Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Madarik al-Tanzil by Al-Nasafi

Ayahs 31–40 of 111

31

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًۭٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍۢ مِّنْهُنَّ سِكِّينًۭا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٌۭ كَرِيمٌۭ

So when she heard of their scheming, she sent for them and prepared for them a banquet and gave each one of them a knife and said [to Joseph], "Come out before them." And when they saw him, they greatly admired him and cut their hands and said, "Perfect is Allah! This is not a man; this is none but a noble angel."

﴿فَلَمّا سَمِعَتْ﴾ راعِيلُ ﴿بِمَكْرِهِنَّ﴾ بِاغْتِيابِهِنَّ وقَوْلِهِنَّ:امْرَأةُ العَزِيزِ عَشِقَتْ عَبْدَها الكَنْعانِيَّ ومَقَتَها، وسُمِّيَ الِاغْتِيابُ مَكْرًا، لِأنَّهُ في خُفْيَةٍ وحالِ غَيْبَةٍ كَما يُخْفِي الماكِرُ مَكْرَهُ وقِيلَ كانَتِ اسْتَكْتَمَتْهُنَّ سِرَّها فَأفْشَيْنَهُ عَلَيْها ﴿أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ﴾ دَعَتْهُنَّ قِيلَ دَعَتْ أرْبَعِينَ امْرَأةً مِنهُنَّ الخَمْسُ المَذْكُوراتُ ﴿وَأعْتَدَتْ﴾ وهَيَّأتْ، افْتَعَلَتْ مِنَ العَتادِ ﴿لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ ما يَتَّكِئْنَ عَلَيْهِ مِن نَمارِقَ قَصَدَتْ بِتِلْكَ الهَيْئَةِ وهي قُعُودُهُنَّ مُتَّكِآتٍ والسَكاكِينُ في أيْدِيهِنَّ أنْ يُدْهَشْنَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ ويُشْغَلْنَ عَنْ نُفُوسِهِنَّ فَتَقَعُ أيْدِيهِنَّ عَلى أيْدِيهِنَّ فَيَقْطَعْنَها، لِأنَّ المُتَّكِئَ إذا بُهِتَ لِشَيْءٍ وقَعَتْ يَدُهُ عَلى يَدِهِ ﴿وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا﴾ وكانُوا لا يَأْكُلُونَ في ذَلِكَ الزَمانِ إلّا بِالسَكاكِينِ كَفِعْلِ الأعاجِمِ ﴿وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ بِكَسْرِ التاءِ بَصْرِيٌّ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ، وبِضَمِّها غَيْرُهم ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ أعْظَمْنَهُ وهَبْنَ ذَلِكَ الحُسْنَ الرائِقَ والجَمالَ الفائِقَ وكانَ فَضْلُ يُوسُفَ عَلى الناسِ في الحُسْنِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى نُجُومِ السَماءِ وكانَ إذا سارَ في أزِقَّةِ مِصْرَ يُرى تَلَأْلُؤُ وجْهِهِ عَلى الجُدْرانِ وكانَ يُشْبِهُ آدَمَ يَوْمَ خَلَقَهُ رَبُّهُ وقِيلَ وِرْثَ الجَمالَ مِن جَدَّتِهِ سارَّةَ، وقِيلَ أكْبَرْنَ بِمَعْنى حِضْنَ والهاءُ لِلسَّكْتِ إذْ لا يُقالُ النِساءُ قَدْ حِضْنَهُ، لِأنَّهُ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ يُقالُ أكْبَرَتِ المَرْأةُ إذا حاضَتْ وحَقِيقَتُهُ دَخَلَتْ في الكِبَرِ، لِأنَّها بِالحَيْضِ تَخْرُجُ مِن حَدِّ الصِغَرِ، وكَأنَّ أبا الطِيبِ أخَذَ مِن هَذا التَفْسِيرِ قَوْلَهُ:

؎ خَفِ اللهَ واسْتُرْ ذا الجَمالَ بِبُرْقُعِ فَإنْ لُحْتَ حاضَتْ في الخُدُورِ العَواتِقُ

﴿وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ وجَرَّحْنَها كَما تَقُولُ كُنْتُ أقْطَعُ اللَحْمَ فَقَطَعَتْ يَدِي تُرِيدُ جَرَحَتْها أيْ: أرَدْنَ أنْ يُقَطِّعْنَ الطَعامَ الَّذِي في أيْدِيهِنَّ فَدُهِشْنَ لِما رَأيْنَهُ فَخَدَشْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴿وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ﴾ حاشا كَلِمَةٌ تُفِيدُ مَعْنى التَنْزِيهِ في بابِ الِاسْتِثْناءِ تَقُولُ: أساءَ القَوْمُ حاشا زَيْدٍ وهي حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الجَرِّ فَوُضِعَتْ مَوْضِعَ التَنْزِيهِ والبَراءَةِ، فَمَعْنى "حاشا اللهِ" بَراءَةُ اللهِ وتَنْزِيهُ اللهِ وقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو "حاشا لِلَّهِ" نَحْوُ قَوْلِكَ سَقْيًا لَكَ،كَأنَّهُ قالَ بُرْءًا ثُمَّ قالَ لِلَّهِ لِبَيانِ مَن يُبَرَّأُ ويُنَزَّهُ، وغَيْرُهُ "حاشَ لِلَّهِ" بِحَذْفِ الألِفِ الأخِيرَةِ والمَعْنى تَنْزِيهُ اللهِ مِن صِفاتِ العَجْزِ والتَعَجُّبُ مِن قُدْرَتِهِ عَلى خَلَقِ جَمِيلٍ مِثْلِهِ ﴿ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ نَفَيْنَ عَنْهُ البَشَرِيَّةَ لِغَرابَةِ جَمالِهِ وأثْبَتْنَ لَهُ المَلَكِيَّةَ وبَتَتْنَ بِها الحُكْمَ لِما رَكَزَ في الطِباعِ أنْ لا أحْسَنَ مِنَ المَلَكِ كَما رَكَزَ فِيها أنْ لا أقْبَحَ مِنَ الشَيْطانِ.

32

قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًۭا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ

She said, "That is the one about whom you blamed me. And I certainly sought to seduce him, but he firmly refused; and if he will not do what I order him, he will surely be imprisoned and will be of those debased."

﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ تَقُولُ هو ذَلِكَ العَبْدُ الكَنْعانِيُّ الَّذِي صَوَّرْتُنَّ في أنْفُسِكُنَّ ثُمَّ لُمْتُنَّنِي فِيهِ، تَعْنِي: إنَّكُنَّ لَمْ تُصَوَّرْنَهُ حَقَّ صُورَتِهِ وإلّا لَعَذَرْتُنَّنِي في الِافْتِتانِ بِهِ ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ والِاسْتِعْصامُ بِناءُ مُبالِغَةٍ يَدُلُّ عَلى الِامْتِناعِ البَلِيغِ والتَحَفُّظِ الشَدِيدِ كَأنَّهُ في عِصْمَةٍ وهو يَجْتَهِدُ في الِاسْتِزادَةِ مِنها وهَذا بَيانٌ جَلِيٌّ عَلى أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ بَرِيءٌ مِمّا فَسَّرَ بِهِ أُولَئِكَ الفَرِيقُ الهَمَّ والبُرْهانَ، ثُمَّ قُلْنَ لَهُ أطِعْ مَوْلاتَكَ فَقالَتْ راعِيلُ ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ﴾ الضَمِيرُ راجِعٌ إلى "ما" وهي مَوْصُولَةٌ والمَعْنى ما آمُرُ بِهِ فَحُذِفَ الجارُّ كَما في قَوْلِهِ أمَرْتُكَ الخَيْرَ أوْ ما مَصْدَرِيَّةٌ والضَمِيرُ يَرْجِعُ إلى يُوسُفَ أيْ: ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ أمْرِي إيّاهُ أيْ: مُوجِبَ أمْرِي ومُقْتَضاهُ ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ لِيُحْبَسَنَّ والألِفُ في ﴿وَلَيَكُونًا﴾ بَدَلٌ مِن نُونِ التَأْكِيدِ الخَفِيفَةِ ﴿مِنَ الصاغِرِينَ﴾ مَعَ السُرّاقِ والسُفّاكِ والأُبّاقِ كَما سَرَقَ قَلْبِي وأبِقَ مِنِّي وسَفَكَ دَمِي بِالفِراقِ، فَلا يَهْنَأُ لِيُوسُفَ الطَعامُ والشَرابُ والنَوْمُ هُنالِكَ كَما مَنَعَنِي هُنا كُلَّ ذَلِكَ ومَن لَمْ يَرْضَ بِمِثْلِي في الحَرِيرِ عَلى السَرِيرِ أمِيرًا حَصَلَ في الحَصِيرِ عَلى الحَصِيرِ حَسِيرًا، فَلَمّا سَمِعَ يُوسُفُ تَهْدِيدَها.

33

قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَٰهِلِينَ

He said, "My Lord, prison is more to my liking than that to which they invite me. And if You do not avert from me their plan, I might incline toward them and [thus] be of the ignorant."

﴿قالَ رَبِّ السِجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ أسْنَدَ الدَعْوَةَ إلَيْهِنَّ، لِأنَّهُنَّ قُلْنَ لَهُ ما عَلَيْكَ لَوْ أجَبْتَ مَوْلاتَكَ أوِ افْتَتَنْتَ كُلُّ واحِدَةٍ فَدَعَتْهُ إلى نَفْسِها سِرًّا فالتَجَأ إلى رَبِّهِ "قالَ رَبِّ السِجْنُ أحَبُّ إلَيَّ" مِن رُكُوبِ المَعْصِيَةِ ﴿وَإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ فَزَعٌ مِنهُ إلى اللهِ في طَلَبِ العِصْمَةِ ﴿أصْبُ إلَيْهِنَّ﴾ أمِلْ إلَيْهِنَّ، والصَبْوَةُ المَيْلُ إلى الهَوى ومِنهُ الصَبا، لِأنَّ النُفُوسَ تَصْبُو إلَيْها لِطِيبِ نَسِيمِها ورَوْحِها ﴿وَأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ، لِأنَّ مَن لا جَدْوى لِعِلْمِهِ فَهو ومَن لَمْ يَعْلَمْ سَواءٌ أوْ مِنَ السُفَهاءِ.

34

فَٱسْتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

So his Lord responded to him and averted from him their plan. Indeed, He is the Hearing, the Knowing.

فَلَمّا كانَ في قَوْلِهِ ﴿وَإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣٣] مَعْنى طَلَبِ الصَرْفِ والدُعاءِ قالَ ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ أيْ: أجابَ اللهُ دُعاءَهُ ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إنَّهُ هو السَمِيعُ﴾ لِدَعَواتِ المُلْتَجِئِينَ إلَيْهِ ﴿العَلِيمُ﴾ بِحالِهِ وحالِهِنَّ.

35

ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا رَأَوُا۟ ٱلْءَايَٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٍۢ

Then it appeared to them after they had seen the signs that al-'Azeez should surely imprison him for a time.

﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ﴾ فاعِلُهُ مُضْمَرٌ لِدَلالَةِ ما يُفَسِّرُهُ عَلَيْهِ وهو لَيَسْجُنُنَّهُ والمَعْنى: بَدا لَهم بَداءٌ أيْ: ظَهَرَ لَهم رَأْيٌ والضَمِيرُ في لَهم لِلْعَزِيزِ وأهْلِهِ ﴿مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ﴾ وهي الشَواهِدُ عَلى بَراءَتِهِ كَقَدِّ القَمِيصِ وقَطْعِ الأيْدِي وشَهادَةِ الصَبِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ لِإبْداءِ عُذْرِ الحالِ وإرْخاءِ السِتْرِ عَلى القِيلِ والقالِ وما كانَ ذَلِكَ إلّا بِاسْتِنْزالِ المَرْأةِ لِزَوْجِها وكانَ مِطْواعًا لَها وحُمَيْلًا ذَلُولًا، زِمامُهُ في يَدِها وقَدْ طَمِعَتْ أنْ يُذَلِّلَهُ السِجْنُ ويُسَخِّرَهُ لَها أوْ خافَتْ عَلَيْهِ العُيُونَ وظَنَّتْ فِيهِ الظُنُونَ فَألْجَأها الخَجَلُ مِنَ الناسِ والوَجَلُ مِنَ الباسِ إلى أنْ رَضِيَتْ بِالحِجابِ مَكانَ خَوْفِ الذَهابِ لِتَشْتَفِيَ بِخَبَرِهِ إذا مُنِعَتْ مِن نَظَرِهِ ﴿حَتّى حِينٍ﴾ إلى زَمانٍ كَأنَّها اقْتَرَحَتْ أنْ يُسْجَنَ زَمانًا حَتّى تُبْصِرَ ما يَكُونُ مِنهُ.

36

وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًۭا ۖ وَقَالَ ٱلْءَاخَرُ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًۭا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ

And there entered the prison with him two young men. One of them said, "Indeed, I have seen myself [in a dream] pressing wine." The other said, "Indeed, I have seen myself carrying upon my head [some] bread, from which the birds were eating. Inform us of its interpretation; indeed, we see you to be of those who do good."

﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِجْنَ فَتَيانِ﴾ عَبْدانِ لِلْمَلِكِ خَبّازُهُ وشَرابِيُّهُ بِتُهْمَةِ السَمِّ فَأُدْخِلا السِجْنَ ساعَةَ أُدْخِلَ يُوسُفُ، لِأنَّ مَعَ يَدُلُّ عَلى مَعْنى الصُحْبَةِ تَقُولُ خَرَجْتُ مَعَ الأمِيرِ تُرِيدُ مُصاحِبًا لَهُ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ دُخُولُهُما السِجْنَ مُصاحِبَيْنِ لَهُ ﴿قالَ أحَدُهُما﴾ أيْ: شَرابِيُّهُ ﴿إنِّي أرانِي﴾ أيْ: في المَنامِ وَهِيَ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ﴿أعْصِرُ خَمْرًا﴾ أيْ: عِنَبًا تَسْمِيَةً لِلْعِنَبِ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أوِ الخَمْرُ بِلُغَةِ عُمانَ اسْمٌ لِلْعِنَبِ ﴿وَقالَ الآخَرُ﴾ أيْ: خَبّازُهُ ﴿إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَيْرُ مِنهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ بِتَأْوِيلِ ما رَأيْناهُ ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ عِبارَةَ الرُؤْيا أوْ مِنَ المُحْسِنِينَ إلى أهْلِ السِجْنِ فَإنَّكَ تُداوِي المَرِيضَ وتُعَزِّي الحَزِينَ وتُوَسِّعُ عَلى الفَقِيرِ فَأحْسِنْ إلَيْنا بِتَأْوِيلِ ما رَأيْناهُ وقِيلَ إنَّهُما تَحالَما لَهُ يَمْتَحِناهُ فَقالَ الشَرابِيُّ: إنِّي رَأيْتُ كَأنِّي في بُسْتانٍ فَإذا بِأصْلِ حَبَلَةٍ عَلَيْها ثَلاثَةُ عَناقِيدَ مِن عِنَبٍ فَقَطَفْتُها وعَصَرْتُها في كَأْسِ المَلِكِ وسَقَيْتُهُ وقالَ الخَبّازُ إنِّي رَأيْتُ كَأنَّ فَوْقَ رَأْسِي ثَلاثَ سِلالٍ فِيها أنْواعُ الأطْعِمَةِ فَإذا سِباعُ الطَيْرِ تَنْهَشُ مِنها.

37

قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌۭ تُرْزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّىٓ ۚ إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَٰفِرُونَ

He said, "You will not receive food that is provided to you except that I will inform you of its interpretation before it comes to you. That is from what my Lord has taught me. Indeed, I have left the religion of a people who do not believe in Allah, and they, in the Hereafter, are disbelievers.

﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ: بِبَيانِ ماهِيَّتِهِ وكَيْفِيَّتِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ تَفْسِيرَ المُشْكِلِ ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما﴾ لَمّا اسْتَعْبَراهُ ووَصَفاهُ بِالإحْسانِ افْتَرَضَ ذَلِكَ فَوَصَلَ بِهِ وصْفَ نَفْسِهِ بِما هو فَوْقَ عِلْمِ العُلَماءِ وهو الإخْبارُ بِالغَيْبِ وأنَّهُ يُنَبِّئُهُما بِما يُحْمَلُ إلَيْهِما مِنَ الطَعامِ في السِجْنِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُما ويَصِفُهُ لَهُما ويَقُولُ: اليَوْمَ يَأْتِيكُما طَعامٌ مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ فَيَكُونُ كَذَلِكَ وجَعَلَ ذَلِكَ تَخَلُّصًا إلى أنْ يَذْكُرَ لَهُما التَوْحِيدَ ويَعْرِضَ عَلَيْهِما الإيمانَ ويُزَيِّنَهُ لَهُما ويُقَبِّحَ إلَيْهِما الشِرْكَ وفِيهِ أنَّ العالِمَ إذا جُهِلَتْ مَنزِلَتُهُ في العِلْمِ فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِما هو بِصَدَدِهِ - وغَرَضُهُ أنْ يُقْتَبَسَ مِنهُ - لَمْ يَكُنْ مِن بابِ التَزْكِيَةِ ﴿ذَلِكُما﴾ إشارَةٌ لَهُما إلى التَأْوِيلِ أيْ: ذَلِكَ التَأْوِيلُ والإخْبارُ بِالمُغَيَّباتِ ﴿مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ وأوْحى بِهِ إلَيَّ ولَمْ أقُلْهُ عَنْ تَكَهُّنٍ وتَنَجُّمٍ ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً وأنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِما قَبْلَهُ أيْ: عَلَّمَنِي ذَلِكَ وأوْحى بِهِ إلَيَّ لِأنِّي رَفَضْتُ مِلَّةَ أُولَئِكَ، وهم أهْلُ مِصْرَ ومَن كانَ الفِتْيانُ عَلى دِينِهِمْ.

38

وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ

And I have followed the religion of my fathers, Abraham, Isaac and Jacob. And it was not for us to associate anything with Allah. That is from the favor of Allah upon us and upon the people, but most of the people are not grateful.

﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ وهي المِلَّةُ الحَنِيفِيَّةُ وتَكْرِيرُ هم لِلتَّوْكِيدِ،وَذَكَرَ الآباءَ لِيُرِيَهُما أنَّهُ مِن بَيْتِ النُبُوَّةِ بَعْدَ أنْ عَرَّفَهُما أنَّهُ نَبِيٌّ يُوحى إلَيْهِ بِما ذَكَرَ مِن إخْبارِهِ بِالغُيُوبِ لِيُقَوِّيَ رَغْبَتَهُما في اتِّباعِ قَوْلِهِ والمُرادُ بِهِ تَرْكُ الِابْتِداءِ لا أنَّهُ كانَ فِيهِ ثُمَّ تَرَكَهُ ﴿ما كانَ لَنا﴾ ما صَحَّ لَنا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ ﴿أنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيَّ شَيْءٍ كانَ صَنَمًا أوْ غَيْرَهُ ثُمَّ قالَ ﴿ذَلِكَ﴾ التَوْحِيدُ ﴿مِن فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وعَلى الناسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ فَضْلَ اللهِ فَيُشْرِكُونَ بِهِ ولا يَنْتَهُونَ.

39

يَٰصَىٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌۭ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ

O [my] two companions of prison, are separate lords better or Allah, the One, the Prevailing?

﴿يا صاحِبَيِ السِجْنِ﴾ [يوسف: ٤١] يا ساكِنَيِ السِجْنِ كَقَوْلِهِ ﴿أصْحابُ النارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ يُرِيدُ التَفَرُّقَ في العَدَدِ والتَكاثُرِ أيْ: أأنْ تَكُونَ أرْبابٌ شَتّى يَسْتَعْبِدُكُما هَذا ويَسْتَعْبِدُكُما هَذا خَيْرٌ لَكُما أمْ يَكُونُ لَكُما رَبٌّ واحِدٌ قَهّارٌ لا يُغالَبُ ولا يُشارَكُ في الرُبُوبِيَّةِ؟ وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ لِعِبادَةِ اللهِ وحْدَهُ ولِعِبادَةِ الأصْنامِ.

40

مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسْمَآءًۭ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَٰنٍ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

You worship not besides Him except [mere] names you have named them, you and your fathers, for which Allah has sent down no authority. Legislation is not but for Allah. He has commanded that you worship not except Him. That is the correct religion, but most of the people do not know.

﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ خِطابٌ لَهُما ولِمَن كانَ عَلى دِينِهِما مِن أهْلِ مِصْرَ ﴿مِن دُونِهِ﴾ مِن دُونِ اللهِ ﴿إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ أيْ: سَمَّيْتُمْ ما لا يَسْتَحِقُّ الأُلُوهِيَّةَ آلِهَةً ثُمَّ طَفِقْتُمْ تَعْبُدُونَها فَكَأنَّكم لا تَعْبُدُونَ إلّا أسْماءً لا مُسَمَّياتِ لَها، ومَعْنى "سَمَّيْتُمُوها" سَمَّيْتُمْ بِها يُقالُ سَمَّيْتُهُ زَيْدًا وَسَمَّيْتُهُ بِزَيْدٍ ﴿ما أنْـزَلَ اللهُ بِها﴾ بِتَسْمِيَتِها ﴿مِن سُلْطانٍ﴾ حُجَّةً ﴿إنِ الحُكْمُ﴾ في أمْرِ العِبادَةِ والدِينِ ﴿إلا لِلَّهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ ما حَكَمَ بِهِ فَقالَ ﴿أمَرَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ ذَلِكَ الدِينُ القَيِّمُ﴾

الثابِتُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ البَراهِينُ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العُقُوبَةَ تَلْزَمُ العَبْدَ وإنْ جَهِلَ إذا أمْكَنَ لَهُ العِلْمُ بِطَرِيقِهِ.

Commentary: Madarik al-Tanzil by Al-Nasafi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.