Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 41–50 of 111

41

يَٰصَىٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًۭا ۖ وَأَمَّا ٱلْءَاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ ۚ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ

O two companions of prison, as for one of you, he will give drink to his master of wine; but as for the other, he will be crucified, and the birds will eat from his head. The matter has been decreed about which you both inquire."

﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما﴾ وهو الشَّرابِيُّ، وإنَّما لَمْ يُعَيِّنْهُ ثِقَةً بِدَلالَةِ التَّعْبِيرِ وتَوَسُّلًا بِذَلِكَ إلى إبْهامِ أمْرِ صاحِبِهِ حِذارَ مُشافَهَتِهِ بِما يَسُوءُهُ ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ أيْ: سَيِّدَهُ ﴿خَمْرًا﴾ رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهُ: ما رَأيْتَ مِنَ الكَرْمَةِ وحُسْنِها المَلِكُ وحُسْنُ حالِكَ عِنْدَهُ، وأمّا القُضْبانُ الثَّلاثَةُ فَثَلاثَةُ أيّامٍ تَمْضِي في السَّجْنِ، ثُمَّ تَخْرُجُ وتَعُودُ إلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: (فَيُسْقى رَبُّهُ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: يُسْقى ما يُرْوى بِهِ.

﴿وَأمّا الآخَرُ﴾ وهو الخَبّازُ ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾ رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهُ: ما رَأيْتَ مِنَ السِّلالِ الثَّلاثِ ثَلاثَةُ أيّامٍ تَمُرُّ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُقْتَلُ ﴿قُضِيَ﴾ أيْ: أُتِمَّ وأُحْكِمَ ﴿الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ وهو ما رَأياهُ مِنَ الرُّؤْيَيَيْنِ قَطْعًا لا مَآلُهُ الَّذِي هو عِبارَةُ عَنْ نَجاةِ أحَدِهِما وهَلاكِ الآخَرِ، كَما يُوهِمُهُ إسْنادُ القَضاءِ إلَيْهِ؛ إذِ الِاسْتِفْتاءُ إنَّما يَكُونُ في الحادِثَةِ لا في حُكْمِها، يُقالُ: اسْتَفْتى الفَقِيهَ في الحادِثَةِ، أيْ: طَلَبَ مِنهُ بَيانَ حُكْمِها، ولا يُقالُ: اسْتَفْتاهُ في حُكْمِها، وكَذا الإفْتاءُ، فَإنَّهُ يُقالُ: أفْتى فُلانٌ في الواقِعَةِ الفُلانِيَّةِ بِكَذا، ولا يُقالُ: أفْتى في حُكْمِها أوْ جَوابِها بِكَذا، ومِمّا هو عَلَمٌ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ﴾ ومَعْنى اسْتِفْتائِهِما فِيهِ طَلَبُهُما لِتَأْوِيلِهِ بِقَوْلِهِما: ﴿ (نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ)﴾ وإنَّما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالأمْرِ وعَنْ طَلَبِ تَأْوِيلِهِ بِالِاسْتِفْتاءِ؛ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، إذِ الِاسْتِفْتاءُ إنَّما يَكُونُ في النَّوازِلِ المُشْكِلَةِ الحُكْمِ المُبْهَمَةِ الجَوابِ، وإيثارُهُ صِيغَةَ الِاسْتِقْبالِ - مَعَ سَبْقِ اسْتِفْتائِهِما في ذَلِكَ - لِما أنَّهُما بِصَدَدِهِ إلى أنْ يَقْضِيَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الجَوابِ وطَرَهُ، وإسْنادُ القَضاءِ إلَيْهِ - مَعَ أنَّهُ مِن أحْوالِ مَآلِهِ - لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ عَيْنُ ذَلِكَ المَآلِ، وقَدْ ظَهَرَ في عالَمِ المِثالِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ، وأمّا تَوْحِيدُهُ - مَعَ تَعَدُّدِ رُؤْياهُما - فَوارِدٌ عَلى حَسَبِ ما وحَّدَهُ في قَوْلِهِما: ﴿ (نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ)﴾ لا لِأنَّ الأمْرَ ما اتُّهِما بِهِ وسُجِنا لِأجَلِّهِ مِن سَمِّ المَلِكِ، فَإنَّهُما لَمْ يَسْتَفْتِيا فِيهِ ولا فِيما هو صُورَتُهُ، بَلْ فِيما هو صُورَةٌ لِمَآلِهِ وعاقِبَتِهِ، فَتَأمَّلْ.

وَإنَّما أخْبَرَهُما - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِذَلِكَ تَحْقِيقًا لِتَعْبِيرِهِ وتَأْكِيدًا لَهُ، وقِيلَ: لَمّا عَبَّرَ رُؤْياهُما جَحَدا، وقالا: ما رَأيْنا شَيْئًا، فَأخْبَرَهُما أنَّ ذَلِكَ كائِنٌ صَدَّقْتُما أوْ كَذَّبْتُما، ولَعَلَّ الجُحُودَ مِنَ الخَبّازِ إذْ لا داعِيَ إلى جُحُودِ الشَّرابِيِّ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمُراعاةِ جانِبِهِ.

42

وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍۢ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ

And he said to the one whom he knew would go free, "Mention me before your master." But Satan made him forget the mention [to] his master, and Joseph remained in prison several years.

﴿وَقالَ﴾ أيْ: يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ﴾ أُوثِرَ عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ مُبالَغَةً في الدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ النَّجاةِ، حَسْبَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ وهو السِّرُّ في إيثارِ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنْ يُقالَ: لِلَّذِي ظَنَّهُ ناجِيًا ﴿مِنهُما﴾ مِن صاحِبَيْهِ، وإنَّما ذُكِرَ بِوَصْفِ النَّجاةِ؛ تَمْهِيدًا لِمَناطِ التَّوْصِيَةِ بِالذِّكْرِ عِنْدَ المَلِكِ، وعُنْوانُ التَّقَرُّبِ المَفْهُومِ مِنَ التَّعْبِيرِ المَذْكُورِ - وإنْ كانَ أدْخَلَ في ذَلِكَ وأدْعى إلى تَحْقِيقِ ما وصّاهُ بِهِ - لَكِنَّهُ لَيْسَ بِوَصْفٍ فارِقٍ يَدُورُ عَلَيْهِ الِامْتِيازُ بَيْنَهُ وبَيْنَ صاحِبِهِ المَذْكُورِ بِوَصْفِ الهَلاكِ، والظّانُّ هو يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا صاحِبُهُ؛ لِأنَّ التَّوْصِيَةَ المَذْكُورَةَ لا تَدُورُ عَلى ظَنِّ النّاجِي، بَلْ عَلى ظَنِّ يُوسُفَ وهو بِمَعْنى اليَقِينِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ فالتَّعْبِيرُ بِالوَحْيِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ ... إلَخْ، وقِيلَ: هو بِمَعْناهُ، والتَّعْبِيرُ بِالِاجْتِهادِ والحُكْمِ بِقَضاءِ الأمْرِ أيْضًا اجْتِهادِيٌّ.

﴿اذْكُرْنِي﴾ بِما أنا عَلَيْهِ مِنَ الحالِ والصِّفَةِ ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ سَيِّدِكَ، وصِفْنِي لَهُ بِصِفَتِي الَّتِي شاهَدْتَها ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: أنْسى الشَّرابِيَّ بِوَسْوَسَتِهِ وإلْقائِهِ في قَلْبِهِ أشْغالًا تَعُوقُهُ عَنِ الذِّكْرِ، وإلّا فالإنْساءُ في الحَقِيقَةِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَإنَّ تَوْصِيَتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المُتَضَمِّنَةَ لِلِاسْتِعانَةِ بِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ كانَتْ باعِثَةً لِما ذُكِرَ عَنِ الإنْساءِ ﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أيْ: ذِكْرَ الشَّرابِيِّ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ المَلِكِ، والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، أوْ ذِكْرَ إخْبارِ رَبِّهِ ﴿فَلَبِثَ﴾ أيْ: يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِسَبَبِ ذَلِكَ الإنْساءِ أوِ القَوْلِ ﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ البِضْعُ: ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ، مِنَ البَضْعِ وهو القَطْعُ، وأكْثَرُ الأقاوِيلِ أنَّهُ لَبِثَ فِيهِ سَبْعَ سِنِينَ.

وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««رَحِمَ اللَّهُ أخِي يُوسُفَ لَوْ لَمْ يَقُلِ: (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) لَما لَبِثَ في السِّجْنِ سَبْعًا بَعْدَ الخَمْسِ»» والِاسْتِعانَةُ بِالعِبادِ - وإنْ كانَتْ مُرَخَّصَةً - لَكِنَّ اللّائِقَ بِمَناصِبِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - الأخْذُ بِالعَزائِمِ.

43

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍۢ ۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ

And [subsequently] the king said, "Indeed, I have seen [in a dream] seven fat cows being eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry. O eminent ones, explain to me my vision, if you should interpret visions."

﴿وَقالَ المَلِكُ﴾ أيِ: الرَّيّانُ ﴿إنِّي أرى﴾ أيْ: رَأيْتُ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ ﴿سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ﴾ جَمْعِ سَمِينٍ وسَمِينَةٍ كَكِرامٍ في جَمْعِ كَرِيمٍ وكَرِيمَةٍ، يُقالُ: رِجالٌ كِرامٌ ونِسْوَةٌ كِرامٌ ﴿يَأْكُلُهُنَّ﴾ أيْ: أكَلَهُنَّ، والعُدُولُ إلى المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ تَعْجِيبًا، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ البَقَراتِ أوْ صِفَةٌ لَها ﴿سَبْعٌ عِجافٌ﴾ أيْ: سَبْعُ بَقَراتٍ عِجافٍ، وهي جَمْعُ عَجْفاءَ والقِياسُ عُجْفٌ؛ لِأنَّ فَعَلاءَ وأفْعَلَ لا يُجْمَعُ عَلى فِعالٍ، ولَكِنْ عُدِلَ بِهِ عَنِ القِياسِ حَمْلًا لِأحَدِ النَّقِيضَيْنِ عَلى الآخَرِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: (سَبْعُ عِجافٍ) بِالإضافَةِ؛ لِأنَّ التَّمْيِيزَ مَوْضُوعٌ لِبَيانِ الجِنْسِ، والصِّفَةَ لَيْسَتْ بِصالِحَةٍ لِذَلِكَ، فَلا يُقالُ: (ثَلاثَةُ ضِخامٍ وأرْبَعَةُ غِلاظٍ) وأمّا قَوْلُكَ: ثَلاثَةُ فُرْسانٍ وخَمْسَةُ رُكْبانٍ؛ فَلِجَرَيانِ الفارِسِ والرّاكِبِ مَجْرى الأسْماءِ.

رُوِيَ أنَّهُ رَأى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خَرَجْنَ مِن نَهْرٍ يابِسٍ، وخَرَجَ عَقِيبَهُنَّ سَبْعُ بَقَراتٍ عِجافٍ في غايَةِ الهُزالِ فابْتَلَعَتِ العِجافُ السِّمانَ.

﴿وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾ قَدِ انْعَقَدَ حُبُّها ﴿وَأُخَرَ يابِساتٍ﴾ أيْ: وسَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ، قَدْ أدْرَكَتْ والتَوَتْ عَلى الخُضْرِ حَتّى غَلَبَتْها عَلى ما رُوِيَ، ولَعَلَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِهِ لِلِاكْتِفاءِ بِما ذُكِرَ مِن حالِ البَقَراتِ ﴿يا أيُّها المَلأُ﴾ خِطابٌ لِلْأشْرافِ مِنَ العُلَماءِ والحُكَماءِ ﴿أفْتُونِي في رُؤْيايَ﴾ هَذِهِ، أيْ: عَبِّرُوها وبَيِّنُوا حُكْمَها وما تَؤُولُ إلَيْهِ مِنَ العاقِبَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالإفْتاءِ لِتَشْرِيفِهِمْ وتَفْخِيمِ أمْرِ رُؤْياهُ.

﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ أيْ: تَعْلَمُونَ عِبارَةَ جِنْسِ الرُّؤْيا عِلْمًا مُسْتَمِرًّا، وهي الِانْتِقالُ مِنَ الصُّوَرِ الخَيالِيَّةِ المُشاهَدَةِ في المَنامِ إلى ما هي صُوَرٌ وأمْثِلَةٌ لَها مِنَ الأُمُورِ الآفاقِيَّةِ أوِ الأنْفُسِيَّةِ الواقِعَةِ في الخارِجِ، مِنَ العُبُورِ وهو المُجاوَزَةُ، تَقُولُ: عَبَرْتُ النَّهْرَ إذا قَطَعْتَهُ وجاوَزْتَهُ، ونَحْوُهُ أوَّلْتُها، أيْ: ذَكَرْتُ مَآلَها، وعَبَرْتُ الرُّؤْيا عِبارَةً أثْبَتُ مِن عَبَّرْتُها تَعْبِيرًا، والجَمْعُ بَيْنَ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، واللّامُ لِلْبَيانِ، أوْ لِتَقْوِيَةِ العامِلِ المُؤَخَّرِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، أوْ لِتَضْمِينِ (تَعْبُرُونَ) مَعْنى فِعْلٍ مُتَعَدٍّ بِاللّامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تَنْتَدِبُونَ لِعِبارَتِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (لِلرُّؤْيا) خَبَرَ كانَ، كَما يُقالُ: فُلانٌ لِهَذا الأمْرِ إذا كانَ مُسْتَقِلًّا بِهِ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، وتَعْبُرُونَ خَبَرٌ آخَرُ.

44

قَالُوٓا۟ أَضْغَٰثُ أَحْلَٰمٍۢ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ

They said, "[It is but] a mixture of false dreams, and we are not learned in the interpretation of dreams."

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ المَلَأُ لِلْمَلِكِ؟ فَقِيلَ: قالُوا هي ﴿أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ أيْ: تَخالِيطُها جَمْعُ ضِغْثٍ، وهو في الأصْلِ ما جُمِعَ مِن أخْلاطِ النَّباتِ وحُزِمَ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِما تَجْمَعُهُ القُوَّةُ المُتَخَيَّلَةُ مِن أحادِيثِ النَّفْسِ ووَساوِسِ الشَّيْطانِ وتَرَيَها في المَنامِ، والأحْلامُ جَمْعُ حُلْمٍ، وهي الرُّؤْيا الكاذِبَةُ الَّتِي لا حَقِيقَةَ لَها، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، أيْ: هي أضْغاثٌ مِن أحْلامٍ، أخْرَجُوها مِن جِنْسِ الرُّؤْيا الَّتِي لَها عاقِبَةٌ تَؤُولُ إلَيْها ويُعْتَنى بِأمْرِها، وجَمَعُوها - وهي رُؤْيا واحِدَةٌ - مُبالَغَةً في وصْفِها بِالبُطْلانِ، كَما في قَوْلِهِمْ: (فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ ويَلْبَسُ العَمائِمَ) لِمَن لا يَمْلِكُ إلّا فَرَسًا واحِدًا وعِمامَةً فَرْدَةً، أوْ لِتَضَمُّنِها أشْياءَ مُخْتَلِفَةً مِنَ البَقَراتِ السَّبْعِ السِّمانِ والسَّبْعِ العِجافِ والسَّنابِلِ السَّبْعِ الخُضْرِ والأُخَرِ اليابِساتِ، فَتَأمَّلْ حُسْنَ مَوْضِعِ الأضْغاثِ مَعَ السَّنابِلِ فَلِلَّهِ دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ.

﴿وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ﴾ أيِ: المَناماتِ الباطِلَةِ الَّتِي لا أصْلَ لَها ﴿بِعالِمِينَ﴾ لا لِأنَّ لَها تَأْوِيلًا ولَكِنْ لا نَعْلَمُهُ، بَلْ لِأنَّهُ لا تَأْوِيلَ لَها، وإنَّما التَّأْوِيلُ لِلْمَناماتِ الصّادِقَةِ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ اعْتِرافًا مِنهم بِقُصُورِ عِلْمِهِمْ، وأنَّهم لَيْسُوا بِنَحارِيرَ في تَأْوِيلِ الأحْلامِ - مَعَ أنَّ لَها تَأْوِيلًا - كَما يُشْعِرُ بِهِ عُدُولُهم عَمّا وقَعَ في كَلامِ المَلِكِ مِنَ العِبارَةِ المُعْرِبَةِ عَنْ مُجَرَّدِ الِانْتِقالِ مِنَ الدّالِّ إلى المَدْلُولِ - حَيْثُ لَمْ يَقُولُوا بِتَعْبِيرِ الأحْلامِ أوْ عِبارَتِها - إلى التَّأْوِيلِ المُنْبِئِ عَنِ التَّصَرُّفِ والتَّكَلُّفِ في ذَلِكَ؛ لِما بَيْنَ الآثِلِ والمَآلِ مِنَ البُعْدِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ (أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ).﴾

45

وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ

But the one who was freed and remembered after a time said, "I will inform you of its interpretation, so send me forth."

﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما﴾ أيْ: مِن صاحِبَيْ يُوسُفَ وهو الشَّرابِيُّ ﴿وادَّكَرَ﴾ بِغَيْرِ المُعْجَمَةِ، وهو الفَصِيحُ، وعَنِ الحَسَنِ بِالمُعْجَمَةِ، أيْ: تَذَكَّرَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وشُئُونَهُ الَّتِي شاهَدَها ووَصِيَّتَهُ بِتَقْرِيبِ رُؤْيا المَلِكِ وإشْكالِ تَأْوِيلِها عَلى المَلَأِ ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أيْ: مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وقُرِئَ (إمَّةٍ) بِالكَسْرِ وهي النِّعْمَةُ، أيْ: بَعْدَما أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ، وأمَهٍ أيْ: نِسْيانٍ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِن ضَمِيرِهِ في الصِّلَةِ، وقِيلَ مَعْطُوفَةٌ عَلى (نَجا) ولَيْسَ بِذاكَ؛ لِأنَّ حَقَّ كُلٍّ مِنَ الصِّفَةِ والصِّلَةِ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الِانْتِسابِ إلى المَوْصُوفِ والمَوْصُولِ عِنْدَ المُخاطَبِ، كَما عِنْدَ المُتَكَلِّمِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ الصِّفاتِ قَبْلَ العِلْمِ بِها أخْبارٌ، والأخْبارَ بَعْدَ العِلْمِ بِها صِفاتٌ، وأنْتَ تَدْرِي أنَّ تَذَكُّرَهُ بَعْدَ أُمَّةٍ إنَّما عُلِمَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ فَلا مَجالَ لِنَظْمِهِ مَعَ نَجاتِهِ المَعْلُومَةِ قَبْلُ في سِلْكِ الصِّلَةِ.

﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ: أُخْبِرُكم بِالتَّلَقِّي عَمَّنْ عِنْدَهُ عِلْمُهُ لا مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: أنا أُفْتِيكم فِيها وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسِلُونِ﴾ أيْ: إلى يُوسُفَ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرْهُ ثِقَةً بِما سَبَقَ مِنَ التَّذَكُّرِ وما لَحِقَ مِن قَوْلِهِ:

46

يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍۢ لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ

[He said], "Joseph, O man of truth, explain to us about seven fat cows eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry - that I may return to the people; perhaps they will know [about you]."

﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ﴾ أيْ: أُرْسِلَ إلَيْهِ فَأتاهُ فَقالَ: يا يُوسُفُ، ووَصَفَهُ بِالمُبالَغَةِ في الصِّدْقِ - حَسْبَما شاهَدَهُ وذاقَ أحْوالَهُ وجَرَّبَها - لِكَوْنِهِ بِصَدَدِ اغْتِنامِ آثارِهِ واقْتِباسِ أنْوارِهِ، فَهو مِن بابِ بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ ﴿أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعِ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ﴾ أيْ: في رُؤْيا ذَلِكَ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِوُضُوحِ مَرامِهِ بِقَرِينَةِ ما سَبَقَ مِن مُعامَلَتِهِما ولِدَلالَةِ مَضْمُونِ الحادِثَةِ عَلَيْهِ، حَيْثُ لا إمْكانَ لِوُقُوعِهِ في عالَمِ الشَّهادَةِ، أيْ: بَيِّنْ لَنا مَآلَها وحُكْمَها، وحَيْثُ عايَنَ عُلُوَّ رُتْبَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الفَضْلِ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإفْتاءِ، ولَمْ يَقُلْ - كَما قالَ هو وصاحِبُهُ أوَّلًا -: ﴿ (نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ)﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿أفْتِنا﴾ مَعَ أنَّهُ المُسْتَفْتِي وحْدَهُ إشْعارٌ بِأنَّ الرُّؤْيا لَيْسَتْ لَهُ، بَلْ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ مُلابَسَةٌ بِأُمُورِ العامَّةِ، وأنَّهُ في ذَلِكَ مَعْبَرٌ وسَفِيرٌ كَما آذَنَ بِذَلِكَ حَيْثُ قالَ: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ أيْ: إلى المَلِكِ ومَن عِنْدَهُ أوْ إلى أهْلِ البَلَدِ إنْ كانَ السِّجْنُ في الخارِجِ - كَما قِيلَ - فَأُنَبِّئُهم بِذَلِكَ ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ ويَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاهُ، أوْ يَعْلَمُونَ فَضْلَكَ ومَكانَكَ مَعَ ما أنْتَ فِيهِ مِنَ الحالِ فَتَتَخَلَّصَ مِنهُ، وإنَّما لَمْ يَبُتَّ القَوْلَ في ذَلِكَ مُجاراةً مَعَهُ عَلى نَهْجِ الأدَبِ واحْتِرازًا عَنِ المُجازَفَةِ، إذْ لَمْ يَعْلَمُوهُ عَلى يَقِينٍ مِنَ الرُّجُوعِ فَرُبَّما اخْتُرِمَ دُونَهُ (لَعَلَّ المَنايا دُونَ ما تَعَدّانِي) ولا مِن عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ فَرُبَّما لَمْ يَعْلَمُوهُ.

47

قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًۭا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تَأْكُلُونَ

[Joseph] said, "You will plant for seven years consecutively; and what you harvest leave in its spikes, except a little from which you will eat.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في التَّأْوِيلِ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِها وكِلاهُما مَصْدَرُ دَأبَ في العَمَلِ إذا جَدَّ فِيهِ وتَعِبَ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِ (تَزْرَعُونَ) أيْ: دائِبِينَ، أوْ تَدْأبُونَ دَأبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ هو الحالُ، أوَّلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - البَقَراتِ السِّمانَ والسُّنْبُلاتِ الخُضْرَ بِسِنِينَ مَخاصِيبَ والعِجافَ واليابِساتِ بِسِنِينَ مُجْدِبَةٍ، فَأخَذَهم بِأنَّهم يُواظِبُونَ سَبْعَ سِنِينَ عَلى الزُّرّاعِ ويُبالِغُونَ فِيها إذْ بِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ الخَصْبُ الَّذِي هو مِصْداقُ البَقَراتِ السِّمانِ وتَأْوِيلُها، ودَلَّهم في تَضاعِيفِ ذَلِكَ عَلى أمْرٍ نافِعٍ لَهم فَقالَ: ﴿فَما حَصَدْتُمْ﴾ أيْ: في كُلِّ سَنَةٍ ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ ولا تَذْرُوهُ كَيْلا يَأْكُلَهُ السُّوسُ، كَما هو شَأْنُ غِلالِ مِصْرَ ونَواحِيها، ولَعَلَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالسُّنْبُلاتِ الخُضْرِ، وإنَّما أمَرَهم بِذَلِكَ إذْ لَمْ يَكُنْ مُعْتادًا فِيما بَيْنَهُمْ، وحَيْثُ كانُوا مُعْتادِينَ لِلزِّراعَةِ لَمْ يَأْمُرْهم بِها، وجَعَلَها أمْرًا مُحَقَّقَ الوُقُوعِ، وتَأْوِيلًا لِلرُّؤْيا مِصْداقًا لِما فِيها مِنَ البَقَراتِ السِّمانِ ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ في تِلْكَ السِّنِينَ، وفِيهِ إرْشادٌ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهم إلى التَّقْلِيلِ في الأكْلِ، والِاقْتِصارُ عَلى اسْتِثْناءِ المَأْكُولِ دُونَ البَذْرِ لِكَوْنِ ذَلِكَ مَعْلُومًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ)﴾ وبَعْدَ إتْمامِ ما أمَرَهم بِهِ شَرَعَ في بَيانِ بَقِيَّةِ التَّأْوِيلِ الَّتِي يَظْهَرُ مِنها حِكْمَةُ الأمْرِ المَذْكُورِ، فَقالَ:

48

ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌۭ شِدَادٌۭ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تُحْصِنُونَ

Then will come after that seven difficult [years] which will consume what you saved for them, except a little from which you will store.

﴿ثُمَّ يَأْتِي﴾ وهو عَطْفٌ عَلى (تَزْرَعُونَ) فَلا وجْهَ لِجَعْلِهِ بِمَعْنى الأمْرِ حَثًّا لَهم عَلى الجِدِّ والمُبالَغَةِ في الزِّراعَةِ عَلى أنَّهُ يَحْصُلُ بِالإخْبارِ بِذَلِكَ أيْضًا ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ السِّنِينَ السَّبْعِ المَذْكُوراتِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: (مِن بَعْدِهِنَّ) قَصْدًا إلى الإشارَةِ إلى وصْفِهِنَّ، فَإنَّ الضَّمِيرَ ساكِتٌ عَنْ أوْصافِ المَرْجِعِ بِالكُلِّيَّةِ ﴿سَبْعٌ شِدادٌ﴾ أيْ: سَبْعُ سِنِينَ صِعابٌ عَلى النّاسِ ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ مِنَ الحُبُوبِ المَتْرُوكَةِ في سَنابِلِها، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أمْرَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِذَلِكَ كانَ لِوَقْتِ الضَّرُورَةِ، وإسْنادُ الأكْلِ إلَيْهِنَّ - مَعَ أنَّهُ حالُ النّاسِ فِيهِنَّ - مَجازِيٌّ، كَما فِي: (نَهارُهُ صائِمٌ) وفِيهِ تَلْوِيحٌ بِأنَّهُ تَأْوِيلٌ لِأكْلِ العِجافِ السِّمانَ، واللّامُ في لَهُنَّ تَرْشِيحٌ لِذَلِكَ، فَكَأنَّ ما ادُّخِرَ في السَّنابِلِ مِنَ الحُبُوبِ شَيْءٌ قَدْ هُيِّئَ وقُدِّمَ لَهُنَّ كالَّذِي يُقَدَّمُ لِلنّازِلِ، وإلّا فَهو في الحَقِيقَةِ مُقَدَّمٌ لِلنّاسِ فِيهِنَّ ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ تُحْرِزُونَ مَبْذُورَ الزِّراعَةِ.

49

ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌۭ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ

Then will come after that a year in which the people will be given rain and in which they will press [olives and grapes]."

﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ السِّنِينَ المَوْصُوفَةِ بِما ذُكِرَ مِنَ الشِّدَّةِ وأكْلِ الغِلالِ المُدَّخَرِ ﴿عامٌ﴾ لَمْ يُعَبِّرْ عَنْهُ بِالسَّنَةِ؛ تَحاشِيًا عَنِ المَدْلُولِ الأصْلِيِّ لَها مِن عامِ القَحْطِ، وتَنْبِيهًا مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى اخْتِلافِ الحالِ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّوابِقِ ﴿فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ مِنَ الغَيْثِ، أيْ: يُمْطَرُونَ، يُقالُ: غِيثَتِ البِلادُ إذا مُطِرَتْ في وقْتِ الحاجَةِ، أوْ مِنَ الغَوْثِ يُقالُ: أغاثَنا اللَّهُ تَعالى أيْ: أمَدَّنا بِرَفْعِ المَكارِهِ حِينَ أظَلَّتْنا ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أيْ: ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْصَرَ مِنَ العِنَبِ والقَصَبِ والزَّيْتُونِ والسِّمْسِمِ ونَحْوِها مِنَ الفَواكِهِ لِكَثْرَتِها، والتَّعَرُّضُ لِذِكْرِ العَصْرِ - مَعَ جَوازِ الِاكْتِفاءِ عَنْهُ بِذِكْرِ الغَيْثِ المُسْتَلْزِمِ لَهُ عادَةً،كَما اكْتُفِيَ بِهِ عَنْ ذِكْرِ تَصَرُّفِهِمْ في الحُبُوبِ - إمّا لِأنَّ اسْتِلْزامَ الغَيْثِ لَهُ لَيْسَ كاسْتِلْزامِهِ لِلْحُبُوبِ، إذِ المُذْكَراتُ يَتَوَقَّفُ صَلاحُها عَلى مَبادٍ أُخْرى غَيْرِ المَطَرِ، وإمّا لِمُراعاةِ جانِبِ المُسْتَفْتِي بِاعْتِبارِ حالَتِهِ الخاصَّةِ بِهِ بِشارَةً لَهُ، وهي الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها حُسْنُ مَوْقِعِ تَغْلِيبِهِ عَلى النّاسِ في القِراءَةِ بِالفَوْقانِيَّةِ.

وَقِيلَ: مَعْنى يَعْصِرُونَ يَحْلِبُونَ الضُّرُوعَ، وتَكْرِيرُ فِيهِ إمّا لِلْإشْعارِ بِاخْتِلافِ أوْقاتِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الغَيْثِ والعَصْرِ زَمانًا - وهو ظاهِرٌ - وعُنْوانًا، فَإنَّ الغَيْثَ والغَوْثَ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، والعَصْرَ مِن فِعْلِ النّاسِ، وإمّا لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَعْدادِ مَنافِعِ ذَلِكَ العامِ ولِأجْلِهِ قُدِّمَ في المَوْضِعَيْنِ عَلى الفِعْلَيْنِ، فَإنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ بَيانُ أنَّهُ يَقَعُ في ذَلِكَ العامِ هَذا النَّفْعُ وذاكَ النَّفْعُ لا بَيانُ أنَّهُما يَقَعانِ في ذَلِكَ العامِ كَما يُفِيدُهُ التَّأْخِيرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِلْقَصْرِ، عَلى مَعْنى أنْ غَيْثَهم وعَصْرَهم في سائِرِ السِّنِينَ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى عامِهِمْ ذَلِكَ، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الأخِيرِ لِمَراعاةِ الفَواصِلِ وفي الأوَّلِ لِرِعايَةِ حالِهِ، وقُرِئَ (يُعْصَرُونَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن عَصَرَهُ إذا أنْجاهُ، وهو المُناسِبُ لِلْإغاثَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَبْنِيُّ لِلْفاعِلِ أيْضًا مِنهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يُغِيثُونَ، أيْ: يُغِيثُهُمُ اللَّهُ ويُغِيثُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقِيلَ: مَعْنى (يُعْصَرُونَ) يُمْطَرُونَ، مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ، إمّا بِتَضْمِينِ أعْصَرَتْ مَعْنى مَطَرَتْ وتَعْدِيَتِهِ، وإمّا بِحَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ، عَلى أنَّ الأصْلَ: أعْصَرَتْ عَلَيْهِمْ.

وَأحْكامُ هَذا العامِ المُبارَكِ لَيْسَتْ مُسْتَنْبَطَةً مِن رُؤْيا المَلِكِ، وإنَّما تَلَقّاها - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن جِهَةِ الوَحْيِ فَبَشَّرَهم بِها بَعْدَما أوَّلَ الرُّؤْيا بِما أوَّلَ، وأمَرَهم بِالتَّدْبِيرِ اللّائِقِ في شَأْنِهِ إبانَةً لِعُلُوِّ كَعْبِهِ ورُسُوخِ قَدَمِهِ في الفَضْلِ، وأنَّهُ مُحِيطٌ بِما لَمْ يَخْطُرْ بِبالِ أحَدٍ فَضْلًا عَمّا يُرى صُورَتُهُ في المَنامِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ لِصاحِبَيْهِ عِنْدَ اسْتِفْتائِهِما في مَنامِهِما:﴿ (لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ)﴾ وإتْمامًا لِلنِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ، حَيْثُ لَمْ يُشارِكُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في العِلْمِ بِوُقُوعِها أحَدٌ ولَوْ بِرُؤْيَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْها في المَنامِ.

50

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌۭ

And the king said, "Bring him to me." But when the messenger came to him, [Joseph] said, "Return to your master and ask him what is the case of the women who cut their hands. Indeed, my Lord is Knowing of their plan."

﴿وَقالَ المَلِكُ﴾ بَعْدَما جاءَهُ السَّفِيرُ بِالتَّعْبِيرِ وسَمِعَ مِنهُ ما سَمِعَ مِن نَقِيرٍ وقِطْمِيرٍ ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ لِما عَلِمَ مِن عِلْمِهِ وفَضْلِهِ ﴿فَلَمّا جاءَهُ﴾ أيْ: يُوسُفَ ﴿الرَّسُولُ﴾ واسْتَدْعاهُ إلى المَلِكِ ﴿قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ: سَيِّدِكَ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أيْ: فَفَتِّشْهُ عَنْ شَأْنِهِمْ، وإنَّما لَمْ يَقِلْ: فاسْألْهُ أنْ يُفَتِّشَ عَنْ ذَلِكَ حَثًّا لِلْمَلِكِ عَلى الجِدِّ في التَّفْتِيشِ لِيَتَبَيَّنَ بَرَءاتَهُ ويَتَّضِحَ نَزاهَتَهُ؛ إذِ السُّؤالُ مِمّا يُهَيِّجُ الإنْسانَ عَلى الِاهْتِمامِ في البَحْثِ لِلتَّفَصِّي عَمّا تُوَجِّهُ إلَيْهِ، وأمّا الطَّلَبُ فَمِمّا قَدْ يُتَسامَحُ ويُتَساهَلُ فِيهِ ولا يُبالى بِهِ، وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِامْرَأةِ العَزِيزِ - مَعَ ما لَقِيَ مِنها ما لَقِيَ مِن مُقاساةِ الأحْزانِ ومُعاناةِ الأشْجانِ والأحْزانِ - مُحافَظَةً عَلى مَواجِبِ الحُقُوقِ واحْتِرازًا عَنْ مَكْرِها، حَيْثُ اعْتَقَدَها مُقِيمَةً في عُدْوَةِ العَداوَةِ، وأمّا النِّسْوَةُ فَقَدْ كانَ يَطْمَعُ في صَدْعِهِنَّ بِالحَقِّ وشَهادَتِهِنَّ بِإقْرارِها بِأنَّها راوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ، ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى وصْفِهِنَّ بِتَقْطِيعِ الأيْدِي ولَمْ يُصَرِّحْ بِمُراوَدَتِهِنَّ لَهُ، وقَوْلِهِنَّ: أطِعْ مَوْلاتَكَ، واكْتُفِيَ بِالإيماءِ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ مُجامَلَةً مَعَهُنَّ، واحْتِرازًا عَنْ سُوءِ قالَتِهِنَّ عِنْدَ المَلِكِ وانْتِصابِهِنَّ لِلْخُصُومَةِ؛ مُدافَعَةً عَنْ أنْفُسِهِنَّ مَتى سَمِعْنَ بِنِسْبَتِهِ لَهُنَّ إلى الفَسادِ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.