فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًۭٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍۢ مِّنْهُنَّ سِكِّينًۭا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٌۭ كَرِيمٌۭ
So when she heard of their scheming, she sent for them and prepared for them a banquet and gave each one of them a knife and said [to Joseph], "Come out before them." And when they saw him, they greatly admired him and cut their hands and said, "Perfect is Allah! This is not a man; this is none but a noble angel."
﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا وقالَتُ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾
حَقُّ سَمِعَ أنْ يُعَدّى إلى المَسْمُوعِ بِنَفْسِهِ، فَتَعْدِيَتُهُ بِالباءِ هُنا إمّا لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى أُخْبِرَتْ، كَقَوْلِ المَثَلِ: ”تَسْمَعُ بِالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ“ أيْ تُخْبَرُ عَنْهُ. وإمّا أنْ تَكُونَ الباءُ مَزِيدَةً لِلتَّوْكِيدِ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
صفحة ٢٦٢
وأطْلَقَ عَلى كَلامِهِنَّ اسْمَ المَكْرِ، قِيلَ: لِأنَّهُنَّ أرَدْنَ بِذَلِكَ أنْ يَبْلُغَ قَوْلُهُنَّ إلَيْهِا فَيُغْرِيَها بِعَرْضِها يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِنَّ فَيَرَيْنَ جَمالَهُ لِأنَّهُنَّ أحْبَبْنَ أنْ يَرَيْنَهُ. وقِيلَ: لِأنَّهُنَّ قُلْنَهُ خُفْيَةً فَأشْبَهَ المَكْرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ عَلى قَوْلِهِنَّ اسْمُ المَكْرِ لِأنَّهُنَّ قُلْنَهُ في صُورَةِ الإنْكارِ وهُنَّ يُضْمِرْنَ حَسَدَها عَلى اقْتِناءِ مِثْلِهِ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّغَفُ بِالعَبْدِ في عادَتِهِمْ غَيْرَ مُنْكَرٍ.
﴿وأعْتَدَتْ﴾: أصْلُهُ أعْدَدَتْ، أُبْدِلَتِ الدّالُ الأُولى تاءً، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ٣٧] في سُورَةِ النِّساءِ.
والمُتَّكَأُ: مَحَلُّ الِاتِّكاءِ. والِاتِّكاءُ: جَلْسَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ الِاضْطِجاعِ عَلى الجَنْبِ مَعَ انْتِصابٍ قَلِيلٍ في النِّصْفِ الأعْلى. وإنَّما يَكُونُ الِاتِّكاءُ إذا أُرِيدَ إطالَةُ المُكْثِ والِاسْتِراحَةِ، أيْ أحْضَرَتْ لَهُنَّ نَمارِقَ يَتَّكِئْنَ عَلَيْها لِتَناوُلِ طَعامٍ. وكانَ أهْلُ التَّرَفِ يَأْكُلُونَ مُتَّكِئِينَ كَما كانَتْ عادَةً لِلرُّومانِ، ولَمْ تَزَلْ أسِرَّةُ اتِّكائِهِمْ مَوْجُودَةً في دِيارِ الآثارِ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ «أمّا أنا فَلا آكُلُ مُتَّكِئًا» .
ومَعْنى ﴿آتَتْ﴾ [الكهف: ٣٣] أمَرَتْ خَدَمَها بِالإيتاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦]
والسِّكِّينُ: آلَةُ قَطْعِ اللَّحْمِ وغَيْرِهِ. قِيلَ: أحْضَرَتْ لَهُنَّ أُتْرُجًّا ومَوْزًا فَحَضَرْنَ واتَّكَأْنَ، وقَدْ حَذَفَ هَذانِ الفِعْلانِ إيجازًا. وأعْطَتْ كُلَّ واحِدَةٍ سِكِّينًا لِقَشْرِ الثِّمارِ.
وقَوْلُهُا ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ في بَيْتٍ آخَرَ وكانَ لا يَدْخُلُ عَلَيْها إلّا بِإذْنِها. وعُدِّيَ فِعْلُ الخُرُوجِ بِحَرْفِ عَلى لِأنَّهُ ضُمًّنَ مَعْنى ”ادْخُلْ“ لِأنَّ المَقْصُودَ دُخُولُهُ عَلَيْهِنَّ لا مُجَرَّدَ خُرُوجِهِ مِنَ البَيْتِ الَّذِي هو فِيهِ.
ومَعْنى ﴿أكْبَرْنَهُ﴾ أعْظَمْنَهُ، أيْ أعَظَمْنَ جَمالَهُ وشَمائِلَهُ، فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلْعَدِّ، أيْ أعْدَدْنَهُ كَبِيرًا. وأُطْلِقَ الكِبَرُ عَلى عَظِيمِ الصِّفاتِ تَشْبِيهًا لِوَفْرَةِ الصِّفاتِ بِعِظَمِ الذّاتِ.
صفحة ٢٦٣
وتَقْطِيعُ أيْدِيَهُنَّ كانَ مِنَ الذُّهُولِ. أيْ أجْرَيْنَ السَّكاكِينَ عَلى أيْدِيهِنَّ يَحْسَبْنَ أنَّهُنَّ يَقْطَعْنَ الفَواكِهَ. وأُرِيدَ بِالقَطْعِ الجَرْحُ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ القَطْعُ مَجازًا لِلْمُبالَغَةِ في شِدَّتِهِ حَتّى كَأنَّهُ قَطَعَ قِطْعَةً مِن لَحْمِ اليَدِ.
و﴿حاشَ لِلَّهِ﴾ تَرْكِيبٌ عَرَبِيٌّ جَرى مَجْرى المَثَلِ يُرادُ مِنهُ إبْطالُ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ …