فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًۭٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍۢ مِّنْهُنَّ سِكِّينًۭا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٌۭ كَرِيمٌۭ
So when she heard of their scheming, she sent for them and prepared for them a banquet and gave each one of them a knife and said [to Joseph], "Come out before them." And when they saw him, they greatly admired him and cut their hands and said, "Perfect is Allah! This is not a man; this is none but a noble angel."
﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أيْ بِاغْتِيابِهِنَّ وسُوءِ مَقالَتِهِنَّ، وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ مَكْرًا لِشَبَهِهِ لَهُ في الإخْفاءِ، وقِيلَ: كانَتِ اسْتَكْتَمَتْهُنَّ سِرَّها فَأفْشَيْنَهُ وأطْلَعْنَ عَلى أمْرِها، وقِيلَ: إنَّهُنَّ قَصَدْنَ بِتِلْكَ المَقالَةِ إغْضابِها حَتّى تَعْرِضَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفَ لِتُبْدِيَ عُذْرَها فَيَفُزْنَ بِمُشاهَدَتِهِ، والمَكْرُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ حَقِيقَةٌ ﴿أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ﴾ تَدْعُوهُنَّ، قِيلَ: دَعَتْ أرْبَعِينَ امْرَأةً مِنهُنَّ الخَمْسُ أوِ الأرْبَعُ المَذْكُوراتُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ وهْبٍ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى تِلْكَ النِّسْوَةِ القائِلَةِ ما قُلْنَ عَنْها ﴿وأعْتَدَتْ﴾ أيْ هَيَّأتْ ﴿لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾
صفحة 228
أيْ ما يَتَّكِئْنَ عَلَيْهِ مِنَ النَّمارِقِ والوَسائِدِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مِن الِاتِّكاءِ المَيْلُ إلى أحَدِ الشِّقَّيْنِ، وأصْلُهُ مَوْتَكَأٌ لِأنَّهُ مِن تَوَكَّأْتُ فَأُبْدِلَتِ الواوُ تاءً وأُدْغِمَتْ في مِثْلِها، ورُوِيَ عَنِ الحَبْرِ أيْضًا أنَّ المُتَّكَأ مَجْلِسُ الطَّعامِ لِأنَّهم كانُوا يَتَّكِئُونَ كَعادَةِ المُتْرَفِينَ المُتَكَبِّرِينَ، ولِذَلِكَ نُهِيَ عَنْهُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ نَهى أنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشَمالِهِ وأنْ يَأْكُلَ مُتَّكِئًا،» وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ نَفْسُ الطَّعامِ، قالَ العُتْبِيُّ: يُقالُ: اتَّكَأْنا عِنْدَ فُلانٍ أيْ أكَلْنا؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ جَمِيلٍ:
فَظَلِلْنا بِنِعْمَةٍ واتَّكَأْنا وشَرِبْنا الحَلالَ مِن قُلَلِهِ
وهُوَ عَلى هَذا اسْمُ مَفْعُولٍ أيْ مُتَّكِئًا لَهُ أوْ مَصْدَرٌ أيِ اتِّكاءً، وعَبَّرَ بِالهَيْئَةِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الآكِلُ المُتْرَفُ عَنْ ذَلِكَ مَجازًا، وقِيلَ: هو مِن بابِ الكِنايَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ الطَّعامُ يُحَزُّ حَزًّا بِالسِّكِّينِ واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِ، فَقِيلَ: كانَ لَحْمًا وكانُوا لا يَنْهَشُونَ اللَّحْمَ، وإنَّما يَأْكُلُونَهُ حَزًّا بِالسَّكاكِينِ، وقِيلَ: كانَ أُتْرُجًّا ومَوْزًا وبِطِّيخًا، وقِيلَ: الزَّماوَرْدُ وهو الرُّقاقُ المَلْفُوفُ بِاللَّحْمِ وغَيْرُهُ أوْ شَيْءٌ شَبِيهٌ بِالأُتْرُجِّ، وكَأنَّهُ إنَّما سُمِّيَ ما يُقْطَعُ بِالسِّكِّينِ بِذَلِكَ لِأنَّ عادَةَ مَن يَقْطَعُ شَيْئًا أنْ يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مُتَّكَأً عَلَيْهِ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ -مُتَّكًى مُشَدَّدُ التّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ بِوَزْنِ مُتَّقًى وهو حِينَئِذٍ إمّا أنْ يَكُونَ مِن الِاتِّكاءِ وفِيهِ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ كَما قالُوا في تَوَضَّأْتُ: تَوَضَّيْتُ، أوْ يَكُونُ مُفْتَعَلًا مِن أوْكَيْتُ السِّقاءَ إذا شَدَدْتَهُ بِالوِكاءِ، والمَعْنى أعْتَدَتْ لَهُنَّ ما يُشْتَدُّ عَلَيْهِ بِالِاتِّكاءِ أوْ بِالقَطْعِ بِالسِّكِّينِ، وقَرَأ الأعْرَجُ مَتْكَأً عَلى وزْنِ مَفْعَلًا مِن تَكَأ يَتْكَأُ إذا اتَّكَأ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ مُتَّكَأٌ بِالمَدِّ والهَمْزِ وهو مُفْتَعَلٌ مِن الِاتِّكاءِ إلّا أنَّهُ أشْبَعَ الفَتْحَةَ فَتَوَلَّدَتْ مِنها الألِفُ وهو كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ:
وأنْتَ مِنَ الغَوائِلِ حِينَ تَرْمِي ∗∗∗ وعَنْ ذَمِّ الرِّجالِ بِمُنْتَزاحِ
وقَوْلُهُ:
يَنْباعُ مِن ذَفْرى عَضُوبٍ حَسْرَةً ∗∗∗ زَيافَةً مِثْلَ الفَنِيقِ المُكَرَّمِ
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وآخَرُونَ مُتْكًا بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ التّاءِ وتَنْوِينِ الكافِ، وجاءَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ أيْضًا، وهو الأُتْرُجُّ عِنْدَ الأصْمَعِيِّ، وجَماعَةٍ والواحِدُ مَتْكَةٌ، …