فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًۭٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍۢ مِّنْهُنَّ سِكِّينًۭا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٌۭ كَرِيمٌۭ
So when she heard of their scheming, she sent for them and prepared for them a banquet and gave each one of them a knife and said [to Joseph], "Come out before them." And when they saw him, they greatly admired him and cut their hands and said, "Perfect is Allah! This is not a man; this is none but a noble angel."
﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ بِاغْتِيابِهِنَّ وسُوءِ قالَتِهِنَّ، وقَوْلِهِنَّ: امْرَأةُ العَزِيزِ عَشِقَتْ عَبْدَها الكَنْعانِيَّ وهو مَقَتَها، وتَسْمِيَتُهُ مَكْرًا؛ لِكَوْنِهِ خُفْيَةً مِنها كَمَكْرِ الماكِرِ، وإنْ كانَ ظاهِرًا لِغَيْرِها، وقِيلَ: اسْتَكْتَمَتْهُنَّ سِرَّها فَأفْشَيْنَهُ عَلَيْها، وقِيلَ: إنَّما قُلْنَ ذَلِكَ لِتُرِيَهُنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ﴾ تَدْعُوهُنَّ، قِيلَ: دَعَتْ أرْبَعِينَ امْرَأةً مِنهُنَّ الخَمْسُ المَذْكُوراتُ ﴿وَأعْتَدَتْ﴾ أيْ: أحْضَرَتْ وهَيَّأتْ ﴿لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أيْ: ما يَتَّكِئْنَ عَلَيْهِ مِنَ النَّمارِقِ والوَسائِدِ، أوْ رَتَّبَتْ لَهُنَّ مَجْلِسَ طَعامٍ وشَرابٍ؛ لِأنَّهم كانُوا يَتَّكِئُونَ لِلطَّعامِ والشَّرابِ والحَدِيثِ كَعادَةِ المُتْرَفِينَ، ولِذَلِكَ نُهِيَ الرَّجُلُ أنْ يَأْكُلَ مُتَّكِئًا، وقِيلَ: (مُتَّكَأً) طَعامًا مِن قَوْلِهِمُ: اتَّكَأْنا عِنْدَ فُلانٍ أيْ طَعِمْنا، قالَ جَمِيلٌ:
؎ فَظَلِلْنا بِنِعْمَةٍ واتَّكَأْنا وشَرِبْنا الحَلالَ مِن قُلَلِهْ
وَعَنْ مُجاهِدٍ (مُتَّكَأً) طَعامًا يُحَزُّ حَزًّا، كَأنَّ المَعْنى يُعْتَمَدُ بِالسِّكِّينِ عِنْدَ القَطْعِ؛ لِأنَّ القاطِعَ يَتَّكِئُ عَلى المَقْطُوعِ بِالسِّكِّينِ، وقُرِئَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقُرِئَ بِالمَدِّ بِإشْباعِ حَرَكَةِ الكافِ كَمُنْتَزاحٍ في مُنْتَزَحٍ ويَنْباعُ في يَنْبُعُ وقُرِئَ: (مُتْكَأً) وهو الأُتْرُجُّ، وأنْشَدُوا:
؎ وأهْدَتْ مُتْكَةً لِبَنِي أبِيها ∗∗∗ تَخُبُّ بِها العَثَمْثَمَةُ الوَقاحُ
أوْ ما يُقْطَعُ، مِن مَتَكَ الشَّيْءَ إذا بَتَكَهُ، و(مَتْكًا) مِن تَكى إذا اتَّكى.
﴿وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا﴾ لِتَسْتَعْمِلَهُ في قَطْعِ ما يُعْهَدُ قَطْعُهُ مِمّا قُدِّمَ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ، وقُرِّبَ إلَيْهِنَّ مِنَ اللُّحُومِ والفَواكِهِ ونَحْوِها، وهُنَّ مُتَّكِئاتٌ، وغَرَضُها مِن ذَلِكَ ما سَيَقَعُ مِن تَقْطِيعِ أيْدِيهِنَّ ﴿وَقالَتِ﴾ لِيُوسُفَ، وهُنَّ مَشْغُولاتٌ بِمُعالَجَةِ السَّكاكِينِ وإعْمالِها فِيما بِأيْدِيهِنَّ مِنَ الفَواكِهِ وأضْرابِها، والعَطْفُ بِالواوِ رُبَّما يُشِيرُ إلى أنَّ قَوْلَها ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ - أيِ: ابْرُزْ لَهُنَّ - لَمْ يَكُنْ عَقِيبَ تَرْتِيبِ أُمُورِهِنَّ لِيَتِمَّ غَرَضُها مِنِ اسْتِغْفالِهِنَّ ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ الأمْرُ بِالخُرُوجِ، ويَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: فَخَرَجَ عَلَيْهِنَّ فَرَأيْنَهُ، وَإنَّما حُذِفَ تَحْقِيقًا لِمُفاجَأةِ رُؤْيَتِهِنَّ، كَأنَّها تَفُوتُ عِنْدَ ذِكْرِ خُرُوجِهِ عَلَيْهِنَّ، كَما حُذِفَ لِتَحْقِيقِ السُّرْعَةِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ وفِيهِ إيذانٌ بِسُرْعَةِ امْتِثالِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأمْرِها فِيما لا يُشاهَدُ مَضَرَّتُهُ مِنَ الأفاعِيلِ.
﴿أكْبَرْنَهُ﴾ عَظَّمْنَهُ، وهِبْنَ حُسْنَهُ الفائِقَ، وجَمالَهُ الرّائِعَ الرّائِقَ، فَإنَّ فَضْلَ جَمالِهِ عَلى جَمالِ كُلِّ جَمِيلٍ كانَ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««رَأيْتُ يُوسُفَ لَيْلَةَ المِعْراجِ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ»» وقِيلَ: كانَ يُرى تَلَأْلُؤُ وجْهِهِ عَلى الجُدْرانِ كَما يُرى نُورُ الشَّمْسِ عَلى الماءِ، وقِيلَ: مَعْنى "أكْبَرْنَ" حِضْنَ، والهاءُ لِلسَّكْتِ، أوْ ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى حَذْفِ اللّامِ، أيْ: حِضْنَ لَهُ مِن شِدَّةِ الشَّبَقِ، كَما قالَ المُتَنَبِّئُ:
؎ خَفِ اللَّهَ واسْتُرْ ذا الجَمالِ …