Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji

Ayahs 41–50 of 111

41

يَٰصَىٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًۭا ۖ وَأَمَّا ٱلْءَاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ ۚ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ

O two companions of prison, as for one of you, he will give drink to his master of wine; but as for the other, he will be crucified, and the birds will eat from his head. The matter has been decreed about which you both inquire."

(يا صاحبي السجن أما أحدكما) أي الساقي وإنما أبهمه لكونه مفهوماً أو لكراهة التصريح للخباز بأنه الذي سيصلب (فيسقي ربه) أي مالكه (خمراً) وهي عهدته التي كان قائماً بها في خدمة الملك فكأنه قال أما أنت أيها الساقي فستعود بعد ثلاث من الأيام إلى ما كنت عليه ويدعوك الملك ويطلقك من الحبس.

(وأما الآخر) وهو الخباز فيخرج بعد ثلاث (فيصلب فتأكل الطير من رأسه) تعبيراً لما رآه من أنه حمل فوق رأسه خبزاً فتأكل الطير منه (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان) وهو ما رأياه وقصاه عليه يقال استفتاه إذا طلب منه بيان حكم شيء سأله عنه مما أشكل عليه وهما قد سألاه تعبير ما أشكل عليهما من الرؤيا والمراد بالأمر ما يؤول إليه أمرهما ولذلك وحده قاله البيضاوي.

وقال الزمخشري: المراد بالأمر ما اتهما به من سم الملك وما سجنا من أجله عن ابن مسعود قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئاً إنما تحالما ليجربا علمه فلما أول رؤياهما قالا إنما كنا نلعب ولم نر شيئاً فقال قضي الأمر، الآية يعني وقعت العبارة فصار الأمر على ما عبر يوسف وقال قوم بل كانا قد رأيا رؤيا حقيقة وعن أبي مجلز قال: كان أحد اللذين قصا على يوسف الرؤيا كاذباً وكان هذا التعبير بالوحي كما ينبئ عنه قوله قضي الأمر وقيل هو بالاجتهاد.

وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42) وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43)

42

وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍۢ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ

And he said to the one whom he knew would go free, "Mention me before your master." But Satan made him forget the mention [to] his master, and Joseph remained in prison several years.

(وقال للذي ظن أنه ناج منهما) أي قال يوسف عليه السلام والظان هو أيضاً يوسف عليه السلام والمراد بالظن العلم لأنه قد علم من الرؤيا نجاة الشرابيّ وهلاك الخباز، هكذا قال جمهور المفسرين.

وقيل الظاهر أنه على معناه لأن عابر الرؤيا إنما يظن ظناً، والأول أولى وأنسب بحال الأنبياء، ولا سيما وقد أخبر عن نفسه عليه السلام بأنه قد أطلعه الله على شيء من علم الغيب كما تقدم.

(اذكرني عند ربك) هي معقول القول، أمره بأن يذكره عند سيده ويقول له إن في السجن غلاماً محبوساً ظلماً منذ خمس سنين ويصفه بما شاهده منه من جودة التعبير والاطلاع على شيء من علم الغيب فخرج.

(فأنساه الشيطان ذكر ربه) وكانت هذه المقالة منه صادرة عن ذهول ونسيان عن ذكر الله بسبب الشيطان.، فيكون ضمير المفعول في أنساه عائداً إلى يوسف عليه السلام، هكذا قال أكثر المفسرين، ويكون المراد بربه في قوله ذكر ربه هو الله سبحانه، أي أنسى الشيطان يوسف عليه السلام ذكر الله تعالى في تلك الحال. فقال للذي ظن أنه ناجٍ منهما يذكره عند سيده ليكون ذلك سبباً لانتباهه على ما أوقعه من الظلم البين عليه بسجنه بعد أن رأى من الآيات ما يدل على براءته، وذلك غفلة عرضت له عليه السلام فإن الإستعانة بالمخلوق في دفع الضرر وإن كانت جائزة إلا أنه لما كان مقام يوسف عليه السلام أعلى المقامات ورتبته أعلى الرتب وهي منصب النبوة والرسالة لا جرم صار مؤاخذاً بهذا القدر، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وذهب جماعة من المفسرين إلى أن الذي أنساه الشيطان ذكر ربه وهو الذي نجا من الغلامين وهو الشرابي، والمعنى أنسى الشرابي الشيطان ذكر سيده، أي ذكره لسيده فلم يبلغ إليه ما أوصاه به يوسف عليه السلام من ذكره عند سيده، ويكون المعنى فأنساه الشيطان ذكر إخباره بما أمره به يوسف عليه السلام مع خلوصه من السجن ورجوعه إلى ما كان عليه من القيام بسقي الملك.

وقد رجح هذا بكون الشيطان لا سبيل له على الأنبياء. وأجيب بأن النسيان وقع من يوسف عليه السلام ونسبته إلى الشيطان على طريق المجاز، والأنبياء غير معصومين عن النسيان إلا فيما يخبرون به عن الله سبحانه.

وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني مسلم 572.. ورجح أيضاً بأن النسيان ليس بذنب، فلو كان الذي أنساه الشيطان ذكر ربه هو يوسف عليه السلام لم يستحق العقوبة على ذلك بلبثه في السجن بضع سنين، وأجيب بأن النسيان بمعنى الترك وأنه عوقب بسبب استعانته بغير الله سبحانه، ويؤيد رجوع الضمير إلى يوسف عليه السلام ما بعده من قوله (فلبث في السجن بضع سنين) ويؤيد رجوعه إلى الذي نجا من الغلامين قوله فيما سيأتي (الذي نجا منهما وادَّكر بعد أمة).

(فلبث) يوسف عليه السلام (في السجن) بسبب ذلك القول الذي قاله للذي نجا من الغلامين أو بسبب ذلك الإنساء، أخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير والطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو لم يقل يوسف عليه السلام الكلمة التي قال ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغي الفرج من عند غير الله " ابن كثير 2/ 479.. وعن عكرمة مرفوعاً نحوه وهو مرسل (بضع سنين) البضع ما بين الثلاث إلى التسع كما حكاه الهروي عن العرب وبه قال قتادة.

وحكى عن أبي عبيدة أن البضع ما دون نصف العقد، يعني ما بين واحد إلى أربعة، وقيل ما بين ثلاث إلى سبع قاله مجاهد، وقيل هو ما دون العشرة. وحكى الزجاج أنه ما بين الثلاث إلى الخمس، وقد اختلف السلف في تعيين قدر المدة التي لبث فيها يوسف عليه السلام في السجن، فقيل سبع سنين، قاله ابن جريج وقتادة ووهب بن منبه، وقيل اثنتي عشرة سنة، قاله ابن عباس، وقيل أربع عشرة سنة قاله الضحاك، وقيل خمس سنين.

وعن أنس قال: أوحي إلى يوسف عليه السلام من استنقذك من القتل حين هم إخوتك أن يقتلونك؟ قال: أنت يا رب، قال: فمن استنقذك من الجب …

43

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍۢ ۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ

And [subsequently] the king said, "Indeed, I have seen [in a dream] seven fat cows being eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry. O eminent ones, explain to me my vision, if you should interpret visions."

(و) لما دنا فرج يوسف عليه السلام (قال الملك) أي الملك الأكبر وهو الريان ابن الوليد الذي كان العزيز وزيراً له (إني أرى) أي رأيت في منامي (سبع بقرات سمان) خرجن من نهر يابس (يأكلهن سبع عجاف) أي مهازيل في غاية الضعف، والتعبير في الموضعين بالمضارع لاستحضار الصورة والسمان جمع سمين وسمينة، يقال رجال سمان كما يقال نساء كرام، والعجاف جمع عجفاء سماعي وقياس جمعه عجف لأن فعلى وافعل لا تجمع على فعال ولكنه عدل عن القياس حملاً على السمان لأنه نقيضه.

(و) رأيت (سبع سنبلات خضر) قد انعقد حبها (و) رأيت سبعاً (أخر يابسات) وهي التي قد بلغت حد الحصاد، وإنما حذف اسم العدد لأن التقسيم في البقرات يقتضي التقسيم في السنبلات وكان قد رأى إن السبع السنبلات اليابسات قد أدركت الخضر والْتَوَتْ عليها حتى غلبتها ولم يبق من خضرتهن شيء ولعل عدم التعرض لذكر هذا في النظم القرآني للاكتفاء بما ذكر من حال البقرات، ولما شاهد الناقص الضعيف قد استولى على القوي الكامل حتى غلبه وقهره أراد أن يعرف ذلك فقال:

(يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي) الخطاب للأشراف منَ قومه، وقيل هم السحرة والكهنة والمعبرون للرؤيا، والمعنى أخبروني بحكم هذه الرؤيا (إن كنتم للرؤيا تعبرون) أي تعلمون عبارة الرؤيا وهي الانتقال من الصور الخيالية إلى المعاني النفسانية التي هي مثالها، وأصل العبارة مشتقة من عبور النهر وهو المجاوزة، فمعنى عبرت النهر بلغت شاطئه، فعابر الرؤيا يخبر بما يؤول إليه أمرها.

قال الزجاج: اللام في للرؤيا للبيان، وقيل هو لتقوية العامل وتأخير الفعل العامل فيه لرعاية الفواصل.

قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48)

44

قَالُوٓا۟ أَضْغَٰثُ أَحْلَٰمٍۢ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ

They said, "[It is but] a mixture of false dreams, and we are not learned in the interpretation of dreams."

(قالوا) هذه (أضغاث أحلام) أي تخاليطها وهي جمع ضغث وهو في الأصل كل مختلط من أخلاط من بقل أو حشيش أو غيرهما فاستعير للرؤيا الكاذبة، والأحلام جمع حلم وهي الرؤيا الكاذبة التي لا حقيقة لها كما يكون من حديث النفس ووسواس الشيطان، والإضافة بمعنى من أي هي أضغاث من أحلام أخرجوها من جنس الرؤيا التي لها عاقبة تؤول إليها ويعتني بأمرها وجمعوها وهي رؤيا واحدة مبالغة في وصفها بالبطلان كما في قولهم فلان يركب الخيل ويلبس العمائم لمن لا يملك إلا فرساً واحداً وعمامة فردة، أو لتضمنها أشياء مختلفة من البقرات السبع السمان والسبع العجاف، والسنابل السبع الخضر والأخر اليابسات.

فتأمل حسن موقع الأضغاث مع السنابل، فللَّه در شأن التنزيل، ويجوز أن يكون رأى مع هذه الرؤيا غيرها مما لم يقصه الله علينا. قال ابن عباس: أضغاث أحلام يقول مشتبهة، وعنه قال الكاذبة؛ وعن الضحاك مثله.

(وما نحن بتأويل الأحلام) المختلطة (بعالمين) يريدون بالأحلام المنامات الباطلة خاصة، أي ليس لها تأويل عندنا وإنما التأويل للمنامات الصادقة كأنه مقدمة ثانية للعذر لجهلهم بتأويله؛ نفوا عن أنفسهم علم ما لا تأويل له لا مطلق العلم بالتأويل.

وقيل إنهم نفوا عن أنفسهم علم التأويل مطلقاً ولم يدعوا أنه لا تعبير لهذه الرؤيا، وقيل إنهم قصدوا محوها من صدر الملك حتى لا يشتغل بها ولم يكن ما ذكروه من نفي العلم حقيقة.

45

وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ

But the one who was freed and remembered after a time said, "I will inform you of its interpretation, so send me forth."

(وقال الذي نجا منهما) أي من الغلامين، وهو الساقي الذي قال له يوسف عليه السلام: اذكرني عند ربك (وادَّكر) بالدال المهملة على قراءة الجمهور وهي الفصيحة، وقرئ بالمعجمة أي تذكر الساقي يوسف عليه السلام وما شاهده منه من العلم بتعبير الرؤيا (بعد أمة) مدة طويلة وحين بعيد، ومنه إلى أمة معدودة إلى وقت قال ابن درستويه: والأمة لا تكون على الحين إلا على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كأنه قال: والله أعلم وادكر بعد حين أمة أو بعد زمن أمة.

قيل وسمى الحين من الزمان أمة لأنه جماعة أيام، والأمة الجماعة الكثيرة من الناس. قال الأخفش: هو في اللفظ واحد وفي المعنى جمع، وكل جنس من الحيوان أمة، وقرئ بعد أمة أي بعد نسيان، وإمة بكسر الهمزة أي بعد نعمة، وهي نعمة النجاة. وعن الحسن: بعد أمة من الناس. وقال ابن عباس: بعد سبع سنين وقيل تسع سنين وقيل سنتين.

(أنا أنبئكم بتأويله) أي أخبركم به بسؤالي عنه من له علم بتأويله، وهو يوسف عليه السلام أو أدلكم عليه أو أخبركم بمن عنده تأويله (فأرسلون) خاطب الملك بلفظ الجمع للتعظيم، أو خاطبه ومن كان معه من الملأ، طلب منهم أن يرسلوه إلى يوسف عليه السلام ليقص عليه رؤيا الملك حتى يخبره بتأويلها فيعود بذلك إلى الملك أو إلى السجن.

فأتى السجن فقال يا

46

يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍۢ لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ

[He said], "Joseph, O man of truth, explain to us about seven fat cows eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry - that I may return to the people; perhaps they will know [about you]."

(يوسف أيها الصديق) إنما سماه صديقاً لأنه لم يجرب عليه كذباً قط والصديق الكثير الصدق والذي لم يكذب قط، وقيل لأنه صدق في تعبير رؤياه التي رآها في السجن، وجملة مجيء الرسول ليوسف عليه السلام في السجن أربع مرات هذه أولاها.

(أفتنا) أي أخبرنا وبيِّن لنا (في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات) وترك ذكر الرؤيا اكتفاء بما هو واثق به من فهم يوسف عليه السلام بأن ذلك رؤيا وأن المطلوب منه تعبيرها.

ولما عاين علو رتبته عليه السلام في الفضل عبر عن ذلك بالإفتاء ولم يقل كما قال هو وصاحبه أولاً نبئنا بتأويله، وفي قوله أفتنا مع أنه المستفتى وحده إشعار بأن الرؤيا ليست له بل لغيره ممن له ملابسة بأمور العامة، وأنه في ذلك معبر وسفير كما آذن بذلك حيث قال (لعلي أرجع إلى الناس) أي إلى الملك ومن عنده من الملأ بتأويل هذه الرؤيا أو إلى أهل البلد إذ قيل أن السجن لم يكن فيه.

(لعلهم يعلمون) ما تأتي به من تأويل هذه الرؤيا أو يعلمون فضلك ومنزلتك ومعرفتك لفن الرؤيا، وإنما لم يبت الكلام فيها لأنه لم يكن جازماً بالرجوع فربما اخترمته المنية دونه ولا يعلمهم.

47

قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًۭا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تَأْكُلُونَ

[Joseph] said, "You will plant for seven years consecutively; and what you harvest leave in its spikes, except a little from which you will eat.

(قال تزرعون) مستأنفة كغيرها مما يرد هذا المورد (سبع سنين دأباً) أي متوالية متتابعة، قرئ بفتح الهمزة وسكونها وهما لغتان في مصدر دأب في العمل إذا جد فيه وتعب، قال الفراء: حرك لأن فيه حرفاً من حروف الحلق، وكذلك كل حرف فتح أوله وسكن ثانيه فتثقيله جائز في كلمات معروفة.

وأصل معنى الدأب التعب ويكنى به عن العادة المستمرة لأنها تنشأ عن مداومة العمل اللازم له التعب وانتصابه بفعل مقدر أي تدأبون دأباً، قاله سيبويه، أو على أنه مصدر واقع موقع الحال فيكون فيه الأوجه المعروفة إما المبالغة وإما وقوعه موقع الصفة وإما على حذف مضاف أي دائبين أو ذوي دأب، أو جعلهم نفس الدأب مبالغة، فعبر يوسف عليه السلام السبع البقرات السمان والسنبلات الخضر بسبع سنين فيها خصب، والعجاف واليابسات بسبع سنين فيها جدب وأوَّلَ ابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة، واستدل بالسبع الخضر على ما ذكره في التعبير من قوله:

(فما حصدتم) في كل سنة من السنين المخصبة (فذروه) أي ذلك المحصود (في سنبله) وقصبه ليكون القصب علفا للدواب ولا تفصلوه عنها لئلا يأكله السوس كما هو شأن غلال مصر ونواحيها، قيل وهذه نصيحة منه لهم خارجة عن التعبير وما شرطية أو موصولة وسنبل فنعل بضم الفاء والعين الواحدة سنبلة، يقال سنبل الزرع أي أخرج سنبله.

(إلا قليلاً مما تأكلون) في هذه السنين المخصبة فإنه لا بد لكم من فصله عن سنبله وإخراجه عنها، واقتصر على استثناء المأكول دون ما يحتاجون إليه من البذر الذي يبذرونه في أموالهم لأنه قد علم من قوله تزرعون.

48

ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌۭ شِدَادٌۭ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تُحْصِنُونَ

Then will come after that seven difficult [years] which will consume what you saved for them, except a little from which you will store.

(ثم يأتي من بعد ذلك) السبع السنين المخصبة (سبع شداد) أي سبع سنين مجدبة ممحلة شديدة يصعب أمرها على الناس وهي تأويل السبع العجاف والسبع اليابسات.

(يأكلن ما قدمتم لهن) من تلك الحبوب المتروكة في سنابلها في السنين المخصبات، وإسناد الأكل إلى السنين مجازي تطبيقاً بين المعبر والمعبر به كما في نهاره صائم.

وفيه تلويح بأنه تأويل الأكل العجاف السمان واللام في لهن ترشيح لذلك فكأن ما ادخر في السنابل من الحبوب شيء قد هيء وقدم لهن كالذي يقدم للنازل وإلا فهو في الحقيقة مقدم للناس فيهن والمعنى يأكل الناس فيهن أو يأكل أهلهن ما قدمتم أي ما أدخرتم لهن (إلا قليلا مما تحصنون) أي مما تحبسون من الحب لتزرعوا به لأن في استيفاء البذر تحصين الأقوات.

وقال أبو عبيدة: معناه تحرزون وقيل تدخرون وقيل تخزنون والمعنى واحد والإحصان الإحراز وهو إبقاء الشيء في الحصن بحيث يحفظ ولا يضيع، أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد عجبت من يوسف عليه السلام وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترط عليهم أن يخرجوني ولقد عجبت من يوسف عليه السلام وصبره وكرمه والله يغفر له حين أتاه الرسول ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب ولكنه أراد أن يكون له العذر " وهو حديث مرسل وقد أورده ابن كثير في تفسيره 2/ 481. ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)

49

ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌۭ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ

Then will come after that a year in which the people will be given rain and in which they will press [olives and grapes]."

(ثم يأتي من بعد ذلك) السنين المجدبات (عام) سنة وهذه بشارة منه لهم زائدة على تعبير الرؤيا ولعله علم ذلك بالوحي أو بأن انتهاء الجدب بالخصب على العادة الإلهية حيث يوسع على عباده بعد تضييقه عليهم (فيه يغاث الناس) من الإغاثة أو الغوث وهو الفرج وزوال الهم والكرب والغيث المطر وقد غاث الغيث الأرض أي أصابها وغاث الله البلاد يغيثها غوثاً أمطرها فمعنى يغاث الناس يمطرون.

(وفيه يعصرون) الأشياء التي تعصر كالعنب والسمسم والزيتون، وقيل أراد حلب الألبان، وقيل معناه ينجون مأخوذ من العصرة وهي المنجاة، قال أبو عبيدة: والعصر بالتحريك الملجأ والمنجى واعتصرت بفلان التجأت به وقرئ بتاء الخطاب ويعصرون بضم الياء وفتح الصاد ومعناه يمطرون ومنه قوله تعالى (وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً) قال ابن عباس: يصيبهم فيه غيث يعصرون فيه العنب والزبيب ومن كل الثمرات ويحتلبون وعنه قال: أخبرهم بشيء لم يسألوه عنه كان الله قد علمه إياه وفيه يعصرون السمسم دهناً والعنب خمراً والزيتون زيتاً والمراد كثرة الخير والنعم على الناس وكثرة الخصب في الزرع والثمار.

50

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌۭ

And the king said, "Bring him to me." But when the messenger came to him, [Joseph] said, "Return to your master and ask him what is the case of the women who cut their hands. Indeed, my Lord is Knowing of their plan."

(وقال الملك) في الكلام حذف قبل هذا والتقدير فذهب الرسول إلى الملك فأخبره بما أخبره به يوسف عليه السلام من تعبير الرؤيا وقال الملك لمن بحضرته (أئتوني به) أي بيوسف عليه السلام رغب إلى رؤيته ومعرفة حاله بعد أن علم بفضله ما علمه من وصف الرسول له ومن تعبيره لرؤياه (فلما جاءه) أي إلى يوسف عليه السلام (الرسول) واستدعاه إلى حضرة الملك وأمره بالخروج من السجن وهذه هي المرة الثانية من مجيء الرسول إليه في السجن.

(قال) يوسف عليه السلام للرسول قاصداً إظهار براءته (ارجع إلى ربك) أي سيدك (فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن) أمره بأن يسأل الملك عن ذلك وتوقف عن الخروج من السجن ولم يسارع إلى إجابة الملك ليظهر للناس براءة ساحته ونزاهة جانبه وأنه ظلم بكيد امرأة العزيز ظلماً بيناً. قال ابن عباس: أراد يوسف عليه السلام العذر قبل أن يخرج من السجن ولقد أعطى عليه السلام من الحلم والصبر والإناة ما تضيق الأذهان عن تصوره.

ولهذا ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: (ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف عليه السلام لأجبت الداعي) مسلم 151 - البخاري 1593. يعني الرسول الذي جاء يدعوه إلى الملك، قال ابن عطية: كان هذا الفعل من يوسف عليه السلام أناة وصبراً وطلباً لبراءة ساحته وذلك أنه خشي أن يخرج وينال من الملك مرتبة ويسكت عن أمر ذنبه فيراه الناس بتلك العين يقولون هذا الذي راود امرأة العزيز.

وفيه دليل على أن الاجتهاد في نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها وإنما قال فاسأله ما بال النسوة وسكت عن امرأة العزيز رعاية لذمام الملك العزيز أو خوفاً منه من كيدها وعظم شرها وذكر السؤال عن تقطيع الأيدي ولم يذكر مراودتهن له تنزيهاً منه عن نسبة ذلك إليهن ولذلك لم ينسب المراودة فيما تقدم إلى امرأة العزيز إلا بعد أن رمته بدائها وانسلت وقد اكتفى هنا بالإشارة الإجمالية بقوله:

(إن ربي بكيدهن عليم) فجعل علم الله سبحانه بما وقع عليه من الكيد منهن مغنياً عن التصريح وقيل المراد بالرب هنا الملك وجعله رباً لنفسه لكونه مربياً له والأول أولى وفيه تعظيم كيدهن والوعيد لهن على كيدهن.

Commentary: Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.