Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 41–50 of 111

41

يَٰصَىٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًۭا ۖ وَأَمَّا ٱلْءَاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ ۚ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ

O two companions of prison, as for one of you, he will give drink to his master of wine; but as for the other, he will be crucified, and the birds will eat from his head. The matter has been decreed about which you both inquire."

﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾

افْتَتَحَ خِطابَهُما بِالنِّداءِ اهْتِمامًا بِما يُلْقِيهِ إلَيْهِما مِنَ التَّعْبِيرِ، وخاطَبَهُما بِوَصْفِ ﴿صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أيْضًا.

ثُمَّ إذا كانَ الكَلامُ المَحْكِيُّ عَنْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الآيَةِ صَدَرَ مِنهُ عَلى نَحْوِ النَّظْمِ الَّذِي نُظِمَ بِهِ في الآيَةِ وهو الظّاهِرُ كانَ جَمْعُ التَّأْوِيلِ في عِبارَةٍ واحِدَةٍ مُجْمَلَةٍ؛ لِأنَّ في تَأْوِيلِ إحْدى الرُّؤيَتَيْنِ ما يَسُوءُ صاحِبَها قَصْدًا لِتَلَقِّيهِ ما يَسُوءُ بَعْدَ تَأمُّلٍ قَلِيلٍ كَيْلا يَفْجَأهُ مِن أوَّلِ الكَلامِ، فَإنَّهُ بَعْدَ التَّأمُّلِ يَعْلَمُ أنَّ الَّذِي يَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا هو رائِي عَصْرَ الخَمْرِ، وأنَّ الَّذِي تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ هو رائِي أكْلَ الطَّيْرِ مِن خُبْزٍ عَلى رَأْسِهِ.

صفحة ٢٧٨

وإذا كانَ نَظْمُ الآيَةِ عَلى غَيْرِ ما صَدَرَ مِن يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في الآيَةِ إيجازٌ لِحِكايَةِ كَلامِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وكانَ كَلامًا مُعَيَّنًا فِيهِ كُلٌّ مِنَ الفَتَيَيْنِ بِأنْ قالَ: أمّا أنْتَ فَكَيْتُ وكَيْتُ، وأمّا أنْتَ فَكَيْتُ وكَيْتُ، فَحُكِيَ في الآيَةِ بِالمَعْنى.

وجُمْلَةُ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ تَحْقِيقٌ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الرُّؤْيا، وأنَّ تَعْبِيرَها هو ما أخْبَرَهُما بِهِ فَإنَّهُما يَسْتَفْتِيانِ في دَلالَةِ الرُّؤْيا عَلى ما سَيَكُونُ في شَأْنِ سِجْنِهِما لِأنَّ ذَلِكَ أكْبَرُ هَمِّهِما، فالمُرادُ بِالأمْرِ تَعْبِيرُ رُؤْياهُما.

والِاسْتِفْتاءُ: مَصْدَرُ اسْتَفْتى إذا طَلَبَ الإفْتاءَ. وهو: الإخْبارُ بِإزالَةِ مُشْكِلٍ، أوْ إرْشادٌ إلى إزالَةِ حَيْرَةٍ. وفِعْلُهُ أفْتى مُلازِمٌ لِلْهَمْزِ ولَمْ يُسْمَعْ لَهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَمَزَهُ في الأصْلِ مُجْتَلَبٌ لِمَعْنًى، قالُوا: أصْلُ اشْتِقاقِ أفْتى مِنَ الفَتى وهو الشّابُّ، فَكَأنَّ الَّذِي يُفْتِيهِ يُقَوِّي نَهْجَهُ بِبَيانِهِ فَيَصِيرُ بِقُوَّةِ بَيانِهِ فَتِيًّا أيْ قَوِيًّا. واسْمُ الخَبَرِ الصّادِرِ مِنَ المُفْتِي: فَتْوى بِفَتْحِ الفاءِ وبِضَمِّها مَعَ الواوِ مَقْصُورًا، وبِضَمِّ الفاءِ مَعَ الياءِ مَقْصُورًا.

42

وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍۢ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ

And he said to the one whom he knew would go free, "Mention me before your master." But Satan made him forget the mention [to] his master, and Joseph remained in prison several years.

﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾

قالَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلَّذِي ظَنَّ نَجاتَهُ مِنَ الفَتَيَيْنِ وهو السّاقِي. والظَّنُّ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في القَرِيبِ مِنَ القَطْعِ لِأنَّهُ لا يَشُكُّ في صِحَّةِ تَعْبِيرِهِ الرُّؤْيا. وأرادَ بِذِكْرِهِ ذِكْرُ قَضِيَّتِهِ ومَظْلَمَتِهِ، أيِ اذْكُرْنِي لِرَبِّكَ، أيْ سَيِّدِكَ. وأرادَ بِرَبِّهِ مَلِكَ مِصْرَ.

وضَمِيرا (فَأنْساهُ) و(رَبِّهُ) يَحْتَمِلانِ العَوْدَ إلى الَّذِي، أيْ أنْسى الشَّيْطانُ الَّذِي نَجا أنْ يَذْكُرَهُ لِرَبِّهِ، فالذِّكْرُ الثّانِي هو الذِّكْرُ الأوَّلُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ

صفحة ٢٧٩

الضَّمِيرانِ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (وقالَ) أيْ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ اللَّهِ، فالذِّكْرُ الثّانِي غَيْرُ الذِّكْرِ الأوَّلِ. ولَعَلَّ كِلا الِاحْتِمالَيْنِ مُرادٌ، وهو مِن بَدِيعِ الإيجازِ. وذَلِكَ أنَّ نِسْيانَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَسْألَ اللَّهَ إلْهامَ المَلِكِ تَذَكُّرِ شَأْنِهِ كانَ مِن إلْقاءِ الشَّيْطانِ في أُمْنِيَتِهِ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبًا إلَهِيًّا في نِسْيانِ السّاقِي تَذْكِيرَ المَلِكِ، وكانَ ذَلِكَ عِتابًا إلَهِيًّا لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى اشْتِغالِهِ بِعَوْنِ العِبادِ دُونَ اسْتِعانَةِ رَبِّهِ عَلى خَلاصِهِ.

ولَعَلَّ في إيرادِ هَذا الكَلامِ عَلى هَذا التَّوْجِيهِ تَلَطُّفًا في الخَبَرِ عَنْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِأنَّ الكَلامَ المُوَجَّهَ في المَعانِي المُوَجَّهَةِ ألْطَفُ مِنَ الصَّرِيحِ.

والبِضْعُ: مِنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ.

وفِيما حَكاهُ القُرْآنُ عَنْ حالِ سِجْنِهِمْ ما يُنْبِئُ عَلى أنَّ السِّجْنَ لَمْ يَكُنْ مَضْبُوطًا بِسِجِلٍّ يُذْكَرُ فِيهِ أسْماءُ المَساجِينِ، وأسْبابُ سَجْنِهِمْ، والمُدَّةُ المَسْجُونُ إلَيْها، ولا كانَ مِن وزَعَةِ السُّجُونِ ولا مِمَّنْ فَوْقَهم مَن يَتَعَهَّدُ أسْبابَ السَّجْنِ ويَفْتَقِدُ أمْرَ المَساجِينِ ويَرْفَعُ إلى المَلِكِ في يَوْمٍ مِنَ الأُسْبُوعِ أوْ مِنَ العامِ. وهَذا مِنَ الإهْمالِ والتَّهاوُنِ بِحُقُوقِ النّاسِ وقَدْ أبْطَلَهُ الإسْلامُ، فَإنَّ مِنَ الشَّرِيعَةِ أنْ يَنْظُرَ القاضِي أوَّلَ ما يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ أمْرَ المَساجِينِ.

43

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍۢ ۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ

And [subsequently] the king said, "Indeed, I have seen [in a dream] seven fat cows being eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry. O eminent ones, explain to me my vision, if you should interpret visions."

﴿وقالَ المَلِكُ إنِّيَ أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرُ يابِساتٍ يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾

هَذا عَطْفُ جُزْءٍ مِن قِصَّةٍ عَلى جُزْءٍ مِنها تَكْمِلَةً لِوَصْفِ خَلاصِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ السِّجْنِ.

صفحة ٢٨٠

والتَّعْرِيفُ في المَلِكِ لِلْعَهْدِ، أيْ مَلِكُ مِصْرَ. وسَمّاهُ القُرْآنُ هُنا مَلِكًا ولَمْ يُسَمِّهِ فِرْعَوْنَ لِأنَّ هَذا المَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الفَراعِنَةِ مُلُوكِ مِصْرَ القِبْطِ، وإنَّما كانَ مَلِكًا لِمِصْرَ أيّامَ حَكَمَها (الهِكْسُوسُ)، وهُمُ العَمالِقَةُ، وهم مِنَ الكَنْعانِيِّينَ، أوْ مِنَ العَرَبِ، ويُعَبِّرُ عَنْهم مُؤَرِّخُو الإغْرِيقِ بِمُلُوكِ الرُّعاةِ، أيِ البَدْوُ. وقَدْ مَلَكُوا بِمِصْرَ مِن عامِ ١٩٠٠ إلى عامِ ١٥٢٥ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وكانَ عَصْرُهم فِيما بَيْنَ مُدَّةِ العائِلَةِ الثّالِثَةِ عَشْرَةَ والعائِلَةِ الثّامِنَةِ عَشْرَةَ مِن مُلُوكِ القِبْطِ، إذْ كانَتْ عائِلاتُ مُلُوكِ القِبْطِ قَدْ بَقِيَ لَها حُكْمٌ في مِصْرَ العُلْيا في مَدِينَةِ طِيبَةَ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ﴾ [يوسف: ٢١] . وكانَ مَلِكُهم في تِلْكَ المُدَّةِ ضَعِيفًا لِأنَّ السِّيادَةَ كانَتْ لِمُلُوكِ مِصْرَ السُّفْلى. ويُقَدِّرُ المُؤَرِّخُونَ أنَّ مَلِكَ مِصْرَ السُّفْلى في زَمَنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في مُدَّةِ العائِلَةِ السّابِعَةِ عَشْرَةَ.

فالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالمَلِكِ في القُرْآنِ دُونَ التَّعْبِيرِ بِفِرْعَوْنٍ مَعَ أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ مَلِكِ مِصْرَ في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلَقَبِ فِرْعَوْنَ هو مِن دَقائِقِ إعْجازِ القُرْآنِ العِلْمِيِّ. وقَدْ وقَعَ في التَّوْراةِ إذْ عَبَّرَ فِيها عَنْ مَلِكِ مِصْرَ في زَمَنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِفِرْعَوْنَ وما هو بِفِرْعَوْنَ لِأنَّ أُمَّتَهُ ما كانَتْ تَتَكَلَّمُ بِالقِبْطِيَّةِ وإنَّما كانَتْ لُغَتُهم كَنْعانِيَّةً قَرِيبَةً مِنَ الآرامِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ، فَيَكُونُ زَمَنُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في آخِرِ أزْمانِ حُكْمِ مُلُوكِ الرُّعاةِ عَلى اخْتِلافٍ شَدِيدٍ في ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: سِمانٍ جَمْعُ سَمِينَةٍ وسَمِينٍ، مِثْلَ كِرامٍ، وهو وصْفٌ لِـ بَقَراتٍ

و(عِجافٌ) جَمْعُ عَجْفاءَ. والقِياسُ في جَمْعِ عَجْفاءَ عُجْفٌ لَكِنَّهُ صِيغَ هُنا بِوَزْنِ فِعالٍ لِأجْلِ المُزاوَجَةِ لِمُقارِنِهِ وهو سِمانٌ. كَما قالَ الشّاعِرُ:

هَتّاكُ أخْبِيَةٍ ولّاجُ أبَوِيَةٍ

والقِياسُ أبْوابٌ لَكِنَّهُ حَمَلَهُ عَلى أخْبِيَةٍ.

والعَجْفاءُ: ذاتُ العَجَفِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو الهُزالُ الشَّدِيدُ.

صفحة ٢٨١

و﴿وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَبْعَ بَقَراتٍ﴾ . والسُّنْبُلَةُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَلَأُ: أعْيانُ النّاسِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٦٠] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والإفْتاءُ: الإخْبارُ بِالفَتْوى. وتَقَدَّمَتْ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ [يوسف: ٤١]

وفِي لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ الَّتِي هي بِمَعْنى المُلابَسَةِ، أيْ أفْتُونِي إفْتاءً مُلابِسًا لِرُؤْيايَ مُلابَسَةَ البَيانِ لِلْمُجْمَلِ.

وتَقْدِيمُ …

44

قَالُوٓا۟ أَضْغَٰثُ أَحْلَٰمٍۢ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ

They said, "[It is but] a mixture of false dreams, and we are not learned in the interpretation of dreams."

﴿وقالَ المَلِكُ إنِّيَ أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرُ يابِساتٍ يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾

هَذا عَطْفُ جُزْءٍ مِن قِصَّةٍ عَلى جُزْءٍ مِنها تَكْمِلَةً لِوَصْفِ خَلاصِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ السِّجْنِ.

صفحة ٢٨٠

والتَّعْرِيفُ في المَلِكِ لِلْعَهْدِ، أيْ مَلِكُ مِصْرَ. وسَمّاهُ القُرْآنُ هُنا مَلِكًا ولَمْ يُسَمِّهِ فِرْعَوْنَ لِأنَّ هَذا المَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الفَراعِنَةِ مُلُوكِ مِصْرَ القِبْطِ، وإنَّما كانَ مَلِكًا لِمِصْرَ أيّامَ حَكَمَها (الهِكْسُوسُ)، وهُمُ العَمالِقَةُ، وهم مِنَ الكَنْعانِيِّينَ، أوْ مِنَ العَرَبِ، ويُعَبِّرُ عَنْهم مُؤَرِّخُو الإغْرِيقِ بِمُلُوكِ الرُّعاةِ، أيِ البَدْوُ. وقَدْ مَلَكُوا بِمِصْرَ مِن عامِ ١٩٠٠ إلى عامِ ١٥٢٥ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وكانَ عَصْرُهم فِيما بَيْنَ مُدَّةِ العائِلَةِ الثّالِثَةِ عَشْرَةَ والعائِلَةِ الثّامِنَةِ عَشْرَةَ مِن مُلُوكِ القِبْطِ، إذْ كانَتْ عائِلاتُ مُلُوكِ القِبْطِ قَدْ بَقِيَ لَها حُكْمٌ في مِصْرَ العُلْيا في مَدِينَةِ طِيبَةَ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ﴾ [يوسف: ٢١] . وكانَ مَلِكُهم في تِلْكَ المُدَّةِ ضَعِيفًا لِأنَّ السِّيادَةَ كانَتْ لِمُلُوكِ مِصْرَ السُّفْلى. ويُقَدِّرُ المُؤَرِّخُونَ أنَّ مَلِكَ مِصْرَ السُّفْلى في زَمَنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في مُدَّةِ العائِلَةِ السّابِعَةِ عَشْرَةَ.

فالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالمَلِكِ في القُرْآنِ دُونَ التَّعْبِيرِ بِفِرْعَوْنٍ مَعَ أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ مَلِكِ مِصْرَ في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلَقَبِ فِرْعَوْنَ هو مِن دَقائِقِ إعْجازِ القُرْآنِ العِلْمِيِّ. وقَدْ وقَعَ في التَّوْراةِ إذْ عَبَّرَ فِيها عَنْ مَلِكِ مِصْرَ في زَمَنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِفِرْعَوْنَ وما هو بِفِرْعَوْنَ لِأنَّ أُمَّتَهُ ما كانَتْ تَتَكَلَّمُ بِالقِبْطِيَّةِ وإنَّما كانَتْ لُغَتُهم كَنْعانِيَّةً قَرِيبَةً مِنَ الآرامِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ، فَيَكُونُ زَمَنُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في آخِرِ أزْمانِ حُكْمِ مُلُوكِ الرُّعاةِ عَلى اخْتِلافٍ شَدِيدٍ في ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: سِمانٍ جَمْعُ سَمِينَةٍ وسَمِينٍ، مِثْلَ كِرامٍ، وهو وصْفٌ لِـ بَقَراتٍ

و(عِجافٌ) جَمْعُ عَجْفاءَ. والقِياسُ في جَمْعِ عَجْفاءَ عُجْفٌ لَكِنَّهُ صِيغَ هُنا بِوَزْنِ فِعالٍ لِأجْلِ المُزاوَجَةِ لِمُقارِنِهِ وهو سِمانٌ. كَما قالَ الشّاعِرُ:

هَتّاكُ أخْبِيَةٍ ولّاجُ أبَوِيَةٍ

والقِياسُ أبْوابٌ لَكِنَّهُ حَمَلَهُ عَلى أخْبِيَةٍ.

والعَجْفاءُ: ذاتُ العَجَفِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو الهُزالُ الشَّدِيدُ.

صفحة ٢٨١

و﴿وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَبْعَ بَقَراتٍ﴾ . والسُّنْبُلَةُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَلَأُ: أعْيانُ النّاسِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٦٠] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والإفْتاءُ: الإخْبارُ بِالفَتْوى. وتَقَدَّمَتْ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ [يوسف: ٤١]

وفِي لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ الَّتِي هي بِمَعْنى المُلابَسَةِ، أيْ أفْتُونِي إفْتاءً مُلابِسًا لِرُؤْيايَ مُلابَسَةَ البَيانِ لِلْمُجْمَلِ.

وتَقْدِيمُ …

45

وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ

But the one who was freed and remembered after a time said, "I will inform you of its interpretation, so send me forth."

﴿وقالَ المَلِكُ إنِّيَ أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرُ يابِساتٍ يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾

هَذا عَطْفُ جُزْءٍ مِن قِصَّةٍ عَلى جُزْءٍ مِنها تَكْمِلَةً لِوَصْفِ خَلاصِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ السِّجْنِ.

صفحة ٢٨٠

والتَّعْرِيفُ في المَلِكِ لِلْعَهْدِ، أيْ مَلِكُ مِصْرَ. وسَمّاهُ القُرْآنُ هُنا مَلِكًا ولَمْ يُسَمِّهِ فِرْعَوْنَ لِأنَّ هَذا المَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الفَراعِنَةِ مُلُوكِ مِصْرَ القِبْطِ، وإنَّما كانَ مَلِكًا لِمِصْرَ أيّامَ حَكَمَها (الهِكْسُوسُ)، وهُمُ العَمالِقَةُ، وهم مِنَ الكَنْعانِيِّينَ، أوْ مِنَ العَرَبِ، ويُعَبِّرُ عَنْهم مُؤَرِّخُو الإغْرِيقِ بِمُلُوكِ الرُّعاةِ، أيِ البَدْوُ. وقَدْ مَلَكُوا بِمِصْرَ مِن عامِ ١٩٠٠ إلى عامِ ١٥٢٥ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وكانَ عَصْرُهم فِيما بَيْنَ مُدَّةِ العائِلَةِ الثّالِثَةِ عَشْرَةَ والعائِلَةِ الثّامِنَةِ عَشْرَةَ مِن مُلُوكِ القِبْطِ، إذْ كانَتْ عائِلاتُ مُلُوكِ القِبْطِ قَدْ بَقِيَ لَها حُكْمٌ في مِصْرَ العُلْيا في مَدِينَةِ طِيبَةَ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ﴾ [يوسف: ٢١] . وكانَ مَلِكُهم في تِلْكَ المُدَّةِ ضَعِيفًا لِأنَّ السِّيادَةَ كانَتْ لِمُلُوكِ مِصْرَ السُّفْلى. ويُقَدِّرُ المُؤَرِّخُونَ أنَّ مَلِكَ مِصْرَ السُّفْلى في زَمَنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في مُدَّةِ العائِلَةِ السّابِعَةِ عَشْرَةَ.

فالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالمَلِكِ في القُرْآنِ دُونَ التَّعْبِيرِ بِفِرْعَوْنٍ مَعَ أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ مَلِكِ مِصْرَ في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلَقَبِ فِرْعَوْنَ هو مِن دَقائِقِ إعْجازِ القُرْآنِ العِلْمِيِّ. وقَدْ وقَعَ في التَّوْراةِ إذْ عَبَّرَ فِيها عَنْ مَلِكِ مِصْرَ في زَمَنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِفِرْعَوْنَ وما هو بِفِرْعَوْنَ لِأنَّ أُمَّتَهُ ما كانَتْ تَتَكَلَّمُ بِالقِبْطِيَّةِ وإنَّما كانَتْ لُغَتُهم كَنْعانِيَّةً قَرِيبَةً مِنَ الآرامِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ، فَيَكُونُ زَمَنُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في آخِرِ أزْمانِ حُكْمِ مُلُوكِ الرُّعاةِ عَلى اخْتِلافٍ شَدِيدٍ في ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: سِمانٍ جَمْعُ سَمِينَةٍ وسَمِينٍ، مِثْلَ كِرامٍ، وهو وصْفٌ لِـ بَقَراتٍ

و(عِجافٌ) جَمْعُ عَجْفاءَ. والقِياسُ في جَمْعِ عَجْفاءَ عُجْفٌ لَكِنَّهُ صِيغَ هُنا بِوَزْنِ فِعالٍ لِأجْلِ المُزاوَجَةِ لِمُقارِنِهِ وهو سِمانٌ. كَما قالَ الشّاعِرُ:

هَتّاكُ أخْبِيَةٍ ولّاجُ أبَوِيَةٍ

والقِياسُ أبْوابٌ لَكِنَّهُ حَمَلَهُ عَلى أخْبِيَةٍ.

والعَجْفاءُ: ذاتُ العَجَفِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو الهُزالُ الشَّدِيدُ.

صفحة ٢٨١

و﴿وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَبْعَ بَقَراتٍ﴾ . والسُّنْبُلَةُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَلَأُ: أعْيانُ النّاسِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٦٠] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والإفْتاءُ: الإخْبارُ بِالفَتْوى. وتَقَدَّمَتْ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ [يوسف: ٤١]

وفِي لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ الَّتِي هي بِمَعْنى المُلابَسَةِ، أيْ أفْتُونِي إفْتاءً مُلابِسًا لِرُؤْيايَ مُلابَسَةَ البَيانِ لِلْمُجْمَلِ.

وتَقْدِيمُ …

46

يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍۢ لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ

[He said], "Joseph, O man of truth, explain to us about seven fat cows eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry - that I may return to the people; perhaps they will know [about you]."

﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّيَ أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾

الخِطابُ بِالنِّداءِ مُؤْذِنٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ في الكَلامِ، وأنَّهُ مِن قَوْلِ الَّذِي نَجا وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ. وحُذِفَ مِنَ الكَلامِ ذِكْرُ إرْسالِهِ ومَشْيِهِ ووُصُولِهِ، إذْ لا غَرَضَ فِيهِ مِنَ القِصَّةِ. وهَذا مِن بَدِيعِ الإيجازِ.

والصِّدِّيقُ: أصْلُهُ صِفَةُ مُبالَغَةٍ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الصِّدْقِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥] في سُورَةِ العُقُودِ، وغَلَبَ اسْتِعْمالُ وصْفِ الصِّدِّيقِ اسْتِعْمالُ اللَّقَبِ الجامِعِ لِمَعانِي الكَمالِ واسْتِقامَةِ السُّلُوكِ في طاعَةِ اللَّهِ - تَعالى -؛ لِأنَّ تِلْكَ المَعانِيَ لا تَجْتَمِعُ إلّا لِمَن قَوِيَ صِدْقُهُ في الوَفاءِ بِعَهْدِ الدِّينِ.

وأحْسَنُ ما رَأيْتُ في هَذا المَعْنى كَلِمَةُ الرّاغِبِ الأصْفَهانِيِّ في مُفْرَداتِ القُرْآنِ قالَ: ”الصِّدِّيقُونَ هم دُوَيْنَ الأنْبِياءِ“ . وهَذا ما يَشْهَدُ بِهِ اسْتِعْمالُ القُرْآنِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩] الآيَةَ، وقَوْلِهِ: ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥] . ومِنهُ ما لَقَّبَ النَّبِيُّ ﷺ أبا بَكْرٍ بِالصِّدِّيقِ في قَوْلِهِ في حَدِيثِ رَجْفِ جَبَلِ أُحُدٍ «اسْكُنْ أُحُدُ فَإنَّما عَلَيْكَ نَبِيٌّ وصِدِّيقٌ وشَهِيدانِ» . مِن أجْلِ ذَلِكَ أجْمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أفْضَلُ الأُمَّةِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ . وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ هَذا الوَصْفَ مَعَ صِفَةِ النُّبُوَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٦] في سُورَةِ مَرْيَمَ.

صفحة ٢٨٥

وقَدْ يُطْلَقُ الصِّدِّيقُ عَلى أصْلِ وصْفِهِ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] عَلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ فِيها.

فَهَذا الَّذِي اسْتَفْتى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في رُؤْيا المَلِكِ وصَفَ في كَلامِهِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمَعْنًى يَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُ الصِّدِّيقِ في اللِّسانِ العَرَبِيِّ، وإنَّما وصَفَهُ بِهِ عَنْ خِبْرَةٍ وتَجْرِبَةٍ اكْتَسَبَها مِن مُخالَطَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في السِّجْنِ.

فَضَمَّ ما ذَكَرْناهُ هُنا إلى ما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥] في سُورَةِ العُقُودِ، وإلى قَوْلِهِ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩] في سُورَةِ النِّساءِ.

وإعادَةُ العِباراتِ المَحْكِيَّةِ عَنِ المَلِكِ بِعَيْنِها إشارَةٌ إلى أنَّهُ بَلَّغَ السُّؤالَ كَما تَلَقّاهُ، وذَلِكَ تَمامُ أمانَةِ النّاقِلِ.

والنّاسُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمُرادُ بِـ النّاسِ بَعْضِهِمْ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] . والنّاسُ هُنا هُمُ المَلِكُ وأهْلُ مَجْلِسِهِ؛ لِأنَّ تَأْوِيلَ تِلْكَ الرُّؤْيا يُهِمُّهم جَمِيعًا لِيَعْلَمَ المَلِكُ تَأْوِيلَ رُؤْياهُ ويَعْلَمَ أهْلُ مَجْلِسِهِ أنَّ ما عَجَزُوا عَنْ تَأْوِيلِهِ قَدْ عُلِّمَهُ مَن هو أعْلَمُ مِنهم. وهَذا وجْهُ قَوْلِهِ: …

47

قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًۭا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تَأْكُلُونَ

[Joseph] said, "You will plant for seven years consecutively; and what you harvest leave in its spikes, except a little from which you will eat.

صفحة ٢٨٦

﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأْبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾

عَبَرَ الرُّؤْيا بِجَمِيعِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ، فالبَقَراتُ لِسِنِينِ الزِّراعَةِ؛ لِأنَّ البَقَرَةَ تُتَّخَذُ لِلْإثْمارِ. والسِمَنُ رَمْزٌ لِلْخِصْبِ. والعَجَفُ رَمْزٌ لِلْقَحْطِ. والسُّنْبُلاتُ رَمْزٌ لِلْأقْواتِ؛ فالسُّنْبُلاتُ الخُضْرُ رَمْزٌ لِطَعامٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وكَوْنُها سَبْعًا رَمَزٌ لِلِانْتِفاعِ بِهِ في السَّبْعِ السِّنِينَ، فَكُلُّ سُنْبُلَةٍ رَمْزٌ لِطَعامِ سَنَةٍ، فَذَلِكَ يَقْتاتُونَهُ في تِلْكَ السِّنِينِ جَدِيدًا.

والسُّنْبُلاتُ اليابِساتُ رَمْزٌ لِما يُدَّخَرُ، وكَوْنُها سَبْعًا رَمْزٌ لِادِّخارِها في سَبْعِ سِنِينَ لِأنَّ البَقَراتِ العِجافَ أكَلَتِ البَقَراتِ السِّمانَ، وتَأْوِيلُ ذَلِكَ: أنَّ سِنِي الجَدْبِ أتَتْ عَلى ما أثْمَرَتْهُ سِنُو الخِصْبِ.

وقَوْلُهُ: (تَزْرَعُونَ) خَبَرٌ عَمّا يَكُونُ مِن عَمَلِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ الزَّرْعَ عادَتُهم، فَذِكْرُهُ إيّاهُ تَمْهِيدٌ لِلْكَلامِ الآتِي ولِذَلِكَ قَيَّدَهُ بِـ دَأبًا

والدَّأبُ: العادَةُ والِاسْتِمْرارُ عَلَيْها. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عمران: ١١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ يَزْرَعُونَ، أيْ كَدَأْبِكم. وقَدْ مَزَجَ تَعْبِيرَهُ بِإرْشادٍ جَلِيلٍ لِأحْوالِ التَّمْوِينِ والِادِّخارِ لِمَصْلَحَةِ الأُمَّةِ. وهو مَنامٌ حِكْمَتُهُ كانَتْ رُؤْيا المَلِكِ لُطْفًا مِنَ اللَّهِ بِالأُمَّةِ الَّتِي آوَتْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ووَحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِواسِطَةِ رُؤْيا المَلِكِ، كَما أوْحى إلى سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِواسِطَةِ الطَّيْرِ. ولَعَلَّ المَلِكَ قَدِ اسْتَعَدَّ لِلصَّلاحِ والإيمانِ.

صفحة ٢٨٧

وكانَ ما أشارَ بِهِ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى المَلِكِ مِنَ الِادِّخارِ تَمْهِيدًا لِشَرْعِ ادِّخارِ الأقْواتِ لِلتَّمْوِينِ، كَما كانَ الوَفاءُ في الكَيْلِ والمِيزانِ ابْتِداءَ دَعْوَةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأشارَ إلى إبْقاءِ ما فَضُلَ عَنْ أقْواتِهِمْ في سُنْبُلِهِ لِيَكُونَ أسْلَمَ لَهُ مِن إصابَةِ السُّوسِ الَّذِي يُصِيبُ الحَبَّ إذا تَراكَمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ فَإذا كانَ في سُنْبُلِهِ دُفِعَ عَنْهُ السُّوسُ، وأشارَ عَلَيْهِمْ بِتَقْلِيلِ ما يَأْكُلُونَ في سَنَواتِ الخِصْبِ لِادِّخارِ ما فَضُلَ عَنْ ذَلِكَ لِزَمَنِ الشِّدَّةِ، فَقالَ ﴿إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾

والشِّدادُ: وصْفٌ لِسِنِي الجَدْبِ؛ لِأنَّ الجَدْبَ حاصِلٌ فِيها، فَوَصَفَها بِالشِّدَّةِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ.

وأطْلَقَ الأكْلَ في قَوْلِهِ: يَأْكُلْنَ عَلى الإفْناءِ، كالَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] . وإسْنادُهُ بِهَذا الإطْلاقِ إلى السِّنِينَ إسْنادُ مَجازٍ عَقْلِيٍّ؛ لِأنَّهُنَّ زَمَنُ وُقُوعِ الفَناءِ.

والإحْصانُ: الإحْرازُ والِادِّخارُ، أيِ الوَضْعُ في الحِصْنِ وهو المَطْمُورُ. والمَعْنى: أنَّ تِلْكَ السِّنِينَ المُجْدِبَةَ يَفْنى فِيها ما ادُّخِرَ لَها إلّا قَلِيلًا مِنهُ يَبْقى في الأهْراءِ. وهَذا تَحْرِيضٌ عَلى اسْتِكْثارِ الِادِّخارِ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ فَهو بِشارَةٌ وإدِّخارٌ لِمَسَرَّةِ الأمَلِ بَعْدَ الكَلامِ المُؤَيِّسِ، وهو …

48

ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌۭ شِدَادٌۭ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تُحْصِنُونَ

Then will come after that seven difficult [years] which will consume what you saved for them, except a little from which you will store.

صفحة ٢٨٦

﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأْبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾

عَبَرَ الرُّؤْيا بِجَمِيعِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ، فالبَقَراتُ لِسِنِينِ الزِّراعَةِ؛ لِأنَّ البَقَرَةَ تُتَّخَذُ لِلْإثْمارِ. والسِمَنُ رَمْزٌ لِلْخِصْبِ. والعَجَفُ رَمْزٌ لِلْقَحْطِ. والسُّنْبُلاتُ رَمْزٌ لِلْأقْواتِ؛ فالسُّنْبُلاتُ الخُضْرُ رَمْزٌ لِطَعامٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وكَوْنُها سَبْعًا رَمَزٌ لِلِانْتِفاعِ بِهِ في السَّبْعِ السِّنِينَ، فَكُلُّ سُنْبُلَةٍ رَمْزٌ لِطَعامِ سَنَةٍ، فَذَلِكَ يَقْتاتُونَهُ في تِلْكَ السِّنِينِ جَدِيدًا.

والسُّنْبُلاتُ اليابِساتُ رَمْزٌ لِما يُدَّخَرُ، وكَوْنُها سَبْعًا رَمْزٌ لِادِّخارِها في سَبْعِ سِنِينَ لِأنَّ البَقَراتِ العِجافَ أكَلَتِ البَقَراتِ السِّمانَ، وتَأْوِيلُ ذَلِكَ: أنَّ سِنِي الجَدْبِ أتَتْ عَلى ما أثْمَرَتْهُ سِنُو الخِصْبِ.

وقَوْلُهُ: (تَزْرَعُونَ) خَبَرٌ عَمّا يَكُونُ مِن عَمَلِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ الزَّرْعَ عادَتُهم، فَذِكْرُهُ إيّاهُ تَمْهِيدٌ لِلْكَلامِ الآتِي ولِذَلِكَ قَيَّدَهُ بِـ دَأبًا

والدَّأبُ: العادَةُ والِاسْتِمْرارُ عَلَيْها. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عمران: ١١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ يَزْرَعُونَ، أيْ كَدَأْبِكم. وقَدْ مَزَجَ تَعْبِيرَهُ بِإرْشادٍ جَلِيلٍ لِأحْوالِ التَّمْوِينِ والِادِّخارِ لِمَصْلَحَةِ الأُمَّةِ. وهو مَنامٌ حِكْمَتُهُ كانَتْ رُؤْيا المَلِكِ لُطْفًا مِنَ اللَّهِ بِالأُمَّةِ الَّتِي آوَتْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ووَحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِواسِطَةِ رُؤْيا المَلِكِ، كَما أوْحى إلى سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِواسِطَةِ الطَّيْرِ. ولَعَلَّ المَلِكَ قَدِ اسْتَعَدَّ لِلصَّلاحِ والإيمانِ.

صفحة ٢٨٧

وكانَ ما أشارَ بِهِ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى المَلِكِ مِنَ الِادِّخارِ تَمْهِيدًا لِشَرْعِ ادِّخارِ الأقْواتِ لِلتَّمْوِينِ، كَما كانَ الوَفاءُ في الكَيْلِ والمِيزانِ ابْتِداءَ دَعْوَةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأشارَ إلى إبْقاءِ ما فَضُلَ عَنْ أقْواتِهِمْ في سُنْبُلِهِ لِيَكُونَ أسْلَمَ لَهُ مِن إصابَةِ السُّوسِ الَّذِي يُصِيبُ الحَبَّ إذا تَراكَمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ فَإذا كانَ في سُنْبُلِهِ دُفِعَ عَنْهُ السُّوسُ، وأشارَ عَلَيْهِمْ بِتَقْلِيلِ ما يَأْكُلُونَ في سَنَواتِ الخِصْبِ لِادِّخارِ ما فَضُلَ عَنْ ذَلِكَ لِزَمَنِ الشِّدَّةِ، فَقالَ ﴿إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾

والشِّدادُ: وصْفٌ لِسِنِي الجَدْبِ؛ لِأنَّ الجَدْبَ حاصِلٌ فِيها، فَوَصَفَها بِالشِّدَّةِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ.

وأطْلَقَ الأكْلَ في قَوْلِهِ: يَأْكُلْنَ عَلى الإفْناءِ، كالَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] . وإسْنادُهُ بِهَذا الإطْلاقِ إلى السِّنِينَ إسْنادُ مَجازٍ عَقْلِيٍّ؛ لِأنَّهُنَّ زَمَنُ وُقُوعِ الفَناءِ.

والإحْصانُ: الإحْرازُ والِادِّخارُ، أيِ الوَضْعُ في الحِصْنِ وهو المَطْمُورُ. والمَعْنى: أنَّ تِلْكَ السِّنِينَ المُجْدِبَةَ يَفْنى فِيها ما ادُّخِرَ لَها إلّا قَلِيلًا مِنهُ يَبْقى في الأهْراءِ. وهَذا تَحْرِيضٌ عَلى اسْتِكْثارِ الِادِّخارِ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ فَهو بِشارَةٌ وإدِّخارٌ لِمَسَرَّةِ الأمَلِ بَعْدَ الكَلامِ المُؤَيِّسِ، وهو …

49

ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌۭ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ

Then will come after that a year in which the people will be given rain and in which they will press [olives and grapes]."

صفحة ٢٨٦

﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأْبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾

عَبَرَ الرُّؤْيا بِجَمِيعِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ، فالبَقَراتُ لِسِنِينِ الزِّراعَةِ؛ لِأنَّ البَقَرَةَ تُتَّخَذُ لِلْإثْمارِ. والسِمَنُ رَمْزٌ لِلْخِصْبِ. والعَجَفُ رَمْزٌ لِلْقَحْطِ. والسُّنْبُلاتُ رَمْزٌ لِلْأقْواتِ؛ فالسُّنْبُلاتُ الخُضْرُ رَمْزٌ لِطَعامٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وكَوْنُها سَبْعًا رَمَزٌ لِلِانْتِفاعِ بِهِ في السَّبْعِ السِّنِينَ، فَكُلُّ سُنْبُلَةٍ رَمْزٌ لِطَعامِ سَنَةٍ، فَذَلِكَ يَقْتاتُونَهُ في تِلْكَ السِّنِينِ جَدِيدًا.

والسُّنْبُلاتُ اليابِساتُ رَمْزٌ لِما يُدَّخَرُ، وكَوْنُها سَبْعًا رَمْزٌ لِادِّخارِها في سَبْعِ سِنِينَ لِأنَّ البَقَراتِ العِجافَ أكَلَتِ البَقَراتِ السِّمانَ، وتَأْوِيلُ ذَلِكَ: أنَّ سِنِي الجَدْبِ أتَتْ عَلى ما أثْمَرَتْهُ سِنُو الخِصْبِ.

وقَوْلُهُ: (تَزْرَعُونَ) خَبَرٌ عَمّا يَكُونُ مِن عَمَلِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ الزَّرْعَ عادَتُهم، فَذِكْرُهُ إيّاهُ تَمْهِيدٌ لِلْكَلامِ الآتِي ولِذَلِكَ قَيَّدَهُ بِـ دَأبًا

والدَّأبُ: العادَةُ والِاسْتِمْرارُ عَلَيْها. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عمران: ١١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ يَزْرَعُونَ، أيْ كَدَأْبِكم. وقَدْ مَزَجَ تَعْبِيرَهُ بِإرْشادٍ جَلِيلٍ لِأحْوالِ التَّمْوِينِ والِادِّخارِ لِمَصْلَحَةِ الأُمَّةِ. وهو مَنامٌ حِكْمَتُهُ كانَتْ رُؤْيا المَلِكِ لُطْفًا مِنَ اللَّهِ بِالأُمَّةِ الَّتِي آوَتْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ووَحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِواسِطَةِ رُؤْيا المَلِكِ، كَما أوْحى إلى سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِواسِطَةِ الطَّيْرِ. ولَعَلَّ المَلِكَ قَدِ اسْتَعَدَّ لِلصَّلاحِ والإيمانِ.

صفحة ٢٨٧

وكانَ ما أشارَ بِهِ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى المَلِكِ مِنَ الِادِّخارِ تَمْهِيدًا لِشَرْعِ ادِّخارِ الأقْواتِ لِلتَّمْوِينِ، كَما كانَ الوَفاءُ في الكَيْلِ والمِيزانِ ابْتِداءَ دَعْوَةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأشارَ إلى إبْقاءِ ما فَضُلَ عَنْ أقْواتِهِمْ في سُنْبُلِهِ لِيَكُونَ أسْلَمَ لَهُ مِن إصابَةِ السُّوسِ الَّذِي يُصِيبُ الحَبَّ إذا تَراكَمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ فَإذا كانَ في سُنْبُلِهِ دُفِعَ عَنْهُ السُّوسُ، وأشارَ عَلَيْهِمْ بِتَقْلِيلِ ما يَأْكُلُونَ في سَنَواتِ الخِصْبِ لِادِّخارِ ما فَضُلَ عَنْ ذَلِكَ لِزَمَنِ الشِّدَّةِ، فَقالَ ﴿إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾

والشِّدادُ: وصْفٌ لِسِنِي الجَدْبِ؛ لِأنَّ الجَدْبَ حاصِلٌ فِيها، فَوَصَفَها بِالشِّدَّةِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ.

وأطْلَقَ الأكْلَ في قَوْلِهِ: يَأْكُلْنَ عَلى الإفْناءِ، كالَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] . وإسْنادُهُ بِهَذا الإطْلاقِ إلى السِّنِينَ إسْنادُ مَجازٍ عَقْلِيٍّ؛ لِأنَّهُنَّ زَمَنُ وُقُوعِ الفَناءِ.

والإحْصانُ: الإحْرازُ والِادِّخارُ، أيِ الوَضْعُ في الحِصْنِ وهو المَطْمُورُ. والمَعْنى: أنَّ تِلْكَ السِّنِينَ المُجْدِبَةَ يَفْنى فِيها ما ادُّخِرَ لَها إلّا قَلِيلًا مِنهُ يَبْقى في الأهْراءِ. وهَذا تَحْرِيضٌ عَلى اسْتِكْثارِ الِادِّخارِ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ فَهو بِشارَةٌ وإدِّخارٌ لِمَسَرَّةِ الأمَلِ بَعْدَ الكَلامِ المُؤَيِّسِ، وهو …

50

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌۭ

And the king said, "Bring him to me." But when the messenger came to him, [Joseph] said, "Return to your master and ask him what is the case of the women who cut their hands. Indeed, my Lord is Knowing of their plan."

صفحة ٢٨٨

﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ الّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾

قالَ المَلِكُ: ائْتُونِي بِهِ لَمّا أبْلَغَهُ السّاقِي صُورَةَ التَّعْبِيرِ. والخِطابِ لِلْمَلَأِ لِيُرْسِلُوا مَن يُعِينُونَهُ لِجَلْبِهِ. ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ ﴿فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ﴾ . فالتَّقْدِيرُ: فَأرْسَلُوا رَسُولًا مِنهم. وضَمِيرا الغائِبِ في قَوْلِهِ: (بِهِ) وقَوْلِهِ: (جاءَهُ) عائِدانِ إلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ. وضَمِيرُ قالَ المُسْتَتِرُ كَذَلِكَ.

وقَدْ أبى يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الخُرُوجَ مِنَ السِّجْنِ قَبْلَ أنْ تَثْبُتَ بَراءَتُهُ مِمّا رُمِيَ بِهِ في بَيْتِ العَزِيزِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ بَلَغَ المَلِكَ لا مَحالَةَ لِئَلّا يَكُونَ تَبْرِيزُهُ في التَّعْبِيرِ المُوجِبِ لِإطْلاقِهِ مِنَ السِّجْنِ كالشَّفِيعِ فِيهِ فَيَبْقى حَدِيثُ قَرَفِهِ بِما قُرِفَ بِهِ فاشِيًا في النّاسِ فَيَتَسَلَّقُ بِهِ الحاسِدُونَ إلى انْتِقاصِ شَأْنِهِ عِنْدَ المَلِكِ يَوْمًا ما، فَإنَّ تَبْرِئَةَ العِرْضِ مِنَ التُّهَمِ الباطِلَةِ مَقْصِدٌ شَرْعِيٌّ، ولِيَكُونَ حُضُورُهُ لَدى المَلِكِ مَرْمُوقًا بِعَيْنٍ لا تَنْظُرُ إلَيْهِ بِشائِبَةِ نَقْصٍ.

وجَعَلَ طَرِيقَ تَقْرِيرِ بَراءَتِهِ مُفْتَتَحَةً بِالسُّؤالِ عَنِ الخَبَرِ لِإعادَةِ ذِكْرِهِ مِن أوَّلِهِ، فَمَعْنى فاسْألْهُ بَلِّغْ إلَيْهِ سُؤالًا مِن قِبَلِي. وهَذِهِ حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ تَحِقُّ بِأنْ يُؤْتَسى بِها. وهي تَطَلُّبُ المَسْجُونِ باطِلًا أنْ يَبْقى في السِّجْنِ حَتّى تَتَبَيَّنَ بَراءَتُهُ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي سُجِنَ لِأجْلِهِ، وهي راجِعَةٌ إلى التَّحَلِّي بِالصَّبْرِ حَتّى يَظْهَرَ النَّصْرُ.

وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْ لَبِثْتُ ما لَبِثَ يُوسُفُ في السِّجْنِ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ»، أيْ داعِيَ المَلِكِ وهو الرَّسُولُ الَّذِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ﴾، أيْ لَمّا راجَعْتُ المَلِكَ. فَهَذِهِ إحْدى الآياتِ والعِبَرِ الَّتِي أشارَ إلَيْها قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]

صفحة ٢٨٩

والسُّؤالُ: مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ دُونَ طَلَبِ الفَهْمِ؛ لِأنَّ السّائِلَ عالِمٌ بِالأمْرِ المَسْئُولِ عَنْهُ وإنَّما يُرِيدُ السّائِلُ حَثَّ المَسْئُولِ عَنْ عِلْمِ الخَبَرِ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١]

وجُعِلَ السُّؤالُ عَنِ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ دُونَ امْرَأةِ العَزِيزِ تَسْهِيلًا لِلْكَشْفِ عَنْ أمْرِها؛ لِأنَّ ذِكْرَها مَعَ مَكانَةِ زَوْجِها مِنَ المَلِكِ رُبَّما يَصْرِفُ المَلِكَ عَنِ الكَشْفِ رَعْيًا لِلْعَزِيزِ، ولِأنَّ حَدِيثَ المُتَّكَأِ شاعَ بَيْنَ النِّساءِ وأصْبَحَتْ قَضِيَّةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَشْهُورَةً بِذَلِكَ اليَوْمِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥]، ولِأنَّ النِّسْوَةَ كُنَّ شَواهِدَ عَلى إقْرارِ امْرَأةِ العَزِيزِ بِأنَّها راوَدَتْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ. فَلا جَرَمَ كانَ طَلَبُ الكَشْفِ عَنْ أُولَئِكَ النِّسْوَةِ مُنْتَهى الحِكْمَةِ في البَحْثِ وغايَةِ الإيجازِ في الخِطابِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ مِن كَلامِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ. وهي تَذْيِيلٌ وتَعْرِيضٌ بِأنَّ الكَشْفَ المَطْلُوبَ سَيَنْجَلِي عَنْ بَراءَتِهِ وظُهُورِ كَيْدِ الكائِداتِ لَهُ ثِقَةً بِاللَّهِ رَبِّهِ أنَّهُ ناصِرُهُ.

وإضافَةُ كَيْدٍ إلى …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.