Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 21–30 of 111

21

وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

And the one from Egypt who bought him said to his wife, "Make his residence comfortable. Perhaps he will benefit us, or we will adopt him as a son." And thus, We established Joseph in the land that We might teach him the interpretation of events. And Allah is predominant over His affair, but most of the people do not know.

﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ﴾ فَهَذا الشِّراءُ غَيْرُ الشِّراءِ السّابِقِ الَّذِي كانَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، وزَعَمَ اتِّحادُهُما ضَعِيفٌ جِدًّا وإلّا لا يَبْقى لِقَوْلِهِ: ﴿مِن مِصْرَ﴾ كَثِيرُ جَدْوى، وكانَ المَلِكُ يَوْمَئِذٍ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ العَمْلِيقِيُّ وماتَ في حَياةِ

صفحة 207

يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ آمَنَ بِهِ فَمَلَكَ بَعْدَهُ قابُوسُ بْنُ مُصْعَبٍ فَدَعاهُ إلى الإيمانِ فَأبى.

وقِيلَ: كانَ المَلِكُ في أيّامِهِ فِرْعَوْنُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ وقِيلَ: فِرْعَوْنُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أوْلادِ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والآيَةُ مِن قَبِيلِ خِطابِ الأوْلادِ بِأحْوالِ الآباءِ وهو الصَّحِيحُ، وظاهِرُ أمْرِ العَزِيزِ أنَّهُ كانَ كافِرًا.

واسْتَدَلَّ في البَحْرِ عَلى ذَلِكَ بِكَوْنِ الصَّنَمِ في بَيْتِهِ حَسْبَما يُذْكَرُ في بَعْضِ الرِّواياتِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ مُؤْمِنًا، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّهُ آمَنَ بَعْدَ ذاكَ، وإلّا فَكَوْنُهُ مُؤْمِنًا يَوْمَ الِاشْتِراءِ مِمّا لا يَكادُ يُسَلَّمُ، نَعَمْ إنَّهُ اعْتَنى بِأمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِذا قالَ: ﴿لامْرَأتِهِ﴾ راعِيلَ بِنْتِ رَعابِيلَ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ.

وقالَ السُّدِّيُّ: زُلَيْخا بِنْتُ تَمْلِيخا، وقِيلَ: اسْمُها راعِيلُ ولَقَبُها زُلَيْخا، وقِيلَ: بِالعَكْسِ، والجارُّ الأوَّلُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ: مُتَعَلِّقٌ –بِاشْتَراهُ- كَقَوْلِكَ اشْتَرَيْتُهُ مِن بَغْدادَ أيْ فِيها أوْ بِها، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الَّذِي أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في –اشْتَرى- أيْ كائِنًا مِن أهْلِ مِصْرَ، والجارُّ الثّانِي مُتَعَلِّقٌ –بِقالَ- كَما أشَرْنا إلَيْهِ لا –بِاشْتَراهُ- ومَقُولُ القَوْلِ: ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ﴾ أيِ اجْعَلِي مَحَلَّ ثِوائِهِ وإقامَتِهِ كَرِيمًا أيْ حَسَنًا مَرْضِيًّا، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ إكْرامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأتَمِّهِ لِأنَّ مَن أكْرَمَ المَحَلَّ بِتَنْظِيفِهِ وفَرْشِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَقَدْ أكْرَمَ ضَيْفَهُ بِسائِرِ ما يُكْرَمُ بِهِ، وقِيلَ: المَثْوى مُقْحَمٌ، يُقالُ: المَجْلِسُ العالِي والمَقامُ السّامِي، والمَعْنى أحْسِنِي تَعَهُّدَهُ والنَّظَرَ فِيما يَقْتَضِيهِ إكْرامُ الضَّيْفِ ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ في قَضاءِ مَصالِحِنا إذا تَدَرَّبَ في الأُمُورِ وعَرَفَ مَجارِيها ﴿أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ أيْ نَتَبَنّاهُ ونُقِيمُهُ مَقامَ الوَلَدِ، وكانَ فِيما يُرْوى عَقِيمًا، ولَعَلَّ الِانْفِصالَ لِمَنعِ الخُلُوِّ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لِمَنعِ الجَمْعِ عَلى مَعْنى عَسى أنْ نَبِيعَهُ فَنَنْتَفِعَ بِثَمَنِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وكانَ هَذا القَوْلُ مِنَ العَزِيزِ لِما تَفَرَّسَ فِيهِ مِن مَخايِلِ الرُّشْدِ والنَّجابَةِ، ومِن ذَلِكَ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ: أفْرَسُ النّاسِ ثَلاثَةٌ: العَزِيزُ حِينَ تَفَرَّسَ في يُوسُفَ فَقالَ لِاِمْرَأتِهِ: ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ إلَخْ، والمَرْأةُ الَّتِي أتَتْ مُوسى فَقالَتْ لِأبِيها: ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ وأبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ.

﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ أيْ جَعَلْنا لَهُ فِيها مَكانًا يُقالُ: مَكَّنَهُ فِيهِ أيْ أثْبَتَهُ فِيهِ، ومَكَّنَ لَهُ فِيهِ أيْ جَعَلَ لَهُ مَكانًا فِيهِ، ولِتَقارُبِهِما وتَلازُمِهِما يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنهُما في مَقامِ الآخَرِ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ …

22

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيْنَٰهُ حُكْمًۭا وَعِلْمًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ

And when Joseph reached maturity, We gave him judgment and knowledge. And thus We reward the doers of good.

﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ أيْ بَلَغَ زَمانَ انْتِهاءِ اشْتِدادِ جِسْمِهِ وقُوَّتِهِ وهو سِنُّ الوُقُوفِ عَنِ النُّمُوِّ المُعْتَدِّ بِهِ أعْنِي ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ والأرْبَعِينَ، وسُئِلَ القاضِي النَّحْوِيِّ مُهَذَّبُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ الخَيْمِيُّ عَنْهُ، فَقالَ: هو خَمْسٌ وثَلاثُونَ سَنَةً وتَمامُهُ أرْبَعُونَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هو سَبْعَةَ عَشَرَ عامًا إلى نَحْوِ الأرْبَعِينَ، وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ -ورَواهُ ابْنُ جُبَيْرٍ- عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ، أوْ ثَلاثُونَ أوْ أحَدُ وعِشْرُونَ، وقالَ الضَّحّاكُ: عِشْرُونَ، وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّهُ ثَمانٍ وثَلاثُونَ.

وقالَ الحَسَنُ: أرْبَعُونَ، والمَشْهُورُ أنَّ الإنْسانَ يَقِفُ جِسْمُهُ عَنِ النُّمُوِّ إذا بَلَغَ ذَلِكَ، وإذا وقَفَ الجِسْمُ وقَفَتِ القُوى والشَّمائِلُ والأخْلاقُ، ولِذا قِيلَ:

إذا المَرْءُ وفى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ دُونَ ما يَهْوى حَياءٌ ولا سِتْرُ

فَدَعْهُ ولا تُنَفِّسْ عَلَيْهِ الَّذِي مَضى ∗∗∗ وإنْ جَرَّ أسْبابَ الحَياةِ لَهُ العُمُرُ

وقِيلَ: أقْصى الأشُدِّ اثْنانِ وسِتُّونَ، وإلى كَوْنِ الأشُدِّ مُنْتَهى الشَّبابِ والقُوَّةِ قَبْلَ أنْ يُؤْخَذَ في النُّقْصانِ ذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ مِن ثِقاتِ اللُّغَوِيِّينَ، واسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وهو عِنْدَ سِيبَوَيْهِ جَمْعٌ واحِدُهُ شِدَّةٌ كَنِعْمَةٍ وأنْعُمٍ- وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّهُ جَمْعُ شَدٍّ نَحْوُ صَكٍّ وأصُكٍّ وفَلْسٍ وأفْلُسٍ- وهَذا عَلى ما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ مُؤَنَّثًا لِأنَّ كُلَّ جَمْعٍ عَلى أفْعُلٍ مُؤَنَّثٌ.

وزَعَمَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ عِنْدَ العَرَبِ، وقالَ الفَرّاءُ: أهْلُ البَصْرَةِ يَزْعُمُونَ أنَّهُ اسْمٌ واحِدٌ لَكِنَّهُ عَلى بِناءٍ نَدَرَ في المُفْرَداتِ وقَلَّما رَأيْنا اسْمًا عَلى أفْعْلٍ إلّا وهو جَمْعٌ ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ أيْ حِكْمَةً وهي في لِسانِ الشَّرْعِ العِلْمُ النّافِعُ المُؤَيَّدُ بِالعَمَلِ لِأنَّهُ بِدُونِهِ لا يُعْتَدُّ بِهِ، والعَمَلُ بِخِلافِ العِلْمِ سَفَهٌ، أوْ حُكْمًا بَيْنَ النّاسِ ﴿وعِلْمًا﴾ يَعْنِي عِلْمَ تَأْوِيلِ الرُّؤْيا، وخُصَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ غَيْرُ داخِلٍ فِيما قَبْلَهُ، أوْ أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ مِمّا لَهُ شَأْنٌ ولِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ اخْتِصاصٌ تامٌّ كَذا قِيلَ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الحِكْمَةَ بِالنُّبُوَّةِ والعِلْمَ بِالتَّفَقُّهِ في الدِّينِ، وقِيلَ: الحِكْمَةُ حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ هَواها وصَوْنُها عَمّا لا يَنْبَغِي، والعِلْمُ هو العِلْمُ النَّظَرِيُّ، وقِيلَ: أرادَ بِالحِكْمَةِ الحُكْمَ بَيْنَ النّاسِ، وبِالعِلْمِ العِلْمَ بِوُجُوهِ المَصالِحِ، فَإنَّ النّاسَ كانُوا إذا تَحاكَمُوا إلى العَزِيزِ أمَرَهُ بِأنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم لِما رَأى مِن عَقْلِهِ وإصابَتِهِ في الرَّأْيِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الحُكْمَ النُّبُوَّةُ، والعِلْمَ الشَّرِيعَةُ، وتَنْكِيرُهُما لِلتَّفْخِيمِ أيْ حُكْمًا وعِلْمًا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُما ولا يُقادَرُ قَدْرُهُما، وتُعُقِّبَ كَوْنُ المُرادِ بِالعِلْمِ العِلْمَ بِتَأْوِيلِ الأحادِيثِ -بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ العَجِيبِ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ كُلَّ مَن يُحْسِنُ في عِلْمِهِ -يَأْباهُ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَزاءً لِأعْمالِهِ الحَسَنَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُعاناةُ الأحْزانِ والشَّدائِدِ إلّا أنْ يُخَصَّ بِعِلْمِ تَأْوِيلِ رُؤْيا المَلِكِ فَإنَّ ذَلِكَ

صفحة 210

حَيْثُ كانَ عِنْدَ تَناهِي أيّامِ …

23

وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And she, in whose house he was, sought to seduce him. She closed the doors and said, "Come, you." He said, "[I seek] the refuge of Allah. Indeed, he is my master, who has made good my residence. Indeed, wrongdoers will not succeed."

﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها﴾ رُجُوعٌ إلى شَرْحِ ما جَرى عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَنزِلِ العَزِيزِ بَعْدَ ما أمَرَ امْرَأتَهُ بِإكْرامِ مَثْواهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ إلى هُنا اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ أُنْمُوذَجًا لِلْقِصَّةِ لِيَعْلَمَ السّامِعُ مِن أوَّلِ الأمْرِ أنَّ ما لَقِيَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الفِتَنِ الَّتِي سَتُحْكى بِتَفاصِيلِها لَهُ غايَةٌ جَمِيلَةٌ وعاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُحْسِنٌ في أعْمالِهِ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ما يُخِلُّ بِنَزاهَتِهِ، والمُراوَدَةُ المُطالَبَةُ بِرِفْقٍ مِن رادَ يَرُودُ إذا ذَهَبَ وجاءَ لِطَلَبِ شَيْءٍ، ومِنهُ الرّائِدُ لِطالِبِ الكَلَأِ والماءِ، وبِاعْتِبارِ الرِّفْقِ قِيلَ: رادَتِ الإبِلُ في مِشْيَتِها تَرُودُ رَوَدانًا، ومِنهُ بَنى المِرْوَدِ، ويُقالُ: أرْوَدَ يَرُودُ إذا رَفَقَ، ومِنهُ بَنِي رُوَيْدٍ، والإرادَةُ مَنقُولَةٌ مِن رادَ يَرُودُ إذا سَعى في طَلَبِ شَيْءٍ وهي مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ نَحْوَ مُطالَبَةِ الدّائِنِ ومُماطَلَةِ المَدْيُونِ ومُداواةِ الطَّبِيبِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ مِن أحَدِ الجانِبَيْنِ الفِعْلُ ومِنَ الآخَرِ سَبَبُهُ فَإنَّ هَذِهِ الأفْعالَ وإنْ كانَتْ صادِرَةً عَنْ أحَدِ الجانِبَيْنِ لَكِنْ لَمّا كانَتْ أسْبابُها صادِرَةً عَنِ الجانِبِ الآخَرِ جُعِلَتْ كَأنَّها صادِرَةٌ عَنْهُما، قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: وهَذا بابٌ لَطِيفُ المَسْلَكِ مَبْنِيٌّ عَلى اعْتِبارٍ دَقِيقٍ تَحْقِيقُهُ أنَّ سَبَبَ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقامَهُ ويُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُهُ كَما في قَوْلِهِمْ: كَما تَدِينُ تُدانُ، أيْ كَما تَجْزِي تُجْزى، فَإنَّ فِعْلَ البادِئِ وإنْ لَمْ يَكُنْ جَزاءً لَكِنَّهُ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْجَزاءِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اِسْمُهُ، وكَذَلِكَ إرادَةُ القِيامِ إلى الصَّلاةِ وإرادَةُ قِراءَةِ القُرْآنِ حَيْثُ كانَتا سَبَبًا لِلْقِيامِ والقِراءَةِ عَبَّرَ عَنْهُما بِهِما فَقِيلَ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ)،﴾ وهَذِهِ قاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، ولَمّا كانَتْ أسْبابُ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ فِيما نَحْنُ فِيهِ صادِرَةً عَنِ الجانِبِ المُقابِلِ لِجانِبِ فاعِلِها فَإنَّ مُطالَبَةَ الدّائِنِ لِلْمُماطَلَةِ الَّتِي هي مِن جانِبِ الغَرِيمِ وهي مِنهُ لِلْمُطالَبَةِ الَّتِي مِن جانِبِ الدّائِنِ، وكَذا مُداواةُ الطَّبِيبِ لِلْمَرَضِ الَّذِي هو مِن جانِبِ المَرِيضِ، وكَذَلِكَ مُراوَدَتُها فِيما نَحْنُ فِيهِ لِجَمالِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ صُدُورُها عَنْ مَحالِها بِمَنزِلَةِ صُدُورِ مُسَبِّباتِها الَّتِي هي تِلْكَ الأفْعالُ فَبُنِيَ الصِّيغَةُ عَلى ذَلِكَ ورُوعِيَ جانِبُ الحَقِيقَةِ بِأنْ أسْنَدَ الفِعْلَ إلى الفاعِلِ وأوْقَعَ عَلى صاحِبِ السَّبَبِ فَتَأمَّلْ، اهـ.

وكَأنَّهُ أشارَ بِالأمْرِ بِالتَّأمُّلِ إلى ما فِيهِ مِمّا لا يَخْفى عَلى ذَوِيِهِ، وفي الكَشْفِ المُراوَدَةُ مُنازَعَةٌ في الرَّوْدِ بِأنْ يَكُونَ لَهُ مَقْصِدٌ مَجِيئًا وذَهابًا ولِلْمُفاعِلِ مَقْصِدٌ آخَرُ يُقابِلُهُ فِيهِما، ومَعْنى المُفاعَلَةِ هَهُنا إمّا المُبالَغَةُ في رَوْدِها أوِ الدَّلالَةُ عَلى اخْتِلافِهِما فِيهِ، فَإنَّها طَلَبَتْ مِنهُ الفِعْلَ وهو طَلَبَ مِنها التَّرْكَ وهَذا أبْلَغُ ولِما كانَ مُنازَعَةً جِيءَ –بِعْنَ- في قَوْلِهِ

صفحة 211

تَعالى: ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ كَما تَقُولُ: جاذَبْتُهُ عَنْ كَذا دَلالَةً عَلى الِإبْعادِ وتَحْصِيلِ الجَذْبِ البالِغِ، ولِهَذا قالَ في الأساسِ: ومِنَ المَجازِ راوَدَهُ عَنْ نَفْسِهِ خادَعَهُ عَنْها.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا: أيْ فَعَلَتْ ما يَفْعَلُ المُخادِعُ بِصِحابِهِ عَنِ …

24

وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَٰنَ رَبِّهِۦ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ۚ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ

And she certainly determined [to seduce] him, and he would have inclined to her had he not seen the proof of his Lord. And thus [it was] that We should avert from him evil and immorality. Indeed, he was of Our chosen servants.

﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ أيْ بِمُخالَطَتِهِ إذًا لَهم -سَواءٌ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى القَصْدِ والإرادَةِ مُطْلَقًا أوْ بِمَعْنى القَصْدِ الجازِمِ والعَقْدِ الثّابِتِ كَما هو المُرادُ هَهُنا، لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ.

والمَعْنى أنَّها قَصَدَتِ المُخالَطَةَ وعَزَمَتْ عَلَيْها عَزْمًا جازِمًا لا يَلْوِيها عَنْهُ صارِفٌ بَعْدَ ما باشَرَتْ مَبادِيها وفَعَلَتْ ما فَعَلَتْ مِمّا قَصَّ اللَّهُ تَعالى، ولَعَلَّها تَصَدَّتْ هُنالِكَ لِأفْعالٍ أُخَرَ مِن بَسْطِ يَدِها إلَيْهِ وقَصْدِ المُعانَقَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اضْطَرَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الهَرَبِ نَحْوَ البابِ، والتَّأْكِيدُ لِدَفْعِ ما عَسى يُتَوَهَّمُ مِنِ احْتِمالِ إقْلاعِها عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ بِما في مَقالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الزَّواجِرِ ﴿وهَمَّ بِها﴾ أيْ مالَ إلى مُخالَطَتِها بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ كَمَيْلِ الصّائِمِ في اليَوْمِ الحارِّ إلى الماءِ البارِدِ، ومِثْلَ ذَلِكَ لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ لا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَصَدَها قَصْدًا اخْتِيارِيًّا لِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مَذْمُومٌ تُنادِي الآياتُ عَلى عَدَمِ اتِّصافِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالهَمِّ لِمُجَرَّدِ وُقُوعِهِ في صُحْبَةِ هَمِّها في الذَّكَرِ بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ لا لِشَبَهِهِ بِهِ كَما قِيلَ، وقَدْ أُشِيرَ إلى تَغايُرِهِما كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: حَيْثُ لَمْ يَلُزّا في قَرْنٍ واحِدٍ مِنَ التَّعْبِيرِ بِأنْ قِيلَ: ولَقَدْ هَمّا بِالمُخالَطَةِ أوْ هَمَّ كُلٌّ مِنهُما بِالآخَرِ وأكَّدَ الأوَّلَ دُونَ الثّانِي.

﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ أيْ حُجَّتَهُ الباهِرَةَ الدّالَّةَ عَلى كَمالِ قُبْحِ الزِّنا وسُوءِ سَبِيلِهِ، والمُرادُ بِرُؤْيَتِهِ لَها كَمالُ إيقانِهِ بِها ومُشاهَدَتُهُ لَها مُشاهَدَةً واصِلَةً إلى مَرْتَبَةِ عَيْنِ اليَقِينِ، وقِيلَ: المُرادُ بِرُؤْيَةِ البُرْهانِ حُصُولُ الأخْلاقِ وتَذْكِيرُ الأحْوالِ الرّادِعَةِ عَنِ الإقْدامِ عَلى المُنْكَرِ، وقِيلَ: رُؤْيَةٌ ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا﴾ مَكْتُوبًا في السَّقْفِ، وجَوابُ (لَوْلا) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ لَوْلا مُشاهَدَتُهُ البُرْهانَ لَجَرى عَلى مُوجَبِ مَيْلِهِ الجِبِلِّيِّ لَكِنَّهُ حَيْثُ كانَ مُشاهِدًا لَهُ اسْتَمَرَّ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن قَضِيَّةِ البُرْهانِ، هَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في مَعْنى الآيَةِ، وهو قَوْلٌ بِإثْباتِ هَمَّ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا أنَّهُ هَمٌّ غَيْرُ مَذْمُومٍ.

وفِي البَحْرِ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَمٌّ بِها ألْبَتَّةَ بَلْ هو مَنفِيٌّ لِوُجُودِ رُؤْيَةِ البُرْهانِ كَما تَقُولُ: قارَفْتُ الذَّنْبَ

صفحة 214

لَوْ لا أنْ عَصَمَكَ اللَّهُ تَعالى ولا نَقُولُ: إنَّ جَوابَ (لَوْلا) مُتَقَدِّمٌ عَلَيْها وإنْ كانَ لا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلى امْتِناعِ ذَلِكَ بَلْ صَرِيحُ أدَواتِ الشَّرْطِ العامِلَةِ مُخْتَلِفٌ في جَوازِ تَقْدِيمِ أجْوِبَتِها عَلَيْها، وقَدْ ذَهَبَ إلى الجَوازِ الكُوفِيُّونَ.

ومِن أعْلامِ البَصْرِيِّينَ أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ وأبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ بَلْ نَقُولُ: إنَّ جَوابَ (لَوْلا) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ كَما يَقُولُ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ في قَوْلِ العَرَبِ: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ كَذا فَيُقَدِّرُونَهُ إنْ فَعَلْتَ فَأنْتَ ظالِمٌ، ولا يَدُلُّ قَوْلُهُمْ: أنْتَ ظالِمٌ عَلى ثُبُوتِ الظُّلْمِ بَلْ هو مُثْبَتٌ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ الفِعْلِ، وكَذَلِكَ هَهُنا التَّقْدِيرُ ﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ لَهم بِها فَكانَ …

25

وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍۢ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And they both raced to the door, and she tore his shirt from the back, and they found her husband at the door. She said, "What is the recompense of one who intended evil for your wife but that he be imprisoned or a painful punishment?"

﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها﴾ إلَخْ، وقَوْلُهُ تَعالى: (كَذَلِكَ) إلَخِ.. اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ تَقْرِيرًا لِنَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وأبى هو واسْتَبَقا أيْ تَسابَقا إلى البابِ عَلى مَعْنى قَصَدَ كُلٌّ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وامْرَأةِ العَزِيزِ سَبْقَ الآخَرِ إلَيْهِ فَهو لِيَخْرُجَ وهي لِتَمْنَعَهُ مِنَ الخُرُوجِ؛ وقِيلَ: المُرادُ مِنَ السَّبْقِ في جانِبِها الإسْراعُ إثْرَهُ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ، ووَحَّدَ البابَ هُنا مَعَ جَمْعِهِ أوَّلًا لِأنَّ المُرادَ البابُ البَرّانِيُّ الَّذِي هو المَخْلَصُ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ كَيْفَ يَسْتَبِقانِ إلَيْهِ ودُونَهُ أبْوابٌ جَوّانِيَّةٌ بِناءً عَلى ما ذَكَرُوا مِن أنَّ الأبْوابَ كانَتْ سَبْعَةً.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أنَّ أقْفالَ هاتَيْكَ الأبْوابِ كانَتْ تَتَناثَرُ إذا قَرُبَ إلَيْها يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَتَفَتَّحُ لَهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الأبْوابُ المُغْلَقَةُ عَلى التَّرْتِيبِ بابًا فَبابًا بَلْ كانَتْ في جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كُلُّها مَنافِذُ لِلْمَكانِ الَّذِي كانا فِيهِ، فاسْتَبِقا إلى بابٍ يَخْرُجُ مِنهُ، ونُصِبَ البابُ عَلى الِاتِّساعِ لِأنَّ أصْلَ اسْتَبَقَ أنْ يَتَعَدّى بِإلى لَكِنْ جاءَ كَذَلِكَ عَلى حَدِّ ﴿وإذا كالُوهُمْ)،﴾ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا)،﴾ وقِيلَ: إنَّهُ ضَمَّنَ الِاسْتِباقَ مَعْنى الِابْتِداءِ فَعُدِّيَ تَعْدِيَتَهُ ﴿وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (اسْتَبَقا)، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ كَما قالَ أبُو حَيّانَ، أيْ وقَدْ قَدَّتْ، والقَدُّ القَطْعُ والشَّقُّ وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ فِيما كانَ طُولًا وهو

صفحة 218

المُرادُ هُنا بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّها جَذَبَتْهُ مِن وراءٍ فانْخَرَقَ القَمِيصُ إلى أسْفَلِهِ، ويُسْتَعْمَلُ القَطُّ فِيما كانَ عَرْضًا، وعَلى هَذا جاءَ ما قِيلَ في وصْفِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّهُ كانَ إذا اعْتَلى قَدَّ وإذا اَعْتُرِضَ قَطَّ، وقِيلَ: القَدُّ هَنا مُطْلَقُ الشَّقِّ، ويُؤَيِّدُهُ ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ قَرَأتْ فِرْقَةٌ –وقُطَّ- وقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ في مُصْحَفِ المُفَضَّلِ بْنِ حَرْبٍ.

وعَنْ يَعْقُوبَ تَخْصِيصُ القَدِّ بِما كانَ في الجِلْدِ والثَّوْبِ الصَّحِيحَيْنِ، والقَمِيصُ مَعْرُوفٌ، وجَمْعُهُ أقْمِصَةٌ وقُمُصٌ وقُمْصانٌ، وإسْنادُ القَدِّ بِأيِّ مَعْنًى كانَ إلَيْها خاصَّةً مَعَ أنَّ لِقُوَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا دَخْلًا فِيهِ إمّا لِأنَّها الجُزْءُ الأخِيرُ لِلْعِلَّةِ التّامَّةِ، وإمّا لِلْإيذانِ بِمُبالَغَتِها في مَنعِهِ عَنِ الخُرُوجِ وبَذْلِ مَجْهُودِها في ذَلِكَ لِفَوْتِ المَحْبُوبِ أوْ لِخَوْفِ الِافْتِضاحِ ﴿وألْفَيا﴾ أيْ وجَدا، وبِذَلِكَ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ﴿سَيِّدَها﴾ أيْ زَوْجَها وهو فَيْعَلٌ مِن سادَ يَسُودُ، وشاعَ إطْلاقُهُ عَلى المالِكِ وعَلى الرَّئِيسِ، وكانَتِ المَرْأةُ إذْ ذاكَ عَلى ما قِيلَ: تَقُولُ لِزَوْجِها سَيِّدِي، ولِذا لَمْ يَقُلْ سَيِّدُهُما، وفي البَحْرِ إنَّما لَمْ يُضِفْ إلَيْهِما لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مالِكًا لِيُوسُفَ حَقِيقَةً لِحُرِّيَّتِهِ ﴿لَدى البابِ﴾ أيْ عِنْدِ البابِ البَرّانِيِّ، قِيلَ: وجَداهُ يُرِيدُ أنْ يَدْخُلَ مَعَ ابْنِ عَمٍّ لَها ﴿قالَتْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالِ سائِلٍ يَقُولُ: فَماذا كانَ حِينَ ألْفَيا السَّيِّدَ عِنْدَ البابِ؟ فَقِيلَ: قالَتْ: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ مِنَ …

26

قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌۭ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍۢ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ

[Joseph] said, "It was she who sought to seduce me." And a witness from her family testified. "If his shirt is torn from the front, then she has told the truth, and he is of the liars.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ وجَوابٌ عَمّا يُقالُ: فَماذا قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ أيْ طالَبَتْنِي لِلْمُواتاةِ لا أنِّي أرَدْتُ بِها سُوءًا كَما زَعَمَتْ وإنَّما قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَنْزِيهِ نَفْسِهِ عَنِ التُّهْمَةِ ودَفْعِ الضَّرَرِ عَنْها لا لِتَفْضِيحِها.

وفِي التَّعْبِيرِ عَنْها بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ دُونَ الخِطابِ أوِ اسْمِ الإشارَةِ مُراعاةٌ لِحُسْنِ الأدَبِ مَعَ الإيماءِ إلى الإعْراضِ عَنْها كَذا قالُوا، وفي هَذا الضَّمِيرِ ونَحْوِهِ كَلامٌ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ في بَعْضِ حَواشِيهِ عَلى قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في ألْفِيَّتِهِ:

فَما لِذِي غَيْبَةٍ أوْ حُضُورٍ

إلَخْ لِيُنْظُرْ إلى نَحْوِ ﴿هِيَ راوَدَتْنِي﴾ فَإنَّ هي ضَمِيرٌ بِاتِّفاقٍ، ولَيْسَ هو لِلْغائِبِ بَلْ لِمَن بِالحَضْرَةِ، وكَذا ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ وهَذا في المُتَّصِلِ وذاكَ في المُنْفَصِلِ، وقَوْلُ مَن يُخاطِبُ شَخْصًا في شَأْنٍ آخَرَ حاضِرٍ مَعَهُ قُلْتُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ تَعالى وأمَرْتُهُ بِفِعْلِ الخَيْرِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ نَزَلَ الضَّمِيرُ فِيهِنَّ مَنزِلَةَ الغائِبِ وكَذا في عَكْسِ ذَلِكَ يَبْلُغُكَ عَنْ شَخْصٍ غائِبٍ شَيْءٌ فَنَقُولُ: ويْحَكَ يا فُلانُ أتَفْعَلُ كَذا؟ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ مَن بِالحَضْرَةِ، وحِينَئِذٍ يُقالُ: الحَدُّ المُسْتَفادُ مِمّا ذُكِرَ إنَّما هو لِلضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ وضْعِهِ اهـ. وقالَ السِّراجُ البَلْقِينِيُّ في رِسالَتِهِ المُسَمّاةِ نَشْرَ العَبِيرِ لِطَيِّ الضَّمِيرِ المُفَسِّرِ لِضَمِيرِ الغائِبِ إمّا مُصَرَّحٌ بِهِ أوْ مُسْتَثْنًى بِحُضُورِ مَدْلُولِهِ حِسًّا أوْ عِلْمًا، فالحِسُّ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي﴾ و﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ كَما ذَكَرَهُ ابْنُ مالِكٍ، وتَعَقَّبَهُ شَيْخُنا أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ كَما مَثَّلَ بِهِ لِأنَّ هَذَيْنِ الضَّمِيرَيْنِ عائِدانِ عَلى ما قَبْلَهُما فَضَمِيرُ ﴿هِيَ راوَدَتْنِي﴾ عائِدٌ عَلى الأهْلِ في قَوْلِها: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ ولِما كَنَّتْ عَنْ نَفْسِها بِذَلِكَ ولَمْ تَقُلْ بِي بَدَلُ (بِأهْلِكَ) كَنّى هو عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْها بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ فَقالَ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي﴾ ولَمْ يُخاطِبْها بِأنْتِ راوَدْتِينِي، ولا أشارَ إلَيْها بِهَذِهِ راوَدَتْنِي وكُلُّ هَذا عَلى سَبِيلِ الأدَبِ في الألْفاظِ والِاسْتِحْياءِ في الخِطابِ الَّذِي لا يَلِيقُ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَأبْرَزُ الِاسْمِ في صُورَةِ ضَمِيرِ الغائِبِ تَأدُّبًا مَعَ العَزِيزِ وحَياءً مِنهُ، وضَمِيرُ ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى فَمُفَسِّرُهُ مُصَرَّحٌ بِلَفْظِهِ، وكَأنَّ ابْنَ مالِكٍ تَخَيَّلَ أنَّ هَذا مَوْضِعُ إشارَةٍ لِكَوْنِ صاحِبِ الضَّمِيرِ حاضِرًا عِنْدَ المُخاطَبِ فاعْتَقَدَ أنَّ المُفَسِّرَ يُسْتَغْنى عَنْهُ بِحُضُورِ مَدْلُولِهِ حِسًّا فَجَرى الضَّمِيرُ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ، والتَّحْقِيقُ ما ذَكَرْناهُ هَذا كَلامُهُ.

وعِنْدِي أنَّ الَّذِي قالَهُ ابْنُ مالِكٍ أرْجَحُ مِمّا قالَهُ الشَّيْخُ، وذَلِكَ أنَّ الِاثْنَيْنِ إذا وقَعَتْ بَيْنَهُما خُصُومَةٌ عِنْدَ حاكِمٍ فَيَقُولُ المُدَّعِي لِلْحاكِمِ: لِي عَلى هَذا كَذا: فَيَقُولُ المُدَّعى عَلَيْهِ: هو يَعْلَمُ أنَّهُ لا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ، فالضَّمِيرُ في هو إنَّما

صفحة 220

هُوَ لِحُضُورِ مَدْلُولِهِ حِسًّا لا لِقَوْلِهِ: لِي كَما هو المُتَبادَرُ إلى الأفْهامِ، وأيْضًا يَرِدُ عَلى ما ذَكَرَهُ في ضَمِيرِ ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ عِنْدَ حُضُورِهِ مَعَ بِنْتِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ قالَتْ: …

27

وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

But if his shirt is torn from the back, then she has lied, and he is of the truthful."

﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ أيْ مِن قُدّامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ مِن قُدّامِ القَمِيصِ؛ و(إنْ) شَرْطِيَّةٌ، و(كانَ) فِعْلُ الشَّرْطِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَصَدَقَتْ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ وهو بِتَقْدِيرِ قَدْ، وإلّا فالفاءُ لا تَدْخُلُ في مِثْلِهِ، وعَنِ ابْنِ خَرُوفٍ أنَّ مِثْلَ هَذا عَلى إضْمارِ المُبْتَدَأِ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ لا الماضِي وحْدَهُ، وفي الكَشّافِ إنِ الشَّرْطِيَّةُ هَنا نَظِيرُ قَوْلِكَ: إنْ أحْسَنْتَ إلَيَّ فَقَدْ أحْسَنْتُ إلَيْكَ مِن قَبْلُ لِمَن يَمْتَنُّ عَلَيْكَ بِإحْسانِهِ فَإنَّهُ عَلى مَعْنى إنْ تَمْتَنَّ عَلَيَّ أمْتَنَّ عَلَيْكَ، وكَذا هُنا المُرادُ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ ونَحْوَهُ وإلّا فَبَيَّنَ أنَّ الَّذِي لِلِاسْتِقْبالِ و(كانَ) تُنافِ قِيلَ: وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ مِن أنَّ (كانَ) قَوِيَّةٌ في الدَّلالَةِ عَلى الزَّمانِ فَحَرْفُ الشَّرْطِ لا يَقْلِبُ ماضِيها مُسْتَقْبَلًا وإلّا فَكُلُّ ماضٍ دَخَلَ عَلَيْهِ الشَّرْطُ قَلَبَهُ مُسْتَقْبَلًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّأْوِيلِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ هَهُنا وجَعَلَ حُدُوثَ العِلْمِ ونَحْوِهِ جُزْأيِ الشَّرْطِيَّةِ كَأنْ يُقالَ: إنْ يَعْلَمْ أوْ يَظْهَرْ كَوْنُهُ كَذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ الصِّدْقُ، ويُقالُ نَظِيرُهُ في الشَّرْطِيَّةِ الأُخْرى الآتِيَةِ: وإنْ كانَتْ (كانَ) مِمّا يَقْلِبُ حَرْفُ الشَّرْطِ ماضِيَها مُسْتَقْبَلًا كَسائِرِ الأفْعالِ الماضِيَةِ لِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى تَعْلِيقِ الصِّدْقِ أوِ الكَذِبِ في المُسْتَقْبَلِ عَلى كَوْنِ القَمِيصِ كَذا أوْ كَذا كَذَلِكَ بَلْ عَلى تَعْلِيقِ ظُهُورِ أحَدِ الأمْرَيْنِ الصِّدْقِ والكَذِبِ عَلى حُدُوثِ العِلْمِ بِكَوْنِهِ كَذَلِكَ وهو ظاهِرٌ، وهَلْ هَذا التَّأْوِيلُ مِن بابِ التَّقْدِيرِ، أوْ مِن غَيْرِهِ؟ فِيهِ خِلافٌ، والَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ بَعْضِ المُدَقِّقِينَ أنَّهُ يَنْزِلُ في مِثْلِ ذَلِكَ العِلْمِ بِالشَّيْءِ مَنزِلَةَ اسْتِقْبالِهِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّلازُمِ كَما قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ يَخْفى؟ فَقِيلَ: ما لا يَكُونُ فَلْيُفْهَمْ، ثُمَّ إنَّ مُتَعَلِّقَ الصِّدْقِ ما دَلَّ كَلامُها عَلَيْهِ مِن أنَّ يُوسُفَ أرادَ بِها سُوءًا وهو مُتَعَلِّقُ الكَذِبِ المُسْنَدِ إلَيْها فِيما بَعْدُ، وهُما كَما يَتَعَلَّقانِ بِالنِّسْبَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها الكَلامُ بِاعْتِبارِ مَنطُوقِهِ يَتَعَلَّقانِ بِالنِّسْبَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها بِاعْتِبارِ ما يَسْتَلْزِمُهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ في دَعْواها أنَّ يُوسُفَ أرادَ بِها سُوءًا ﴿وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ في دَعْواهُ أنَّها راوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ أيْ مِن خَلْفِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ خَلْفِ القَمِيصِ (فَكَذَبَتْ) في دَعْواها ﴿وهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دَعْواهُ، والشَّرْطِيَّتانِ مَحْكِيَّتانِ: إمّا بِقَوْلٍ مُضْمَرٍ أيْ شَهِدَ قائِلًا أوْ فَقالَ (إنْ كانَ) إلَخْ كَما هو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وإمّا يَشْهَدُ لِأنَّ الشَّهادَةَ قَوْلٌ مِنَ الأقْوالِ فَجازَ أنْ تَعْمَلَ في الجُمَلِ كَما هو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ في الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ لِيَدُلَّ عَلى الِاسْتِقْلالِ مَعَ رِعايَةِ زِيادَةِ الإيضاحِ، وجُمْلَتا -وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ، وهو مِنَ الصّادِقِينَ- مُؤَكِّدَتانِ لِأنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَصَدَقَتْ﴾ يَعْلَمُ كَذِبَهُ، ومِن قَوْلِهِ: ﴿فَكَذَبَتْ﴾ يَعْلَمُ صِدْقَهُ ووَجْهُ دَلالَةِ قَدِّ القَمِيصِ مِن دُبُرٍ عَلى كَذِبِها أنَّها …

28

فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌۭ

So when her husband saw his shirt torn from the back, he said, "Indeed, it is of the women's plan. Indeed, your plan is great.

﴿فَلَمّا رَأى﴾ أيِ السَّيِّدُ وقِيلَ: الشّاهِدُ، والفِعْلُ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ أوِ القَلْبِيَّهِ أيْ فَلَمّا عَلِمَ ﴿قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ﴾

صفحة 224

أيْ هَذا القَدُّ والشَّقُّ كَما قالَ الضَّحّاكُ ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ أيْ ناشِئٌ مِنِ احْتِيالِكُنَّ أيَّتُها النِّساءُ ومَكْرِكُنَّ ومُسَبَّبٌ عَنْهُ، وهَذا تَكْذِيبٌ لَها وتَصْدِيقٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ألْطَفِ وجْهٍ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتِ الَّتِي راوَدْتِيهِ فَلَمْ يَفْعَلْ وفَرَّ فاجْتَذَبْتِيهِ فَشَقَقْتِ قَمِيصَهُ فَهو الصّادِقُ في إسْنادِ المُراوَدَةِ إلَيْكِ وأنْتِ الكاذِبَةُ في نِسْبَةِ السُّوءِ إلَيْهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأمْرِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ التَّشاجُرُ وهو عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ السُّوءِ الَّتِي أُسْنِدَتْ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَدْبِيرِ عُقُوبَتِهِ بِقَوْلِها ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ إلَخْ، أيْ إنَّ ذَلِكَ مِن جِنْسِ مَكْرِكُنَّ واحْتِيالِكُنَّ، وقِيلَ: هو لِلسُّوءِ وهو نَفْسُهُ وإنْ لَمْ يَكُنِ احْتِيالًا لَكِنَّهُ يُلازِمُهُ، وقالَ الماوَرْدِيُّ: هو لِهَذا الأمْرِ وهو طَمَعُها في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَعْلُهُ مِنَ الحِيلَةِ مَجازٌ أيْضًا كَما في الوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو لِقَوْلِها ﴿ما جَزاءُ﴾ إلَخْ فَقَطْ، واخْتارَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ القِيلَ الأوَّلَ وتَكَلَّفَ لَهُ بِما تَكَلَّفَ واعْتَرَضَ عَلى ما بَعْدَهُ مِنَ الأقْوالِ بِما اعْتَرَضَ.

ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أقْرَبُ لِلذَّوْقِ وأقَلُّ مُؤْنَةٍ مِمّا تَكَلَّفَ لَهُ، وأيًّا ما كانَ فالخِطابُ عامٌّ لِلنِّساءِ مُطْلَقًا وكَوْنُهُ لَها ولِجَوارِيها -كَما قِيلَ- لَيْسَ بِذاكَ، وتَعْمِيمُ الخِطابِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الكَيْدَ خُلُقٌ لَهُنَّ عَرِيقٌ:

ولا تَحْسَبا هِنْدًا لَها الغَدْرُ وحْدَها سَجِيَّةُ نَفْسِ كُلِّ غانِيَةٍ هِنْدُ

﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ فَإنَّهُ ألْطَفُ وأعْلَقُ بِالقَلْبِ وأشَدُّ تَأْثِيرًا في النَّفْسِ ولِأنَّ ذَلِكَ قَدْ يُورِثُ مِنَ العارِ ما لا يُورِثُهُ كَيْدُ الرِّجالِ، ولِرَبّاتِ القُصُورِ مِنهُنَّ القَدَحُ المُعَلّى مِن ذَلِكَ لِأنَّهُنَّ أكْثَرُ تَفَرُّغًا مِن غَيْرِهِنَّ مَعَ كَثْرَةِ اخْتِلافِ الكَيّاداتِ إلَيْهِنَّ فَهُنَّ جَوامِعُ كَوامِلُ، ولِعِظْمِ كَيْدِ النِّساءِ اتَّخَذَهُنَّ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وسائِلَ لِإغْواءِ مَن صَعُبَ عَلَيْهِ إغْواؤُهُ، فَفي الخَبَرِ «ما أيِسَ الشَّيْطانُ مِن أحَدٍ إلّا أتاهُ مِن جِهَةِ النِّساءِ» وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: أنا أخافُ مِنَ النِّساءِ ما لا أخافُ مِنَ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ وقالَ لِلنِّساءِ: ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ولِأنَّ الشَّيْطانَ يُوَسْوِسُ مُسارَقَةً وهُنَّ يُواجِهْنَ بِهِ، ولا يَخْفى أنَّ اسْتِدْلالَهُ بِالآيَتَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلى ظاهِرِ إطْلاقِهِما، ومِثْلُهُ ما تَنْقَبِضُ لَهُ النَّفْسُ وتَنْبَسِطُ يَكْفِي فِيهِ ذَلِكَ القَدْرُ فَلا يَضُرُّ كَوْنُ ضَعْفِ كَيْدِ الشَّيْطانِ إنَّما هو في مُقابَلَةِ كَيْدِ اللَّهِ تَعالى، وعِظَمِ كَيْدِهِنَّ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى كَيْدِ الرِّجالِ، وما قِيلَ: إنَّ ما ذُكِرَ لِكَوْنِهِ مَحْكِيًّا عَنْ قَطْفِيرٍ -لا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلالِ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ- لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قَصَّهُ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ فَلا جَناحَ في الِاسْتِدْلالِ بِهِ كَما لا يَخْفى

29

يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ

Joseph, ignore this. And, [my wife], ask forgiveness for your sin. Indeed, you were of the sinful."

﴿يُوسُفُ﴾ حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ لِقُرْبِهِ وكَمالِ تَفَطُّنِهِ لِلْحَدِيثِ، وفي نِدائِهِ بِاسْمِهِ تَقْرِيبٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَلْطِيفٌ.

وقَرَأ الأعْمَشُ (يُوسُفَ) بِالفَتْحِ، والأشْبَهُ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ: أنْ يَكُونَ أخْرَجَهُ عَلى أصْلِ المُنادى كَما جاءَ في الشِّعْرِ.

يا عَدِيًّا لَقَدْ وقَتْكَ الأواقِي.

وقِيلَ: لَمْ تُضْبَطْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الأعْمَشِ، وقِيلَ: إنَّهُ أجْرى الوَقْفَ مَجْرى الوَصْلِ ونَقَلَ إلى الفاءِ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ أيْ عَنْ هَذا الأمْرِ واكْتُمْهُ ولا تَتَحَدَّثْ بِهِ فَقَدْ ظَهَرَ صِدْقُكَ وطَهارَةُ ثَوْبِكَ، وهَذا كَما حَكى اللَّهُ أكْبَرُ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِالوَصْلِ والفَتْحِ، وقُرِئَ (أعْرَضَ) بِصِيغَةِ الماضِي فَيُوسُفُ حِينَئِذٍ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ، ولَعَلَّ المُرادَ الطَّلَبُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فَيُؤَوَّلُ إلى مَعْنى (أعْرِضْ ﴿واسْتَغْفِرِي﴾ أنْتِ أيَّتُها المَرْأةُ، وضَعَّفَ أبُو البَقاءِ هَذِهِ القِراءَةَ بِأنَّهُ الأشْبَهُ عَلَيْها أنْ

صفحة 225

يُقالُ: فاسْتَغْفِرِي ﴿لِذَنْبِكِ﴾ الَّذِي صَدَرَ عَنْكِ وثَبَتَ عَلَيْكِ ﴿إنَّكِ كُنْتِ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿مِنَ الخاطِئِينَ﴾ أيْ مِن جُمْلَةِ القَوْمِ المُتَعَمِّدِينَ لِلذَّنْبِ، أوْ مِن جِنْسِهِمْ يُقالُ: خَطِئَ يُخْطِئُ خَطَأً وخِطْأً إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا، وأخْطَأ إذا أذْنَبَ مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ الخَطَأ العُدُولُ عَنِ الجِهَةِ وهو أضْرُبٌ: الأوَّلُ أنْ يُرِيدَ غَيْرَ ما تَحْسُنُ إرادَتُهُ فَيَفْعَلُهُ، وهَذا هو الخَطَأُ التّامُّ المَأْخُوذُ بِهِ الإنْسانُ، والثّانِي أنْ يُرِيدَ ما يَحْسُنُ فِعْلُهُ ولَكِنْ يَقَعُ مِنهُ خِلافَ ما يُرِيدُ وهَذا قَدْ أصابَ في الإرادَةِ وأخْطَأ في الفِعْلِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَنِ اجْتَهَدَ فَأخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ» والثّالِثُ أنْ يُرِيدَ ما لا يَحْسُنُ فِعْلُهُ ويَتَّفِقُ مِنهُ خِلافُهُ فَهَذا مُخْطِئٌ في الإرادَةِ مُصِيبٌ في الفِعْلِ، ولا يَخْفى أنَّ المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ راجِعٌ إلى الضَّرْبِ الأوَّلِ مِن هَذِهِ الضُّرُوبِ، والجُمْلَةُ المُؤَكِّدَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ والتَّذْكِيرِ لِتَغْلِيبِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ، واحْتِمالُ أنْ يُقالَ: المُرادُ إنَّكَ مِن نَسْلِ الخاطِئِينَ فَمِنهم سَرى ذَلِكَ العِرْقُ الخَبِيثُ فِيكَ بَعِيدٌ جِدًّا، وهَذا النِّداءُ قِيلَ: مِنَ الشّاهِدِ الحَكِيمِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وحُمِلَ الِاسْتِغْفارُ عَلى طَلَبِ المَغْفِرَةِ والصَّفْحِ مِنَ الزَّوْجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ طَلَبَ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ويُقالُ: إنَّ أُولَئِكَ القَوْمَ وإنْ كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ إلّا أنَّهم مَعَ ذَلِكَ يُثْبِتُونَ الصّانِعَ ويَعْتَقِدُونَ أنَّ لِلْقَبائِحِ عاقِبَةَ سُوءٍ مِن لَدَيْهِ سُبْحانَهُ إذا لَمْ يَغْفِرْها، واسْتَدَلَّ عَلى أنَّهم يُثْبِتُونَ الصّانِعَ أيْضًا بِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُمْ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾، والظّاهِرُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ هو العَزِيزُ، ولَعَلَّهُ كَما قِيلَ: كانَ رَجُلًا حَلِيمًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، ولِذا اكْتُفِيَ بِهَذا القَدْرِ مِن مُؤاخَذَتِها، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ قَلِيلَ الغَيْرَةِ وهو لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي البَحْرِ أنَّ تُرْبَةَ إقْلِيمِ قَطْفِيرَ اقْتَضَتْ ذَلِكَ، وأيْنَ هَذا مِمّا جَرى لِبَعْضِ مُلُوكِ المَغْرِبِ أنَّهُ كانَ مَعَ …

30

۞ وَقَالَ نِسْوَةٌۭ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ

And women in the city said, "The wife of al-'Azeez is seeking to seduce her slave boy; he has impassioned her with love. Indeed, we see her [to be] in clear error."

﴿وقالَ نِسْوَةٌ﴾ المَشْهُورُ -وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ- أنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِلْقِلَّةِ كَصِبْيَةٍ وغِلْمَةٍ، ولَيْسَ لَهُ واحِدٌ مِن لَفْظِهِ بَلْ مِن مَعْناهُ وهو امْرَأةٌ.

وزَعَمَ ابْنُ السِّراجِ أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، وعَلى كُلٍّ فَتَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولا التِفاتَ إلى كَوْنِ ذَلِكَ المُفْرَدِ مُؤَنَّثًا حَقِيقِيًّا لِأنَّهُ مَعَ طُرُوِّ ما عارَضَ ذَلِكَ لَيْسَ كَسائِرِ المُفْرَداتِ ولِذا لَمْ يُؤَنَّثْ فِعْلُهُ، وفي نُونِهِ لُغَتانِ: الكَسْرُ وهي المَشْهُورَةُ والضَّمُّ وبِهِ قَرَأ المُفَضَّلُ والأعْمَشُ والسِّلْمِيُّ كَما قالَ القُرْطُبِيُّ فَلا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَ ذَلِكَ، وهو إذْ ذاكَ اسْمُ جَمْعٍ بِلا خِلافٍ، ويُكْسَرُ لِلْكَثْرَةِ عَلى نِساءٍ ونِسْوانَ، وكُنَّ فِيما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ خَمْسًا: امْرَأةُ الخَبّازِ وامْرَأةُ السّاقِي وامْرَأةُ البَوّابِ وامْرَأةُ السَّجّانِ وامْرَأةُ صاحِبِ الدَّوابِّ.

ورَوى الكَلْبِيُّ أنَّهُنَّ كُنَّ أرْبَعًا بِإسْقاطِ امْرَأةِ البَوّابِ ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ أُرِيدَ بِها مِصْرُ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ –لِنِسْوَةٍ- عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ، ووُصِفْنَ بِذَلِكَ لِأنَّ إغاظَةَ كَلامِهِنَّ بِهَذا الِاعْتِبارِ لِاتِّصافِهِنَّ بِما يُقَوِّي جانِبَ الصِّدْقِ أكْثَرَ فَإنَّ كَلامَ البَدَوِيّاتِ لِبُعْدِهِنَّ عَنْ مَظانِّ الِاجْتِماعِ والِاطِّلاعِ عَلى حَقِيقَةِ أحْوالِ الحَضَرِيّاتِ القَصْرِيّاتِ لا يُلْتَفَتُ إلى كَلامِهِنَّ فَلا يُغِيظُ تِلْكَ الإغاظَةَ، والكَثِيرُ عَلى اخْتِيارِ تَعَلُّقِهِ –بِقالَ- ومَعْنى كَوْنِ قَوْلِهِنَّ في المَدِينَةِ إشاعَتُهُ وإفْشاؤُهُ فِيها، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ ﴿امْرَأتُ العَزِيزِ﴾ هو في الأصْلِ الَّذِي يَقْهَرُ ولا يُقْهَرُ كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن عَزَّ أيْ حَصَلَ في عِزازٍ وهي الأرْضُ الصُّلْبَةُ الَّتِي يَصْعُبُ وطْؤُها

صفحة 226

ويُطْلَقُ عَلى المَلِكِ، ولَعَلَّهم كانُوا يُطْلِقُونَهُ إذْ ذاكَ فِيما بَيْنَهم عَلى كُلِّ مَن ولّاهُ المَلِكُ عَلى بَعْضٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الوِلاياتِ الَّتِي لَها شَأْنٌ فَكانَ مِن خَواصِّهِ ذَوِي القَدْرِ الرَّفِيعِ والمَحَلِّ المَنِيعِ، وهو بِهَذا المَعْنى مُرادٌ هُنا لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ قَطْفِيرُ، وهو في المَشْهُورِ كَما عَلِمْتُ إنَّما كانَ عَلى خَزائِنِ المَلِكِ -وكانَ المَلِكُ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ- وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَلِكُ، وكانَ قَطْفِيرُ مَلِكَ مِصْرَ وإسْكَنْدَرِيَّةَ، وإضافَتُهُنَّ لَها إلَيْهِ بِهَذا العُنْوانِ دُونَ أنْ يُصَرِّحْنَ بِاسْمِها أوِ اسْمِهِ لِيَظْهَرَ كَوْنُها مِن ذَواتِ الأخْطارِ فَيَكُونُ عَوْنًا عَلى إشاعَةِ الخَبَرِ بِحُكْمِ أنَّ النُّفُوسَ إلى سَماعِ أخْبارِ ذَوِي الأخْطارِ أمْيَلُ، وقِيلَ -وهُوَ الأوْلى- إنَّ ذاكَ لِقَصْدِ المُبالِغَةِ في لَوْمِها بِقَوْلِهِنَّ ﴿تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ تَطْلُبُ مُواقَعَتَهُ إيّاها وتَتَمَحَّلُ في ذَلِكَ، وإيثارُهُنَّ صِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ المُراوَدَةِ كَأنَّها صارَتْ سَجِيَّةً لَها، والفَتى مِنَ النّاسِ الطَّرِيِّ مِنَ الشُّبّانِ، وأصْلُهُ فَتِيٌّ بِالياءِ لِقَوْلِهِمْ في التَّثْنِيَةِ -وهِيَ تَرُدُّ الأشْياءَ إلى أُصُولِها- فِتْيانٌ، فالفُتُوَّةُ عَلى هَذا شاذٌّ، وجَمْعُهُ فِتْيَةٌ وفِتْيانٌ، وقِيلَ: إنَّهُ يائِيٌّ وواوِيٌّ كَكَنَوْتُ وكَنَيْتُ، ولَهُ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ، ويُطْلَقُ عَلى المَمْلُوكِ والخادِمِ لِما أنَّ جُلَّ الخَدَمَةِ شُبّانٌ.

وفِي الحَدِيثِ ”لا يَقُلْ أحَدُكم عَبْدِي وأمَتِي ولْيَقُلْ فَتايَ وفَتاتِي“. وأُطْلِقَ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا لِأنَّهُ …

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.