Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 41–50 of 111

41

يَٰصَىٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًۭا ۖ وَأَمَّا ٱلْءَاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ ۚ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ

O two companions of prison, as for one of you, he will give drink to his master of wine; but as for the other, he will be crucified, and the birds will eat from his head. The matter has been decreed about which you both inquire."

ولِما تَمَّ نُصْحُهُ وعَلا قَدَحُهُ بِإلْقائِهِ إلَيْهِما ما كانَ أهَمَّ لَهُما لَوْ عَلِما لِمَآلِهِ إلى الحَياةِ الأبَدِيَّةِ والرِّفْعَةِ السَّرْمَدِيَّةِ. أقْبَلَ عَلى حاجَتِهِما تَمْكِينًا لِما ذَكَرَهُ وتَأْكِيدًا لِلَّذِي قَرَّرَهُ، فَناداهُما بِالأداةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ ما بَعْدَها كَلامٌ لَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ لِتَجْتَمِعَ أنْفُسُهُما لِسَماعِ ما يُلْقى إلَيْهِما مِنَ التَّعْبِيرِ، فَقالَ: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أيِ الَّذِي تَزُولُ فِيهِ الحُظُوظُ ويَحْصُلُ الِانْكِسارُ لِلنَّفْسِ والرِّقَّةِ في القَلْبِ فَتَتَخَلَّصُ فِيهِ المَوَدَّةُ.

ولِما كانَ في الجَوابِ ما يَسُوءُ الخَبّازَ، أبْهَمَ لِيُجَوِّزَ كُلُّ واحِدٍ أنَّهُ الفائِزُ، فَإنْ ألْجَأهُ إلى التَّعْيِينِ كانَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ في الخُرُوجِ عَنِ الألْيَقِ فَقالَ: ﴿أمّا أحَدُكُما﴾ وهو السّاقِي فَيُلَخِّصُ ويَقْرُبُ ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ أيْ سَيِّدُهُ الَّذِي في خِدْمَتِهِ ﴿خَمْرًا﴾ كَما كانَ ﴿وأمّا الآخَرُ﴾ وهو الخَبّازُ.

ولَمّا كانَ الَّذِي لَهُ قُوَّةٌ أنْ يُصْلَبَ إنَّما هو المَلِكُ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ”فَيَصْلُبُ“ ويَعْطَبُ ”فَتَأْكُلُ“ أيْ فَيَتَسَبَّبُ عَنْ صُلْبِهِ أنَّهُ تَأْكُلُ ﴿الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾ والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرٌ مَلْزُومُ السَّلامَةِ والقُرْبِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى العَطَبِ ثانِيًا، ومَلْزُومُ العَطَبِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى السَّلامَةِ أوَّلًا، وسَيَأْتِي شَرْحُ تَعْبِيرِهِ مِنَ التَّوْراةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: انْظُرْ جَيِّدًا ما الَّذِي تَقُولُ! ورَوى أنَّهُما قالا: ما رَأيْنا شَيْئًا، إنَّما كُنّا نَلْعَبُ، فَقالَ مُشِيرًا بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ إلى عَظَمَةِ اللَّهِ وسُهُولَةِ الأُمُورِ عَلَيْهِ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ وبَيْنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فِيهِ﴾ [أيْ -] لا في غَيْرِهِ ﴿تَسْتَفْتِيانِ﴾ أيْ تَطْلُبانِ الإفْتاءَ فِيهِ عَمَلًا بِالفَتْوَةِ، فَسَألْتُما عَنْ تَأْوِيلِهِ، وهو تَعْبِيرُ رُؤْياكُما كَذَّبْتُما أوْ صَدَّقْتُما، لَمْ أقُلْهُ عَنْ جَهْلٍ ولا غَلَطٍ. وما أحْسَنَ إيلاءَ هَذا العِلْمِ الثّابِتِ لِخَتْمِ الآيَةِ السّالِفَةِ بِنَفْيِ العِلْمِ عَنِ الأكْثَرِ، والأحَدُ: المُخْتَصُّ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ بِمُبْهَمٍ [لَهُ -] مِثْلُ صِفَةِ المُضافِ، ولا كَذَلِكَ ”البَعْضُ“ فَلا يُصَدِّقُ: رَأيْتُ أحَدَ الرَّجُلَيْنِ - إلّا بِرَجُلٍ مِنهُما، بِخِلافِ ”بَعْضٍ“ والفُتْيا: الجَوابُ بِحُكْمِ المَعْنى، وهو غَيْرُ الجَوابِ بِعِلَّتِهِ - ذَكَرَهُ الرُّمّانِيُّ. ولَعَلَّ رُؤْيَتَهُما تُشِيرانِ إلى ما تُشِيرُ إلَيْهِ رُؤْيا المَلِكِ، فالعَصِيرُ يُشِيرُ إلى السَّنابِلِ الخُضْرِ والبَقَرِ السِّمانِ، لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ فَضْلٍ، والخُبْزُ - الَّذِي طارَتْ بِهِ الأطْيارُ، وسارَتْ بِرُوحِ صاحِبِهِ الأقْدارُ -يُشِيرُ إلى اليابِسَةِ والعِجافِ - واللَّهُ أعْلَمُ.

42

وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍۢ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ

And he said to the one whom he knew would go free, "Mention me before your master." But Satan made him forget the mention [to] his master, and Joseph remained in prison several years.

ولَمّا كانَ كُلُّ عِلْمٍ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ عَدَمًا، عَبَّرَ عَنْ عِلْمِهِ بِالظَّنِّ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ عَلى بابِهِ لِكَوْنِهِ قالَ ما مَضى اجْتِهادًا بِقَرائِنَ فَيُؤْخَذُ مِنهُ أنَّهُ يُسَوِّغُ الجَزْمَ بِما أدّى إلى ظَنٍّ، فَقالَ: ﴿وقالَ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لِلَّذِي ظَنَّ﴾ مَعَ الجَزْمِ بِأنَّهُ أرادَ بِهِ العِلْمَ لِقَوْلِهِ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ [يوسف: ٤١] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ”ظَنَّ“ لِلسّاقِي، فَهو حِينَئِذٍ عَلى بابِهِ ﴿أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ وهو السّاقِي ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيْ سَيِّدُكَ مَلِكُ مِصْرَ، بِما رَأيْتَ مِنِّي مِن مَعالِي الأخْلاقِ وطَهارَةِ الشِّيَمِ الدّالَّةِ عَلى بُعْدِي مِمّا رُمِيتْ بِهِ، والمُرادُ بِالرَّبِّ هُنا غَيْرُ المُرادِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ [يوسف: ٣٩] فَنَجا السّاقِي وصُلِبَ صاحِبُهُ وفْقَ ما قالَ لَهُما يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿فَأنْساهُ﴾ أيِ السّاقِي ﴿الشَّيْطانَ﴾ أيِ البَعِيدِ مِنَ الرَّحْمَةِ المُحْتَرِقِ بِاللَّعْنَةِ ﴿ذَكَرَ﴾ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ ﴿رَبِّهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ اعْتِمادِهِ عَلَيْهِ في ذَلِكَ ﴿فَلَبِثَ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِسَبَبِ هَذا النِّسْيانِ ﴿فِي السِّجْنِ﴾ مِن حِينِ دَخَلَ إلى أنْ خَرَجَ ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ لِيَعْلَمَ أنَّ جَمِيعَ الأسْبابِ إنَّما أثَرُها بِاللَّهِ تَعالى، وحَقِيقَةُ البِضْعِ مِنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ، والمَرْوِيُّ هُنا أنَّهُ كانَ سَبْعًا.

ذَكَرَ ما مَضى مِن هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ التَّوْراةِ

قالَ بَعْدَ ما مَضى: فَأهْبَطَ المَدِينِيُّونَ يُوسُفَ إلى مِصْرَ، فاشْتَراهُ قُوطِيفَرُ الأمِيرُ صاحِبُ شُرْطَةِ فِرْعَوْنَ - رَجُلٌ مِصْرِيٌّ - مِن يَدِ الأعْرابِ الَّذِينَ أهْبَطُوهُ إلى هُناكَ، فَكانَ [الرَّبُّ -] سُبْحانَهُ وتَعالى بِعَوْنِهِ مَعَ يُوسُفَ، وكانَ رَجُلًا مُنْجِحًا، وأقامَ في مَنزِلِ المِصْرِيِّ سَيِّدِهِ، فَرَأى سَيِّدُهُ أنَّ الرَّبَّ بِعَوْنِهِ مَعَهُ، وأنَّ الرَّبَّ يَنْجَحُ جَمِيعُ أفْعالِهِ، فَظَفَرَ يُوسُفُ مِنهُ بِرَحْمَةٍ ورَأْفَةٍ فَخَدَمَهُ، وسَلَّطَهُ عَلى بَيْتِهِ، وخَوَّلَهُ جَمِيعُ ما لَهُ، ومِنَ اليَوْمِ الَّذِي سَلَّطَهُ عَلى بَيْتِهِ وخَوَّلَهُ جَمِيعُ ما لَهُ بارَكَ الرَّبُّ في بَيْتِ المِصْرِيِّ مِن أجْلِ يُوسُفَ وفي سَبَبِهِ، فَحَلَّتْ بَرَكَةُ الرَّبِّ في جَمِيعِ ما لَهُ في البَيْتِ والحَقْلِ، فَخَوَّلَ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ، ولَمْ [يَكُنْ ] يَعْلَمُ بِشَيْءٍ مِمّا لَهُ في يَدِهِ لِثِقَتِهِ بِهِ ما خَلا الخَبْزَ الَّذِي كانَ يَأْكُلُهُ، وكانَ يُوسُفُ حَسَنَ المَنظَرِ صَبِيحَ الوَجْهِ.

فَلَمّا كانَ بَعْدَ هَذِهِ الأُمُورِ لَمَحَتِ امْرَأةٌ سَيِّدَهُ بِنَظَرِها إلى يُوسُفَ فَقالَتْ لَهُ: ضاجِعْنِي: فَأبى ذَلِكَ وقالَ لِامْرَأةِ سَيِّدِهِ: إنَّ سَيِّدِي لِثِقَتِهِ بِي لَيْسَ يَعْلَمُ ما في بَيْتِهِ، وقَدْ سَلَّطَنِي عَلى جَمِيعِ ما لَهُ، ولَيْسَ في هَذا البَيْتِ أعْظَمَ مِنِّي، ولَمْ يَمْنَعْنِي شَيْئًا ما خَلّاكَ أنْتَ لِأنَّكِ امْرَأتُهُ، فَكَيْفَ أرْتَكِبُ هَذا الشَّرَّ العَظِيمَ، فَأُخْطِئُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، وإذا كانَتْ تُراوِدُهُ كُلَّ يَوْمٍ لَمْ يُطِعْها لِيُضاجِعَها ويَصِيرَ مَعَها، فَبَيْنا هو ذاتَ يَوْمٍ دَخَلَ يُوسُفُ إلى البَيْتِ لِيَعْمَلَ عَمَلًا، ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن أهْلِ البَيْتِ هُناكَ، فَتَعَلَّقَتْ بِقَمِيصِهِ وقالَتْ لَهُ: ضاجِعْنِي، فَتَرَكَ قَمِيصَهُ في يَدِها وهَرَبَ، فَخَرَجَ إلى السُّوقِ، فَلَمّا رَأتْ أنَّهُ قَدْ تَرَكَ قَمِيصَهُ في يَدِها وخَرَجَ هارِبًا إلى …

43

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍۢ ۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ

And [subsequently] the king said, "Indeed, I have seen [in a dream] seven fat cows being eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry. O eminent ones, explain to me my vision, if you should interpret visions."

ولَمّا بَطَلَ هَذا السَّبَبُ الَّذِي أمَرَ بِهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو تَذْكِيرُ الشَّرابِيِّ بِهِ، أثارَ اللَّهُ سُبْحانَهُ سَبَبًا يُنَفِّذُ بِهِ ما أرادَ مِن رِئاسَتِهِ وقَضى بِهِ مِن سُجُودِ مَن دَلَّتْ عَلَيْهِ الكَواكِبُ فَقالَ دالًّا عَلى ذَلِكَ: ﴿وقالَ المَلِكُ﴾ وهو شَخْصٌ قادِرٌ واسِعٌ المَقْدُورِ إلَيْهِ السِّياسَةُ والتَّدْبِيرُ، لِمَلاهَ وهُمُ السَّحَرَةُ والكَهَنَةُ والحَزْرَةُ والقافَّةُ والحُكَماءُ، وأكَّدَ لِيَعْلَمَ أنَّهُ مُحِقٌّ في كَلامِهِ غَيْرَ مُمْتَحِنٍ: ﴿إنِّي أرى﴾ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ حِكايَةً لِلْحالِ لِشِدَّةِ ما هالَهُ مِن ذَلِكَ ﴿سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ﴾ والسِّمَنُ: زِيادَةُ البَدَنِ مِنَ اللَّحْمِ والشَّحْمِ ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ﴾ [أيْ -] بَقَراتٍ ﴿عِجافٌ﴾ والعَجْفُ: يَبَسُ الهُزالِ ”و“ إنِّي أرى ”سَبْعَ“.

ولَمّا كانَ تَأْوِيلَ المَنامِ الجَدْبُ والقَحْطُ والشِّدَّةُ، أضافَ العَدَدَ إلى جَمْعِ القِلَّةِ بِخِلافِ ما كانَ في سِياقِ المُضاعَفَةِ في قَوْلِهِ ﴿أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] فَقالَ: ﴿سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾ ”و“ إنِّي أرى سَبْعَ سُنْبُلاتٍ ”أُخَر يابِسات“ التُّوتُ عَلى الخُضَرِ فَغَلَبَتْ عَلَيْها، وكَأنَّهُ حَذَفَ هَذا لِدَلالَةِ العِجافِ عَلَيْهِ؛ والسُّنْبُلَةُ: نَباتٌ كالقَصَبَةِ حَمْلَةُ حُبُوبٍ مُنْتَظِمَةٍ، وكَأنَّهُ قِيلَ: فَكانَ ماذا؟ فَقِيلَ: قالَ المَلِكُ: ﴿يا أيُّها المَلأُ﴾ أيِ الأشْرافِ النُّبَلاءِ الَّذِينَ تَمْلَأُ العُيُونَ مَناظِرَهم والقُلُوبُ مُخابِرَهم ومَآثِرَهم ﴿أفْتُونِي﴾ أيْ أجِيبُونِي وبَيِّنُوا لِي كَرَمًا مِنكم بِقُوَّةٍ وفَهْمٍ ثاقِبٍ.

ولَمّا كانَ مُرادُهُ أنْ لا يَخْرُجُوا بِالجَوابِ عَنِ القَصْدِ ولا يَبْعُدُوا بِهِ، عَبَّرَ بِما يَفْهَمُ الظَّرْفَ فَقالَ: ﴿فِي رُؤْيايَ﴾ ومَنَعَهم مِنَ الكَلامِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [بِقَوْلِهِ -]: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا﴾ أيْ جِنْسِها ﴿تَعْبُرُونَ﴾ وعِبارَةُ الرُّؤْيا: تَأْوِيلُها بِالعُبُورِ مِن عَلَنِها إلى سِرِّها كَما تُعَبَّرُ، مِن عَبَرَ النَّهْرَ - أيْ شَطَّهُ - إلى عَبْرِهِ الآخَرِ، ومِثْلُهُ أُوِّلَتِ الرُّؤْيا - إذا ذَكَرْتَ مَآلَها ومَرْجِعَها المَقْصُودِ بِضَرْبِ المِثالِ.

والمادَّةُ - بِتَراكِيبِها السِّتَّةِ: عَرَّبَ، وعَبَّرَ، ورَعَبَ، ورُبَعَ، وبَعَرَ، وبَرَعَ - تَدُورُ عَلى الجَوازِ مِن مَحَلٍّ إلى مَحَلٍّ ومِن حالٍ إلى حالٍ، وأكْثَرُ ذَلِكَ إلى أجْوَدُ، فالعَرَبُ سُمُّوا لِأنَّ مَبْنى أمْرِهِمْ عَلى الِارْتِحالِ لِاسْتِجادَةِ المَنازِلِ، وأعْرَبَ - إذا أفْصَحَ، أيْ تَكَلَّمَ بِكَلامِ العَرَبِ فَأبانَ عَنْ مُرادِهِ، أيْ أجازَهُ مِنَ العُجْمَةِ والإبْهامِ إلى البَيانِ، وأعْرَبَ الفُرْسُ - إذا خَلَصَتْ عَرَبِيَّتُهُ، فَكَأنَّهُ جازَ مَرْتَبَةَ الهَجْنِ إلى العَرَبِ، وكَذا الإبِلُ العِرابُ، والعُرُوبَةُ: يَوْمُ الجُمْعَةِ - لِعُلُوِّ قَدْرِها عَنْ بَقِيَّةِ الأيّامِ، والعُرُوبُ: المَرْأةُ الضّاحِكَةُ العاشِقَةُ لِزَوْجِها المُتَحَبِّبَةُ إلَيْهِ المُظْهِرَةُ لَهُ ذَلِكَ، وهي أيْضًا العاصِيَةُ لِزَوْجِها - لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ أفْعالُ العَرَبِ، فَهم أعْشَقُ النّاسِ وأقْدَرُهم عَلى الِاسْتِمالَةِ بِالكَلامِ العَذْبِ، وهم أعْصى النّاسِ وأجْفاهم إذا أرادُوا، والعَرَبُ - ويُحَرِّكُ: النَّشاطُ - لِأنَّهُ انْتِقالٌ عَنِ الكَسَلِ، وقَدْ عَرَّبَ - كَفَرِحَ - إذا نَشِطَ وإذا ورِمَ، لِأنَّ الوارِمَ يَتَجاوَزُ هَيْئَةَ غَيْرِهِ، وعَرَّبْتُ البِئْرَ: كَثُرَ ماءُها فارْتَفَعَ، وعَرَّبَ - كَضَرَبَ: أكَلَ، والعَرَبَةُ، مُحَرِّكَةٌ: النَّهْرِ الشَّدِيدِ الجَرْيِ، والنَّفْسُ - لِكَثْرَةِ انْتِقالِها بِالفِكْرِ، …

44

قَالُوٓا۟ أَضْغَٰثُ أَحْلَٰمٍۢ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ

They said, "[It is but] a mixture of false dreams, and we are not learned in the interpretation of dreams."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا﴾ هَذِهِ الرُّؤْيا ﴿أضْغاثُ﴾ أيْ أخْلاطٌ، جَمْعُ ضِغْثٍ - بِكَسْرِ الضّادِ وإسْكانِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ، وهو قَبْضُهُ حَشِيشَ مُخْتَلِطَةَ الرَّطْبِ بِاليابِسِ ﴿أحْلامٍ﴾ مُخْتَلِفَةً مُشْتَبِهَةً، جَمْعُ حُلْمٍ - بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ اللّامِ وضَمِّهِ، وهو الرُّؤْيا - فَقَيَّدُوها بِالأضْغاثِ، وهو ما يَكُونُ مِنَ الرُّؤْيا باطِلًا - لِكَوْنِهِ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ أوْ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، لِكَوْنِها تُشْبِهُ أخْلاطَ النَّباتِ الَّتِي لا تَناسُبَ بَيْنَها، لِأنَّ الرُّؤْيا تارَةً تَكُونُ مِنَ المَلِكِ وهي الصَّحِيحَةُ، وتارَةً تَكُونُ مِن تَحْرِيفِ الشَّيْطانِ وتَخْلِيطاتِهِ، وتارَةً مِن حَدِيثِ النَّفْسِ؛ [ثُمَّ] قالُوا: ﴿وما نَحْنُ﴾ أيْ بِأجْمَعِنا ”بِتَأْوِيلِ“ أيْ تَرْجِيعُ ”الأحْلامِ“ أيْ مُطْلَقُ الأضْغاثِ وغَيْرُها، وأعْرَقُوا في النَّفْيِ بِقَوْلِهِمْ: ”بِعالِمِينَ“ فَدَلَّسُوا مِن غَيْرِ وجْهٍ، جَمَعُوا - وهي حُلْمٌ واحِدٌ - لِيَجْعَلُوها أضْغاثًا لا مَدْلُولَ لَها، ونَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمُ ”العِلْمَ المُطْلَقَ“ المُسْتَلْزِمَ لِنَفِيِ ”العِلْمِ بِالمُقَيَّدِ“ بَعْدَ أنْ أتَوْا بِالكَلامِ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ، لِيُوهِمُوا أنَّهم ما جَهِلُوها إلّا لِكَوْنِها أضْغاثًا - واللَّهُ أعْلَمُ؛ والقَوْلُ: كَلامٌ مُتَضَمِّنٌ بِالحِكايَةِ في البَيانِ عَنْهُ، فَإذا ذَكَرَ أنَّهُ قالَ، اقْتَضى الحِكايَةَ لِما قالَ، وإذا ذَكَرَ أنَّهُ تَكَلَّمَ، لَمْ يَقْتَضِ حِكايَةً لِما تَكَلَّمَ بِهِ، ومادَّةُ ”حَلَمَ“ بِجَمِيعِ تَقالِيبِها تَدُورُ عَلى صَرْفِ الشَّيْءِ عَنْ وجْهِهِ وعادَتِهِ وما تَقْتَضِيهِ الجِبِلَّةُ - كَما يَأْتِي في الرَّعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿شَدِيدُ المِحالِ﴾ [الرعد: ١٣]

45

وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ

But the one who was freed and remembered after a time said, "I will inform you of its interpretation, so send me forth."

ولَمّا كانَ هَذا حالًا مُذَكَّرًا لِلسّاقِي بِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْدَ نِسْيانِهِ، فَقالَ عادِلًا عَنِ الفاءِ إيذانًا بِأنَّهُ مِنَ المَلا: ﴿وقالَ الَّذِي نَجا﴾ أيْ خَلُصَ مِنَ الهَلاكِ ”مِنهُما“ أيْ مِن صاحِبَيِ السِّجْنِ، وهو السّاقِي ”و“ الحالُ أنَّهُ ”ادَّكَرَ“ - بِالمُهْمَلَةِ، أيْ طَلَبَ الذِّكْرَ - بِالمُعْجَمَةِ، وزْنُهُ افْتَعَلَ ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأزْمانِ، أيْ أزْمانٍ مُجْتَمِعَةٍ طَوِيلَةٍ ﴿أنا أُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ أُخْبِرُكم إخْبارًا عَظِيمًا ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ بِتَفْسِيرِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ مَعْنى هَذا الحِلْمِ وحْدَهُ كَما هو الحَقُّ، وسَبَبٌ عَنْ كَلامِهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلُونِ﴾ أيْ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ أعْلَمُ النّاسِ، فَأرْسِلُوهُ إلَيْهِ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ولَمْ يَكُنِ السِّجْنُ في المَدِينَةِ،

46

يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍۢ لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ

[He said], "Joseph, O man of truth, explain to us about seven fat cows eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry - that I may return to the people; perhaps they will know [about you]."

فَأتاهُ فَقالَ السّاقِي المُرْسَلُ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِ مُنادِيًا لَهُ بِالنِّداءِ القُرْبِ تَحَبُّبًا إلَيْهِ: ﴿يُوسُفُ﴾ وزادَ في التَّحَبُّبِ بِقَوْلِهِ: ﴿أيُّها الصِّدِّيقُ﴾ أيِ البَلِيغُ في الصِّدْقِ والتَّصْدِيقِ لِما يَحِقُّ تَصْدِيقُهُ بِما جَرَّبْناهُ مِنهُ ورَأيْناهُ لائِحًا عَلَيْهِ ﴿أفْتِنا﴾ أيِ اذْكُرْ لَنا الحُكْمَ ”فِي سَبْعٍ“ ومَيِّزِ العَدَدَ بِجَمْعِ السَّلامَةِ الَّذِي هو لِلْقِلَّةِ - كَما مَضى لِما مَضى - فَقالَ: ﴿بَقَراتٍ سِمانٍ﴾ أيْ رَآهُنَّ المَلِكُ ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ﴾ أيْ مِنَ البَقَرِ ﴿عِجافٌ﴾ أيْ مَهازِيلُ جِدًّا ”و“ في ”سَبْع سُنْبُلات“ جَمْعُ سُنْبُلَةٍ، وهي مَجْمَعُ الحُبِّ مِنَ الزَّرْعِ ”خُضْرٍ و“ في سَبْعٍ ”أُخَرَ“ [أيْ] مِنَ السَّنابِلِ ﴿يابِساتٍ﴾ وساقَ جَوابَ السُّؤالِ سِياقَ التَّرَجِّي إمّا جَرْيًا عَلى عَوائِدِ العُقَلاءِ في عَدَمِ البَتِّ في الأُمُورِ المُسْتَقْبِلَةِ، وإمّا لِأنَّهُ نَدِمَ بَعْدَ إرْسالِهِ خَوْفًا مِن أنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ شَيْئًا لا يُواجِهُ بِهِ المَلِكَ، فَعَزَمَ عَلى الهَرَبِ - عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وإمّا اسْتِعْجالًا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإفْتاءِ لِيُسْرِعَ في الرُّجُوعِ، فَإنَّ النّاسَ في غايَةِ التَّلَفُّتِ إلَيْهِ، فَقالَ: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ قَبْلَ مانِعٍ يَمْنَعُنِي.

[ولَمّا كانَ تَصْدِيقُهم لِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعِلْمُهم بَعْدَ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ وعَمَلِهِمْ بِما أمَرَهم بِهِ مَظْنُونًا، قالَ]: ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لِيَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِن أنْ يَعْلَمُوا فَضْلَكَ أوْ ما يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَيَعْلَمُوا لِكُلِّ حالٍ ما يُمْكِنُهم عَمَلُهُ،

47

قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًۭا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تَأْكُلُونَ

[Joseph] said, "You will plant for seven years consecutively; and what you harvest leave in its spikes, except a little from which you will eat.

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ لَهُ؟ فَقِيلَ: ”قالَ“: تَأْوِيلُهُ أنَّكم ﴿تَزْرَعُونَ﴾ أيْ تُوجِدُونَ الزِّراعَةَ. فَهو إخْبارٌ بِمَغِيبٍ، فَهو أقْعَدُ في مَعْنى الكَلامِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بِمَعْنى الأمْرِ ﴿سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ أيْ دائِبِينَ مُجْتَهِدِينَ - والدَّأْبُ: اسْتِمْرارُ الشَّيْءِ عَلى عادَتِهِ - كَما أشارَتْ إلَيْهِ رُؤْياكَ بِعَصْرِ الخَمْرِ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الكِفايَةِ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ رُؤْيا المَلِكِ لِلْبَقَراتِ السِّمانِ والسَّنابِلِ الخُضْرِ، والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ السَّبْعَ تَكُونُ - كَما تَعْرِفُونَ - مِن أغْلَبِ أحْوالِ الزَّمانِ في تَوَسُّطِهِ بِخِصْبِ أرْضٍ وجَدْبِ أُخْرى، وعَجْزِ الماءِ عَنْ بُقْعَةٍ وإغْراقِهِ لِأُخْرى - كَما أشارَ إلَيْهِ الدَّأْبُ: ثُمَّ أرْشَدَهم إلى ما يَتَقَوَّوْنَ بِهِ [عَلى] ما يَأْتِي مِنَ الشَّرِّ، فَقالَ: ﴿فَما حَصَدْتُمْ﴾ أيْ مِن شَيْءٍ بِسَبَبِ ذَلِكَ الزَّرْعِ - والحَصْدُ: قَطْعُ الزَّرْعِ بَعْدَ اسْتِوائِهِ - في تِلْكَ [السَّبْعِ] الخِصْبَةِ ﴿فَذَرُوهُ﴾ أيِ اتْرُكُوهُ عَلى كُلِّ حالٍ ﴿فِي سُنْبُلِهِ﴾ لِئَلّا يَفْسَدَ بِالسُّوسِ أوْ غَيْرِهِ ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: أشارَ بِرَأْيٍ نافِعٍ بِحَسَبِ طَعامِ مِصْرَ وحِنْطَتِها الَّتِي لا تَبْقى عامَيْنِ بِوَجْهٍ إلّا بِحِيلَةِ إبْقائِها في السُّنْبُلِ - انْتَهى.

48

ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌۭ شِدَادٌۭ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تُحْصِنُونَ

Then will come after that seven difficult [years] which will consume what you saved for them, except a little from which you will store.

ولَمّا أتَمَّ المَشُورَةَ، رَجَعَ إلى بَقِيَّةِ عِبارَةِ الرُّؤْيا، فَقالَ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي﴾ ولَمّا كانَتْ مُدَّةُ الإتْيانَ غَيْرَ مُسْتَغْرِقَةٍ لِزَمانِ البُعْدِ، أتى بِالجارِ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ، وهي السَّبْعُ الَّتِي تَعْمَلُونَ فِيها هَذا العَمَلَ ”سَبْعَ“ أيْ سُنُونَ ﴿شِدادٌ﴾ بِالقَحْطِ العَظِيمِ، وهُنَّ ما أشارَتْ إلَيْهِ رُؤْيا صاحِبِكَ الَّذِي طارَ بِرِزْقِهِ الطُّيُورُ، وسارَ بِرُوحِهِ غالِبَ المَقْدُورِ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ رُؤْيا المَلِكِ مِنَ البَقَراتِ العِجافِ والسَّنابِلِ اليابِساتِ ﴿يَأْكُلْنَ﴾ أسْنَدَ الأكْلَ إلَيْهِنَّ مَجازًا عَنْ أكْلِ أهْلِهِنَّ تَحْقِيقًا لِلْأكْلِ ﴿ما قَدَّمْتُمْ﴾ أيْ بِالِادِّخارِ مِنَ الحُبُوبِ ”لَهُنَّ“ والتَّقْدِيمُ: التَّقْرِيبُ إلى جِهَةِ القُدّامِ، وبَشَّرَهم بِأنَّ الشِّدَّةَ تَنْقَضِي ولَمْ يَفْرَغْ ما أعَدُّوهُ، فَقالَ: ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ والإحْصانُ: الإحْرازُ، وهو إلْقاءُ الشَّيْءِ فِيما هو كالحِصْنِ المَنِيعِ - هَذا تَعْبِيرُ الرُّؤْيا،

49

ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌۭ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ

Then will come after that a year in which the people will be given rain and in which they will press [olives and grapes]."

ثُمَّ زادَهم عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي﴾ وعَبَّرَ بِالجارِّ لِمِثْلِ ما مَضى فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيِ الجَدْبُ العَظِيمُ ”عامٌ“ وهو اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، ونَظِيرُهُ الحَوْلُ والسَّنَةُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ العُلُومِ - لِما لِأهِلِهِ [فِيهِ] مِنَ السَّبْحِ الطَّوِيلِ - قالَهُ الرُّمّانِيُّ. والتَّعْبِيرُ بِهِ دُونَ مُرادَفاتِهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَكُونُ فِيهِ - مِنَ السِّعَةِ بِعُمُومِ الرَّيِّ وظُهُورِ الخِصْبِ وغَزِيرِ البَرَكَةِ - أمْرٌ عَظِيمٌ، ولِذا اتَّبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ”فِيهِ“.

ولَمّا كانَ المُتَشَوِّفُ إلَيْهِ الإغاثَةُ، عَلى أنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ، قالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ: ﴿يُغاثُ النّاسُ﴾ مِنَ الغَيْثِ وهو المَطَرُ، أوْ مِنَ الغَوْثِ وهو الفَرَجُ، فَفي الأوَّلِ يَجُوزُ بِناءَهُ مِن ثُلاثِيٍّ ومِن رُباعِيٍّ، يُقالُ غاثَ اللَّهُ الأرْضَ وأغاثَها: أمْطَرَها، وفي الثّانِي هو رُباعِيٌّ خاصَّةً، يُقالُ: اسْتَغاثَ بِهِ فَأغاثَهُ، مِنَ الغَوْثِ وهو واوِيٌّ، ومَعْناهُ النَّفْعُ الَّذِي يَأْتِي عَلى شَدَّةِ حاجَتِهِ بِنَفْيِ المَضَرَّةِ، والغَيْثُ يائِيٌّ وهو المَطَرُ الَّذِي يَأْتِي في وقْتِ الحاجَةِ ﴿وفِيهِ﴾ أيْ ذَلِكَ العامُ الحَسَنُ.

ولَمّا كانَ العَصْرُ لِلْأدْهانِ وغَيْرِها لا يَكُونُ إلّا عَنْ فَضْلِهِ، قالَ: ﴿يَعْصِرُونَ﴾ أيْ يُخْرِجُونَ عُصاراتِ الأشْياءِ وخُلاصاتِها، وكَأنَّهُ أخَذَ مِنَ انْتِهاءِ القَحْطِ ابْتِداءَ الخِصْبِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ العَصْرُ في رُؤْيا السّائِلِ، والخُضْرَةُ والسَّمْنُ في رُؤْيا المَلِكِ فَإنَّهُ ضِدُّ القَحْطِ، وكُلُّ ضِدَّيْنِ انْتِهاءُ أحَدِهِما ابْتِداءُ الآخَرِ لا مَحالَةَ، فَجاءَ الرَّسُولُ فَأخْبَرَ المَلِكَ بِذَلِكَ، فَأعْجَبَهُ ووَقَعَ في نَفْسِهِ صِدْقَهُ

50

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌۭ

And the king said, "Bring him to me." But when the messenger came to him, [Joseph] said, "Return to your master and ask him what is the case of the women who cut their hands. Indeed, my Lord is Knowing of their plan."

﴿وقالَ المَلِكُ﴾ أيِ الَّذِي العَزِيزُ في خِدْمَتِهِ ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ لِأسْمَعَ ذَلِكَ مِنهُ وأُكْرِمَهُ، فَأتاهُ الرَّسُولُ لِيَأْتِيَ بِهِ إلى المَلِكِ ﴿فَلَمّا جاءَهُ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ قُرْبٍ مِنَ الزَّمانِ ﴿الرَّسُولُ﴾ بِذَلِكَ وهو السّاقِي ﴿قالَ﴾ لَهُ يُوسُفُ: ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ سَيِّدِكَ المَلِكِ ﴿فاسْألْهُ﴾ بِأنْ تَقُولَ لَهُ مُسْتَفْهِمًا ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ ولَوَّحَ بِمَكْرِهِنَّ بِهِ ولَمْ يُصَرِّحْ، ولا ذَكَرَ امْرَأةَ العَزِيزِ كَرَمًا وحَياءً فَقالَ: ﴿اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أيْ ما خَبَرُهُنَّ في مَكْرِهِنَّ الَّذِي خالَطَنِي، فاشْتَدَّ بِهِ بَلائِي فَإنَّهُنَّ يَعْلَمْنَ أنَّ امْرَأةَ العَزِيزِ ما دَعَتْهُنَّ إلّا بَعْدَ شَهادَتِهِنَّ بِأنَّها راوَدَتْنِي، ثُمَّ اعْتَرَفَتْ لَهُنَّ بِأنَّها راوَدَتْنِي، وأنِّي عَصَيْتُها أشَدَّ عِصْيانٍ، فَإذا سَألَهُنَّ بانَ الحَقُّ، فَإنَّ رَبَّكَ جاهِلٌ بِأمْرِهِنَّ.

ولَمّا كانَ هَذا مَوْطِنًا يَسْألُ فِيهِ عَنْ عِلْمِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ، قالَ مُسْتَأْنِفًا مُؤَكِّدًا لِأنَّهم عَمِلُوا في ذَلِكَ الأمْرِ بِالجَهْلِ عَمَلَ المُكَذِّبِ بِالحِسابِ الَّذِي هو نَتِيجَةُ العِلْمِ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُدَبِّرُ لِي والمُحْسِنُ إلَيَّ بِكُلِّ ما أتَقَلَّبُ فِيهِ مِن شِدَّةٍ ورَخاءٍ ﴿بِكَيْدِهِنَّ﴾ لِي حِينَ دَعَوْنَنِي إلى طاعَةِ امْرَأةِ العَزِيزِ ﴿عَلِيمٌ﴾ وأنا لا أخْرُجُ مِنَ السِّجْنِ حَتّى يَعْلَمَ رَبُّكَ ما خَفَيَ عَنْهُ أمْرَهُنَّ الَّذِي عَلِمَهُ رَبِّي، لِتَظْهَرَ بَراءَتِي عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ مِمّا وصَمُونِي بِهِ مِنَ السِّجْنِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَكُونَ إلّا عَنْ جُرْمٍ، وإنْ لَمْ تَظْهَرْ بَراءَتِي لَمْ يَنْقَطِعْ عَنِّي كَلامُ الحاسِدِينَ، ويُوشِكُ أنْ يَسْعَوْا في حَطِّ مَنزِلَتِي عِنْدَ المَلِكِ، ولِئَلّا يَقُولُوا: ما لَبِثَ هَذا السَّجْنَ إلّا لِذَنْبٍ عَظِيمٍ فَيَكُونُ في ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ العارِ لا يَخْفى، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ السَّعْيَ في بَراءَةِ العَرْضِ حَسَنٌ، بَلْ واجِبٌ، وأخْرَجَ الكَلامَ عَلى سُؤالِ المَلِكِ عَنْ أمْرِهِنَّ - لا عَلى سُؤالِهِ [فِي] أنْ يَفْحَصَ عَنْ أمْرِهِنَّ - لِأنَّ سُؤالَ الإنْسانِ عَنْ عِلْمٍ ما لَمْ يَعْلَمْ يُهَيِّجُهُ ويُلْهِبُهُ إلى البَحْثِ عَنْهُ، بِخِلافِ سُؤالِهِ في أنْ يُفَتِّشَ لِغَيْرِهِ، لِيَعْلَمَ ذَلِكَ الغَيْرُ، فَأرادَ بِذَلِكَ حَثَّهُ لِأنْ يَجِدَ في السُّؤالِ حَتّى يَعْلَمَ الحَقَّ، لِيَقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ جَمِيعَ ما حَدَّثَهُ بِهِ؛ والكَيْدُ: الِاحْتِيالُ في إيصالِ الضَّرَرِ.

وإنَّما فُسِّرَتْ ”بالُ“ بِذَلِكَ لِأنَّ مادَّتَهُ - يائِيَّةٌ بِتَراكِيبِها الخَمْسَةِ: بَلى، وبَيَلَ، ولَبّى، ولَيَبَ، ويَلَبَ، وواوِيَّةٌ بِتَراكِيبِها السِّتَّةِ: بَوَلَ، وبَلَوَ، ووَلَبَ، ووَبَلَ، ولَوَبَ، ولَبَوَ، ومَهْمُوزَةٌ - بِتَراكِيبِها الأرْبَعَةِ: لَبَأ، وبَألَ، وأبَلَ وألَبَ - تَدُورُ عَلى الخُلْطَةِ المُحِيلَةِ المُمِيلَةِ، وكَأنَّ حَقِيقَتَها [البَلاءُ] بِمَعْنى الِاخْتِبارِ والِامْتِحانِ والتَّجْرِبَةِ، ويَكُونُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، أيْ خالَطَهُ بِشَيْءٍ يَعْرِفُ مِنهُ خَفِيَّ أمْرِهِ؛ قالَ القَزّازُ: والفِتْنَةُ تَكُونُ في الشَّرِّ خاصَّةً، والبَلاءُ: النِّعْمَةُ، مِن قَوْلِكَ: أبْلَيْتُهُ خَيْرًا - إذا اصْطَنَعْتَهُ عِنْدَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في [سُورَةِ الأنْفالِ] شَيْءٌ مِن مَعانِي المادَّةِ، وناقَةٌ بَلَوَ سَفَرٍ وبَلى سَفَرٍ - إذا أنَضاها السَّفَرُ، وإذا كانَتْ قَوِيَّةً عَلَيْهِ، والبَلْوى: البَلِيَّةُ، وأبْلَيْتُ فُلانًا عُذْرًا، أيْ جِئْتُ فِيما بَيْنِي …

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.