Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 41–50 of 111

41

يَٰصَىٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًۭا ۖ وَأَمَّا ٱلْءَاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ ۚ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ

O two companions of prison, as for one of you, he will give drink to his master of wine; but as for the other, he will be crucified, and the birds will eat from his head. The matter has been decreed about which you both inquire."

ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ تَحْقِيقِ الحَقِّ وبَيانِهِ لَهُما مِقْدارَ عِلْمِهِ الواسِعِ شَرَعَ في إنْبائِهِما عَمّا اسْتَنْبَآهُ عَنْهُ، ولِكَوْنِهِ بَحْثًا مُغايِرًا لِما سَبَقَ فَصْلُهُ عَنْهُ بِتَكْرِيرِ الخِطابِ فَقالَ: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما﴾ أرادَ بِهِ الشَّرابِيَّ، وإنَّما لَمْ يُعَيِّنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثِقَةً بِدَلالَةِ التَّعْبِيرِ مَعَ ما فِيهِ مِن رِعايَةِ حُسْنِ الصُّحْبَةِ ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ أيْ سَيِّدَهُ ﴿خَمْرًا﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ: ما رَأيْتَ مِنَ الكَرْمَةِ وحُسْنِها هو المَلِكُ وحُسْنُ حالِكَ عِنْدَهُ، وأمّا القُضْبانُ الثَّلاثَةُ فَإنَّها ثَلاثَةُ أيّامٍ تَمْضِي في السِّجْنِ ثُمَّ تَخْرُجُ وتَعُودُ إلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ، وقُرِئَ (فَيُسْقِي) بِضَمِّ الياءِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ مِن أسْقى، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يُقالُ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى، وقُرِئَ في السَّبْعَةِ (نَسْقِيكُمْ) و(نُسْقِيكُمْ) بِالفَتْحِ والضَّمِّ، والمَعْرُوفُ

صفحة 246

أنَّ سَقاهُ ناوَلَهُ لِيَشْرَبَ وأسْقاهُ جَعَلَ لَهُ سَقْيًا، ونُسِبَ ضَمُّ الياءِ لِعِكْرِمَةَ، والجَحْدَرِيِّ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ عِكْرِمَةَ قَرَأ (فَيُسْقى) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، و–رَيِّهِ- بِالياءِ المُثَنّاةِ والرّاءِ المَكْسُورَةِ، والمُرادُ بِهِ ما يُرْوى بِهِ وهو مَفْعُولٌ ثانٍ –لِيَسْقِي- والمَفْعُولُ الأوَّلُ الضَّمِيرُ النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ العائِدِ عَلى أحَدٍ، ونُصِبَ (خَمْرًا) حِينَئِذٍ عَلى التَّمْيِيزِ﴿وأمّا الآخَرُ﴾ وهو الخَبّازُ ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ: ما رَأيْتَ مِنَ السِّلالِ الثَّلاثِ ثَلاثَةَ أيّامٍ تَمُرُّ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُصْلَبُ (قُضِيَ) أتَمَّ وأُحْكِمَ ﴿الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ وهو ما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُكُما وتَدُلُّ عَلَيْهِ رُؤْياكُما مِن نَجاةِ أحَدِكُما وهَلاكِ الآخَرِ، ومَعْنى اسْتِفْتائِهِما فِيهِ سُؤالُهُما عَنْهُ، أخْرَجَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ما رَأى صاحِبا يُوسُفَ شَيْئًا إنَّما تَحالَما لِيُجَرِّبا عِلْمَهُ فَلَمّا أوَّلَ رُؤْياهُما قالا: إنَّما كُنّا نَلْعَبُ ولَمْ نَرَ شَيْئًا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ( قُضِيَ الأمْرُ ) إلَخْ يَقُولُ: وقَعَتِ العِبارَةُ اهـ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأمْرِ ما اتُّهِما بِهِ، والكَلامُ حِينَئِذٍ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ عاقِبَةُ ذَلِكَ.

وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ المُرادَ بِهِ ما رَأياهُ مِنَ الرُّؤْيَتَيْنِ، ونَفى أنْ يَكُونَ المُرادُ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُما، قالَ: لِأنَّ الِاسْتِفْتاءَ إنَّما يَكُونُ في الحادِثَةِ لا في حُكْمِها يُقالُ: اسْتَفْتى الفَقِيهُ في الحادِثَةِ أيْ طَلَبَ مِنهُ بَيانَ حُكْمِها ولا يُقالُ: اسْتَفْتاهُ في حُكْمِها وكَذا الإفْتاءُ، يُقالُ: أفْتى في الواقِعَةِ الفُلانِيَّةِ بِكَذا ولا يُقالُ: أفْتى في حُكْمِها بِكَذا؛ ومِمّا هو عِلْمٌ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ﴾ ومَعْنى اسْتِفْتائِهِما فِيهِ طَلَبَهُما لِتَأْوِيلِهِ بِقَوْلِهِما ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالأمْرِ وعَنْ طَلَبِ تَأْوِيلِهِ بِالِاسْتِفْتاءِ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ إذْ الِاسْتِفْتاءُ إنَّما يَكُونُ في النَّوازِلِ المُشَكِّلَةِ الحُكْمِ المُبْهَمَةِ الجَوابِ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِما أنَّهُما بِصَدَدِ الِاسْتِفْتاءِ إلى أنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَوابِ وطَرَهُ، وإسْنادُ القَضاءِ إلَيْهِ مَعَ أنَّهُ مِن …

42

وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍۢ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ

And he said to the one whom he knew would go free, "Mention me before your master." But Satan made him forget the mention [to] his master, and Joseph remained in prison several years.

﴿وقالَ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ﴾ أُوثِرَ عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ مُبالَغَةً في الدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ النَّجاةِ حَسْبَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ إلَخْ، وهو السِّرُّ في إيثارِ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنْ يُقالَ: لِلَّذِي ظَنَّهُ ناجِيًا ﴿مِنهُما﴾ أيْ مِن صاحِبَيْهِ، وإنَّما ذَكَرَ بِوَصْفِ النَّجاةِ تَمْهِيدًا لِمَناطِ التَّوْصِيَةِ بِالذِّكْرِ بِما يَدُورُ عَلَيْهِ الِامْتِيازُ بَيْنَهُ وبَيْنَ صاحِبِهِ المَذْكُورِ بِوَصْفِ الهَلاكِ، والظّانُّ هو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا صاحِبُهُ، وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ لِأنَّ التَّوْصِيَةَ لا تَدُورُ عَلى ظَنِّ النّاجِي بَلْ عَلى ظَنِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو بِمَعْنى اليَقِينِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ ونَظائِرِهِ.

ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِهِ مِن بابِ إرْخاءِ العِنانِ والتَّأدُّبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى فالتَّعْبِيرُ عَلى هَذا بِالوَحْيِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ( قُضِيَ الأمْرُ ) إلَخْ، وقِيلَ: هو بِمَعْناهُ، والتَّعْبِيرُ بِالِاجْتِهادِ والحُكْمُ بِقَضاءِ الأمْرِ أيْضًا اجْتِهادِيٌّ، واسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ: إنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيا ظَنِّيٌّ لا قَطْعِيٌّ، والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ –لِناجٍ- أوِ الحالِ مِنَ المَوْصُولِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا –بِناجٍ- لِأنَّهُ لَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ ﴿اذْكُرْنِي﴾ بِما أنا عَلَيْهِ مِنَ الحالِ والصِّفَةِ.

﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ سَيِّدِكَ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا انْتَهى بِالنّاجِي في اليَوْمِ الثّالِثِ إلى بابِ السِّجْنِ قالَ لَهُ: أوْصِنِي بِحاجَتِكَ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: حاجَتِي أنْ تَذْكُرَنِي عِنْدَ رَبِّكَ وتَصِفَنِي بِصِفَتِيِ الَّتِي شاهَدْتَها ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ أنْسى ذَلِكَ النّاجِيَ بِوَسْوَسَتِهِ وإلْقائِهِ في قَلْبِهِ أشْغالًا حَتّى يُذْهَلَ عَنِ الذِّكْرِ، وإلّا فالإنْساءُ حَقِيقَةً لِلَّهِ تَعالى، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ فَإنَّ تَوْصِيَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ المُتَضَمِّنَةَ لِلِاسْتِعانَةِ بِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كانَتْ باعِثَةً لِما ذَكَرَ مِن إنْسائِهِ ﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أيْ ذِكْرَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ المَلِكِ، والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذِكْرِ إخْبارِ رَبِّهِ (فَلَبِثَ) أيْ فَمَكَثَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَوْلِ أوِ الإنْساءِ ﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ مِنَ الثَّلاثِ إلى السَّبْعِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ الواحِدِ إلى العَشَرَةِ، ولا يُذْكَرُ عَلى ما قالَ الفَرّاءُ: إلّا مَعَ العَشَراتِ دُونَ المِائَةِ والألْفِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ البِضْعِ بِمَعْنى القَطْعِ؛ والمُرادُ بِهِ هُنا في أكْثَرِ الأقاوِيلِ سَبْعُ سِنِينَ وهي مُدَّةُ لُبْثِهِ كُلُّها فِيما صَحَّحَهُ البَعْضُ، وسَنَتانِ مِنها كانَتْ مُدَّةَ لُبْثِهِ بَعْدَ ذَلِكَ القَوْلِ، ولا يَأْبى ذَلِكَ فاءُ السَّبَبِيَّةِ لِأنَّ لُبْثَ هَذا المَجْمُوعِ مُسَبَّبٌ عَمّا ذُكِرَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ السَّبْعَ مُدَّةُ لُبْثِهِ بَعْدَ ذَلِكَ القَوْلِ، وقَدْ لَبِثَ قَبْلَها خَمْسًا فَجَمِيعُ المُدَّةِ اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، ويَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ «”رَحِمَ اللَّهُ تَعالى أخِي يُوسُفَ لَوْ لَمْ يَقُلِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ لَما لَبِثَ في السِّجْنِ سَبْعًا بَعْدَ

صفحة 248

خَمْسٍ“،» وتُعُقِّبَ بِأنَّ …

43

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍۢ ۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ

And [subsequently] the king said, "Indeed, I have seen [in a dream] seven fat cows being eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry. O eminent ones, explain to me my vision, if you should interpret visions."

﴿وقالَ المَلِكُ﴾ وهو الرَّيّانُ وكانَ كافِرًا، فَفي إطْلاقِ ذَلِكَ عَلَيْهِ دَلالَةٌ عَلى ما قِيلَ: عَلى جَوازِ تَسْمِيَةِ الكافِرِ مَلِكًا، ومَنَعَهُ بَعْضُهم وكَذا مَنَعَ أنْ يُقالَ: لَهُ أمِيرٌ احْتِجاجًا بِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَتَبَ إلى هِرَقْلَ ”عَظِيمِ الرُّومِ“ ولَمْ يَكْتُبْ مِلْكَ الرُّومِ أوْ أمِيرَهم لِما فِيهِ مِن إيهامِ كَوْنِهِ عَلى الحَقِّ، وجَعَلَ هَذا حِكايَةَ اسْمٍ مَضى حُكْمُهُ وتَصَرَّمَ وقْتُهُ، ومِثْلُهُ لا يَضُرُّ أيْ قالَ لِمَن عِنْدَهُ: ﴿إنِّي أرى﴾ أيْ رَأيْتُ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ ﴿سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ﴾ مُمْتَلِئاتٍ لَحْمًا وشَحْمًا مِن سَمْنٍ كَسَمِعَ سَمانَةً بِالفَتْحِ، وسِمَنًا كَعِنَبٍ فَهو سامِنٌ وسَمِينٌ، وذُكِرَ أنَّ سَمِينًا وسَمِينَةٌ تُجْمَعُ عَلى سِمانٍ فَهو كَكِرامٍ جَمْعِ كَرِيمٍ وكَرِيمَةٍ، يُقالُ: رِجالٌ كِرامٌ ونِسْوَةٌ كِرامٌ ﴿يَأْكُلُهُنَّ﴾ أيْ أكَلَهُنَّ، والعُدُولُ إلى المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ تَعْجِيبًا، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ البَقَراتِ أوْ صِفَةً لَها ﴿سَبْعٌ عِجافٌ﴾ أيْ سَبْعُ بَقَراتٍ مَهْزُولَةٍ جِدًّا مِن قَوْلِهِمْ: نَصْلٌ أعْجَفُ أيْ دَقِيقٌ وهو جَمْعُ عَجْفاءَ عَلى خِلافِ القِياسِ، والقِياسُ عُجْفٌ كَحَمْراءَ وحُمْرٍ، فَإنَّ فَعْلاءَ وأفْعَلُ لا يُجْمَعُ عَلى فِعالٍ لَكِنَّهم بَنَوْهُ عَلى ( سِمانٍ ) وهم قَدْ يَبْنُونَ الشَّيْءَ عَلى ضِدِّهِ كَقَوْلِهِمْ: عَدُوَّةٌ بِالهاءِ لِمَكانِ صَدِيقَةٍ، وفَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ لا تَدْخُلُهُ الهاءُ، وأجْرى ( سِمانٍ ) عَلى المُمَيَّزِ فَجُرَّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لَهُ، ولَمْ يُنْصَبْ عَلى أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْعَدَدِ المُمَيَّزِ لِأنَّ وصْفَ تَمْيِيزِهِ وصْفٌ لَهُ مَعْنًى، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّهُ إذا وُصِفَ التَّمْيِيزُ كانَ التَّمْيِيزُ بِالنَّوْعِ، وإذا وُصِفَ المُمَيَّزُ كانَ التَّمْيِيزُ بِالجِنْسِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أوْلى وأبْلَغُ لِاشْتِمالِ النَّوْعِ عَلى الجِنْسِ فَهو أزْيَدُ في رَفْعِ الإبْهامِ المَقْصُودِ مِنَ التَّمْيِيزِ، فَلِهَذا رُجِّحَ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى غَيْرِهِ ولَمْ يَقُلْ:

صفحة 249

( سَبْعُ عِجافٍ) بِالإضافَةِ، وجَعَلَهُ صِفَةً لِلتَّمْيِيزِ المُقَدَّرِ عَلى قِياسِ ما قَبْلَهُ -لِأنَّ التَّمْيِيزَ لِبَيانِ الجِنْسِ والحَقِيقَةِ والوَصْفِ- لا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ عَلى شَيْءٍ ما لَهُ حالٌ وصِفَةٌ، فَلِذا ذَكَرُوا أنَّ التَّمْيِيزَ يَكُونُ بِاسْمِ الجِنْسِ الجامِدِ ولا يَكُونُ بِالوَصْفِ المُشْتَقِّ في فَصِيحِ الكَلامِ، فَتَقُولُ: عِنْدِي ثَلاثُونَ قُرَشِيُّونَ ولا تَقُولُ قُرَشِيِّينَ بِالإضافَةِ، وأمّا قَوْلُكَ: ثَلاثَةُ فُرْسانٍ وخَمْسَةُ رُكْبانٍ فَلِجَرَيانِ الفارِسِ والرّاكِبِ مَجْرى الأسْماءِ لِاسْتِعْمالِها في الأغْلَبِ مِن غَيْرِ مَوْصُوفٍ.

واعْتَرَضَ صاحِبُ الفَرائِدِ بِأنَّ الأصْلَ في العَدَدِ التَّمْيِيزُ بِالإضافَةِ فَإذا وُصِفَ السَّبْعُ بِالعِجافِ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ إلَيْهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الوَصْفِ -وتَقْدِيرِ المُضافِ إلَيْهِ- خِلافُ الأصْلِ أمّا إذا أُضِيفَ كانَتِ الصِّفَةُ قائِمَةً مَقامَ المَوْصُوفِ فَقَوْلُنا: ( سَبْعٌ عِجافٌ ) في قُوَّةِ قَوْلِنا: سَبْعُ بَقَراتٍ عِجافٍ، فالتَّمْيِيزُ المَطْلُوبُ بِالإضافَةِ حاصِلٌ بِالإضافَةِ إلى الصِّفَةِ لِقِيامِها مَقامَ المَوْصُوفِ، فَكَما يَجُوزُ سَبْعُ بَقَراتٍ عِجافٍ يَجُوزُ سَبْعٌ عِجافٌ، وإنَّما لَمْ يُضَفْ لِأنَّهُ قائِمٌ مَقامَ البَقَراتِ وهي مَوْصُوفَةٌ بِعِجافٍ فَكانَتْ مِن قَبِيلِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ وهي غَيْرُ جائِزَةٍ إلّا بِتَأْوِيلٍ، …

44

قَالُوٓا۟ أَضْغَٰثُ أَحْلَٰمٍۢ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ

They said, "[It is but] a mixture of false dreams, and we are not learned in the interpretation of dreams."

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ المَلَأُ لِلْمَلِكِ إذْ قالَ لَهم ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: قالُوا: هي ﴿أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ أيْ هي ( أضْغاثُ) إلَخْ، وهي جَمْعُ ضِغْثٍ وهو أقَلُّ مِنَ الحُزْمَةِ وأكْثَرُ مِنَ القَبْضَةِ مِن أخْلاطَ النَّباتِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى ما كانَ مِن جِنْسٍ واحِدٍ كَما في قَوْلِهِ:

خُودٌ كَأنَّ فِراشَها وضَعَتْ بِهِ أضْغاثَ رَيْحانٍ غَداةَ شَمالٍ

وجَعَلَ مِن ذَلِكَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ﴾ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ عِثْكالًا مِنَ النَّخْلِ فَضَرَبَ بِهِ، وفي الكَشّافِ أنَّ (أضْغاثُ الأحْلامٍ) تَخالِيطُها وأباطِيلُها وما يَكُونُ مِنها مِن حَدِيثِ نَفْسٍ أوْ وسْوَسَةِ شَيْطانٍ، وقَدِ اسْتُعِيرَتْ لِذَلِكَ، وأصْلُها ما جُمِعَ مِن أخْلاطِ النَّباتِ وحُزَمِهِ وإضافَتُها عَلى مَعْنى مِن أيِّ أضْغاثٍ مِن أحْلامٍ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ الأضْغاثَ إذا اسْتُعِيرَتْ لِلْأحْلامِ الباطِلَةِ، والأحْلامُ مَذْكُورَةٌ، ولَفْظُ هي المُقَدَّرُ عِبارَةٌ عَنْ رُؤْيا مَخْصُوصَةٍ فَقَدْ ذُكِرَ المُسْتَعارُ والمُسْتَعارُ لَهُ، وذَلِكَ مانِعٌ مِن الِاسْتِعارَةِ عَلى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ، وقَدْ أجابَ الكَثِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِما لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في تَقْرِيرِ ذاكَ وجْهَيْنِ.

الأوَّلُ أنَّهُ يُرِيدُ أنَّ حَقِيقَةَ الأضْغاثِ أخْلاطُ النَّباتِ فَشَبَّهَ بِهِ التَّخالِيطَ والأباطِيلَ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَتْ أحْلامًا أمْ غَيْرَها، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الصِّحاحِ، والأساسُ: ضِغْثُ الحَدِيثِ خَلْطُهُ، ثُمَّ أُرِيدَ هُنا بِواسِطَةِ الإضافَةِ أباطِيلُ مَخْصُوصَةٌ فَطَرَفا الِاسْتِعارَةِ أخْلاطُ النَّباتِ والأباطِيلُ المُلْفَقاتُ، فالأحْلامُ ورُؤْيا المَلِكِ خارِجانِ عَنْهُما فَلا يَضُرُّ ذِكْرُهُما كَما إذا قُلْتَ: رَأيْتُ أسَدَ قُرَيْشٍ فَهو قَرِينَةٌ أوْ تَجْرِيدٌ، وقَوْلُهُ: تَخالِيطُها تَفْسِيرٌ لَهُ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، وقَوْلُهُ: وقَدِ اسْتُعِيرَتْ لِذَلِكَ إشارَةً إلى التَّخالِيطِ.

الثّانِي أنَّ الأضْغاثَ اسْتُعِيرَتْ لِلتَّخالِيطِ الواقِعَةِ في الرُّؤْيا الواحِدَةِ فَهي أجْزاؤُها لا عَيْنُها فالمُسْتَعارُ مِنهُ حُزَمُ النَّباتِ والمُسْتَعارُ لَهُ أجْزاءُ الرُّؤْيا، وهَذا كَما إذا اسْتَعَرْتَ الوَرْدَ لِلْخَدِّ، ثُمَّ قُلْتَ: شَمَمْتُ ورْدَ هِنْدٍ مَثَلًا فَإنَّهُ لا يُقالُ: إنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ الطَّرَفانِ اهـ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وارْتِكابِ غَيْرِ الظّاهِرِ.

واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم كَوْنَ ( أضْغاثُ أحْلامٍ ) مِن قَبِيلِ لُجَيْنِ الماءِ، ولا يَخْفى أنَّهُ سالِمٌ عَمّا أوْرَدَ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ إلّا أنَّ صاحِبَ الأساسِ قَدْ صَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ المَجازِ، والمُتَبادِرُ مِنهُ المَجازُ المُتَعارَفُ الَّذِي لا يُطْلَقُ عَلى ما ذُكِرَ، ولَعَلَّ الأمْرَ في ذَلِكَ سَهْلٌ، والأحْلامُ جَمْعُ حُلُمٍ بِضَمَّةٍ وبِضَمَّتَيْنِ المَناماتُ الباطِلَةُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ جَمْعٌ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الرُّؤْيا والحُلْمُ عِبارَةٌ عَمّا يَراهُ النّائِمُ مُطْلَقًا لَكِنْ غَلَبَتِ الرُّؤْيا عَلى ما يَراهُ مِنَ الخَيْرِ والشَّيْءِ الحَسَنِ، وغَلَبَ الحُلْمُ عَلى خِلافِهِ، وفي الحَدِيثِ: «”الرُّؤْيا مِنَ اللَّهِ تَعالى والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطانِ“،» وقالَ التُّورَبَشْتِيُّ: الحُلْمُ عِنْدَ العَرَبِ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الرُّؤْيا، والتَّفْرِيقُ مِن الِاصْطِلاحاتِ الَّتِي سَنَّها الشّارِعُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ كَأنَّهُ كَرِهَ أنْ يُسَمِّيَ ما كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وما كانَ …

45

وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ

But the one who was freed and remembered after a time said, "I will inform you of its interpretation, so send me forth."

﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما﴾ أيْ صاحِبَيْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو الشَّرابِيُّ ﴿وادَّكَرَ﴾ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وأصْلُهُ اذْتَكَرَ أُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا وأُدْغِمَتِ الدّالُ فِيها.

وقَرَأ الحَسَنُ –اذَّكَرَ- بِإبْدالِ التّاءِ ذالًا مُعْجَمَةً وإدْغامِ الذّالِ المُعْجَمَةِ فِيها، والقِراءَةُ الأُولى أفْصَحُ، والمَعْنى عَلى كِلَيْهِما تَذَكَّرَ ما سَبَقَ لَهُ مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أيْ طائِفَةٍ مِنَ الزَّمانِ ومُدَّةٍ طَوِيلَةٍ.

وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ (إمَّةٍ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ المِيمِ أيْ نِعْمَةٍ عَلَيْهِ بَعْدَ نِعْمَةٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ خَلاصُهُ مِنَ القَتْلِ والسَّجْنِ وإنْعامُ مَلِكِهِ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا جاءَ قَوْلُهُ:

ألا لا أرى ذا (إمَّةٍ) أصْبَحَتْ بِهِ فَتَتْرُكُهُ الأيّامُ وهي كَما هِيَ

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُرادُ بَعْدَ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِها عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي تَقْرِيبُ إطْلاقِهِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم –وأُمَّةٍ- وأمَهٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمِ المُخَفَّفَةِ وهاءٍ مُنَوَّنَةٍ مِن أمَهَ يَأْمَهُ أمَهًا إذا نَسِيَ، وجاءَ في المَصْدَرِ –أمْهٌ- بِسُكُونِ المِيمِ أيْضًا، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةِ وشَبِيلِ بْنِ عَزَرَةَ الضَّبْعِيِّ أنَّهم قَرَأُوا بِذَلِكَ ولا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ القَوْلِ والمَقُولِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِن ضَمِيرِهِ في الصِّلَةِ، ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى تَقْدِيرِ قَدْ عَلى المَشْهُورِ، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى نَجا ولَيْسَ بِشَيْءٍ -كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ- لِأنَّ حَقَّ كُلٍّ مِنَ الصِّلَةِ والصِّفَةِ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الِانْتِسابِ إلى المَوْصُولِ والمَوْصُوفِ عِنْدَ المُخاطَبِ كَما عِنْدَ المُتَكَلِّمِ، ومِن هُنا قِيلَ: الأوْصافُ قَبْلَ العِلْمِ بِها أخْبارٌ والأخْبارُ بَعْدَ العِلْمِ بِها أوْصافٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَذَكُّرَهُ بَعْدَ أُمَّةٍ إنَّما عُلِمَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ فَلا مَعْنى لِنَظْمِهِ مَعَ نَجاتِهِ المَعْلُومَةِ مِن قَبْلُ في سَلْكِ الصِّلَةِ ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ أُخْبِرُكم بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ الَّذِي خَفِيَ أمْرُهُ بِالتَّلَقِّي مِمَّنْ عِنْدَهُ عِلْمُهُ لا مِن تِلْقاءِ نَفْسِي ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ أُفْتِيكم في ذَلِكَ، وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسِلُونِ﴾ إلى مَن عِنْدَهُ عِلْمُهُ، وأرادَ بِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ حِرْصًا عَلى أنْ يَكُونَ هو المُرْسَلَ إلَيْهِ فَإنَّهُ لَوْ ذَكَرَهُ فَلَرُبَّما أرْسَلُوا غَيْرَهُ، وضَمِيرُ الجَمْعِ إمّا لِأنَّهُ أرادَ المَلِكَ وحْدَهُ لَكِنْ خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ كَما هو المَعْرُوفُ في خِطابِ المُلُوكِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ مَقالَةَ القَوْمِ جَثى بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ وقالَ: إنْ في السِّجْنِ رَجُلًا عالِمًا يَعْبُرُ الرُّؤْيا فابْعَثُونِي إلَيْهِ فَبَعَثُوهُ، وكانَ السِّجْنُ -عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما- في غَيْرِ مَدِينَةِ المَلِكِ، وقِيلَ: كانَ فِيها، قالَ أبُو حَيّانَ ويَرْسُمُ النّاسُ اليَوْمَ سِجْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَوْضِعِ النِّيلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفُسْطاطِ ثَمانِيَةُ أمْيالٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ -أنا آتِيكُمْ- مُضارِعُ أتى مِنَ …

46

يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍۢ لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ

[He said], "Joseph, O man of truth, explain to us about seven fat cows eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry - that I may return to the people; perhaps they will know [about you]."

﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ فَأرْسَلُوهُ فَأتاهُ فَقالَ: يا يُوسُفُ، ووَصَفَهُ بِالمُبالَغَةِ في الصِّدْقِ حَسْبَما عَلِمَهُ وجَرَّبَ أحْوالَهُ في مُدَّةِ إقامَتِهِ مَعَهُ في السَّجْنِ لِكَوْنِهِ بِصَدَدِ اغْتِنامِ آثارِهِ واقْتِباسِ أنْوارِهِ، فَهو مِن بابِ بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلّا أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْتَفْتِي أنْ يُعَظِّمَ المُفْتِي، واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُما لَمْ يَكْذِبا عَلى يُوسُفَ في مَنامِهِما وأنَّهُما كَذَبا في قَوْلِهِما: كَذَبْنا إنْ ثَبَتَ.

﴿أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعِ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ﴾ أيْ في رُؤْيا ذَلِكَ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِوُضُوحِ مَرامِهِ بِقَرِينَةِ ما سَبَقَ مِن مُعامَلَتِهِما ولِدَلالَةِ مَضْمُونِ الحادِثَةِ عَلَيْهِ حَيْثُ إنَّ مِثْلَهُ لا يَقَعُ في عالَمِ الشَّهادَةِ، والمَعْنى بَيِّنَ لَنا مَآلَ ذَلِكَ وحُكْمَهُ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإفْتاءِ، ولَمْ يَقُلْ كَما قالَ هو وصاحِبُهُ أوَّلًا ﴿نَبِّئْنا) بِتَأْوِيلِهِ﴾ -تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ عايَنَ رُتْبَتَهُ في الفَضْلِ- ولَمْ يَقُلْ: أفْتِنِي مَعَ أنَّهُ المُسْتَفْتِي وحْدَهُ إشْعارًا بِأنَّ الرُّؤْيا لَيْسَتْ لَهُ بَلْ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ مُلابَسَةٌ بِأُمُورِ العامَّةِ وأنَّهُ في ذَلِكَ مَعْبَرٌ وسَفِيرٌ، ولِذا لَمْ يُغَيِّرْ لَفْظَ المَلِكِ، ويُؤْذِنُ بِهَذا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ أيْ إلى المَلِكِ ومَن عِنْدَهُ، أوْ إلى أهْلِ البَلَدِ فَأُنَبِّئُهم بِما أفْتَيْتَ ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ ويَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاهُ، أوْ يَعْلَمُونَ فَضْلَكَ ومَكانَكَ مَعَ ما أنْتَ فِيهِ مِنَ الحالِ فَتَتَخَلَّصُ مِنهُ، والجُمْلَةُ عِنْدَ أبِي حَيّانَ عَلى الأوَّلِ كالتَّعْلِيلِ لِلرُّجُوعِ، وعَلى الثّانِي كالتَّعْلِيلِ –لِأفْتِنا- وإنَّما لَمْ يَبُتَّ القَوْلَ بَلْ قالَ: (لَعَلِّي) و(لَعَلَّهُمْ) مُجاراةً مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى نَهْجِ الأدَبِ واحْتِرازًا عَنِ المُجازَفَةِ إذْ لَمْ يَكُنْ عَلى يَقِينٍ مِنَ الرُّجُوعِ:

فَبَيْنَما المَرْءُ في الأحْياءِ مُغْتَبِطٌ إذا هو الرَّمْسُ تَعْفُوهُ الأعاصِيرُ

ولا مِن عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ فَرُبَّما لَمْ يَعْلَمُوهُ إمّا لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ أوْ لِعَدَمِ اعْتِمادِهِمْ

47

قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًۭا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تَأْكُلُونَ

[Joseph] said, "You will plant for seven years consecutively; and what you harvest leave in its spikes, except a little from which you will eat.

﴿قالَ﴾ مُسْتَأْنِفٌ عَلى قِياسِ ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ قَرَأ حَفْصٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والجُمْهُورُ بِإسْكانِها، وقُرِئَ –دابًا- بِألْفٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ عَلى التَّخْفِيفِ، وهو في كُلِّ ذَلِكَ مَصْدَرٌ –لِدَأْبٍ- وأصْلُ مَعْناهُ التَّعَبُ، ويُكَنّى بِهِ عَنِ العادَةِ المُسْتَمِرَّةِ لِأنَّها تَنْشَأُ مِن مُداوَمَةِ العَمَلِ اللّازِمِ لَهُ التَّعَبُ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿تَزْرَعُونَ﴾ أيْ دائِبِينَ، أوْ ذَوِي دَأْبٍ، وأُفْرِدَ لِأنَّ المَصْدَرَ الأصْلُ فِيهِ الإفْرادُ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ تَدْأبُونَ دَأبًا.

والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أيْضًا، وعِنْدَ المُبَرِّدِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ –لِتَزْرَعُونَ- وذَلِكَ عِنْدَهُ نَظِيرُ قَعَدَ القُرْفُصاءَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَدْ أوَّلَ عَلَيْهِ السَّلامُ البَقَراتِ السِّمانِ والسُّنْبُلاتِ الخُضْرِ بِسِنِينَ مَخاصِيبَ، والعِجافُ واليابِساتُ بِسِنِينَ مُجْدِبَةٍ، فَأخْبَرَهم بِأنَّهم يُواظِبُونَ عَلى الزِّراعَةِ سَبْعَ سِنِينَ ويُبالِغُونَ فِيها إذْ بِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ الخِصْبُ الَّذِي هو مِصْداقُ البَقَراتِ السِّمانِ وتَأْوِيلِها، وقِيلَ: المُرادُ الأمْرُ بِالزِّراعَةِ كَذَلِكَ، فالجُمْلَةُ خَبَرٌ لَفْظًا أمْرٌ مَعْنًى، وأُخْرِجَ عَلى صُورَةِ الخَبَرِ مُبالَغَةً في إيجابِ إيجادِهِ حَتّى كَأنَّهُ وقَعَ وأُخْبِرَ عَنْهُ، وأُيِّدَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَما حَصَدْتُمْ﴾ أيْ في كُلِّ سَنَةٍ.

﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ ولا تَذَرُوهُ كَيْلا يَأْكُلَهُ السُّوسُ كَما هو شَأْنُ غِلالِ مِصْرَ ونَواحِيها إذا مَضى عَلَيْها نَحْوُ عامَيْنِ، ولَعَلَّهُ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالسُّنْبُلاتِ الخُضْرِ يُناسِبُ كَوْنَهُ أمْرًا مِثْلَهُ، قِيلَ: لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤَوَّلْ ذَلِكَ بِالأمْرِ لَزِمَ عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ لِأنَّ –ما- إمّا شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَلِكَوْنِ الجَزاءِ إنْشاءً

صفحة 255

تَكُونُ إنْشائِيَّةً مَعْطُوفَةً عَلى خَبَرِيَّةٍ.

وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ الَّتِي جَوابُها إنْشائِيٌّ إنْشائِيَّةٌ، ولَوْ سَلِمَ فَلا نُسَلِّمُ العَطْفَ بَلِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لِنُصْحِهِمْ وإرْشادِهِمْ إلى ما يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلُوهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُعْتادًا لَهم كَما كانَ الزَّرْعُ كَذَلِكَ، أوْ هي جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ إنْ زَرَعْتُمْ ﴿فَما حَصَدْتُمْ﴾ إلَخْ، وأيْضًا يَحْتَمِلُ الأمْرُ عَكْسَ ما ذَكَرُوهُ بِأنْ يَكُونَ ذَرُوهُ بِمَعْنى تَذَرُوهُ، وأُبْرِزَ في صُورَةِ الأمْرِ لِأنَّهُ بِإرْشادِهِ فَكَأنَّهم أمَرَهم بِهِ، والتَّحْقِيقُ ما في الكَشْفِ مِن أنَّ الأظْهَرَ أنَّ ﴿تَزْرَعُونَ﴾ عَلى أصْلِهِ لِأنَّهُ تَأْوِيلُ المَنامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الآتِي: ﴿ثُمَّ يَأْتِي﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ﴾ اعْتِراضٌ اهْتِمامًا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِشَأْنِهِمْ قَبْلَ تَتْمِيمِ التَّأْوِيلِ، وفِيهِ ما يُؤَكِّدُ أمْرَ السّابِقِ واللّاحِقِ كَأنَّهُ قَدْ كانَ فَهو يَأْمُرُهم بِما فِيهِ صَلاحُهم وهَذا هو النَّظْمُ المُعْجِزُ، انْتَهى.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ -ما حَصَدْتُمْ- إلَخْ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ﴿تَزْرَعُونَ﴾ بِمَعْنى ازْرَعُوا داخِلًا في العِبارَةِ، فَإنَّ أكْلَ السَّبْعِ العِجافِ السَّبْعَ السِّمانَ وغَلَبَةَ السُّنْبُلاتِ اليابِساتِ الخُضْرَ دالٌّ عَلى أنَّهم يَأْكُلُونَ في السِّنِينَ المُجْدِبَةِ ما حَصَلَ في السِّنِينَ المُخْصِبَةِ، وطَرِيقُ بَقائِهِ تَعْلَمُوهُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَبَقِيَ لَهم في تِلْكَ …

48

ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌۭ شِدَادٌۭ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تُحْصِنُونَ

Then will come after that seven difficult [years] which will consume what you saved for them, except a little from which you will store.

﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ السِّنِينَ السَّبْعِ المَذْكُوراتِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ مِن بَعْدِهِنَّ قَصْدًا إلى تَفْخِيمِ شَأْنِهِنَّ ﴿سَبْعٌ شِدادٌ﴾ أيْ سَبْعُ سِنِينَ صِعابٍ عَلى النّاسِ، وحَذْفُ التَّمْيِيزِ لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أيْ ما ادَّخَرْتُمْ في تِلْكَ السِّنِينَ مِنَ الحُبُوبِ المَتْرُوكَةِ في سَنابِلِها لِأجْلِهِنَّ، وإسْنادُ الأكْلِ إلَيْهِنَّ مَعَ أنَّهُ حالُ النّاسِ فِيهِنَّ مَجازِيٌّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( والنَّهارُ مُبَصِّرًا ) واللّامُ في (لَهُنَّ) تَرْشِيحٌ لِذَلِكَ، وكانَ الدّاعِي إلَيْهِ التَّطْبِيقَ بَيْنَ المُعَبَّرِ والمُعَبَّرِ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ لِلْمُشاكَلَةِ لِما وقَعَ في الواقِعَةِ.

وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الأكْلَ بِالإفْناءِ كَما في قَوْلِهِمْ: أكَلَ السَّيْرُ لَحْمَ النّاقَةِ أيْ أفْناهُ وذَهَبَ بِهِ ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ أيْ تُحْرِزُونَهُ وتُخَبِّئُونَهُ لِبُرُوزِ الزِّراعَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصْنِ وهو الحِرْزُ والمَلْجَأُ

49

ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌۭ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ

Then will come after that a year in which the people will be given rain and in which they will press [olives and grapes]."

﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيِ السِّنِينَ المَوْصُوفَةِ بِما ذُكِرَ مِنَ الشِّدَّةِ وأكْلِ المُدَّخَرِ مِنَ الحُبُوبِ ﴿عامٌ﴾ هو كالسَّنَةِ لَكِنَّ كَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ فِيما فِيهِ الرَّخاءُ والخِصْبُ، والسُّنَّةُ فِيما فِيهِ الشِّدَّةُ والجَدْبُ ولِهَذا يُعَبَّرُ عَنِ الجَدْبِ بِالسَّنَةِ، وكَأنَّهُ تَحاشِيًا عَنْ ذَلِكَ وتَنْبِيهًا مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى اخْتِلافِ الحالِ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّوابِقِ عَبَّرَ بِهِ دُونَ السَّنَةِ ﴿فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ أيْ يُصِيبُهم غَيْثٌ أيْ مَطَرٌ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والجُمْهُورُ فَهو مِن غاثَ الثُّلاثِيِّ اليائِيِّ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ:

صفحة 256

غُثْنا ماشِيَتَنا؛ وقَوْلُ بَعْضِهِمْ أذى البَراغِيثُ إذا البَراغِيثُ، وقِيلَ: هو مِنَ الغَوْثِ أيِ الفَرَجِ، يُقالُ: أغاثَنا اللَّهُ تَعالى إذا أمَدَّنا بِرَفْعِ المَكارِهِ حِينَ أظَلَّتْنا فَهو رُباعِيٌّ واوِيٌّ ﴿وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ مِنَ العَصْرِ المَعْرُوفِ أيْ يَعْصِرُونَ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْصَرَ مِنَ العِنَبِ والقَصَبِ والزَّيْتُونِ والسِّمْسِمِ ونَحْوِها مِنَ الفَواكِهِ لِكَثْرَتِها، والتَّعَرُّضُ لِذِكْرِهِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مَعَ جَوازِ الِاكْتِفاءِ عَنْهُ بِذِكْرِ الغَيْثِ المُسْتَلْزِمِ لَهُ عادَةً كَما اكْتَفى بِهِ عَنْ ذِكْرِ تَصْرِيفِهِمْ في الحُبُوبِ: إمّا لِأنَّ اسْتِلْزامَ الغَيْثِ لَهُ لَيْسَ كاسْتِلْزامِهِ لِلْحُبُوبِ إذِ المَذْكُوراتُ يَتَوَقَّفُ صَلاحُها عَلى أُمُورٍ أُخْرى غَيْرِ المَطَرِ، وإمّا لِمُراعاةِ جانِبِ المُسْتَفْتِي بِاعْتِبارِ حالَتِهِ الخاصَّةِ بِهِ بِشارَةً لَهُ، وهي الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها حُسْنُ مُوقِعِ تَغْلِيبِهِ عَلى النّاسِ في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالفَوْقانِيَّةِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِيَحْلُبُونَ وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ العَصْرِ المَعْرُوفِ لِأنَّ في الحَلْبِ عَصْرُ الضَّرْعِ لِيَخْرُجَ الدَّرُّ، وتَكْرِيرُ فِيهِ إمّا كَما قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِاخْتِلافِ ما يَقَعُ فِيهِ زَمانًا وعُنْوانًا، وإمّا لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَعْدادِ مَنافِعِ ذَلِكَ العامِ، ولِأجْلِهِ قُدِّمَ في المَوْضِعَيْنِ عَلى العامِلِ فَإنَّ المَقامَ بَيانُ أنَّهُ يَقَعُ في ذَلِكَ العامِ هَذا وذاكَ لا بَيانَ أنَّهُما يَقَعانِ في ذَلِكَ العامِ كَما يُفِيدُهُ التَّأْخِيرُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِلْقَصْرِ عَلى مَعْنى أنَّ غَيْثَهم في تِلْكَ السِّنِينَ كالعَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى عامِهِمْ ذَلِكَ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الأخِيرِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، وفي الأوَّلِ لِرِعايَةِ حالِهِ.

وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والأعْرَجُ وعِيسى البَصْرَةِ (يُعْصَرُونَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَنْ عِيسى –تُعْصَرُونَ- بِالفَوْقانِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا مِن عَصَرَهُ اللَّهُ تَعالى إذا أنْجاهُ أيْ يُنْجِيهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِمّا هم فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يُغاثُ النّاسُ﴾ وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ وغَيْرِهِ أخَذَ المَبْنِيَّ لِلْفاعِلِ مِنَ العَصْرِ بِمَعْنى النَّجاةِ أيْضًا، وفي البَحْرِ تَفْسِيرُ العَصْرِ والعُصْرَةِ بِالضَّمِّ بِالمَنجا، وأنْشَدَ قَوْلَ أبِي زُبَيْدٍ في عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:

صادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنجُودِ

وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: مَعْناهُ عَصِيرُونَ مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ عَلَيْهِمْ أيْ حانَ وقْتُ عَصْرِ الرِّياحِ لَها لِتُمْطِرَ، فَعَلى صِلَةِ الفِعْلِ كَما عَصَرْتُ اللَّيْمُونَ عَلى الطَّعامِ فَحُذِفَتْ وأُوصِلَ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ، …

50

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌۭ

And the king said, "Bring him to me." But when the messenger came to him, [Joseph] said, "Return to your master and ask him what is the case of the women who cut their hands. Indeed, my Lord is Knowing of their plan."

﴿وقالَ المَلِكُ﴾ بَعْدَ ما جاءَ السَّفِيرُ المُعَبِّرُ بِالتَّعْبِيرِ وسَمِعَ مِنهُ ما سَمِعَ مِن نَقِيرٍ وقِطْمِيرٍ.

﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ لِما رَأى مِن عِلْمِهِ وفَضْلِهِ وإخْبارِهِ عَمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ﴿فَلَمّا جاءَهُ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿الرَّسُولُ﴾ وهو صاحِبُهُ الَّذِي اسْتَفْتاهُ، وقالَ لَهُ: إنَّ المَلِكَ يُرِيدُ أنْ تَخْرُجَ إلَيْهِ.

﴿قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ سَيِّدِكَ وهو المَلِكُ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أيْ فَتِّشْهُ عَنْ شَأْنِهِنَّ وحالِهِنَّ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ فاسْألْهُ أنْ يُفَتِّشَ عَنْ ذَلِكَ حَثًّا لِلْمَلِكِ عَلى الجِدِّ في التَّفْتِيشِ لِتَتَبَيَّنَ بَراءَتُهُ وتَتَّضِحَ نَزاهَتُهُ، فَإنَّ السُّؤالَ عَنْ شَيْءٍ مِمّا يُهَيِّجُ الإنْسانَ ويُحَرِّكُهُ لِلْبَحْثِ لِأنَّهُ يَأْنَفُ مِنَ الجَهْلِ، ولَوْ قالَ: سَلْهُ أنْ يُفَتِّشَ لَكانَ تَهْيِيجًا لَهُ عَنِ الفَحْصِ عَنْ ذَلِكَ، وفِيهِ جَراءَةٌ عَلَيْهِ فَرُبَّما امْتَنَعَ مِنهُ ولَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ عَلَيْهِ السَّلامُ لِامْرَأةِ العَزِيزِ مَعَ أنَّها الأصْلُ الأصِيلُ لِما لاقاهَ تَأدُّبًا وتَكَرُّمًا، ولِذا حَمَلَها ذَلِكَ عَلى الِاعْتِرافِ بِنَزاهَتِهِ وبَراءَةِ ساحَتِهِ، وقِيلَ: احْتِرازًا عَنْ مَكْرِها حَيْثُ اعْتَقَدَها باقِيَةً في ضَلالِها القَدِيمِ، وأمّا النِّسْوَةُ فَقَدْ كانَ يَطْمَعُ في صَدْعِهِنَّ بِالحَقِّ وشَهادَتِهِنَّ بِإقْرارِها بِأنَّها راوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ، ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى وصْفِهِنَّ بِتَقْطِيعِ الأيْدِي ولَمْ يُصَرِّحْ بِمُراوَدَتِهِنَّ لَهُ واكْتَفى بِالإيماءِ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ مُجامَلَةً مَعَهُنَّ واحْتِرازًا عَنْ سُوءِ مَقالَتِهِنَّ وانْتِصابِهِنَّ عِنْدَ رَفْعِهِنَّ إلى المَلِكِ لِلْخُصُومَةِ عَنْ أنْفُسِهِنَّ مَتى سَمِعْنَ بِنِسْبَتِهِ لَهُنَّ إلى الفَسادِ، وفي الكَشّافِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ بِهَذا أنَّهُ كَيْدٌ عَظِيمٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، أوِ اسْتَشْهَدَ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُنَّ كِدْنَهُ وأنَّهُ بَرِيءٌ مِمّا قَرِفَ بِهِ، أوْ أرادَ الوَعِيدَ لَهُنَّ -أيْ عَلِيمٌ بِكَيْدِهِنَّ- فَمُجازِيهِنَّ عَلَيْهِ، انْتَهى.

وكانَ الحَصْرُ عَلى الأوَّلِ مِن قُرْبِهِ مِن زَيْدٍ يَعْلَمُ وصُلُوحِهِ لِإفادَتِهِ عِنْدَهُ أوْ مِنِ اقْتِضاءِ المَقامِ لِأنَّهُ إذا

صفحة 258

حَمَلَهُ عَلى السُّؤالِ ثُمَّ أضافَ عِلْمَهُ إلى اللَّهِ تَعالى دَلَّ بِهِ عَلى عَظَمَتِهِ، وأنَّ الكُنْهَ غَيْرُ مَأْمُولِ الوُصُولِ لَكِنْ ما لا يُدْرَكُ كُلُّهُ لا يُتْرَكُ كُلُّهُ، وهَذا هو الوَجْهُ، وفِيهِ زِيادَةُ تَشْوِيقٍ وبَعْثٍ إلى تَعَرُّفِ الأمْرِ، فالجُمْلَةُ عَلَيْهِ تَتْمِيمٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاسْألْهُ﴾ إلَخْ، والكَيْدُ اسْمٌ لِما كِدْنَهُ بِهِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ تَذْيِيلًا كَأنَّهُ قِيلَ: احْمِلْهُ عَلى التَّعَرُّفِ يَتَبَيَّنُ لَهُ بَراءَةُ ساحَتِي، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ كانَ كَيْدًا مِنهُنَّ، وإذا كانَ كَيْدًا يَكُونُ لا مَحالَةَ بَرِيئًا، والكَيْدُ هو الحَدَثُ؛ وعَلى الثّالِثِ تَحْتَمِلُهُما، والمَعْنى بَعْثُ المَلِكَ عَلى الغَضَبِ لَهُ والِانْتِقامِ مِنهُنَّ، وإلّا لَمْ يَتَلاءَمِ الكَلامُ ولا يُطابِقُ كَرَمَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي عَجِبَ مِنهُ نَبِيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقَدْ أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «لَقَدْ عَجِبْتُ مِن …

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.