قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ قُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍۢ ۚ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْـَٰٔنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ
Said [the king to the women], "What was your condition when you sought to seduce Joseph?" They said, "Perfect is Allah! We know about him no evil." The wife of al-'Azeez said, "Now the truth has become evident. It was I who sought to seduce him, and indeed, he is of the truthful.
.
المُرادُ بِالمَلِكِ هُنا: هو المَلِكُ الأكْبَرُ، وهو الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ الَّذِي كانَ العَزِيزُ وزِيرًا لَهُ، رَأى في نَوْمِهِ لَمّا دَنا فَرَجُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ خَرَجَ مِن نَهْرٍ يابِسٍ سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ جَمْعُ سَمِينٍ وسَمِينَةٍ، في إثْرِهِنَّ سَبْعٌ عِجافٌ: أيْ مَهازِيلُ، وقَدْ أقْبَلَتِ العِجافُ عَلى السِّمانِ فَأكَلَتْهُنَّ.
والمَعْنى: إنِّي رَأيْتُ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ يَأْكُلُهُنَّ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِلِاسْتِحْضارِ، والعِجافُ جَمْعُ عَجْفاءَ، وقِياسُ جَمْعِهِ عُجُفٌ، لِأنَّ فَعْلاءَ وأفْعَلَ لا تُجْمَعُ عَلى فِعالٍ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ عَنِ القِياسِ حَمْلًا عَلى سِمانٍ، وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ مَعْطُوفٌ عَلى سَبْعَ بَقَراتٍ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ خُضْرٍ أنَّهُ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّها، واليابِساتُ الَّتِي قَدْ بَلَغَتِ الحَصادَ، والمَعْنى: وأرى سَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ، وكانَ قَدْ رَأى أنَّ السَّبْعَ السُّنْبُلاتِ اليابِساتِ قَدْ أدْرَكَتِ الخُضْرَ والتَوَتْ عَلَيْها حَتّى غَلَبَتْها، ولَعَلَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِ هَذا في النَّظْمِ القُرْآنِيِّ لِلِاكْتِفاءِ بِما ذُكِرَ مِن حالِ البَقَراتِ. ﴿ياأيُّها المَلَأُ﴾ خِطابٌ لِلْأشْرافِ مِن قَوْمِهِ ﴿أفْتُونِي في رُؤْيايَ﴾ أيْ أخْبَرُونِي بِحُكْمِ هَذِهِ الرُّؤْيا ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ أيْ تَعْلَمُونَ عِبارَةَ الرُّؤْيا، وأصْلُ العِبارَةِ مُشْتَقَّةٌ مِن عُبُورِ النَّهْرِ، فَمَعْنى عَبَرْتُ النَّهْرَ: بَلَغْتُ شاطِئَهُ، فَعابِرُ الرُّؤْيا يُخْبِرُ بِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُها.
قالَ الزَّجّاجُ: اللّامُ في لِلرُّؤْيا لِلتَّبْيِينِ: أيْ إنْ كُنْتُمْ تَعْبُرُونَ، ثُمَّ بَيَّنَ فَقالَ لِلرُّؤْيا وقِيلَ هو لِلتَّقْوِيَةِ، وتَأْخِيرُ الفِعْلِ العامِلِ فِيهِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والأضْغاثُ جَمْعُ ضِغْثٍ، وهو كُلُّ مُخْتَلِطٍ مِن بَقْلٍ أوْ حَشِيشٍ أوْ غَيْرِهِما، والمَعْنى: أخالِيطُ أحْلامٍ جَمْعُ حُلْمٍ: وهي الرُّؤْيا الكاذِبَةُ الَّتِي لا حَقِيقَةَ لَها كَما يَكُونُ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ووَسْواسِ الشَّيْطانِ، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، وجَمَعُوا الأحْلامَ ولَمْ يَكُنْ مِنَ المَلِكِ إلّا رُؤْيا واحِدَةٌ مُبالَغَةً مِنهم في وصْفِها بِالبُطْلانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَأى مَعَ هَذِهِ الرُّؤْيا غَيْرَها مِمّا لَمْ يَقُصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا ﴿وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ المُخْتَلِطَةِ، نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمْ عِلْمَ ما لا تَأْوِيلَ لَهُ، لا مُطْلَقَ العِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ، وقِيلَ إنَّهُما نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمْ عِلْمَ التَّعْبِيرِ مُطْلَقًا ولَمْ يَدَّعُوا أنَّهُ لا تَأْوِيلَ لِهَذِهِ الرُّؤْيا، وقِيلَ إنَّهم قَصَدُوا مَحْوَها مَن صَدْرِ المَلِكِ حَتّى لا يَشْتَغِلَ بِها، ولَمْ يَكُنْ ما ذَكَرُوهُ مَن نَفْيِ العِلْمِ حَقِيقَةً.
﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما﴾ أيْ مِنَ الغُلامَيْنِ، وهو السّاقِي الَّذِي قالَ لَهُ يُوسُفُ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ، [يوسف: ٤٢] وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ بِالدّالِ المُهْمَلَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهي القِراءَةُ الفَصِيحَةُ: أيْ تَذَكَّرَ السّاقِي يُوسُفَ وما شاهَدَهُ مِنهُ مِنَ العِلْمِ بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيا.
وقُرِئَ بِالمُعْجَمَةِ، ومَعْنى بَعْدَ أُمَّةٍ: بَعْدَ حِينٍ، ومِنهُ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ [هود: ٨] أيْ إلى وقْتٍ.
قالَ ابْنِ دَرَسْتُوَيْهِ: والأُمَّةُ لا تَكُونُ عَلى الحِينِ إلّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ وإقامَةِ …