Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji

Ayahs 31–40 of 111

31

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًۭٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍۢ مِّنْهُنَّ سِكِّينًۭا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٌۭ كَرِيمٌۭ

So when she heard of their scheming, she sent for them and prepared for them a banquet and gave each one of them a knife and said [to Joseph], "Come out before them." And when they saw him, they greatly admired him and cut their hands and said, "Perfect is Allah! This is not a man; this is none but a noble angel."

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)

(فلما سمعت) امرأة العزيز (بمكرهن) أي بغيبتهن إياها سميت الغيبة مكراً لاشتراكهما في الإخفاء وقيل أردن أن يتوسلن بذلك إلى رؤية يوسف فلهذا سمي قولهن مكراً، وقيل أنها أسرت إليهن فأفشين سرها فسمي ذلك مكراً، عن سفيان قال: أي بعملهن، وكل مكر في القرآن فهو العمل.

(أرسلت إليهن) أي تدعوهن إليها لتقيم عذرها عندهن ولينظرن إلى يوسف حتى يقعن فيما وقعت فيه قيل دعت أربعين امرأة من أشراف مدينتها فيهن هؤلاء اللاتي عيرنها (وأعتدت لهن متكئاً) أي أعدت وأحضرت وهيأت لهن مجالس يتكئن عليها من نمارق ومسانيد وأعتدت من الاعتداد، وهو كل ما جعلته عدة لشيء وقرئ متكاً مخففاً غير مهموز والمتك هو الأترنج بلغة القبط، قاله مجاهد، وعن عكرمة قال: هو كل شيء يقطع بالسكين وعن الضحاك مثله وقيل أن ذلك هو لغة أزد شنوأة وقيل حكي ذلك عن الأخفش قال الفراء: إنه ماء الورد.

وقرأ الجمهور متكئاً بالهمز والتشديد وأصح ما قيل فيه أنه المجلس وقيل هو الطعام وبه قال ابن جبير والحسن وقتادة: وسمي متكئاً على الاستعارة قاله الخازن أي للاتكاء عنده على عادة المتكبرين في أكل الفواكه فهو مجاز مرسل وعلاقته المجاورة، وقيل المتكأ كل ما اتكئ عليه عند طعام أو شراب أو حديث، وحكى القتيبي أنه يقال اتكأنا عند فلان أي أكلنا.

ويؤيد هذا قوله (وآتت كل واحدة منهن سكيناً) فإن ذلك، إنما يكون لشيء يأكلنه بعد أن يقطعنه والسكين تذكر وتؤنث قاله الكسائي والفراء قال الجوهري: والغالب عليه التذكير والمراد من إعطائها لكل واحدة سكيناً أن يقطعن ما يحتاج إلى التقطيع من الأطعمة قيل وكان من عادتهن أن يأكلن اللحم والفواكه بالسكين وكانت تلك السكاكين خناجر وممكن أنها أرادت بذلك ما سيقع منهن من تقطيع أيديهن.

(وقالت) ليوسف (أخرج عليهن) أي في تلك الحالة التي هن عليها من الاتكاء والأكل وتقطيع ما يحتاج إلى التقطيع من الطعام (فلما رأينه أكبرنه) أي أعظمنه قال مجاهد: واحترمنه وهبنه ودهشن عند رؤيته من شدة جماله، وقيل أمنين وقيل أمذين ومنه قول الشاعر:

إذا ما رأين الفحل من فوق قلة ... صهلن وأكبرن المني المقطرا وقال الأزهري: أكبرن بمعنى حضن، والهاء للسكت يقال أكبرت المرأة أي دخلت في الكبر بالحيض وقال ابن عباس: حضن من الفرح ووقع منهن ذلك دهشاً وفزعاً لما شاهدنه من جماله الفائق وحسنه الرائق، وأنكر ذلك أبو عبيدة وغيره، وقالوا ليس ذلك في كلام العرب، قال الزجاج: يقال أكبرنه ولا يقال حضنه فليس الإكبار بمعنى الحيض وأجاب الأزهري فقال: يجوز أن يكون هاء الوقف لا هاء الكناية.

وقد زيف هذا بأن هاء الوقف تسقط في الوصل، قاله ابن الأنباري: أن الهاء كناية عن مصدر الفعل أي أكبرن إكباراً بمعنى حضن حيضاً وسمي الحيض إكباراً لكون البلوغ يعرف به كأنه يدخلهم سن الكبر فيكون في الأصل كناية أو مجازاً، وهذا منقول عن قتادة والسدي.

قال الرازي: وعندي أنه يحتمل وجهاً آخر هو أنهن إنما أكبرنه لأنهن رأين عليه نور النبوة وسيما الرسالة وشاهدن فيه مهابة ملكية، وهي عدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح وعدم الاعتداد بهن فتعجبن من تلك الحالة فلا جرم أكبرنه وأعظمنه، وحمل الآية على هذا أولى اهـ.

(وقطعن أيديهن) أي جرحنها حتى سال الدم وليس المراد به القطع الذي تبين من اليد بل المراد به الخدش والحز وذلك معروف في اللغة كما قال النحاس: يقال قطع يد صاحبه إذا خدشها وقيل المراد بالأيدي هنا أناملهن وقيل أكمامهن والمعنى أنه لما خرج يوسف عليهن أعظمنه ودهشن وراعهن حسنه حتى اضطربت أيديهن فوقع القطع عليها …

32

قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًۭا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ

She said, "That is the one about whom you blamed me. And I certainly sought to seduce him, but he firmly refused; and if he will not do what I order him, he will surely be imprisoned and will be of those debased."

(قالت فذلكن الذي لمتنني فيه) الإشارة إلى يوسف والخطاب للنسوة أي عيرتنني فيه قالت لهن هذا لما رأت افتتانهن بيوسف إظهاراً لعذر نفسها ومعنى فيه في حبه وقيل الإشارة إلى الحب فالضمير له والمعنى فذلك الحب الذي لمتنني فيه هو ذلك الحب والأول أولى ورجحه ابن جرير.

ويجوز أن يكون إشارة إلى المعنى بقولهن عشقت عبدها الكنعاني تقول هو ذاك العبد الذي صورتن في أنفسكن ثم لمتنني فيه، قال الزمخشري: قالت فذلكن ولم تقل هذا وهو حاضر رفعاً لنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به فلام البعد هنا لتعظيم رتبته أو لبعد رتبته وحالته عن رتبة البشر وأصل اللوم الوصف بالقبيح وما أحسن اقتباس السيد غلام علي آزاد رحمه الله تعالى من هذه الآية في قوله:

أيا صواحب أكباد مقطعة ... فذلكن الذي لمتنني فيه

ثم لا أظهرت عذر نفسها عند النسوة بما شاهدنه مما وقعن فيه عند ظهوره لهن ضاق صدرها عن كتم ما تجده في قلبها من حبه فأقرت بذلك وصرحت بما وقع منها من الراودة له فقالت.

(ولقد) اللام لام قسم (راودته عن نفسه فاستعصم) أي استعف وامتنع واستعصى مما أريده طالباً لعصمة نفسه عن ذلك وإنما صرحت بذلك لأنها علمت أنه لا ملامة عليها منهن وأنهن قد أصابهن ما أصابها عند رؤيته ثم توعدته إن لم يفعل ما تريده منه كاشفة لجلباب الحياء هاتكة لستر العفاف فقالت.

(ولئن) لامُ قسم (لم يفعل ما آمره) أي ما قد أمرته فيما تقدم ذكره عند أن أغلقت الأبواب وقالت هيت لك (ليسجنن) أي ليعتقل في السجن (وليكوناً من الصاغرين) من صغر بكسر الغين يصغر صغراً وصغاراً والصغير من صغر بالضم صغراً أي من الأذلاء لما يناله من الإهانة ويسلب عنه النعمة والعزة في زعمها فلما سمع يوسف مقالتها هذه عرف أنها عزمة منها مع ما قد علمه من نفاذ قولها عند زوجها العزيز.

33

قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَٰهِلِينَ

He said, "My Lord, prison is more to my liking than that to which they invite me. And if You do not avert from me their plan, I might incline toward them and [thus] be of the ignorant."

(قال) مناجياً لربه سبحانه يا (رب السجن) أي دخوله الذي أوعدتني به هذه وقرأ عثمان السجن بفتح السين وهو مصدر سجنه سجناً (أحب إليّ) أي آثر عندي لأنه مشقة قليلة نافدة أثرها راحات جليلة أبدية (مما يدعونني إليه) من مؤاتاتها التي تؤدي إلى الشقاء والوقوع في المعصية العظيمة التي تذهب بخيري الدنيا والآخرة.

وهذا الكلام منه عليه السلام مبني على ما مر من انكشاف الحقائق لديه وبروز كل منها بصورتها اللائقة بها فصيغة التفضيل ليست على بابها إذ ليس له شائبة محبة لما دعته إليه وإنما هو والسجن شران أهونهما وأقربهما إلى الإيثار السجن وإن كان في أحدهما مشقة وفي الآخر لذة.

قال بعضهم: لو لم يقل هذا لم يبتل به فالأولى للعبد أن يسأل الله العافية ولذلك رد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على من كان يسأل الصبر، والتعبير عن الإيثار بالمحبة لحسم مادة طمعها عن المساعدة خوفاً من الحبس والاقتصار على ذكر السجن من حيث أن الصغار من فروعه ومستتبعاته وإسناد الدعوة إليهن جميعاً لأن النسوة رغبنه في مطاوعتها وخوفنه من مخالفتها.

وقيل أنهن جميعاً دعونه إلى أنفسهن أو لأنه كان بحضرتهن والأول أولى ثم جرى على هذا في نسبة الكيد إليهن جميعاً فقال: (وإن لا تصرف عني كيدهن) في تحبيب ذلك إليّ وتحسينه لديّ بأن تثبتني على ما أنا عليه من العصمة والعفة، وأما الكيد من امرأة العزيز فما قد قصه الله سبحانه في هذه السورة وأما كيد سائر النسوة فهو ما تقدم من الترغيب له في المطاوعة والتخويف من المخالفة وقيل أنها كانت كل واحدة تخلو به وحدها وتقول له يا يوسف اقض لي حاجتي فأنا خير لك من امرأة العزيز.

وقيل أنه خاطب امرأة العزيز بما يصلح لخطاب جماعة النساء تعظيماً لها أو عدولاً عن التصريح إلى التعريض، والكيد الاحتيال وجزم (أصب إليهن) على أنه جواب الشرط أي أمل إليهن وأتبعهن وأطاوعهن من صبا يصبو إذا مال واشتاق ومنه قول الشاعر؛

إلى هند صبا قلبي ... وهند حبها يصبي

والصبوة الميل إلى الهوى ومنه ريح الصبا لأن النفس تستطيبها وتميل إليها لطيب نسيمها وروحها.

(وأكن من الجاهلين) أي ممن يجهل ما يحرم ارتكابه ويقدم عليه أو ممن يعمل عمل الجهال أو ممن يستحق صفة الذم بالجهل وفيه أن من ارتكب ذنباً إنما يرتكبه عن جهالة قال أبو السعود: وهذا فزع منه عليه السلام والتجاء إلى ألطاف الله جرياً على سنن الأنبياء والصالحين في قصر نيل الخيرات والنجاة عن الشرور على جناب الله عز وجل وسلب القوى والقدر عن أنفسهم مبالغة في استدعاء لطفه في صرف كيدهن بإظهار أن لا طاقة له بالمدافعة كقول المستغيث أدركني وإلا هلكت لا أنه يطلب الإجبار والإلجاء إلى العصمة والعفة وفي نفسه داعية تدعوه إلى هواهن.

فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)

34

فَٱسْتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

So his Lord responded to him and averted from him their plan. Indeed, He is the Hearing, the Knowing.

(فاستجاب له ربه) لما قال وإن لا تصرف عني كيدهن كان ذلك منه تعرضاً للدعاء وكأنه قال اللهم اصرف عني كيدهن فالاستجابة من الله تعالى هي بهذا الاعتبار لأنه لم يتقدم دعاء صريح منه عليه السلام وفي إسناد الاستجابة إلى الرب مضافاً إليه عليه السلام ما لا يخفى من إظهار اللطف.

(فصرف عنه كيدهن) حسب دعائه والمعنى أنه لطف به وعصمه عن الوقوع في المعصية لأنه إذا صرف عنه كيدهن لم يقع شيء مما رمنه، ووجه إسناد الكيد قد تقدم (إنه هو السميع العليم) تعليل لما قبلها من صرف الكيد أي أنه هو السميع لدعوات الداعين له العليم بأحوال الملتجئين إليه وفيه أنه لا يقدر أحد على الانصراف عن المعصية إلا بعصمة الله ولطفه به وهو معنى قوله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

35

ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا رَأَوُا۟ ٱلْءَايَٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٍۢ

Then it appeared to them after they had seen the signs that al-'Azeez should surely imprison him for a time.

(ثم بدا لهم) أي ظهر للعزيز وأصحابه الذين يدبرون الأمر معه ويشيرون عليه في الرأي وأما فاعل بدا فقال سيبويه: هو ليسجننه أي ظهر لهم أن يسجنوه قال المبرد: وهذا غلط لأن الفاعل لا يكون جملة ولكن الفاعل ما دل عليه بدا وهو المصدر فحذف الفاعل لدلالة الفعل عليه وقيل الفاعل المحذوف هو رأي أي وظهر لهم رأي لم يكونوا يعرفونه من قبل وهذا الفاعل حذف لدلالة ليسجننه عليه.

(من بعد ما رأوا الآيات) قيل هي القميص وشهادة الشاهد وقطع الأيدي وقيل هي البركات التي فتحها الله عليهم بعد وصول يوسف إليهم ولم يجد ذلك فيهم بل كانت امرأته هي الغالبة على رأيه الفاعلة لما يطابق هواها في يوسف، وإنفاذ ما تقدم منها من الوعيد له بقولها ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين قال ابن عباس: الآيات قد القميص وأثرها في جسده وأثر السكين وقالت امرأة العزيز إن أنت لم تسجنه ليصدقنه الناس.

وعن ابن زيد قال: من الآيات كلام الصبي وقال قتادة: والآيات حزهن أيديهن وقد القميص، وأقول: أن كان المراد بالآيات الآيات الدالة على براءته فلا يصح عد قطع أيدي النسوة منها لأنه وقع منهن ذلك لما حصل لهن من الدهشة عند ظهوره لهن ما ألبسه الله سبحانه من الجمال الذي ينقطع عند مشاهدته عرى الصبر ويضعف عند رؤيته قوى التجلد وإن كان المراد الأيات الدالة على أنه قد أعطى من الحسن ما يسلب عقول المبصرين ويذهب بإدراك الناظرين فنعم يصح عد قطع الأيدي من جملة الآيات ولكن ليس هذه الآيات هي المرادة هنا.

(ليسجننه) اللام جواب قسم محذوف على تقدير القول أي قائلين والله ليسجننه وقرئ بالفوقية على الخطاب إما للعزيز ومن معه أو له وحده على طريق التعظيم وفي الخطط للمقريزي قال القضاعي سجن يوسف ببو صير من عمل الجيزة أجمع أهل المعرفة من أهل مصر على صحة هذا المكان وفيه أثر نبيين أحدهما يوسف سجن به المدة التي ذكر أن مبلغها سبع سنين والآخر موسى وقد بني على أثره بمسجد يعرف بمسجد موسى انتهى.

ثم أطال بيان حال ذلك السجن وموضعه وما يصنع هناك قيل وسبب ظهور هذا الرأي لهم في سجن يوسف أنهم أرادوا ستر القالة وكتم ما شاع في الناس من قصة امرأة العزيز معه، وقيل أن العزيز قصد بسجنه الحيلولة بينه وبين امرأته لما علم أنها قد صارت بمكان من حبه لا تبالي معه تحمل نفسها عليه على أي صفة كانت (حتى حين) أي إلى مدة غير معلومة كما قاله أكثر المفسرين وقيل إلى انقطاع ما شاع في المدينة.

وقال سعيد بن جبير: إلى سبع سنين وقبل إلى خمس وقيل إلى ستة أشهر وقد تقدم في البقرة الكلام في تفسير الحين وحتى بمعنى إلى، قال السدي: جعل الله ذلك الحبس تطهيراً ليوسف من همه بالمرأة وعن ابن عباس قال: عوقب يوسف ثلاث مرات: أما أول مرة فبالحبس لما كان من همه بها والثانية لقوله (أذكرني عند ربك فلبث في السجن بضع سنين) عوقب بطول الحبس، والثالثة حيث قال (أيتها العير إنكم لسارقون) فاستقبل في وجهه (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل)

36

وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًۭا ۖ وَقَالَ ٱلْءَاخَرُ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًۭا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ

And there entered the prison with him two young men. One of them said, "Indeed, I have seen myself [in a dream] pressing wine." The other said, "Indeed, I have seen myself carrying upon my head [some] bread, from which the birds were eating. Inform us of its interpretation; indeed, we see you to be of those who do good."

(ودخل معه السجن فتيان) التقدير فسجنوه ودخل معه، ومع للمصاحبة وفتيان تثنية فتى وذلك يدل على أنهما عبدان له ويحتمل أن يكون الفتى اسماً للخادم وإن لم يكن مملوكاً قال ابن عباس: أحدهما خازن الملك على طعامه والآخر ساقيه وقد كانا وضعا للملك سماً لما ضمن لهما أهل مصر مالاً في مقابلة ذلك ثم إن الساقي رجع من ذلك وقال للملك لا تأكل الطعام فإنه مسموم وقال الخباز: لا تشرب فإن الشراب مسموم فقال الملك للساقي: إشرب فشرب فلم يضره وقال للخباز: كل فأبى فجرب الطعام على حيوان فهلك مكانه فحبسهما وكان دخولهما السجن مع دخول يوسف وقيل قبله وقيل بعده قال ابن جرير: أنهما سألا يوسف عن علمه فقال: إني أعبر الرؤيا فسألاه عن رؤياهما كما قص الله سبحانه.

(قال أحدهما إني أراني أعصر خمراً) أي رأيتني والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة والمعنى إني أراني أعصر عنباً فسماه باسم ما يُؤَوّل إليه لكونه المقصود من العصر وقراءة ابن مسعود وإني أعصر عنباً لا تدل على الترادف، قال الأصمعى: أخبرني المعتمر بن سليمان أنه لقي أعرابياً ومعه عنب فقال له ما معك قال خمر وقيل معناه أعصر عنب خمر فهو على حذف مضاف وقيل الخمر هو العنب حقيقة بلغة غسان وعمان وهذا الذي رأى هذه الرؤيا هو الساقي وكان بين دخوله السجن وبين الرؤيا خمس سنين وهذه الجملة مستأنفة بتقدير سؤال وكذلك الجملة التي بعدها وهي:

(وقال الآخر) أي الخباز (إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً) ثم وصف الخبز هذا بقوله (تأكل) أي تنهش (الطير منه) ثم قالا ليوسف جميعاً بعد أن قصا رؤياهما عليه (نبئنا بتأويله) أي بتأويل ما قصصناه عليك من مجموح المرئيين أو بتأويل المذكور لك من كلامنا وقيل أن كل واحد منهما قال له عقب قص رؤياه عليه فيكون الضمير راجعاً إلى ما رآه كل واحد منهما وقيل أن الضمير في بتأويله موضوع موضع اسم الإشارة بطريق الاستعارة فإن الإشارة يشار به إلى متعدد والتقدير بتأويل ذلك

(إنا نراك من المحسنين) أي من الذين يحسنون عبارة الرؤيا وكذا قال الفراء: أن معناه من العالمين الذين أحسنوا العلم وقال ابن إسحاق من المحسنين إلينا إن فسرت ذلك أو من المحسنين إلى أهل السجن قد روي أنه كان كذلك قال قتادة: وكان يعزي حزنتهم ويداوي مرضاهم ورأوا منه عبادة واجتهاداً فأحبوه وعن الضحاك قال: كان إحسانه إذا مرض إنسان في السجن قام عليه وإذا ضاق عليه المكان أوسع له وإذا احتاج جمع له وعن ابن عباس قال: دعا يوسف لأهل السجن فقال اللهم لا تعم عليهم الأخبار وهون عليهم مر الأيام.

قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)

37

قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌۭ تُرْزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّىٓ ۚ إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَٰفِرُونَ

He said, "You will not receive food that is provided to you except that I will inform you of its interpretation before it comes to you. That is from what my Lord has taught me. Indeed, I have left the religion of a people who do not believe in Allah, and they, in the Hereafter, are disbelievers.

(قال لا يأتيكما طعام ترزقانه) من جهة الله أو الملك والجملة صفة لطعام (إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما) مستأنفة جواب سؤال مقدر ومعنى ذلك أنه يعلم شيئاً من الغيب بإلهام الله تعالى وأنه لا يأتيهما إلى السجن طعام في اليقظة إلا أخبرهما بماهيته قبل أن يأتيهما وقيل أراد به في النوم والأول هو الأظهر وهذا ليس من جواب سؤالهما تعبير ما قصاه عليه بل جعل عليه السلام مقدمة قبل تعبيره لرؤياهما بياناً لعلو مرتبته في العلم وأنه ليس من المعبرين الذين يعبرون الرؤيا عن ظن وتخمين فهو كقول عيسى عليه السلام وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم.

وإنما قال يوسف لهما بهذا ليحصل الانقياد له منهما فيما يدعوهما إليه بعد ذلك من الإيمان بالله والخروج من الكفر والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا يأتيكما في حال من الأحوال إلا حال ما نبأتكما أي بينت لكما ماهيته وكيفيته وسماه تأويلاً بطريق المشاكلة لأن الكلام في الرؤيا أو المعنى إلا نبأتكما بما يؤول إليه الكلام من مطابقة ما أخبركما به للواقع.

(ذلكما) أي التأويل والخطاب للسائلين له عن تعبير رؤياهما (مما علمني ربي) مما أوحاه إليّ وألهمني إياه لا من قبيل الكهانة والتنجيم ونحو ذلك مما يكثر فيه الخطأ، ثم بين لهما أن ذلك الذي ناله من هذه الرتبة العلية والعلوم الجمة هو سبب ترك الملة التي لا يؤمن أهلها بالله ولا بالآخرة واتباعه لملة الأنبياء من آبائه فقال.

(إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله) وهو كلام مستأنف يتضمن التعليل لما قبله والمراد بالترك هو عدم التلبس بذلك من الأصل وعدم الالتفات إليه بالكلية لا أنه قد كان تلبس به ثم تركه كما يدل عليه قوله ما كان لنا أن نشرك بالله ثم وصف هؤلاء القوم بما يدل على تصلبهم في الكفر وتهالكهم عليه فقال (وهم بالآخرة هم كافرون) أي هم يختصون بذلك دون غيرهم لإفراطهم في الكفر بالله.

38

وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ

And I have followed the religion of my fathers, Abraham, Isaac and Jacob. And it was not for us to associate anything with Allah. That is from the favor of Allah upon us and upon the people, but most of the people are not grateful.

(واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب) وسماهم آباء جميعاً لأن الأجداد آباء وقدم الجد الأعلى ثم الجد الأقرب ثم الأب لكون إبراهيم هو أصل هذه الملة التي كان عليها أولاده ثم تلقاها عنه إسحاق ثم يعقوب وإنما قاله عليه السلام ترغيباً لصاحبيه في الإيمان وتنفيراً لهما عما كانا عليه من الشرك والضلال وقدم ذكر تركه لملتهم على ذكر اتباعه لملة آبائه لأن التخلية متقدمة على التحلية.

(ما كان) أي ما صح وما استقام فضلاً عن الوقوع (لنا) معاشر الأنبياء لقوة نفوسنا ووفور علومنا (أن نشرك بالله من شيء) أي شيء كان من ملك أو جني أو إنسي فضلاً أن نشرك به صنماً لا يسمع ولا يبصر قال الواحدي: لفظة من زائدة مؤكدة كقولك ما جاءني من أحد.

(ذلك) أي الإيمان والتوحيد وعدم الإشراك والعلم الذي رزقنا (من فضل الله) أي ناشئ من تفضلاته (علينا) ولطفه بنا بما جعله لنا من النبوة المتضمنة للعصمة عن معاصيه (و) من فضل الله (على الناس) كافة ببعثه الأنبياء إليهم وهدايتهم إلى ربهم وتبين طرائق الحق لهم (ولكن أكثر الناس) وهم الكفار (لا يشكرون) الله سبحانه على نعمه التي أنعم بها عليهم فيؤمنون به ويوحدون ويعملون بما شرعه لهم أو لا يستدلون بما نصب لهم من الدلائل وإنزال الآيات فيلغونها كمن يكفر النعمة ولا يشكرها أو لا يصرفون تلك القوى والمشاعر إلى ما خلقت هي له ولا يستعملونها فيما ذكر من أدلة التوحيد الأفاقية والأنفسية والعقلية والنقلية.

قال قتادة: إن المؤمن ليشكر ما به من نعمة الله ويشكر ما بالناس من نعمة، ذكر لنا أن أبا الدرداء كان يقول يا رُبَّ شاكر نعمة غير منعم عليه لا يدري ويا رب حامل فقه غير فقيه ثم دعاهم إلى الإسلام صريحاً فقال:

39

يَٰصَىٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌۭ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ

O [my] two companions of prison, are separate lords better or Allah, the One, the Prevailing?

(يا صاحبي السجن) جعلهما مصاحبين للسجن لطول مقامهما فيه وقيل المراد يا صاحبي في السجن لأن السجن ليس بمصحوب بل مصحوب فيه وأن ذلك من باب يا سارق الليلة وعلى الأول يكون من باب الإضافة إلى الشبيه بالمفعول به والمعنى يا ساكني السجن كقوله أصحاب الجنة وأصحاب النار قال قتادة: لما عرف يوسف أن أحدهما مقتول دعاهما إلى حظهما من ربهما وإلى نصيبهما من آخرتهما فقال:

(أأرباب متفرقون) الاستفهام للإنكار مع التوبيخ والتقريع ومعنى التفرق هنا هو التفرق في الذوات والصفات والعدد أي هل الأرباب المتفرقون في ذواتهم المختلفون في صفاتهم المتنافون في عددهم (خير) لكما يا صاحبي السجن (أم الله الواحد) أي المعبود بحق المتفرد في ذاته وصفاته الذي لا ضد له ولا ند ولا شريك (القهار) الذي لا يغالبه مغالب ولا يعانده معاند وقيل استفهام تقرير أي طلب الإقرار بجواب الاستفهام أي أقروا واعلموا أن الله هو الخير والأول أولى.

مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41)

أورد يوسف عليهما هذه الحجة القاهرة على طريق الاستفهام لأنهما كانا ممن يعبد الأصنام وقد قيل أنه كان بين أيديهما أصنام يعبدونها عند أن خاطبهما بهذا الخطاب ولهذا قال لهما

40

مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسْمَآءًۭ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَٰنٍ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

You worship not besides Him except [mere] names you have named them, you and your fathers, for which Allah has sent down no authority. Legislation is not but for Allah. He has commanded that you worship not except Him. That is the correct religion, but most of the people do not know.

(ما تعبدون من دونه إلا أسماء) فارغة لا مسميات لها وإن كنتم تزعمون أن لها مسميات وهي الآلهة التي تعبدونها لكنها لما كانت لا تستحق التسمية بذلك صارت الأسماء كأنها لا مسميات لها.

وقيل المعنى ما تعبدون من دون الله إلا مسمياته أسماء وقيل خطاب لأهل السجن جميعاً لا لخصوص الصاحبين، وهذا هو الأظهر وكذلك ما بعده من الضمائر لأنه قصد خطاب صاحبي السجن ومن كان على دينهم.

(سميتموها أنتم وآباؤكم) من تلقائكم بمحض جهلكم وضلالتكم وليس لها من الإلهية شيء إلا مجرد الأسماء لكونها جمادات لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر والتقدير سميتموها آلهة من عند أنفسكم (ما أنزل الله بها) أي بتلك التسمية المستتبعة للعبادة (من سلطان) من حجة تدل على صحتها (إن) أي ما (الحكم) في أمر العبادة المتفرعة على تلك التسمية (إلا لله) عز سلطانه لأنه المستحق لها بالذات إذ هو الذي خلقكم وخلق هذه الأصنام التي جعلتموها معبودة بدون حجة ولا برهان (أمر أن لا) أي بأن لا (تعبدوا إلا إياه) حسبما تقضي به قضية العقل أيضاً والجملة مستأنفة أو حالية والأول هو الظاهر.

والمعنى أنه أمركم بتخصيصه بالعبادة دون غيره مما تزعمون أنه معبود، ثم بين لهم إن عبادته وحده دون غيره هي دين الله الذي لا دين غيره فقال:

(ذلك) أي تخصيصه تعالى بالعبادة (الدين القيم) أي المستقيم الثابت العدل الذي تعاضدت عليه البراهين عقلاً ونقلاً (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) إن ذلك هو دينه القويم وصراطه المستقيم لجهلهم وبعدهم عن الحقائق أو لا يعلمون ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون وهذا يدل على أن العقوبة تلزم العبد وإن جهل إذا أمكن له العلم بطريقه.

ثم بعد تحقيق الحق ودعوتهما إليه وبيانه لهما مقداره الرفيع ومرتبة علمه الواسع شرع في تفسير ما استفسراه ولكونه بحثاً مغايراً لما سبق فصله عنه بتكرير الخطاب فقال.

Commentary: Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.