Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 41–50 of 111

41

يَٰصَىٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًۭا ۖ وَأَمَّا ٱلْءَاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ ۚ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ

O two companions of prison, as for one of you, he will give drink to his master of wine; but as for the other, he will be crucified, and the birds will eat from his head. The matter has been decreed about which you both inquire."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ﴾ إنَّما جَمَعَ في الخِطابِ لَهُما، لِأنَّهُ أرادَ جَمِيعَ مَن شارَكَهُما في شِرْكِهِما. وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ: مِن دُونِ اللَّهِ ﴿إلا أسْماءً﴾ يَعْنِي: الأرْبابَ والآلِهَةَ ولا يَصِحُّ مَعانِي تِلْكَ الأسْماءِ لِلْأصْنامِ، فَكَأنَّها أسْماءٌ فارِغَةٌ، فَكَأنَّهم يَعْبُدُونَ الأسْماءَ، لِأنَّها لا تَصِحُّ مَعانِيها. ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: مِن حُجَّةٍ بِعِبادَتِها. ﴿إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ﴾ أيْ: ما القَضاءُ والأمْرُ والنَّهْيُ إلّا لَهُ. ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ أيِ: المُسْتَقِيمُ، يُشِيرُ إلى التَّوْحِيدِ.

﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَجُوزُ عِبادَةُ غَيْرِهِ. والثّانِي: لا يَعْلَمُونَ مالِلْمُطِيعِينَ مِنَ الثَّوابِ ولِلْعاصِينَ مِنَ العِقابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ الرَّبُّ هاهُنا: السَّيِّدُ. قالَ ابْنُ السّائِبِ لَمّا قَصَّ السّاقِي رُؤْياهُ عَلى يُوسُفَ، قالَ لَهُ: ما أحْسَنَ ما رَأيْتَ ! أمّا الأغْصانُ الثَّلاثَةُ، فَثَلاثَةُ أيّامٍ، يَبْعَثُ إلَيْكَ المَلِكُ عِنْدَ انْقِضائِها، فَيَرُدُّكَ إلى عَمَلِكَ، فَتَعُودُ كَأحْسَنِ ما كُنْتَ فِيهِ، وقالَ لِلْخَبّازِ: بِئْسَ ما رَأيْتَ، السِّلالُ الثَّلاثُ، ثَلاثَةُ أيّامٍ، ثُمَّ يَبْعَثُ إلَيْكَ المَلِكُ عِنْدَ انْقِضائِهِنَّ، فَيَقْتُلُكَ ويَصْلُبُكَ ويَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِكَ، فَقالا: ما رَأيْنا شَيْئًا، فَقالَ: " قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ " أيْ: فُرِغَ مِنهُ، وسَيَقَعُ بِكُما، صَدَقْتُما أوْ كَذَبْتُما.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ حَتَّمَ عَلى وُقُوعِ التَّأْوِيلِ، ورُبَّما صَدَقَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيا وكَذَبَ ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ حَتَّمَ ذَلِكَ لِوَحْيٍ أتاهُ مِنَ اللَّهِ، وسَبِيلُ المَنامِ المَكْذُوبِ فِيهِ أنْ لا يَقَعَ تَأْوِيلُهُ، فَلَمّا قالَ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾، دَلَّ عَلى أنَّهُ بِوَحْيٍ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يُحَتِّمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾، قالَ أصْحابُ هَذا الجَوابِ: مَعْنى ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾: قُطِعَ الجَوابُ الَّذِي التَمَسْتُماهُ مِن جِهَتِي، ولَمْ يَعْنِ أنَّ الأمْرَ واقِعٌ بِكُما. وقالَ أصْحابُ الجَوابِ الأوَّلِ: الظَّنُّ هاهُنا بِمَعْنى العِلْمِ.

42

وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍۢ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ

And he said to the one whom he knew would go free, "Mention me before your master." But Satan made him forget the mention [to] his master, and Joseph remained in prison several years.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ يَعْنِي السّاقِيَ.

وَفِي هَذا الظَّنِّ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى العِلْمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ الظَّنُّ الَّذِي يُخالِفُ اليَقِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيْ: عِنْدَ صاحِبِكَ، وهو المَلِكُ، وقُلْ لَهُ: إنَّ في السِّجْنِ غُلامًا حُبِسَ ظُلْمًا. واسْمُ المَلِكِ الوَلِيدُ بْنُ الرَّيّانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: فَأنْسى الشَّيْطانُ السّاقِيَ ذِكْرَ يُوسُفَ لِرَبِّهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي: فَأنْسى الشَّيْطانُ يُوسُفَ ذِكْرَ رَبِّهِ، وأمَرَهَ بِذِكْرِ المَلِكِ ابْتِغاءَ الفَرْجِ مِن عِنْدِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ، وهَذا نِسْيانُ عَمْدٍ، لا نِسْيانُ سَهْوٍ، وعَكْسُهُ القَوْلُ الَّذِي قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ ما كانَ قَدْ لَبِثَ قَبْلَ ذَلِكَ، عُقُوبَةً لَهُ عَلى تَعَلُّقِهِ بِمَخْلُوقٍ.

وَفِي البِضْعِ تِسْعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: ما بَيْنَ السَّبْعِ والتِّسْعِ، رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا ناحَبَ قُرَيْشًا عِنْدَ نُزُولِ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الرُّومِ ١،٢] قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " ألا احْتَطْتَ، فَإنَّ البِضْعَ ما بَيْنَ السَّبْعِ إلى التِّسْعِ "» . والثّانِي: اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: سَبْعُ سِنِينَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والرّابِعُ: أنَّهُ ما بَيْنَ الخَمْسِ إلى السَّبْعِ، قالَهُ الحَسَنُ. والخامِسُ: أنَّهُ ما بَيْنَ الأرْبَعِ إلى التِّسْعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والسّادِسُ: ما بَيْن الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ، والزَّجّاجُ. والسّابِعُ: أنْ يَكُونَ البِضْعُ بَيْنَ الثَّلاثِ والتِّسْعِ والعَشَرِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّامِنُ: أنَّهُ ما دُونَ العَشْرَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وقالَ الأخْفَشُ: البِضْعُ: مِن واحِدٍ إلى عَشْرَةٍ. والتّاسِعُ: أنَّهُ ما لَمْ يَبْلُغِ العَقْدَ ولا نَصِفَهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَعْنِي ما بَيْنَ الواحِدِ إلى الأرْبَعَةِ. ورَوى الأثْرَمُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: البِضْعُ: ما بَيْنَ ثَلاثٍ وخَمْسٍ.

وَفِي جُمْلَةِ ما لَبِثَ في السِّجْنِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أرْبَعَ عَشْرَةَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: سَبْعُ سِنِينَ، قالَهُ قَتادَةُ. قالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: لَمّا قالَ يُوسُفُ لِلسّاقِي ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، قِيلَ لَهُ: يا يُوسُفُ، أتَّخَذْتَ مِن دُونِي وكِيلًا ؟ لِأُطِيلَنَّ حَبْسَكَ، فَبَكى، وقالَ: يارَبِّ، أنْسى قَلْبِي كَثْرَةُ البَلْوى، فَقُلْتُ كَلِمَةً، فَوَيْلٌ لِإخْوَتِي.

43

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍۢ ۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ

And [subsequently] the king said, "Indeed, I have seen [in a dream] seven fat cows being eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry. O eminent ones, explain to me my vision, if you should interpret visions."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ المَلِكُ﴾ يَعْنِي مَلِكَ مِصْرَ الأكْبَرَ ﴿إنِّي أرى﴾ يَعْنِي في المَنامِ، ولَمْ يَقُلْ: رَأيْتُ، وهَذا جائِزٌ في اللُّغَةِ أنْ يَقُولَ القائِلُ: أرى، بِمَعْنى رَأيْتُ. قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَمّا انْقَضَتِ المُدَّةُ الَّتِي وقَّتَها اللَّهُ تَعالى لِيُوسُفَ في حَبْسِهِ، دَخَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ إلى السِّجْنِ، فَبَشَّرَهُ بِالخُرُوجِ ومُلْكِ مِصْرَ ولِقاءِ أبِيهِ، فَلَمّا أمْسى المَلِكُ مِن لَيْلَتِئِذٍ، رَأى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خَرَجْنَ مِنَ البَحْرِ، في آثارِهِنَّ سَبْعٌ عِجافٌ، فَأقْبَلَتِ العِجافُ عَلى السِّمانِ، فَأخَذْنَ بِأذْنابِهِنَّ فَأكَلْنَهُنَّ إلى القَرْنَيْنِ، ولَمْ يَزِدْ في العِجافِ شَيْءٌ، ورَأى سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وقَدْ أقْبَلَ عَلَيْهِنَّ سَبْعٌ يابِساتٌ فَأكَلْنَهُنَّ حَتّى أتَيْنَ عَلَيْهِنَّ، ولَمْ يَزْدَدْ في اليابِساتِ شَيْءٌ، فَدَعا أشْرافَ قَوْمِهِ فَقَصَّها عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ﴿أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: والعِجافُ: الَّتِي قَدْ بَلَغَتْ في الهُزالِ الغايَةَ. والمَلَأُ: الَّذِينَ يُرْجَعُ إلَيْهِمْ في الأُمُورِ ويُقْتَدى بِرَأْيهمْ، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِلرُّؤْيا﴾ دَخَلَتْ عَلى المَفْعُولِ لِلتَّبْيِينِ، المَعْنى: إنْ كُنْتُمْ تَعْبُرُونَ. ثُمَّ بَيَّنَ بِاللّامِ فَقالَ: " لِلرُّؤْيا " . ومَعْنى عَبَرْتُ الرُّؤْيا وعَبَّرْتُها: أخْبَرْتُ بِآخِرِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُها، واشْتِقاقُهُ مِن عَبْرِ النَّهْرِ، وهو شاطِئُ النَّهْرِ، فَتَأْوِيلُ عَبَرْتُ النَّهْرَ: بَلَغْتُ إلى عَبْرِهِ، أيْ: إلى شَطِّهِ، وهو آخِرُ عَرْضِهِ.

وَذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في اللّامِ قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّها لِلتَّوْكِيدِ. والثّانِي: أنَّها أفادَتْ مَعْنى " إلى " والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ تُوَجِّهُونَ العِبارَةَ إلى الرُّؤْيا.

44

قَالُوٓا۟ أَضْغَٰثُ أَحْلَٰمٍۢ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ

They said, "[It is but] a mixture of false dreams, and we are not learned in the interpretation of dreams."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: واحِدُها ضِغْثٌ مَكْسُورَةً، وهي ما لا تَأْوِيلَ لَهُ مِنَ الرُّؤْيا تَراهُ جَماعاتٍ، تُجْمَعُ مِنَ الرُّؤْيا كَما يُجْمَعُ الحَشِيشُ، فَيُقالُ: ضِغْثٌ، أيْ: مَلْءُ كَفٍّ مِنهُ. وقالَ الكِسائِيُّ: الأضْغاثُ: الرُّؤْيا المُخْتَلِطَةُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " أضْغاثُ أحْلامٍ " أيْ: أخْلاطٌ مِثْلُ أضْغاثِ النَّباتِ يَجْمَعُها الرَّجُلُ، فَيَكُونُ فِيها ضُرُوبٌ مُخْتَلِفَةٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: الضِّغْثُ في اللُّغَةِ: الحِزْمَةُ والباقَةُ مِنَ الشَّيْءِ، كالبَقْلِ وما أشْبَهَهُ، فَقالُوا لَهُ: رُؤْياكَ أخْلاطٌ أضْغاثٌ، أيْ: حِزَمٌ أخْلاطٌ، لَيْسَتْ بِرُؤْيا بَيِّنَةٍ، " وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ " أيْ: لَيْسَ لِلرُّؤْيا المُخْتَلِطَةِ عِنْدَنا تَأْوِيلٌ. وقالَ غَيْرُهُ: وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ الَّذِي هَذا وصَفُها بِعالِمِينَ. والأحْلامُ: جَمَعَ حُلُمٍ، وهو ما يَراهُ الإنْسانُ في نَوْمِهِ مِمّا يَصِحُّ ومِمّا يَبْطُلُ.

45

وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ

But the one who was freed and remembered after a time said, "I will inform you of its interpretation, so send me forth."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما﴾ يَعْنِي الَّذِي تَخَلَّصَ مِنَ القَتْلِ مِنَ الفَتَيَيْنِ، وهو السّاقِي، و " ادَّكَرَ " أيْ: تَذَكَّرُ شَأْنَ يُوسُفَ وما وصّاهُ بِهِ، قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُ ادَّكَرَ: اذْتَكَرَ، ولَكِنَّ التّاءَ أُبْدِلَتْ مِنها الدّالُ، وأُدْغِمَتِ الذّالُ في الدّالِ. وقَرَأ الحَسَنُ: " واذَّكَرْ " بِالذّالِ المُشَدَّدَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أيْ: بَعْدَ حِينٍ، وهو الزَّمانُ الَّذِي لَبِثَهُ يُوسُفُ بَعْدَهُ في السِّجْنِ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ " بَعْدَ أُمَّةٍ " أرادَ: بَعْدَ نِسْيانٍ.

فَإنْ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاسِيَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ هو السّاقِي، ولا شَكَّ أنَّ مَن قالَ: إنَّ النّاسِيَ يُوسُفُ يَقُولُ: لَمْ يَنْسَ السّاقِي.

فالجَواب أنَّ مَن قالَ: إنَّ يُوسُفَ نَسِيَ، يَقُولُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وادَّكَرَ﴾ ذَكَرَ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: احْتَلَبَ بِمَعْنى حَلَبَ، واغْتَدى بِمَعْنى غَدا، فَلا يَدُلُّ إذًا عَلى نِسْيانٍ سَبَقَهُ. وقَدْ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّما لَمْ يَذْكُرِ السّاقِي خَبَرَ يُوسُفَ لِلْمَلِكِ حَتّى احْتاجَ المَلِكُ إلى تَأْوِيلِ رُؤْياهُ، خَوْفًا مِن أنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ لِيُوسُفَ سَبَبًا لِذِكْرِهِ الذَّنْبَ الَّذِي مِن أجْلِهِ حُبِسَ، ذَكَرَ هَذا الجَوابَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ: مِن جِهَةِ يُوسُفَ ﴿فَأرْسِلُونِ﴾ أثْبَتَ الياءَ فِيها وفي ﴿وَلا تَقْرَبُونِ﴾ [يُوسُفَ:٦٠] ﴿أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يُوسُفَ:٩٤] يَعْقُوبُ في الحالَيْنِ، فَخاطَبَ المَلِكَ وحْدَهُ بِخِطابِ الجَمِيعِ، تَعْظِيمًا، وقِيلَ: خاطَبَهُ وخاطَبَ أتْباعَهُ. وفي الكَلامِ اخْتِصارٌ، المَعْنى: فَأرْسَلُوهُ فَأتى يُوسُفَ فَقالَ: يا يُوسُفُ يا أيُّها الصِّدِّيقُ. والصِّدِّيقُ: الكَثِيرُ الصِّدْقِ، كَما يُقالُ: فِسِّيقٌ، وسِكِّيرٌ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النِّساءِ:٦٩] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ يَعْنِي المَلِكَ وأصْحابَهُ والعُلَماءَ الَّذِينَ جَمَعَهم لِتَعْبِيرِ رُؤْياهُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ رُؤْيا المَلِكِ. والثّانِي: يَعْلَمُونَ بِمَكانِكَ فَيَكُونُ سَبَبَ خَلاصِكَ.

وَذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: في تَكْرِيرِ " لِعَلِّي " قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ " لَعَلَّ " الأوْلى مُتَعَلِّقَةٌ بِالإفْتاءِ. والثّانِيَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى الرُّجُوعِ. وكِلْتاهُما بِمَعْنى " كَيْ " .

والثّانِي: أنَّ الأوْلى بِمَعْنى " عَسى "، والثّانِيَةَ بِمَعْنى " كَيْ " فَأُعِيدَتْ لِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [يُوسُفَ:٦٣] . قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ سَيِّدُهُ العَزِيزُ قَدْ ماتَ. واشْتَغَلَتْ عَنْهُ امْرَأتُهُ. وقالَ بَعْضُهم: لَمْ يَكُنِ العَزِيزُ قَدْ ماتَ، فَقالَ يُوسُفُ لِلسّاقِي: قُلْ لِلْمَلِكِ: هَذِهِ سَبْعُ سِنِينَ مُخْصِباتٌ، ومِن بَعْدِهِنَّ سَبْعُ سِنِينَ شِدادٌ، إلّا أنْ يُحْتالَ لَهُنَّ، فانْطَلَقَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ فَأخْبَرَهُ. فَقالَ لَهُ المَلِكُ: ارْجِعْ إلَيْهِ فَقُلْ: لَهُ كَيْفَ يَصْنَعُ ؟ فَقالَ: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " دَأْبًا " ساكِنَةَ الهَمْزَةِ، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو كانَ إذا أدْرَجَ القِراءَةَ لَمْ يَهْمِزْها. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ " دَأبًا " …

46

يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍۢ لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ

[He said], "Joseph, O man of truth, explain to us about seven fat cows eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry - that I may return to the people; perhaps they will know [about you]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما﴾ يَعْنِي الَّذِي تَخَلَّصَ مِنَ القَتْلِ مِنَ الفَتَيَيْنِ، وهو السّاقِي، و " ادَّكَرَ " أيْ: تَذَكَّرُ شَأْنَ يُوسُفَ وما وصّاهُ بِهِ، قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُ ادَّكَرَ: اذْتَكَرَ، ولَكِنَّ التّاءَ أُبْدِلَتْ مِنها الدّالُ، وأُدْغِمَتِ الذّالُ في الدّالِ. وقَرَأ الحَسَنُ: " واذَّكَرْ " بِالذّالِ المُشَدَّدَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أيْ: بَعْدَ حِينٍ، وهو الزَّمانُ الَّذِي لَبِثَهُ يُوسُفُ بَعْدَهُ في السِّجْنِ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ " بَعْدَ أُمَّةٍ " أرادَ: بَعْدَ نِسْيانٍ.

فَإنْ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاسِيَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ هو السّاقِي، ولا شَكَّ أنَّ مَن قالَ: إنَّ النّاسِيَ يُوسُفُ يَقُولُ: لَمْ يَنْسَ السّاقِي.

فالجَواب أنَّ مَن قالَ: إنَّ يُوسُفَ نَسِيَ، يَقُولُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وادَّكَرَ﴾ ذَكَرَ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: احْتَلَبَ بِمَعْنى حَلَبَ، واغْتَدى بِمَعْنى غَدا، فَلا يَدُلُّ إذًا عَلى نِسْيانٍ سَبَقَهُ. وقَدْ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّما لَمْ يَذْكُرِ السّاقِي خَبَرَ يُوسُفَ لِلْمَلِكِ حَتّى احْتاجَ المَلِكُ إلى تَأْوِيلِ رُؤْياهُ، خَوْفًا مِن أنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ لِيُوسُفَ سَبَبًا لِذِكْرِهِ الذَّنْبَ الَّذِي مِن أجْلِهِ حُبِسَ، ذَكَرَ هَذا الجَوابَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ: مِن جِهَةِ يُوسُفَ ﴿فَأرْسِلُونِ﴾ أثْبَتَ الياءَ فِيها وفي ﴿وَلا تَقْرَبُونِ﴾ [يُوسُفَ:٦٠] ﴿أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يُوسُفَ:٩٤] يَعْقُوبُ في الحالَيْنِ، فَخاطَبَ المَلِكَ وحْدَهُ بِخِطابِ الجَمِيعِ، تَعْظِيمًا، وقِيلَ: خاطَبَهُ وخاطَبَ أتْباعَهُ. وفي الكَلامِ اخْتِصارٌ، المَعْنى: فَأرْسَلُوهُ فَأتى يُوسُفَ فَقالَ: يا يُوسُفُ يا أيُّها الصِّدِّيقُ. والصِّدِّيقُ: الكَثِيرُ الصِّدْقِ، كَما يُقالُ: فِسِّيقٌ، وسِكِّيرٌ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النِّساءِ:٦٩] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ يَعْنِي المَلِكَ وأصْحابَهُ والعُلَماءَ الَّذِينَ جَمَعَهم لِتَعْبِيرِ رُؤْياهُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ رُؤْيا المَلِكِ. والثّانِي: يَعْلَمُونَ بِمَكانِكَ فَيَكُونُ سَبَبَ خَلاصِكَ.

وَذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: في تَكْرِيرِ " لِعَلِّي " قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ " لَعَلَّ " الأوْلى مُتَعَلِّقَةٌ بِالإفْتاءِ. والثّانِيَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى الرُّجُوعِ. وكِلْتاهُما بِمَعْنى " كَيْ " .

والثّانِي: أنَّ الأوْلى بِمَعْنى " عَسى "، والثّانِيَةَ بِمَعْنى " كَيْ " فَأُعِيدَتْ لِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [يُوسُفَ:٦٣] . قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ سَيِّدُهُ العَزِيزُ قَدْ ماتَ. واشْتَغَلَتْ عَنْهُ امْرَأتُهُ. وقالَ بَعْضُهم: لَمْ يَكُنِ العَزِيزُ قَدْ ماتَ، فَقالَ يُوسُفُ لِلسّاقِي: قُلْ لِلْمَلِكِ: هَذِهِ سَبْعُ سِنِينَ مُخْصِباتٌ، ومِن بَعْدِهِنَّ سَبْعُ سِنِينَ شِدادٌ، إلّا أنْ يُحْتالَ لَهُنَّ، فانْطَلَقَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ فَأخْبَرَهُ. فَقالَ لَهُ المَلِكُ: ارْجِعْ إلَيْهِ فَقُلْ: لَهُ كَيْفَ يَصْنَعُ ؟ فَقالَ: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " دَأْبًا " ساكِنَةَ الهَمْزَةِ، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو كانَ إذا أدْرَجَ القِراءَةَ لَمْ يَهْمِزْها. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ " دَأبًا " …

47

قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًۭا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تَأْكُلُونَ

[Joseph] said, "You will plant for seven years consecutively; and what you harvest leave in its spikes, except a little from which you will eat.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما﴾ يَعْنِي الَّذِي تَخَلَّصَ مِنَ القَتْلِ مِنَ الفَتَيَيْنِ، وهو السّاقِي، و " ادَّكَرَ " أيْ: تَذَكَّرُ شَأْنَ يُوسُفَ وما وصّاهُ بِهِ، قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُ ادَّكَرَ: اذْتَكَرَ، ولَكِنَّ التّاءَ أُبْدِلَتْ مِنها الدّالُ، وأُدْغِمَتِ الذّالُ في الدّالِ. وقَرَأ الحَسَنُ: " واذَّكَرْ " بِالذّالِ المُشَدَّدَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أيْ: بَعْدَ حِينٍ، وهو الزَّمانُ الَّذِي لَبِثَهُ يُوسُفُ بَعْدَهُ في السِّجْنِ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ " بَعْدَ أُمَّةٍ " أرادَ: بَعْدَ نِسْيانٍ.

فَإنْ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاسِيَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ هو السّاقِي، ولا شَكَّ أنَّ مَن قالَ: إنَّ النّاسِيَ يُوسُفُ يَقُولُ: لَمْ يَنْسَ السّاقِي.

فالجَواب أنَّ مَن قالَ: إنَّ يُوسُفَ نَسِيَ، يَقُولُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وادَّكَرَ﴾ ذَكَرَ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: احْتَلَبَ بِمَعْنى حَلَبَ، واغْتَدى بِمَعْنى غَدا، فَلا يَدُلُّ إذًا عَلى نِسْيانٍ سَبَقَهُ. وقَدْ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّما لَمْ يَذْكُرِ السّاقِي خَبَرَ يُوسُفَ لِلْمَلِكِ حَتّى احْتاجَ المَلِكُ إلى تَأْوِيلِ رُؤْياهُ، خَوْفًا مِن أنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ لِيُوسُفَ سَبَبًا لِذِكْرِهِ الذَّنْبَ الَّذِي مِن أجْلِهِ حُبِسَ، ذَكَرَ هَذا الجَوابَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ: مِن جِهَةِ يُوسُفَ ﴿فَأرْسِلُونِ﴾ أثْبَتَ الياءَ فِيها وفي ﴿وَلا تَقْرَبُونِ﴾ [يُوسُفَ:٦٠] ﴿أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يُوسُفَ:٩٤] يَعْقُوبُ في الحالَيْنِ، فَخاطَبَ المَلِكَ وحْدَهُ بِخِطابِ الجَمِيعِ، تَعْظِيمًا، وقِيلَ: خاطَبَهُ وخاطَبَ أتْباعَهُ. وفي الكَلامِ اخْتِصارٌ، المَعْنى: فَأرْسَلُوهُ فَأتى يُوسُفَ فَقالَ: يا يُوسُفُ يا أيُّها الصِّدِّيقُ. والصِّدِّيقُ: الكَثِيرُ الصِّدْقِ، كَما يُقالُ: فِسِّيقٌ، وسِكِّيرٌ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النِّساءِ:٦٩] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ يَعْنِي المَلِكَ وأصْحابَهُ والعُلَماءَ الَّذِينَ جَمَعَهم لِتَعْبِيرِ رُؤْياهُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ رُؤْيا المَلِكِ. والثّانِي: يَعْلَمُونَ بِمَكانِكَ فَيَكُونُ سَبَبَ خَلاصِكَ.

وَذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: في تَكْرِيرِ " لِعَلِّي " قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ " لَعَلَّ " الأوْلى مُتَعَلِّقَةٌ بِالإفْتاءِ. والثّانِيَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى الرُّجُوعِ. وكِلْتاهُما بِمَعْنى " كَيْ " .

والثّانِي: أنَّ الأوْلى بِمَعْنى " عَسى "، والثّانِيَةَ بِمَعْنى " كَيْ " فَأُعِيدَتْ لِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [يُوسُفَ:٦٣] . قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ سَيِّدُهُ العَزِيزُ قَدْ ماتَ. واشْتَغَلَتْ عَنْهُ امْرَأتُهُ. وقالَ بَعْضُهم: لَمْ يَكُنِ العَزِيزُ قَدْ ماتَ، فَقالَ يُوسُفُ لِلسّاقِي: قُلْ لِلْمَلِكِ: هَذِهِ سَبْعُ سِنِينَ مُخْصِباتٌ، ومِن بَعْدِهِنَّ سَبْعُ سِنِينَ شِدادٌ، إلّا أنْ يُحْتالَ لَهُنَّ، فانْطَلَقَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ فَأخْبَرَهُ. فَقالَ لَهُ المَلِكُ: ارْجِعْ إلَيْهِ فَقُلْ: لَهُ كَيْفَ يَصْنَعُ ؟ فَقالَ: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " دَأْبًا " ساكِنَةَ الهَمْزَةِ، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو كانَ إذا أدْرَجَ القِراءَةَ لَمْ يَهْمِزْها. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ " دَأبًا " …

48

ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌۭ شِدَادٌۭ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تُحْصِنُونَ

Then will come after that seven difficult [years] which will consume what you saved for them, except a little from which you will store.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما﴾ يَعْنِي الَّذِي تَخَلَّصَ مِنَ القَتْلِ مِنَ الفَتَيَيْنِ، وهو السّاقِي، و " ادَّكَرَ " أيْ: تَذَكَّرُ شَأْنَ يُوسُفَ وما وصّاهُ بِهِ، قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُ ادَّكَرَ: اذْتَكَرَ، ولَكِنَّ التّاءَ أُبْدِلَتْ مِنها الدّالُ، وأُدْغِمَتِ الذّالُ في الدّالِ. وقَرَأ الحَسَنُ: " واذَّكَرْ " بِالذّالِ المُشَدَّدَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أيْ: بَعْدَ حِينٍ، وهو الزَّمانُ الَّذِي لَبِثَهُ يُوسُفُ بَعْدَهُ في السِّجْنِ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ " بَعْدَ أُمَّةٍ " أرادَ: بَعْدَ نِسْيانٍ.

فَإنْ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاسِيَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ هو السّاقِي، ولا شَكَّ أنَّ مَن قالَ: إنَّ النّاسِيَ يُوسُفُ يَقُولُ: لَمْ يَنْسَ السّاقِي.

فالجَواب أنَّ مَن قالَ: إنَّ يُوسُفَ نَسِيَ، يَقُولُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وادَّكَرَ﴾ ذَكَرَ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: احْتَلَبَ بِمَعْنى حَلَبَ، واغْتَدى بِمَعْنى غَدا، فَلا يَدُلُّ إذًا عَلى نِسْيانٍ سَبَقَهُ. وقَدْ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّما لَمْ يَذْكُرِ السّاقِي خَبَرَ يُوسُفَ لِلْمَلِكِ حَتّى احْتاجَ المَلِكُ إلى تَأْوِيلِ رُؤْياهُ، خَوْفًا مِن أنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ لِيُوسُفَ سَبَبًا لِذِكْرِهِ الذَّنْبَ الَّذِي مِن أجْلِهِ حُبِسَ، ذَكَرَ هَذا الجَوابَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ: مِن جِهَةِ يُوسُفَ ﴿فَأرْسِلُونِ﴾ أثْبَتَ الياءَ فِيها وفي ﴿وَلا تَقْرَبُونِ﴾ [يُوسُفَ:٦٠] ﴿أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يُوسُفَ:٩٤] يَعْقُوبُ في الحالَيْنِ، فَخاطَبَ المَلِكَ وحْدَهُ بِخِطابِ الجَمِيعِ، تَعْظِيمًا، وقِيلَ: خاطَبَهُ وخاطَبَ أتْباعَهُ. وفي الكَلامِ اخْتِصارٌ، المَعْنى: فَأرْسَلُوهُ فَأتى يُوسُفَ فَقالَ: يا يُوسُفُ يا أيُّها الصِّدِّيقُ. والصِّدِّيقُ: الكَثِيرُ الصِّدْقِ، كَما يُقالُ: فِسِّيقٌ، وسِكِّيرٌ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النِّساءِ:٦٩] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ يَعْنِي المَلِكَ وأصْحابَهُ والعُلَماءَ الَّذِينَ جَمَعَهم لِتَعْبِيرِ رُؤْياهُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ رُؤْيا المَلِكِ. والثّانِي: يَعْلَمُونَ بِمَكانِكَ فَيَكُونُ سَبَبَ خَلاصِكَ.

وَذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: في تَكْرِيرِ " لِعَلِّي " قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ " لَعَلَّ " الأوْلى مُتَعَلِّقَةٌ بِالإفْتاءِ. والثّانِيَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى الرُّجُوعِ. وكِلْتاهُما بِمَعْنى " كَيْ " .

والثّانِي: أنَّ الأوْلى بِمَعْنى " عَسى "، والثّانِيَةَ بِمَعْنى " كَيْ " فَأُعِيدَتْ لِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [يُوسُفَ:٦٣] . قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ سَيِّدُهُ العَزِيزُ قَدْ ماتَ. واشْتَغَلَتْ عَنْهُ امْرَأتُهُ. وقالَ بَعْضُهم: لَمْ يَكُنِ العَزِيزُ قَدْ ماتَ، فَقالَ يُوسُفُ لِلسّاقِي: قُلْ لِلْمَلِكِ: هَذِهِ سَبْعُ سِنِينَ مُخْصِباتٌ، ومِن بَعْدِهِنَّ سَبْعُ سِنِينَ شِدادٌ، إلّا أنْ يُحْتالَ لَهُنَّ، فانْطَلَقَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ فَأخْبَرَهُ. فَقالَ لَهُ المَلِكُ: ارْجِعْ إلَيْهِ فَقُلْ: لَهُ كَيْفَ يَصْنَعُ ؟ فَقالَ: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " دَأْبًا " ساكِنَةَ الهَمْزَةِ، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو كانَ إذا أدْرَجَ القِراءَةَ لَمْ يَهْمِزْها. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ " دَأبًا " …

49

ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌۭ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ

Then will come after that a year in which the people will be given rain and in which they will press [olives and grapes]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ﴾ إنْ قِيلَ: لِمَ أشارَ إلى السِّنِينَ وهي مُؤَنَّثَةٌ بِـ " ذَلِكَ " ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ ذَكَرَهُما ابْنُ القاسِمِ:

أحَدُهُما: أنَّ السَّبْعَ مُؤَنَّثَةٌ، ولا عَلامَةَ لِلتَّأْنِيثِ في لَفْظِها، فَأشْبَهَتِ المُذَكَّرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المُزَّمِّلِ:١٨] فَذَكَّرَ مُنْفَطِرًا لَمّا لَمْ يَكُنْ في السَّماءِ عَلَمُ التَّأْنِيثِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقَها ولا أرْضٌ أبَقَلَ إبْقالَها

فَذَكَّرَ " أبَقَلَ " لِما وصَفْنا.

والثّانِي: أنَّ " ذَلِكَ " إشارَةٌ إلى الجَدْبِ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، والأوَّلُ قَوْلُ الكَلْبِيِّ. قالَ قَتادَةُ: زادَهُ اللَّهُ عِلْمَ عامٍ لَمْ يَسْألُوهُ عَنْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: يُصِيبُهُمُ الغَيْثُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: يُغاثُونَ بِالخِصْبِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: " يَعْصِرُونَ " بِالياءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتّاءِ، فَوَجَّها الخِطابَ إلى المُسْتَفْتِينَ.

وَفِي قَوْلِهِ: " يَعْصِرُونَ " خَمْسَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: يَعْصِرُونَ العِنَبَ والزَّيْتَ والثَّمَراتِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: يَعْصِرُونَ بِمَعْنى يَحْتَلِبُونَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أحْمَدَ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: تَفْسِيرُ " يَعْصِرُونَ " يَحْتَلِبُونَ الألْبانَ لِسَعَةِ خَيْرِهِمْ واتِّساعِ خِصْبِهِمْ، واحْتَجَّ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎ فَما عِصْمَةُ الأعْرابِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهم ∗∗∗ طَعامٌ ولا دَرٌّ مِنَ المالِ يُعْصَرُ

أيْ: يُحْلَبُ.

والثّالِثُ: يَنْجُونَ، وهو مِنَ العَصَرِ، والعَصَرِ: النَّجاءُ، والعُصْرَةُ: المَنجاةُ. ويُقالُ: فُلانٌ في عُصْرَةٍ: إذا كانَ في حِصْنٍ لا يُقْدَرُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ صادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ∗∗∗ ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنجُودِ

أيْ: غِياثًا لِلْمَغْلُوبِ المَقْهُورِ، وقالَ عَدِيٌّ:

؎ لَوْ بِغَيْرِ الماءِ حَلْقِي شَرِقٌ ∗∗∗ كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي

والرّابِعُ: يُصِيبُونَ ما يُحِبُّونَ، رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّهُ قالَ: المُعْتَصِرُ: الَّذِي يُصِيبُ الشَّيْءَ ويَأْخُذُهُ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ. ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ أحْمَرَ:

؎ فَإنَّما العَيْشُ بِرَيّانِهِ ∗∗∗ وأنْتَ مِن أفْنانِهِ مُعْتَصَرُ

والخامِسُ: يُعْطُونَ ويُفْضِلُونَ لِسَعَةِ عَيْشِهِمْ، رَواهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " يُعْصَرُونَ " بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أرادَ يُمْطَرُونَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ [النَّبَإ:١٤] .

50

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌۭ

And the king said, "Bring him to me." But when the messenger came to him, [Joseph] said, "Return to your master and ask him what is the case of the women who cut their hands. Indeed, my Lord is Knowing of their plan."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا رَجَعَ السّاقِي إلى المَلِكِ وأخْبَرَهُ بِتَأْوِيلِ رُؤْياهُ، وقَعَ في نَفْسِهِ صِحَّةُ ما قالَ، فَقالَ: ائْتُونِي بِالَّذِي عَبَّرَ رُؤْيايَ، فَجاءَهُ الرَّسُولُ، فَقالَ: أجِبِ المَلِكَ، فَأبى أنْ يَخْرُجَ حَتّى تُبَيَّنَ بَراءَتُهُ مِمّا قُرِفَ بِهِ، فَقالَ: ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ يَعْنِي المَلِكَ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " النُّسْوَةِ " بِضَمِّ النُّونِ، والمَعْنى: فاسْألِ المَلِكَ أنْ يَتَعَرَّفَ ما شَأْنُ تِلْكَ النِّسْوَةِ وحالُهُنَّ لِيَعْلَمَ صِحَّةَ بَراءَتِي، وإنَّما أشْفَقَ أنْ يَراهُ المَلِكُ بِعَيْنِ مَشْكُوكٍ في أمْرِهِ أوْ مُتَّهَمٍ بِفاحِشَةٍ، وأحَبَّ أنْ يَراهُ بَعْدَ اسْتِقْرارِ بَراءَتِهِ عِنْدَهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ أنَّهُ يَعْنِي اللَّهَ تَعالى، وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أنَّهُ أرادَ بِهِ سَيِّدَهُ العَزِيزَ، والمَعْنى: أنَّهُ يَعْلَمُ بَراءَتِي. وقَدْ رُوِيَ عَنْ نَبِيِّنا ﷺ أنَّهُ اسْتَحْسَنَ حَزْمَ يُوسُفَ وصَبْرَهُ عَنِ التَّسَرُّعِ إلى الخُرُوجِ، فَقالَ ﷺ: " «إنَّ الكَرِيمَ بْنَ الكَرِيمِ بْنِ الكَرِيمِ [ابْنِ الكَرِيمِ] يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ لَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ يُوسُفُ، ثُمَّ جاءَنِي الدّاعِي لَأجَبْتُ» " .

وَفِي ذِكْرِهِ لِلنِّسْوَةِ دُونَ امْرَأةِ العَزِيزِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ خَلَطَها بِالنِّسْوَةِ، لِحُسْنِ عِشْرَةٍ فِيهِ وأدَبٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّانِي: لِأنَّها زَوْجَةُ مَلِكٍ، فَصانَها. والثّالِثُ: لِأنَّ النِّسْوَةَ شاهِداتٌ عَلَيْها لَهُ. والرّابِعُ: لِأنَّ في ذِكْرِهِ لَها نَوْعَ تُهْمَةٍ، ذَكَرَ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ الماوَرْدِيُّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: فَرَجَعَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ بِرِسالَةِ يُوسُفَ، فَدَعا المَلِكُ النِّسْوَةَ وفِيهِنَّ امْرَأةُ العَزِيزِ، فَقالَ: ﴿ما خَطْبُكُنَّ﴾ أيْ: ما شَأْنُكُنَّ وقِصَّتُكُنَّ ﴿إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: إنَّما راوَدَتْهُ واحِدَةٌ، فَلِمَ جَمَعَهُنَّ ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ:

أحَدُها: أنَّهُ جَمَعَهُنَّ في السُّؤالِ لِيَعْلَمَ عَيْنَ المُراوَدَةِ. والثّانِي: أنَّ أزْلِيخا راوَدَتْهُ عَلى نَفْسِهِ، وراوَدَهُ باقِي النِّسْوَةِ عَلى القَبُولِ مِنها. والثّالِثُ: أنَّهُ جَمَعَهُنَّ في الخِطابِ، والمَعْنى لِواحِدَةٍ مِنهُنَّ، لِأنَّهُ قَدْ يُوقَعُ عَلى النَّوْعِ وصْفُ الجنْسِ إذا أُمِنَ مِنَ اللَّبْسِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيَّ ﷺ لِلنِّساءِ: " «إنَّكُنَّ أكْثَرُ أهْلِ النّارِ» "، فَجَمَعَهُنَّ في الخِطابِ والمَعْنى لِبَعْضِهِنَّ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: قَرَأ الحَسَنُ بِتَسْكِينِ الشِّينِ، ولا اخْتِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ أنَّ الإسْكانَ غَيْرُ جائِزٍ، لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ لا يَجُوزُ، ولا هو مِن كَلامِ العَرَبِ. فَأعْلَمَ النِّسْوَةُ المَلِكَ بَراءَةَ يُوسُفَ مِنَ السُّوءِ، فَقالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ أيْ: بَرَزَ وتَبَيَّنَ، واشْتِقاقُهُ في اللُّغَةِ مِنَ الحِصَّةِ، أيْ: بانَتْ حِصَّةُ الحَقِّ وجِهَتُهُ مِن حِصَّةِ جِهَةِ الباطِلِ. وقالَ ابْنُ القاسِمِ: " حَصْحَصَ " بِمَعْنى وضُحَ وانْكَشَفَ، تَقُولُ العَرَبُ: حَصْحَصَ البَعِيرُ في بُرُوكِهِ: إذا تَمَكَّنَ، وأثَّرَ في الأرْضِ، وفَرَّقَ الحَصى.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في ابْتِداءِ أزْلِيخا بِالإقْرارِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها لَمّا رَأتِ النِّسْوَةَ قَدْ بَرَّأْنَهُ، …

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.