Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 1–10 of 111

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُبِينِ

Alif, Lam, Ra. These are the verses of the clear Book.

﴿الر﴾

تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظايِرِ الر ونَحْوِها في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

* * *

﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾

الكَلامُ عَلى تِلْكَ آياتُ الكِتابِ مَضى في سُورَةِ يُونُسَ. ووُصِفَ الكِتابُ هُنا بِـ المُبِينِ ووُصِفَ بِهِ في طالِعَةِ سُورَةِ يُونُسَ بِـ الحَكِيمِ لِأنَّ ذِكْرَ وصْفِ إبانَتِهِ هُنا أنْسَبُ، إذْ كانَتِ القِصَّةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ السُّورَةُ مُفَصَّلَةً مُبَيِّنَةً لِأهَمِّ ما جَرى في مُدَّةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمِصْرَ. فَقِصَّةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً لِلْعَرَبِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ إجْمالًا ولا تَفْصِيلًا، بِخِلافِ قَصَصِ الأنْبِياءِ: هُودٍ، وصالِحٍ، وإبْراهِيمَ، ولُوطٍ، وشُعَيْبٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أجْمَعِينَ، إذْ كانَتْ مَعْرُوفَةً لَدَيْهِمْ إجْمالًا، فَلِذَلِكَ كانَ القُرْآنُ مُبَيِّنًا إيّاها ومُفَصِّلًا.

صفحة ٢٠١

ونُزُولُها قَبْلَ اخْتِلاطِ النَّبِيِّ ﷺ بِاليَهُودِ في المَدِينَةِ مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ مِن إعْلامِ اللَّهِ - تَعالى - إيّاهُ بِعُلُومِ الأوَّلِينَ، وبِذَلِكَ ساوى الصَّحابَةُ عُلَماءَ بَنِي إسْرائِيلَ في عِلْمِ تارِيخِ الأدْيانِ والأنْبِياءِ وذَلِكَ مِن أهَمِّ ما يَعْلَمُهُ المُشَرِّعُونَ.

فالمُبِينُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ المُتَعَدِّي. والمُرادُ: الإبانَةُ التّامَّةُ بِاللَّفْظِ والمَعْنى.

2

إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّۭا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

Indeed, We have sent it down as an Arabic Qur'an that you might understand.

﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ يُفِيدُ تَعْلِيلَ الإبانَةِ مِن جِهَتَيْ لَفْظِهِ ومَعْناهُ، فَإنَّ كَوْنَهُ قُرْآنًا يَدُلُّ عَلى إبانَةِ المَعانِي؛ لِأنَّهُ ما جُعِلَ مَقْرُوءًا إلّا لِما في تَراكِيبِهِ مِنَ المَعانِي المُفِيدَةِ لِلْقارِئِ.

وكَوْنُهُ عَرَبِيًّا يُفِيدُ إبانَةَ ألْفاظِهِ المَعانِيَ المَقْصُودَةَ لِلَّذِينِ خُوطِبُوا بِهِ ابْتِداءً، وهُمُ العَرَبُ، إذْ لَمْ يَكُونُوا يَتَبَيَّنُونَ شَيْئًا مِنَ الأُمَمِ الَّتِي حَوْلَهم لِأنَّ كُتُبَهم كانَتْ بِاللُّغاتِ غَيْرِ العَرَبِيَّةِ.

والتَّأْكِيدُ بِـ ”إنَّ“ مُتَوَجِّهٌ إلى خَبَرِها وهو فِعْلُ أنْزَلْناهُ رَدًّا عَلى الَّذِينَ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.

وضَمِيرُ أنْزَلْناهُ عائِدٌ إلى الكِتابِ في قَوْلِهِ: الكِتابِ المُبِينِ.

وقُرْآنًا حالٌ مِنَ الهاءِ في أنْزَلْناهُ، أيْ كِتابًا يُقْرَأُ، أيْ مُنَظَّمًا عَلى أُسْلُوبٍ مُعَدٍّ لِأنْ يُقْرَأ لا كَأُسْلُوبِ الرَّسائِلِ والخُطَبِ أوِ الأشْعارِ، بَلْ هو أُسْلُوبُ كِتابٍ نافِعٍ نَفْعًا مُسْتَمِرًّا يَقْرَأُهُ النّاسُ.

وعَرَبِيًّا صِفَةٌ لِـ قُرْآنًا. فَهو كِتابٌ بِالعَرَبِيَّةِ لَيْسَ كالكُتُبِ السّالِفَةِ فَإنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ كِتابٌ بِلُغَةِ العَرَبِ.

صفحة ٢٠٢

وقَدْ أفْصَحَ عَنِ التَّعْلِيلِ المَقْصُودِ جُمْلَةُ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ، أيْ رَجاءُ حُصُولِ العِلْمِ لَكم مِن لَفْظِهِ ومَعْناهُ؛ لِأنَّكم عَرَبٌ فَنُزُولُهُ بِلُغَتِكم مُشْتَمِلًا عَلى ما فِيهِ نَفْعُكم هو سَبَبٌ لِعَقْلِكم ما يَحْتَوِي عَلَيْهِ، وعَبَّرَ عَنِ العِلْمِ بِالعَقْلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ دَلالَةَ القُرْآنِ عَلى هَذا العِلْمِ قَدْ بَلَغَتْ في الوُضُوحِ حَدَّ أنْ يَنْزِلَ مَن لَمْ يَحْصُلْ لَهُ العِلْمُ مِنها مَنزِلَةَ مَن لا عَقْلَ لَهُ، وأنَّهم ما دامُوا مُعْرِضِينَ عَنْهُ فَهم في عِدادِ غَيْرِ العُقَلاءِ.

وحَذْفُ مَفْعُولِ تَعْقِلُونَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ إنْزالَهُ كَذَلِكَ هو سَبَبٌ لِحُصُولِ تَعَقُّلٍ لِأشْياءٍ كَثِيرَةٍ مِنَ العُلُومِ مِن إعْجازٍ وغَيْرِهِ.

وتَقَدَّمَ وجْهُ وُقُوعِ لَعَلَّ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى. ومَحْمَلُ الرَّجاءِ المُفادِ بِها عَلى ما يُئَوَّلُ إلى التَّعْلِيلِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وفي آياتٍ كَثِيرَةٍ بَعْدَها بِما لا التِباسَ بَعْدَهُ.

3

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَٰفِلِينَ

We relate to you, [O Muhammad], the best of stories in what We have revealed to you of this Qur'an although you were, before it, among the unaware.

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مِن جُمْلَةِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] مَنزِلَةَ بَدَلِ الِاشْتِمالِ لِأنَّ أحْسَنَ القَصَصِ مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ إنْزالُ القُرْآنِ. وكَوْنُ القَصَصَ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الِاشْتِمالِ مِن جُمْلَةِ تَأْكِيدِ إنْزالِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ﴾ يَتَضَمَّنُ رابِطًا بَيْنَ جُمْلَةِ البَدَلِ والجُمْلَةِ المُبْدَلِ مِنها.

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ العَظَمَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِالخَبَرِ، كَما يَقُولُ كِتابُ الدِّيوانِ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ يَأْمُرُ بِكَذا.

صفحة ٢٠٣

وتَقْدِيمُ الضَّمِيرِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، أيْ نَحْنُ نَقُصُّ لا غَيْرُنا، رَدًّا عَلى مَن يَطْعَنُ مِنَ المُشْرِكِينَ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] - وقَوْلِهِمْ - ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها﴾ [الفرقان: ٥] وقَوْلِهِمْ: يُعَلِّمُهُ رَجُلٌ مِن أهْلِ اليَمامَةِ اسْمُهُ الرَّحْمانُ. وقَوْلُ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ المُتَقَدِّمُ دِيباجَةُ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ.

وفِي هَذا الِاخْتِصاصِ تَوافُقٌ بَيْنَ جُمْلَةِ البَدَلِ والجُمْلَةِ المُبْدَلِ مِنها في تَأْكِيدِ كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ المُفادِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] .

ومَعْنى نَقُصُّ نُخْبِرُ الأخْبارَ السّالِفَةَ. وهو مَنقُولٌ مِن قَصَّ الأثَرَ إذا تَتَبَّعَ مَواقِعَ الأقْدامِ لِيَتَعَرَّفَ مُنْتَهى سَيْرِ صاحِبِها. ومَصْدَرُهُ: القَصُّ بِالإدْغامِ، والقَصَصُ بِالفَكِّ، قالَ - تَعالى: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] . وذَلِكَ أنَّ حِكايَةَ أخْبارِ الماضِينَ تُشْبِهُ اتِّباعَ خُطاهم، ألا تَرى أنَّهم سَمُّوا الأعْمالَ سِيرَةً وهي في الأصْلِ هَيْئَةُ السَّيْرِ، وقالُوا: سارَ فُلانٌ سِيرَةَ فُلانٍ، أيْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ، وقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ هَذا الإطْلاقِ المَجازِيِّ وبَيْنَ قَصِّ الأثَرِ فَخَصُّوا المُجازِيَّ بِالصَّدْرِ المُفَكَّكِ وغَلَّبُوا المَصْدَرَ المُدْغَمَ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ مَعَ بَقاءِ المَصْدَرِ المُفَكَّكِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] .

فَـ ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ هُنا إمّا مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُبَيِّنٌ لِنَوْعِ فِعْلِهِ. وإمّا أنْ يَكُونَ القَصَصُ بِمَعْنى المَفْعُولِ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ وإرادَةِ المَفْعُولِ. كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وهو إطْلاقٌ لِلْقَصَصِ شائِعٌ أيْضًا. قالَ - تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [يوسف: ١١١] . وقَدْ يَكُونُ وزْنُ فَعَلٍ بِمَعْنى المَفْعُولِ كالنَّبَأِ والخَبَرِ بِمَعْنى المُنَبَّأِ بِهِ والمُخْبَرِ بِهِ، ومِثْلُهُ الحَسَبُ والنَّقَضُ.

وجُعِلَ هَذا القَصَصُ أحْسَنَ القَصَصِ لِأنَّ بَعْضَ القَصَصِ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ تَرْتاحُ لَهُ النُّفُوسُ. وقَصَصُ القُرْآنِ أحْسَنُ مِن قَصَصِ غَيْرِهِ مِن جِهَةِ حُسْنِ نَظْمِهِ وإعْجازِ أُسْلُوبِهِ وبِما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ العِبَرِ والحِكَمِ، فَكُلُّ قَصَصٍ في القُرْآنِ هو أحْسَنُ القَصَصِ في بابِهِ، وكُلُّ قِصَّةٍ في القُرْآنِ هي أحْسَنُ مِن كُلِّ ما يَقُصُّهُ

صفحة ٢٠٤

القاصُّ في غَيْرِ القُرْآنِ. ولَيْسَ المُرادُ أحْسَنَ قَصَصِ القُرْآنِ حَتّى تَكُونَ قِصَّةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أحْسَنَ مِن بَقِيَّةِ قَصَصِ القُرْآنِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بِما أوْحَيْنا …

4

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَٰجِدِينَ

[Of these stories mention] when Joseph said to his father, "O my father, indeed I have seen [in a dream] eleven stars and the sun and the moon; I saw them prostrating to me."

﴿إذْ قالَ يُوسُفُ لِأبِيهِ يا أبَتِ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾

إذْ قالَ بَدَلُ اشْتِمالٍ أوْ بَعْضٍ مِن ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] عَلى أنْ يَكُونَ (أحْسَنَ القَصَصِ) بِمَعْنى المَفْعُولِ، فَإنَّ أحْسَنَ القَصَصِ يَشْتَمِلُ عَلى قَصَصٍ كَثِيرٍ، مِنهُ قَصَصُ زَمانِ قَوْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ وما عَقَبَ قَوْلَهُ ذَلِكَ مِنَ الحَوادِثِ. فَإذا حُمِلَ ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] عَلى المَصْدَرِ فالأحْسَنُ أنْ يَكُونَ إذْ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ، والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ.

ويُوسُفُ اسْمٌ عِبْرانِيٌّ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اسْمِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] إلَخْ في سُورَةِ الأنْعامِ. وهو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ مِن زَوْجِهِ ”راحِيلَ“ . وهو أحَدُ الأسْباطِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكانَ يُوسُفُ أحَبَّ أبْناءِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - إلَيْهِ وكانَ فَرْطُ مَحَبَّةِ أبِيهِ إيّاهُ سَبَبَ غَيْرَةِ إخْوَتِهِ مِنهُ فَكادُوا لَهُ مَكِيدَةً فَسَألُوا أباهم أنْ يَتْرُكَهُ يَخْرُجُ مَعَهم. فَأخْرَجُوهُ مَعَهم بِعِلَّةِ اللَّعِبِ والتَّفَسُّحِ، وألْقُوهُ في جُبٍّ، وأخْبَرُوا أباهم أنَّهم فَقَدُوهُ، وأنَّهم وجَدُوا قَمِيصَهُ مُلَوَّثًا بِالدَّمِ، وأرَوْهُ قَمِيصَهُ بَعْدَ أنْ لَطَّخُوهُ بِدَمٍ، والتَقَطَهُ مِنَ البِئْرِ سَيّارَةٌ مِنَ العَرَبِ الإسْماعِيلِيِّينَ كانُوا سائِرِينَ في طَرِيقِهِمْ إلى مِصْرَ، وباعُوهُ كَرَقِيقٍ في سُوقِ عاصِمَةِ مِصْرَ

صفحة ٢٠٦

السُّفْلى الَّتِي كانَتْ يَوْمَئِذٍ في حُكْمِ أُمَّةٍ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ يُعْرَفُونَ بِالعَمالِقَةِ أوِ (الهُكْصُوصُ) . وذَلِكَ في زَمَنِ المَلِكِ (أبُو فِيسَ) أوِ (ابِيبِي) . ويَقْرُبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في حُدُودِ سَنَةِ تِسْعٍ وعِشْرِينَ وسَبْعمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فاشْتَراهُ (فُوطِيفارُ) رَئِيسُ شُرْطَةِ فِرْعَوْنَ المُلَقَّبُ في القُرْآنِ بِالعَزِيزِ، أيْ رَئِيسُ المَدِينَةِ. وحَدَثَتْ مَكِيدَةٌ لَهُ مِن زَوْجِ سَيِّدِهِ أُلْقِيَ بِسَبَبِها في السِّجْنِ. وبِسَبَبِ رُؤْيا رَآها المَلِكُ وعَبَّرَها يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو في السِّجْنِ، قَرَّبَهُ المَلِكُ إلَيْهِ زُلْفى، وأوْلاهُ عَلى جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ، وهو لَقَبُ العَزِيزِ وسَمّاهُ (صَفْناتِ فَعَنِيجِ)، وزَوَّجَهُ (أسْنات) بِنْتَ أحَدِ الكَهَنَةِ وعُمُرُهُ يَوْمَئِذٍ ثَلاثُونَ سَنَةً. وفي مُدَّةِ حُكْمِهِ جَلَبَ أباهُ وأقارِبَهُ مِنَ البَرِّيَّةِ إلى أرْضِ مِصْرَ، فَذَلِكَ سَبَبُ اسْتِيطانِ بَنِي إسْرائِيلَ أرْضَ مِصْرَ. وتُوُفِّيَ بِمِصْرَ في حُدُودِ سَنَةِ خَمْسٍ وثَلاثِينَ وسِتِّمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وحُنِّطَ عَلى الطَّرِيقَةِ المِصْرِيَّةِ. ووُضِعَ في تابُوتٍ، وأوْصى قَبْلَ مَوْتِهِ بِأنَّهم إذا خَرَجُوا مِن مِصْرَ يَرْفَعُونَ جَسَدَهُ مَعَهم. ولَمّا خَرَجَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ رَفَعُوا تابُوتَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهم وانْتَقَلُوهُ مَعَهم في رِحْلَتِهِمْ إلى أنْ دَفَنُوهُ في (شَكِيمَ) في مُدَّةِ يُوشَعَ بْنِ نُونَ.

والتّاءُ في أبَتِ تاءٌ خاصَّةٌ بِكَلِمَةِ الأبِ وكَلِمَةِ الأُمِّ في النِّداءِ خاصَّةً عَلى نِيَّةِ الإضافَةِ إلى المُتَكَلِّمِ، فَمُفادُها مُفادُ: يا أبِي، ولا يَكادُ العَرَبُ يَقُولُونَ: يا أبِي. ووَرَدَ في سَلامِ ابْنِ عُمَرَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ وصاحِبِهِ حِينَ وقَفَ عَلى …

5

قَالَ يَٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لِلْإِنسَٰنِ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ

He said, "O my son, do not relate your vision to your brothers or they will contrive against you a plan. Indeed Satan, to man, is a manifest enemy.

﴿قالَ يا بُنَيِّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إنَّ الشَّيْطانَ لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾

جاءَتِ الجُمْلَةُ مَفْصُولَةً عَنِ الَّتِي قَبْلَها عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والنِّداءُ مَعَ حُضُورِ المُخاطَبِ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ إحْضارِ الذِّهْنِ اهْتِمامًا بِالغَرَضِ المُخاطَبِ فِيهِ.

و(بُنَيِّ) - بِكَسْرِ الياءِ المُشَدَّدَةِ - تَصْغِيرُ ابْنٍ مَعَ إضافَتِهِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ وأصْلُهُ بُنَيْوِي أوْ بُنَيْيِي عَلى الخِلافِ في أنَّ لامَ ابْنٍ المُلْتَزَمَ عَدَمُ ظُهُورِها هي واوٌ أمْ ياءٌ. وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَإنَّها أُدْغِمَتْ فِيها ياءُ التَّصْغِيرِ بَعْدَ قَلْبِ الواوِ ياءً لِتَقارُبِ الياءِ والواوِ، أوْ لِتَماثُلِهِما فَصارَ ”بُنَيِّي“ . وقَدِ اجْتَمَعَ ثَلاثُ ياءاتٍ فَلَزِمَ حَذْفُ واحِدَةٍ مِنها فَحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ لُزُومًا وأُلْقِيَتِ الكَسْرَةُ

صفحة ٢١٣

الَّتِي اجْتُلِبَتْ لِأجْلِها عَلى ياءِ التَّصْغِيرِ دَلالَةً عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ. وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِنَ المُنادى المُضافِ شائِعٌ. وبِخاصَّةٍ إذا كانَ في إبْقائِها ثِقَلٌ كَما هُنا؛ لِأنَّ التِقاءَ ياءاتٍ ثَلاثٍ فِيهِ ثِقَلٌ.

وهَذا التَّصْغِيرُ كِنايَةٌ عَنْ تَحْبِيبٍ وشَفَقَةٍ. نَزَّلَ الكَبِيرَ مَنزِلَةَ الصَّغِيرِ لِأنَّ شَأْنَ الصَّغِيرِ أنْ يُحَبَّ ويُشْفَقَ عَلَيْهِ. وفي ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ إمْحاضِ النُّصْحِ لَهُ.

والقَصُّ: حِكايَةُ الرُّؤْيا. يُقالُ: قَصَّ الرُّؤْيا إذا حَكاها وأخْبَرَ بِها. وهو جاءَ مِنَ القَصَصِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا.

والرُّؤْيا - بِألِفِ التَّأْنِيثِ - هي: رُؤْيَةُ الصُّوَرِ في النَّوْمِ، فَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ رُؤْيَةِ اليَقَظَةِ بِاخْتِلافِ عَلامَتَيِ التَّأْنِيثِ، وهي بِوَزْنِ البُشْرى والبُقْيا.

وقَدْ عَلِمَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - العَشَرَةَ كانُوا يَغارُونَ مِنهُ لِفَرْطِ فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ خُلُقًا وخَلْقًا، وعَلِمَ أنَّهم يُعَبِّرُونَ الرُّؤْيا إجْمالًا وتَفْصِيلًا، وعَلِمَ أنَّ تِلْكَ الرُّؤْيا تُؤْذِنُ بِرِفْعَةٍ يَنالُها يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى إخْوَتِهِ الَّذِينَ هم أحَدَ عَشَرَ فَخَشِيَ إنْ قَصَّها يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِمْ أنْ تَشْتَدَّ بِهِمُ الغَيْرَةُ إلى حَدِّ الحَسَدِ، وأنْ يَعْبُرُوها عَلى وجْهِها فَيَنْشَأُ فِيهِمْ شَرُّ الحاسِدِ إذا حَسَدَ، فَيَكِيدُوا لَهُ كَيْدًا لِيَسْلَمُوا مِن تَفَوُّقِهِ عَلَيْهِمْ وفَضْلِهِ فِيهِمْ.

والكَيْدُ: إخْفاءُ عَمَلٍ يَضُرُّ المَكِيدَ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] في سُورَةِ الأعْرافِ.

واللّامُ في (لَكَ) لِتَأْكِيدِ صِلَةِ الفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ كَقَوْلِهِ: شَكَرْتُ لَكَ النُّعْمى.

وتَنْوِينُ كَيْدًا لِلتَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ زِيادَةٌ في تَحْذِيرِهِ مِن قَصِّ الرُّؤْيا عَلَيْهِمْ.

وقَصَدَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن ذَلِكَ نَجاةَ ابْنِهِ مِن أضْرارٍ تَلْحَقُهُ، ولَيْسَ قَصْدُهُ إبْطالَ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الرُّؤْيا فَإنَّهُ يَقَعُ بَعْدَ أضْرارٍ ومَشاقَّ. وكانَ يَعْلَمُ أنَّ بَنِيهِ لَمْ يَبْلُغُوا في العِلْمِ مَبْلَغَ غَوْصِ النَّظَرِ المُفْضِي إلى أنَّ الرُّؤْيا إنْ كانَتْ

صفحة ٢١٤

دالَّةً عَلى خَيْرٍ عَظِيمٍ يَنالُهُ فَهي خَبَرٌ إلَهِيٌّ، وهو لا يَجُوزُ عَلَيْهِ عَدَمُ المُطابَقَةِ لِلْواقِعِ في المُسْتَقْبَلِ، بَلْ لَعَلَّهم يَحْسَبُونَها …

6

وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

And thus will your Lord choose you and teach you the interpretation of narratives and complete His favor upon you and upon the family of Jacob, as He completed it upon your fathers before, Abraham and Isaac. Indeed, your Lord is Knowing and Wise."

﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

عَطَفَ هَذا الكَلامَ عَلى تَحْذِيرِهِ مِن قَصِّ الرُّؤْيا عَلى إخْوَتِهِ إعْلامًا لَهُ بِعُلُوِّ قَدْرِهِ ومُسْتَقْبَلِ كَمالِهِ، كَيْ يَزِيدَ تَمَلِّيًا مِن سُمُوِّ الأخْلاقِ فَيَتَّسِعُ صَدْرُهُ لِاحْتِمالِ أذى إخْوَتِهِ، وصَفْحًا عَنْ غَيْرَتِهِمْ مِنهُ وحَسَدِهِمْ إيّاهُ لِيَتَمَحَّضَ تَحْذِيرُهُ لِلصَّلاحِ، وتَنْتَفِي عَنْهُ مَفْسَدَةُ إثارَةِ البَغْضاءِ ونَحْوِها، حِكْمَةً نَبَوِيَّةً عَظِيمَةً وطِبًّا رُوحانِيًّا ناجِعًا.

والإشارَةُ في قَوْلِهِ: وكَذَلِكَ إلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الرُّؤْيا مِنَ العِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ بِهِ، أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الِاجْتِباءِ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ في المُسْتَقْبَلِ، والتَّشْبِيهُ هُنا تَشْبِيهُ تَعْلِيلٍ لِأنَّهُ تَشْبِيهُ أحَدِ المَعْلُولَيْنِ بِالآخَرِ لِاتِّحادِ العِلَّةِ. ومَوْقِعُ الجارِّ والمَجْرُورِ مَوْقِعَ المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِـ (يَجْتَبِيكَ) المُبَيِّنِ لِنَوْعِ الِاجْتِباءِ ووَجْهِهِ.

والِاجْتِباءُ: الِاخْتِيارُ والِاصْطِفاءُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: واجْتَبَيْناهم في سُورَةِ الأنْعامِ، أيِ اخْتِيارُهُ مِن بَيْنِ إخْوَتِهِ، أوْ مِن بَيْنِ كَثِيرٍ مِن خَلْقِهِ. وقَدْ عَلِمَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيا ودَلالَتِها عَلى رِفْعَةِ شَأْنٍ في المُسْتَقْبَلِ فَتِلْكَ إذا ضُمَّتْ إلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الفَضائِلِ آلَتْ إلى اجْتِباءِ اللَّهِ إيّاهُ، وذَلِكَ يُؤْذِنُ بِنُبُوءَتِهِ. وإنَّما عَلِمَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ رِفْعَةَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في مُسْتَقْبَلِهِ رِفْعَةٌ إلَهِيَّةٌ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ - تَعالى - مُتَناسِبَةٌ فَلَمّا كانَ ما ابْتَدَأهُ مِنَ النِّعَمِ اجْتِباءً وكَمالًا نَفْسِيًّا تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ما يَلْحَقُ بِها، مِن نَوْعِها.

صفحة ٢١٦

ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الِارْتِقاءَ النَّفْسانِيَّ الَّذِي هو مِنَ الوارِداتِ الإلَهِيَّةِ غايَتُهُ أنْ يَبْلُغَ بِصاحِبِهِ إلى النُّبُوَّةِ أوِ الحِكْمَةِ فَلِذَلِكَ عَلِمَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ اللَّهَ سَيُعَلِّمُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ؛ لِأنَّ مُسَبِّبَ الشَّيْءِ مُسَبَّبٌ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَتَعْلِيمُ التَّأْوِيلِ ناشِئٌ عَنِ التَّشْبِيهِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: وكَذَلِكَ، ولِأنَّ اهْتِمامَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِرُؤْياهُ وعَرْضِها عَلى أبِيهِ دَلَّ أباهُ عَلى أنَّ اللَّهَ أوْدَعَ في نَفْسِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الِاعْتِناءَ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا وتَعْبِيرِها. وهَذِهِ آيَةُ عِبْرَةٍ بِحالِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ ابْنِهِ إذْ أشْعَرَهُ بِما تَوَسَّمَهُ مِن عِنايَةِ اللَّهِ بِهِ لِيَزْدادَ إقْبالًا عَلى الكَمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ .

والتَّأْوِيلُ: إرْجاعُ الشَّيْءِ إلى حَقِيقَتِهِ ودَلِيلِهِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] .

والأحادِيثُ: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَمْعَ حَدِيثٍ بِمَعْنى الشَّيْءِ الحادِثِ، فَتَأْوِيلُ الأحادِيثِ: إرْجاعُ الحَوادِثِ إلى عِلَلِها وأسْبابِها بِإدْراكِ حَقائِقِها عَلى التَّمامِ، وهو المَعْنِيُّ بِالحِكْمَةِ، وذَلِكَ بِالِاسْتِدْلالِ بِأصْنافِ المَوْجُوداتِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الأحادِيثُ جَمْعَ حَدِيثٍ بِمَعْنى …

7

۞ لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٌۭ لِّلسَّآئِلِينَ

Certainly were there in Joseph and his brothers signs for those who ask,

صفحة ٢١٨

﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾

جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، وهي مَبْدَأُ القَصَصِ المَقْصُودِ، إذْ كانَ ما قَبْلَهُ كالمُقَدِّمَةِ لَهُ المُنْبِئَةِ بِنَباهَةِ شَأْنِ صاحِبِ القِصَّةِ، فَلَيْسَ هو مِنَ الحَوادِثِ الَّتِي لَحِقَتْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِهَذا كانَ أُسْلُوبُ هَذِهِ الجُمْلَةِ كَأُسْلُوبِ القَصَصِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا﴾ [يوسف: ٨] نَظِيرُ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [ص: ٧٠] ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] إلى آخِرِ القِصَّةِ.

والظَّرْفِيَّةُ المُسْتَفادَةُ مِن (في) ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ مُقارَنَةِ الدَّلِيلِ لِلْمَدْلُولِ بِمُقارَنَةِ المَظْرُوفِ لِلظَّرْفِ، أيْ لَقَدْ كانَ شَأْنُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإخْوَتِهِ مُقارِنًا لِدَلائِلَ عَظِيمَةٍ مِنَ العِبَرِ والمَواعِظِ، والتَّعْرِيفُ بِعَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ - تَعالى - وتَقْدِيرِهِ.

والآياتُ: الدَّلائِلُ عَلى ما تَتَطَلَّبُ مَعْرِفَتُهُ مِنَ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ.

والآياتُ حَقِيقَةٌ في آياتِ الطَّرِيقِ، وهي عَلاماتٌ يَجْعَلُونَها في المَفاوِزِ تَكُونُ بادِيَةً لا تَغْمُرُها الرِّمالُ لِتَكُونَ مُرْشِدَةً لِلسّائِرِينَ، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى حُجَجِ الصِّدْقِ، وأدِلَّةِ المَعْلُوماتِ الدَّقِيقَةِ. وجَمْعُ الآياتِ هُنا مُراعًى فِيهِ تَعَدُّدُها وتَعَدُّدُ أنْواعِها، فَفي قِصَّةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَلائِلُ عَلى ما لِلصَّبْرِ وحُسْنِ الطَّوِيَّةِ مِن عَواقِبِ الخَيْرِ والنَّصْرِ، أوْ عَلى ما لِلْحَسَدِ والإضْرارِ بِالنّاسِ مِنَ الخَيْبَةِ والِانْدِحارِ والهُبُوطِ.

وفِيها مِنَ الدَّلائِلِ عَلى صِدْقِ النَّبِيءِ ﷺ، وأنَّ القُرْآنَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ، إذْ جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا أحْبارُ أهْلِ الكِتابِ دُونَ قِراءَةٍ ولا كِتابٍ وذَلِكَ مِنَ المُعْجِزاتِ.

صفحة ٢١٩

وفِي بَلاغَةِ نَظْمِها وفَصاحَتِها مِنَ الإعْجازِ ما هو دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ مِن صُنْعِ اللَّهِ ألْقاهُ إلى رَسُولِهِ ﷺ مُعْجِزَةً لَهُ عَلى قَوْمِهِ أهْلِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ.

والسّائِلُونَ مُرادٌ مِنهم مَن يُتَوَقَّعُ مِنهُ السُّؤالُ عَنِ المَواعِظِ والحِكَمِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] . ومِثْلَ هَذا يُسْتَعْمَلُ في كَلامِ العَرَبِ لِلتَّشْوِيقِ، والحَثِّ عَلى تَطَلُّبِ الخَبَرِ والقِصَّةِ. قالَ طَرَفَةُ:

سائِلُوا عَنّا الَّذِي يَعْرِفُنا بِقُوانا يَوْمَ تَحْلاقِ اللِّمَمِ

وقالَ السَّمَوءَلُ أوْ عَبْدُ المَلِكِ الحارِثِيُّ:

سَلِي إنْ جَهِلْتِ النّاسَ عَنّا وعَنْهُمُ ∗∗∗ فَلَيْسَ سَواءً عالِـمٌ وجَـهُـولُ

وقالَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ:

طُلِّقْتِ إنْ لَمْ تَسْألِي أيُّ فارِسٍ ∗∗∗ حَلِيلُكِ إذْ لاقى صُداءً وخَثْعَما

وقالَ أنِيفُ بْنُ زِبّانَ النَّبْهانِيُّ:

فَلَمّا التَقَيْنا بَيْنَ السَّيْفِ بَيْنَنا ∗∗∗ لِسائِلَةٍ عَنّا حَفِيٌّ سُؤالُها

وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ يَكُونُ تَوْجِيهُهُ إلى ضَمِيرِ الأُنْثى؛ لِأنَّ النِّساءَ يُعْنَيْنَ بِالسُّؤالِ عَنِ الأخْبارِ الَّتِي يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِها، ولَمّا جاءَ القُرْآنُ وكانَتْ أخْبارُهُ الَّتِي يُشَوِّقُ إلى مَعْرِفَتِها أخْبارُ عِلْمٍ وحِكْمَةٍ صَرَفَ ذَلِكَ الِاسْتِعْمالَ عَنِ التَّوْجِيهِ إلى ضَمِيرِ النِّسْوَةِ، ووَجَّهَ إلى ضَمِيرِ المُذَكَّرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] وقَوْلِهِ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] .

وقِيلَ المُرادُ …

8

إِذْ قَالُوا۟ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ

When they said, "Joseph and his brother are more beloved to our father than we, while we are a clan. Indeed, our father is in clear error.

صفحة ٢٢٠

﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾

إذْ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ كانَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]، فَإنَّ ذَلِكَ الزَّمانَ مَوْقِعٌ مِن مَواقِعِ الآياتِ فَإنَّ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ حِينَئِذٍ عِبْرَةً مِن عِبَرِ الأخْلاقِ الَّتِي تَنْشَأُ مِن حَسَدِ الإخْوَةِ والأقْرِباءِ، وعِبْرَةٌ مِنَ المُجازَفَةِ في تَغْلِيطِهِمْ أباهم، واسْتِخْفافِهِمْ بِرَأْيهِ غُرُورًا مِنهم، وغَفْلَةً عَنْ مَراتِبِ مُوجِباتِ مَيْلِ الأبِ إلى بَعْضِ أبْنائِهِ. وتِلْكَ الآياتُ قائِمَةٌ في الحِكايَةِ عَنْ ذَلِكَ الزَّمَنِ.

وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْهم قَوْلُ تَآمُرٍ وتَحاوُرٍ.

وافْتِتاحُ المَقُولِ بِلامِ الِابْتِداءِ المُفِيدَةِ لِلتَّوْكِيدِ لِقَصْدِ تَحْقِيقِ الخَبَرِ.

والمُرادُ: تَوْكِيدُ لازِمِ الخَبَرِ إذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَن يَشُكُّ في أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخاهُ أحَبُّ إلى أبِيهِمْ مِن بَقِيَّتِهِمْ ولَكِنَّهم لَمْ يَكُونُوا سَواءً في الحَسَدِ لَهُما والغَيْرَةِ مِن تَفْضِيلِ أبِيهِمْ إيّاهُما عَلى بَقِيَّتِهِمْ، فَأرادَ بَعْضُهم إقْناعَ بَعْضٍ بِذَلِكَ لِيَتَمالَئُوا عَلى الكَيْدِ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخِيهِ، كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١٠]؛ فَقائِلُ الكَلامِ بَعْضُ إخْوَتِهِ، أيْ جَماعَةٌ مِنهم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَ ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩] وقَوْلُهم ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١٠] .

وأخُو يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُرِيدَ بِهِ (بِنْيامِينَ) وإنَّما خَصُّوهُ بِالأُخُوَّةِ لِأنَّهُ كانَ شَقِيقَهُ، أُمُّهُما (راحِيلُ) بِنْتُ (لابانَ)، وكانَ بَقِيَّةُ إخْوَتِهِ إخْوَةً لِلْأبِ، أُمُّ بَعْضِهِمْ (لَيْئَةُ) بِنْتُ (لابانَ)، وأُمُّ بَعْضِهِمْ (بِلِهَةُ) جارِيَةُ (لَيْئَةَ) وهَبَتْها (لَيْئَةُ) لِزَوْجِها يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

وأحَبُّ اسْمُ تَفْضِيلٍ، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ يَتَعَدّى إلى المُفَضَّلِ بِـ ”مِن“، ويَتَعَدّى إلى المُفَضَّلِ عِنْدَهُ بِـ ”إلى“ .

صفحة ٢٢١

ودَعْواهم أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخاهُ أحَبُّ إلى يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنهم يَجُوزُ أنْ تَكُونَ دَعْوى باطِلَةً أثارَ اعْتِقادُها في نُفُوسِهِمْ شِدَّةَ الغَيْرَةِ مِن أفْضَلِيَّةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخِيهِ عَلَيْهِمْ في الكَمالاتِ ورُبَّما سَمِعُوا ثَناءَ أبِيهِمْ عَلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخِيهِ في أعْمالٍ تَصْدُرُ مِنهُما أوْ شاهَدُوهُ يَأْخُذُ بِإشارَتِهِما أوْ رَأوْا مِنهُ شَفَقَةً عَلَيْهِما لِصِغَرِهِما ووَفاةِ أُمِّهِما فَتَوَهَّمُوا مِن ذَلِكَ أنَّهُ أشَدُّ حُبًّا إيّاهُما مِنهم تَوَهُّمًا باطِلًا. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ دَعْواهم مُطابِقَةً لِلْواقِعِ وتَكُونَ زِيادَةُ مَحَبَّتِهِ إيّاهُما أمْرًا لا يَمْلِكُ صَرْفَهُ عَنْ نَفْسِهِ لِأنَّهُ وِجْدانٌ ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤْثِرُهُما عَلَيْهِمْ في المُعامَلاتِ والأُمُورِ الظّاهِرِيَّةِ ويَكُونُ أبْناؤُهُ قَدْ عَلِمُوا فَرْطَ مَحَبَّةِ أبِيهِمْ إيّاهُما مِنَ التَّوَسُّمِ والقَرائِنِ لا مِن تَفْضِيلِهِما في المُعامَلَةِ فَلا يَكُونُ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُؤاخَذًا بِشَيْءٍ يُفْضِي إلى التَّباغُضِ بَيْنَ الإخْوَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (أحَبُّ)، أيْ ونَحْنُ أكْثَرُ عَدَدًا. والمَقْصُودُ مِنَ الحالِ التَّعَجُّبُ مِن تَفْضِيلِهِما في الحُبِّ في حالِ أنَّ رَجاءَ …

9

ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًۭا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًۭا صَٰلِحِينَ

Kill Joseph or cast him out to [another] land; the countenance of your father will [then] be only for you, and you will be after that a righteous people."

﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ الكَلامَ المُتَقَدِّمَ يُثِيرُ سُؤالًا في نُفُوسِ السّامِعِينَ عَنْ غَرَضِ القائِلِينَ مِمّا قالُوهُ فَهَذا المَقْصُودُ لِلْقائِلِينَ. وإنَّما جَعَلُوا لَهُ الكَلامَ السّابِقَ كالمُقَدِّمَةِ لِتَتَأثَّرَ نُفُوسُ السّامِعِينَ فَإذا أُلْقِيَ إلَيْها المَطْلُوبُ كانَتْ سَرِيعَةَ الِامْتِثالِ إلَيْهِ.

وهَذا فَنٌّ مِن صِناعَةِ الخَطابَةِ أنْ يَفْتَتِحَ الخَطِيبُ كَلامَهُ بِتَهْيِئَةِ نُفُوسِ السّامِعِينَ لِتَتَأثَّرَ بِالغَرَضِ المَطْلُوبِ، فَإنَّ حالَةَ تَأثُّرِ النُّفُوسِ تُغْنِي عَنِ الخَطِيبِ

صفحة ٢٢٣

غِناءَ جُمَلٍ كَثِيرَةٍ مِن بَيانِ العِلَلِ والفَوائِدِ، كَما قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ الحادِيَةِ عَشْرَةَ: ”فَلَمّا دَفَنُوا المَيْتَ، وفاتَ قَوْلُ لَيْتَ، أشْرَفَ شَيْخٌ مِن رِباوَةٍ، مُتَأبِّطًا لِهِراوَةٍ، فَقالَ لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ“ . وانْهَلَّ في الخُطَبِ.

والأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في الإرْشادِ. وأرادُوا ارْتِكابَ شَيْءٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ يُوسُفَ وأبِيهِ - عَلَيْهِما السَّلامُ - تَفْرِقَةً لا يُحاوِلُ مِن جَرّائِها اقْتِرابًا بِأنْ يَعْدِمُوهُ أوْ يَنْقُلُوهُ إلى أرْضٍ أُخْرى فَيَهْلَكُ أوْ يُفْتَرَسُ.

وهَذِهِ آيَةٌ مِن عِبَرِ الأخْلاقِ السَّيِّئَةِ وهي التَّخَلُّصُ مِن مُزاحَمَةِ الفاضِلِ بِفَضْلِهِ لِمَن هو دُونَهُ فِيهِ أوْ مُساوِيَهُ بِإعْدامِ صاحِبِ الفَضْلِ وهي أكْبَرُ جَرِيمَةٍ لِاشْتِمالِها عَلى الحَسَدِ، والإضْرارِ بِالغَيْرِ، وانْتِهاكِ ما أمَرَ اللَّهُ بِحِفْظِهِ، وهم قَدْ كانُوا أهْلَ دِينٍ ومِن بَيْتِ نُبُوَّةٍ وقَدْ أصْلَحَ اللَّهُ حالَهم مِن بَعْدُ وأثْنى عَلَيْهِمْ وسَمّاهُمُ الأسْباطَ.

وانْتَصَبَ (أرْضًا) عَلى تَضْمِينِ اطْرَحُوهُ مَعْنى أوْدِعُوهُ، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أوْ عَلى تَشْبِيهِهِ بِالمَفْعُولِ فِيهِ لِأنَّ أرْضًا اسْمُ مَكانٍ فَلَمّا كانَ غَيْرَ مَحْدُودٍ وزادَ إبْهامًا بِالتَّنْكِيرِ عُومِلَ مُعامَلَةَ أسْماءِ الجِهاتِ، وهَذا أضْعَفُ الوُجُوهِ. وقَدْ عُلِمَ أنَّ المُرادَ أرْضٌ مَجْهُولَةٌ لِأبِيهِ.

وجَزْمُ (يَخْلُ) في جَوابِ الأمْرِ، أيْ إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم.

والخُلُوُّ: حَقِيقَتُهُ الفَراغُ. وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا مَجازًا في عَدَمِ التَّوَجُّهِ لِمَن لا يَرْغَبُونَ تَوَجُّهَهُ لَهُ، فَكَأنَّ الوَجْهَ خَلا مِن أشْياءٍ كانَتْ حالَّةً فِيهِ.

واللّامُ في قَوْلِهُ: (لَكم) لامُ العِلَّةِ، أيْ يَخْلُ وجْهُ أبِيكم لِأجْلِكم، بِمَعْنى أنَّهُ يَخْلُو مِمَّنْ عَداكم فَيَنْفَرِدُ لَكم.

صفحة ٢٢٤

وهَذا المَعْنى كِنايَةُ تَلْوِيحٍ عَنْ خُلُوصِ مَحَبَّتِهِ لَهم دُونَ مُشارِكٍ.

وعَطَفَ ﴿وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى (يَخْلُ) لِيَكُونَ مِن جُمْلَةِ الجَوابِ لِلْأمْرِ. فالمُرادُ كَوْنٌ ناشِئٌ عَنْ فِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الصَّلاحِ فِيهِ الصَّلاحَ الدُّنْيَوِيَّ، أيْ صَلاحَ الأحْوالِ في عَيْشِهِمْ مَعَ أبِيهِمْ، ولَيْسَ المُرادُ الصَّلاحَ الدِّينِيَّ.

وإنَّما لَمْ يُدَبِّرُوا شَيْئًا في إعْدامِ أخِي يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شَفَقَةً عَلَيْهِ لِصِغَرِهِ.

وإقْحامُ لَفْظِ (قَوْمًا) بَيْنَ كانَ وخَبَرِها لِلْإشارَةِ إلى أنَّ صَلاحَ الحالِ صِفَةٌ مُتَمَكِّنَةٌ فِيهِمْ كَأنَّهُ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، …

10

قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا۟ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَ

Said a speaker among them, "Do not kill Joseph but throw him into the bottom of the well; some travelers will pick him up - if you would do [something]."

﴿قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وألْقُوهُ في غَياباتِ الجُبِّ يَلْتَقِطُهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾

فَصْلُ جُمْلَةِ ﴿قالَ قائِلٌ﴾ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ المُقاوَلاتِ والمُحاوَراتِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وهَذا القائِلُ أحَدُ الإخْوَةِ ولِذَلِكَ وُصِفَ بِأنَّهُ مِنهم.

والعُدُولُ عَنِ اسْمِهِ العَلْمِ إلى التَّنْكِيرِ والوَصْفِيَّةِ لِعَدَمِ الجَدْوى في مَعْرِفَةِ شَخْصِهِ وإنَّما المُهِمُّ أنَّهُ مِن جَماعَتِهِمْ، وتَجَنُّبًا لِما في اسْمِهِ العَلَمِ مِنَ الثِّقَلِ

صفحة ٢٢٥

اللَّفْظِيِّ الَّذِي لا داعِيَ إلى ارْتِكابِهِ. قِيلَ: إنَّهُ (يَهُوذا) وقِيلَ (شَمْعُونَ) وقِيلَ (رُوبِينَ)، والَّذِي في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ أنَّهُ (راوبِينُ) صَدَّهم عَنْ قَتْلِهِ وأنَّ (يَهُوذا) دَلَّ عَلَيْهِ السَّيّارَةَ كَما في الإصْحاحِ ٣٧ . وعادَةُ القُرْآنِ أنْ لا يَذْكُرَ إلّا اسْمَ المَقْصُودِ مِنَ القِصَّةِ دُونَ أسْماءِ الَّذِينَ شَمَلَتْهم، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: ٢٨] .

والإلْقاءُ: الرَّمْيُ.

والغَياباتُ: جَمْعُ غَيابَةٍ، وهي ما غابَ عَنِ البَصَرِ مِن شَيْءٍ. فَيُقالُ: غَيابَةُ الجُبِّ وغَيابَةُ القَبْرِ والمُرادُ قَعْرُ الجُبِّ.

والجُبُّ: البِئْرُ الَّتِي تُحْفَرُ ولا تُطْوى.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ ”غَياباتِ“ بِالجَمْعِ. ومَعْناهُ جِهاتُ تِلْكَ الغَيابَةِ، أوْ يَجْعَلُ الجَمْعَ لِلْمُبالَغَةِ في ماهِيَّةِ الِاسْمِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠] وقَرَأ الباقُونَ ﴿فِي غَيابَةِ الجُبِّ﴾ بِالإفْرادِ.

والتَّعْرِيفُ في الجُبِّ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ في غَيابَةِ جُبٍّ مِنَ الجِبابِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: ادْخُلِ السُّوقَ. وهو في المَعْنى كالنَّكِرَةِ.

فَلَعَلَّهم كانُوا قَدْ عَهِدُوا جِبابًا كائِنَةً عَلى أبْعادٍ مُتَناسِبَةٍ في طُرُقِ أسْفارِهِمْ يَأْوُونَ إلى قُرْبِها في مَراحِلِهِمْ لِسَقْيِ رَواحِلِهِمْ وشُرْبِهِمْ، وقَدْ تَوَخَّوْا أنْ تَكُونَ طَرائِقُهم عَلَيْها، وأحْسَبُ أنَّها كانَتْ يَنْصَبُّ إلَيْها ماءُ السُّيُولِ، وأنَّها لَمْ تَكُنْ بَعِيدَةَ القَعْرِ حَيْثُ عَلِمُوا أنَّ إلْقاءَهُ في الجُبِّ لا يُهَشِّمُ عِظامَهُ ولا ماءَ فِيهِ فَيُغْرِقُهُ.

و(يَلْتَقِطُهُ) جَوابُ الأمْرِ في قَوْلِهِ: وألْقُوهُ. والتَّقْدِيرُ: إنْ تُلْقُوهُ يَلْتَقِطُهُ. والمَقْصُودُ مِنَ التَّسَبُّبِ الَّذِي يُفِيدُهُ جَوابُ الأمْرِ إظْهارُ أنَّ ما أشارَ بِهِ

صفحة ٢٢٦

القائِلُ مِن إلْقاءِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في غَيابَةِ جُبٍّ هو أمْثَلُ مِمّا أشارَ بِهِ الآخَرُونَ مِن قَتْلِهِ أوْ تَرْكِهِ بِفَيْفاءَ مُهْلِكَةٍ لِأنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ إبْعادُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ أبِيهِ إبْعادًا لا يُرْجى بَعْدَهُ تَلاقِيهِما دُونَ إلْحاقِ ضُرِّ الإعْدامِ بِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَإنَّ التِقاطَ السَّيّارَةِ إيّاهُ أبْقى لَهُ وأدْخَلُ في الغَرَضِ مِنَ المَقْصُودِ لَهم وهو إبْعادُهُ؛ لِأنَّهُ إذا التَقَطَهُ السَّيّارَةُ أخَذُوهُ عِنْدَهم أوْ باعُوهُ فَزادَ بُعْدًا عَلى بُعْدٍ.

والِالتِقاطُ: تَناوُلُ شَيْءٍ مِنَ الأرْضِ أوِ الطَّرِيقِ، واسْتُعِيرَ لِأخْذِ شَيْءٍ مُضاعٍ.

والسَّيّارَةُ: الجَماعَةُ المَوْصُوفَةُ بِحالَةِ السَّيْرِ وكَثْرَتِهِ، فَتَأْنِيثُهُ لِتَأْوِيلِهِ بِالجَماعَةِ الَّتِي تَسِيرُ مِثْلَ الفَلّاحَةِ والبَحّارَةِ.

والتَّعْرِيفُ فِيهِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ الطَّرِيقَ لا تَخْلُو …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.