الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُبِينِ
Alif, Lam, Ra. These are the verses of the clear Book.
سُورَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبِهِ الإعانَةُ آمِينَ
[مَقْصُودُها وصْفُ الكِتابِ بِالإبانَةِ لِكُلِّ ما يُوجِبُ الهُدى لِما ثَبَتَ فِيما مَضى، ويَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ مِن تَمامِ عِلْمِ مَنزِلِهِ غَيْبًا وشَهادَةً وشُمُولِ قُدْرَتِهِ قَوْلًا وفِعْلًا، وهَذِهِ القِصَّةُ - كَما تَرى - أنْسَبُ الأشْياءِ لِهَذا المَقْصُودِ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ سُورَةَ يُوسُفَ - واللَّهُ أعْلَمُ.
”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ”الرَّحْمَن“ الَّذِي لَمْ يَدَعْ لَبْسًا لِعُمُومِ رَحْمَتِهِ في طَرِيقِ الهُدى ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ حِزْبَهُ بِالإبْعادِ عَنْ مَوْطِئِ الرَّدى.
لَمّا خَلَّلَ سُبْحانَهُ تِلْكَ مِمّا خَلَّلَها بِهِ مِنَ القَصَصِ والآياتِ القاطِعَةِ بِأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ [و] بِإذْنِهِ نَزَلَ، وأنَّهُ لا يُؤْمِنُ إلّا مَن شاءَ إيمانَهُ، وأنَّهُ مَهْما شاءَهُ كانَ، وبَيَّنَ عَظِيمَ قُدْرَتِهِ عَلى مِثْلِ ما عَذَّبَ بِهِ الأُمَمَ وعَلى التَّأْلِيفِ بَيْنَ مَن أرادَ وإيقاعَ الخِلافَ بَيْنَ مَن شاءَ، وأشارَ إلى أنَّهُ حَكَمَ بِالنُّصْرَةِ لِعابِدِيهِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ما أرادَ لِأنَّهُ إلَيْهِ يَرْجِعُ الأمْرُ كُلُّهُ، تَلاها بِهَذِهِ السُّورَةِ لِبَيانِ هَذِهِ الأغْراضِ بِهَذِهِ القِصَّةِ العَظِيمَةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي لَقِيَ فِيها يُوسُفُ عِلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لَقِيَ مَن أقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ ومَن غَيْرِهِمْ ومِنَ الغُرْبَةِ وشَتاتِ الشَّمْلِ، ثُمَّ كانَتْ لَهُ العاقِبَةُ فِيهِ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ لِما تَدَرَّعَ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى شَدِيدِ البَلاءِ والتَّفْوِيضِ لِأمْرِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا تَسْلِيَةً لِهَذا النَّبِيِّ الأمِينِ وتَأْسِيَةً بِمَن مَضى مِن إخْوانِهِ المُرْسَلِينَ فِيما يَلْقى في حَياتِهِ مَن أقارِبِهِ الكافِرِينَ وبَعْدَ وفاتِهِ مِمَّنْ دَخَلَ مِنهم في الدِّينِ في آلِ بَيْتُهُ كَما وقَعَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَعْذِيبٍ عَقِبَهُ وعَقِبَ إخْوَتِهِ مِمَّنْ بالَغَ في الإحْسانِ إلَيْهِمْ، وقَدْ وقَعَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالفِعْلِ ما هَمَّ الكَفّارُ مِن أقارِبِ النَّبِيِّ ﷺ بِفِعْلِهِ بِهِ كَما حَكاهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ ﴿لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] فَنَجا مِنهم أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنهُ بِأيْدِيهِمْ إلّا ما كانَ مِنَ الحَصْرِ في شِعَبِ أبِي طالِبٍ ومِنَ الهِجْرَةِ بِأمْرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ، ثُمَّ نَصَرَ اللَّهُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى إخْوَتِهِ الَّذِينَ فَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ ومَلَّكَهُ قِيادَهُمْ، فَكانَ في سَوْقِ قِصَّتِهِ عَقِبَ الإخْبارِ بِأنَّ المُرادَ بِهَذِهِ القِصَصِ تَثْبِيتِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ الفَتْحِ مِن مِلْكِ قِيادِهِمْ ورَدِّ عِنادِهِمْ ومَنِّهِ عَلَيْهِمْ وإحْسانِهِ إلَيْهِمْ، وفي إشارَتِها بِشارَةٌ بِأنَّ المَحْسُودَ يُعانِي ويَعْلى إنْ عَمَلَ ما هو الأحْرى بِهِ والأُولى، ومِن فَوائِدِ ذِكْرِها التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الحَسَدَ داءٌ عَظِيمٌ شَدِيدُ التَّمَكُّنِ في النُّفُوسِ حَتّى أنَّهُ بِعَزْمِ تَمَكُّنِهِ وكَثْرَةِ مَكانِهِ وتَعَدُّدِ كائِنِهِ رُبَّما غَلَبَ أهْلَ الصَّلاحِ إلّا مَن بادَرَ مِنهم بِالتَّوْبَةِ داعِي الفَلّاحِ، وتَرَكَتْ إعادَتَها دُونَ غَيْرِها مِنَ القَصَصِ صَوْنًا لِلْأكابِرِ عَنْ ذِكْرِ ما رُبَّما أوْجَبَ اعْتِقادَ نَقْصٍ، أوْ تَوْجِيهَ طَعْنٍ أوْ غَمْصٍ، أوْ هَوْنِ داءِ الحَسَدِ، عِنْدَ ذِي تَهَوُّرٍ ولَدَدٍ، وخَلَّلَها سُبْحانَهُ بِبَلِيغِ الحِكَمِ [وخَتْمِها] بِما أنْتَجَتْ مِن ثُبُوتِ أمْرِ …