعْلُ مِن يُوسُفَ أناةً وصَبْرًا، وطَلَبًا لِبَراءَةِ ساحَتِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ خَشِيَ أنْ يَخْرُجَ ويَنالَ مِنَ المَلِكِ مَرْتَبَةً، ويَسْكُتَ عَنْ أمْرِ ذَنْبِهِ فَيَراهُ النّاسُ بِتِلْكَ العَيْنِ يَقُولُونَ هَذا الَّذِي راوَدَ امْرَأةَ العَزِيزِ، وإنَّما قالَ: ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ وسَكَتَ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ رِعايَةً لِذِمامِ المَلِكِ العَزِيزِ، أوْ خَوْفًا مِنهُ مِن كَيْدِها وعَظِيمِ شَرِّها، وذَكَرَ السُّؤالَ عَنْ تَقْطِيعِ الأيْدِي ولَمْ يَذْكُرْ مُراوَدَتَهُنَّ لَهُ، تَنَزُّهًا مِنهُ عَنْ نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْسِبْ المُراوَدَةَ فِيما تَقَدَّمَ إلى امْرَأةِ العَزِيزِ إلّا بَعْدَ أنْ رَمَتْهُ بِدائِها وانْسَلَّتْ.

وقَدِ اكْتَفى هُنا بِالإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ فَجَعَلَ عِلْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِما وقَعَ عَلَيْهِ مِنَ الكَيْدِ مِنهُنَّ مُغْنِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ.

وجُمْلَةُ قالَ ﴿ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ المَلِكُ بَعْدَ أنْ أبْلَغَهُ الرَّسُولُ ما قالَ يُوسُفُ، والخَطْبُ: الشَّأْنُ العَظِيمُ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ أنْ يُخاطِبَ فِيهِ صاحِبَهُ خاصَّةً.

والمَعْنى: ما شَأْنُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المُراوَدَةُ، وإنَّما نَسَبَ إلَيْهِنَّ المُراوَدَةَ، …

57

وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ

And the reward of the Hereafter is better for those who believed and were fearing Allah.

الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ قَبْلَ هَذا، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ فَأخْبَرَهُ بِما أخْبَرَهُ بِهِ يُوسُفُ مِن تَعْبِيرِ تِلْكَ الرُّؤْيا، وقالَ المَلِكُ لِمَن بِحَضْرَتِهِ ائْتُونِي بِهِ: أيْ بِيُوسُفَ، رَغِبَ إلى رُؤْيَتِهِ ومَعْرِفَةِ حالِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمَ مِن فَضْلِهِ ما عَلِمَهُ مِن وصْفِ الرَّسُولِ لَهُ ومِن تَعْبِيرِهِ لِرُؤْياهُ فَلَمّا جاءَهُ أيْ جاءَ إلى يُوسُفَ الرَّسُولُ واسْتَدْعاهُ إلى حَضْرَةِ المَلِكِ وأمَرَهُ بِالخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ قالَ يُوسُفُ لِلرَّسُولِ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ أيْ سَيِّدِكَ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَسْألَ المَلِكَ عَنْ ذَلِكَ وتَوَقَّفَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ، ولَمْ يُسارِعْ إلى إجابَةِ المَلِكِ، لِيُظْهِرَ لِلنّاسِ بَراءَةَ ساحَتِهِ ونَزاهَةَ جانِبِهِ، وأنَّهُ ظُلِمَ بِكَيْدِ امْرَأةِ العَزِيزِ ظُلْمًا بَيِّنًا، ولَقَدْ أُعْطِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحِلْمِ والصَّبْرِ والأناةِ ما تَضِيقُ الأذْهانُ عَنْ تَصَوُّرِهِ، ولِهَذا ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ولَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ يُوسُفُ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ»، يَعْنِي الرَّسُولَ الَّذِي جاءَ يَدْعُوهُ إلى المَلِكِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا الفِعْلُ مِن يُوسُفَ أناةً وصَبْرًا، وطَلَبًا لِبَراءَةِ ساحَتِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ خَشِيَ أنْ يَخْرُجَ ويَنالَ مِنَ المَلِكِ مَرْتَبَةً، ويَسْكُتَ عَنْ أمْرِ ذَنْبِهِ فَيَراهُ النّاسُ بِتِلْكَ العَيْنِ يَقُولُونَ هَذا الَّذِي راوَدَ امْرَأةَ العَزِيزِ، وإنَّما قالَ: ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ وسَكَتَ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ رِعايَةً لِذِمامِ المَلِكِ العَزِيزِ، أوْ خَوْفًا مِنهُ مِن كَيْدِها وعَظِيمِ شَرِّها، وذَكَرَ السُّؤالَ عَنْ تَقْطِيعِ الأيْدِي ولَمْ يَذْكُرْ مُراوَدَتَهُنَّ لَهُ، تَنَزُّهًا مِنهُ عَنْ نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْسِبْ المُراوَدَةَ فِيما تَقَدَّمَ إلى امْرَأةِ العَزِيزِ إلّا بَعْدَ أنْ رَمَتْهُ بِدائِها وانْسَلَّتْ.

وقَدِ اكْتَفى هُنا بِالإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ فَجَعَلَ عِلْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِما وقَعَ عَلَيْهِ مِنَ الكَيْدِ مِنهُنَّ مُغْنِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ.

وجُمْلَةُ قالَ ﴿ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ المَلِكُ بَعْدَ أنْ أبْلَغَهُ الرَّسُولُ ما قالَ يُوسُفُ، والخَطْبُ: الشَّأْنُ العَظِيمُ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ أنْ يُخاطِبَ فِيهِ صاحِبَهُ خاصَّةً.

والمَعْنى: ما شَأْنُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المُراوَدَةُ، وإنَّما نَسَبَ إلَيْهِنَّ المُراوَدَةَ، …

58

وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ

And the brothers of Joseph came [seeking food], and they entered upon him; and he recognized them, but he was to them unknown.

.

قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ أيْ جاءُوا إلى مِصْرَ مِن أرْضِ كَنْعانَ لِيَمْتارُوا لَمّا أصابَهُمُ القَحْطُ فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم رِجالًا ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِأنَّهم فارَقُوهُ صَبِيًّا يُباعُ بِالدَّراهِمِ في أيْدِي السَّيّارَةِ بَعْدَ أنْ أخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ الآنَ وهو رَجُلٌ عَلَيْهِ أُبَّهَةُ المُلْكِ، ورَوْنَقُ الرِّئاسَةِ، وعِنْدَهُ الخَدَمُ والحَشَمُ وقِيلَ إنَّهم أنْكَرُوهُ لِكَوْنِهِ كانَ في تِلْكَ الحالِ عَلى هَيْئَةِ مَلِكِ مِصْرَ، ولَبِسَ تاجَهُ وتَطَوَّقَ بِطَوْقِهِ، وقِيلَ كانُوا بَعِيدًا مِنهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ المُرادُ هُنا أنَّهُ أعْطاهم ما طَلَبُوهُ مِنَ المِيرَةِ وما يُصْلِحُونَ بِهِ سَفَرَهم مِنَ العُدَّةِ الَّتِي يَحْتاجُها المُسافِرُ، يُقالُ جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا: إذا تَكَلَّفْتُ لَهم جِهازًا لِلسَّفَرِ.

قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ ﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قِيلَ: لا بُدَّ مِن كَلامٍ يَنْشَأُ عَنْهُ طَلَبُهُ لَهم بِأنْ يَأْتُوهُ بِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا رَآهم وكَلَّمُوهُ بِالعِبْرانِيَّةِ قالَ لَهم: ما أنْتُمْ وما شَأْنُكم فَإنِّي أُنْكِرُكم ؟ فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ جِئْنا نَمْتارُ ولَنا أبٌ شَيْخٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ.

قالَ: كَمْ أنْتُمْ ؟ قالُوا عَشَرَةٌ وقَدْ كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ، فَذَهَبَ أخٌ لَنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، وكانَ أحَبَّنا إلى أبِينا، وقَدْ سَكَنَ بَعْدَهُ إلى أخٍ لَهُ أصْغَرَ مِنهُ هو باقٍ لَدَيْهِ يَتَسَلّى بِهِ، فَقالَ لَهم حِينَئِذٍ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ يَعْنِي أخاهُ بِنْيامِينَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.

فَوَعَدُوهُ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَتْرُكُوا أحَدَهم رَهِينَةً عِنْدَهُ حَتّى يَأْتُوهُ بِالأخِ الَّذِي طَلَبَهُ، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتَمِّمُهُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ مَعَ كَوْنِهِ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ تَجْهِيزِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِما يَزِيدُهم وُثُوقًا بِهِ وتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، فَقالَ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيْ والحالُ أنِّي خَيْرُ المُنْزِلِينَ لِمَن نَزَلَ بِي، كَما فَعَلْتُهُ بِكم مِن حُسْنِ الضِّيافَةِ وحُسْنِ الإنْزالِ.

قالَ الزَّجّاجُ: قالَ يُوسُفُ ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم إذا لَمْ يَأْتُوهُ بِهِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ فَلا أبِيعُكم شَيْئًا فِيما بَعْدُ، وأمّا في الحالِ فَقَدْ أوْفاهم كَيْلَهم، ومَعْنى لا تَقْرُبُونِ: لا تَدْخُلُونَ بِلادِي فَضْلًا عَنْ أنْ أُحْسِنَ إلَيْكم وقِيلَ مَعْناهُ: لا أُنْزِلُكم عِنْدِي كَما أنْزَلْتُكم هَذِهِ المَرَّةَ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهم لا يَقْرُبُونَ بِلادَهُ، وتَقْرُبُونِ مَجْزُومٌ إمّا عَلى أنَّ لا ناهِيَةٌ أوْ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ داخِلٌ في حُكْمِهِ كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي تُحْرَمُوا ولا تُقَرَّبُوا فَلَمّا سَمِعُوا مِنهُ ذَلِكَ وعَدُوهُ بِما طَلَبَهُ مِنهم.

فَ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ سَنَطْلُبُهُ مِنهُ، ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ بِما نَقْدِرُ …

59

وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍۢ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّىٓ أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَا۠ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ

And when he had furnished them with their supplies, he said, "Bring me a brother of yours from your father. Do not you see that I give full measure and that I am the best of accommodators?

.

قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ أيْ جاءُوا إلى مِصْرَ مِن أرْضِ كَنْعانَ لِيَمْتارُوا لَمّا أصابَهُمُ القَحْطُ فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم رِجالًا ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِأنَّهم فارَقُوهُ صَبِيًّا يُباعُ بِالدَّراهِمِ في أيْدِي السَّيّارَةِ بَعْدَ أنْ أخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ الآنَ وهو رَجُلٌ عَلَيْهِ أُبَّهَةُ المُلْكِ، ورَوْنَقُ الرِّئاسَةِ، وعِنْدَهُ الخَدَمُ والحَشَمُ وقِيلَ إنَّهم أنْكَرُوهُ لِكَوْنِهِ كانَ في تِلْكَ الحالِ عَلى هَيْئَةِ مَلِكِ مِصْرَ، ولَبِسَ تاجَهُ وتَطَوَّقَ بِطَوْقِهِ، وقِيلَ كانُوا بَعِيدًا مِنهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ المُرادُ هُنا أنَّهُ أعْطاهم ما طَلَبُوهُ مِنَ المِيرَةِ وما يُصْلِحُونَ بِهِ سَفَرَهم مِنَ العُدَّةِ الَّتِي يَحْتاجُها المُسافِرُ، يُقالُ جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا: إذا تَكَلَّفْتُ لَهم جِهازًا لِلسَّفَرِ.

قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ ﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قِيلَ: لا بُدَّ مِن كَلامٍ يَنْشَأُ عَنْهُ طَلَبُهُ لَهم بِأنْ يَأْتُوهُ بِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا رَآهم وكَلَّمُوهُ بِالعِبْرانِيَّةِ قالَ لَهم: ما أنْتُمْ وما شَأْنُكم فَإنِّي أُنْكِرُكم ؟ فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ جِئْنا نَمْتارُ ولَنا أبٌ شَيْخٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ.

قالَ: كَمْ أنْتُمْ ؟ قالُوا عَشَرَةٌ وقَدْ كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ، فَذَهَبَ أخٌ لَنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، وكانَ أحَبَّنا إلى أبِينا، وقَدْ سَكَنَ بَعْدَهُ إلى أخٍ لَهُ أصْغَرَ مِنهُ هو باقٍ لَدَيْهِ يَتَسَلّى بِهِ، فَقالَ لَهم حِينَئِذٍ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ يَعْنِي أخاهُ بِنْيامِينَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.

فَوَعَدُوهُ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَتْرُكُوا أحَدَهم رَهِينَةً عِنْدَهُ حَتّى يَأْتُوهُ بِالأخِ الَّذِي طَلَبَهُ، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتَمِّمُهُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ مَعَ كَوْنِهِ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ تَجْهِيزِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِما يَزِيدُهم وُثُوقًا بِهِ وتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، فَقالَ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيْ والحالُ أنِّي خَيْرُ المُنْزِلِينَ لِمَن نَزَلَ بِي، كَما فَعَلْتُهُ بِكم مِن حُسْنِ الضِّيافَةِ وحُسْنِ الإنْزالِ.

قالَ الزَّجّاجُ: قالَ يُوسُفُ ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم إذا لَمْ يَأْتُوهُ بِهِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ فَلا أبِيعُكم شَيْئًا فِيما بَعْدُ، وأمّا في الحالِ فَقَدْ أوْفاهم كَيْلَهم، ومَعْنى لا تَقْرُبُونِ: لا تَدْخُلُونَ بِلادِي فَضْلًا عَنْ أنْ أُحْسِنَ إلَيْكم وقِيلَ مَعْناهُ: لا أُنْزِلُكم عِنْدِي كَما أنْزَلْتُكم هَذِهِ المَرَّةَ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهم لا يَقْرُبُونَ بِلادَهُ، وتَقْرُبُونِ مَجْزُومٌ إمّا عَلى أنَّ لا ناهِيَةٌ أوْ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ داخِلٌ في حُكْمِهِ كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي تُحْرَمُوا ولا تُقَرَّبُوا فَلَمّا سَمِعُوا مِنهُ ذَلِكَ وعَدُوهُ بِما طَلَبَهُ مِنهم.

فَ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ سَنَطْلُبُهُ مِنهُ، ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ بِما نَقْدِرُ …

60

فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِۦ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ

But if you do not bring him to me, no measure will there be [hereafter] for you from me, nor will you approach me."

.

قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ أيْ جاءُوا إلى مِصْرَ مِن أرْضِ كَنْعانَ لِيَمْتارُوا لَمّا أصابَهُمُ القَحْطُ فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم رِجالًا ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِأنَّهم فارَقُوهُ صَبِيًّا يُباعُ بِالدَّراهِمِ في أيْدِي السَّيّارَةِ بَعْدَ أنْ أخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ الآنَ وهو رَجُلٌ عَلَيْهِ أُبَّهَةُ المُلْكِ، ورَوْنَقُ الرِّئاسَةِ، وعِنْدَهُ الخَدَمُ والحَشَمُ وقِيلَ إنَّهم أنْكَرُوهُ لِكَوْنِهِ كانَ في تِلْكَ الحالِ عَلى هَيْئَةِ مَلِكِ مِصْرَ، ولَبِسَ تاجَهُ وتَطَوَّقَ بِطَوْقِهِ، وقِيلَ كانُوا بَعِيدًا مِنهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ المُرادُ هُنا أنَّهُ أعْطاهم ما طَلَبُوهُ مِنَ المِيرَةِ وما يُصْلِحُونَ بِهِ سَفَرَهم مِنَ العُدَّةِ الَّتِي يَحْتاجُها المُسافِرُ، يُقالُ جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا: إذا تَكَلَّفْتُ لَهم جِهازًا لِلسَّفَرِ.

قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ ﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قِيلَ: لا بُدَّ مِن كَلامٍ يَنْشَأُ عَنْهُ طَلَبُهُ لَهم بِأنْ يَأْتُوهُ بِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا رَآهم وكَلَّمُوهُ بِالعِبْرانِيَّةِ قالَ لَهم: ما أنْتُمْ وما شَأْنُكم فَإنِّي أُنْكِرُكم ؟ فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ جِئْنا نَمْتارُ ولَنا أبٌ شَيْخٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ.

قالَ: كَمْ أنْتُمْ ؟ قالُوا عَشَرَةٌ وقَدْ كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ، فَذَهَبَ أخٌ لَنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، وكانَ أحَبَّنا إلى أبِينا، وقَدْ سَكَنَ بَعْدَهُ إلى أخٍ لَهُ أصْغَرَ مِنهُ هو باقٍ لَدَيْهِ يَتَسَلّى بِهِ، فَقالَ لَهم حِينَئِذٍ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ يَعْنِي أخاهُ بِنْيامِينَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.

فَوَعَدُوهُ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَتْرُكُوا أحَدَهم رَهِينَةً عِنْدَهُ حَتّى يَأْتُوهُ بِالأخِ الَّذِي طَلَبَهُ، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتَمِّمُهُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ مَعَ كَوْنِهِ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ تَجْهِيزِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِما يَزِيدُهم وُثُوقًا بِهِ وتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، فَقالَ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيْ والحالُ أنِّي خَيْرُ المُنْزِلِينَ لِمَن نَزَلَ بِي، كَما فَعَلْتُهُ بِكم مِن حُسْنِ الضِّيافَةِ وحُسْنِ الإنْزالِ.

قالَ الزَّجّاجُ: قالَ يُوسُفُ ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم إذا لَمْ يَأْتُوهُ بِهِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ فَلا أبِيعُكم شَيْئًا فِيما بَعْدُ، وأمّا في الحالِ فَقَدْ أوْفاهم كَيْلَهم، ومَعْنى لا تَقْرُبُونِ: لا تَدْخُلُونَ بِلادِي فَضْلًا عَنْ أنْ أُحْسِنَ إلَيْكم وقِيلَ مَعْناهُ: لا أُنْزِلُكم عِنْدِي كَما أنْزَلْتُكم هَذِهِ المَرَّةَ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهم لا يَقْرُبُونَ بِلادَهُ، وتَقْرُبُونِ مَجْزُومٌ إمّا عَلى أنَّ لا ناهِيَةٌ أوْ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ داخِلٌ في حُكْمِهِ كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي تُحْرَمُوا ولا تُقَرَّبُوا فَلَمّا سَمِعُوا مِنهُ ذَلِكَ وعَدُوهُ بِما طَلَبَهُ مِنهم.

فَ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ سَنَطْلُبُهُ مِنهُ، ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ بِما نَقْدِرُ …

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.