Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 21–30 of 111

21

وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

And the one from Egypt who bought him said to his wife, "Make his residence comfortable. Perhaps he will benefit us, or we will adopt him as a son." And thus, We established Joseph in the land that We might teach him the interpretation of events. And Allah is predominant over His affair, but most of the people do not know.

ولِما كانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ القَنَّ يَمْتَهِنُ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ أكْرَمَهُ عَنْ هَذِهِ العادَةِ فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ شِراءَهُ كانَ بِمِصْرَ: ﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ﴾ أيْ أخْذَهُ بِرَغْبَةٍ عَظِيمَةٍ، ولَوْ تَوَقَّفُوا عَلَيْهِ غالى في ثَمَنِهِ ﴿مِن مِصْرَ﴾ أيِ البَلْدَةِ المَعْرُوفَةِ، والتَّعْبِيرُ بِهَذا دُونَ ما هو أخْصَرُ مِنهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ بَيْعَهُ ظُلْمٌ، وأنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ في مُلْكِ أحَدٍ أصْلًا ﴿لامْرَأتِهِ﴾ آمِرًا لَها بِإكْرامِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ﴾ أيْ مَوْضِعِ مَقامِهِ، وذَلِكَ أعْظَمُ مِنَ الأمْرِ بِإكْرامِهِ نَفْسِهِ، فالمَعْنى: أكْرِمِيهِ إكْرامًا عَظِيمًا بِحَيْثُ يَكُونُ مِمَّنْ يُكْرِمُ كُلُّ ما لابَسَهُ لِأجْلِهِ، لِيَرْغَبَ في المَقامِ عِنْدَنا. ولَمّا كانَتْ كَأنَّها قالَتْ: ما سَبَبُ إيصائِكَ [لِي -] بِهَذا دُونَ غَيْرِهِ؟ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿عَسى أنْ﴾ أيْ إنَّ حالَهُ خَلِيقٌ وجَدِيرٌ بِأنْ ﴿يَنْفَعَنا﴾ أيْ وهو عَلى اسْمِ المُشْتَرِي ﴿أوْ نَتَّخِذَهُ﴾ أيْ بِرَغْبَةٍ عَظِيمَةٍ إنْ رَأيْناهُ أهْلًا ﴿ولَدًا﴾ فَأنا طامِعٌ في ذَلِكَ.

ولِما أخْبَرَ تَعالى بِمَبْدَأِ أمْرِهِ، وكانَ [مِنَ -] المَعْلُومِ أنَّ هَذا إنَّما هو لَمّا مَكَّنَ لَهُ في القُلُوبِ مِمّا أوْجَبَ تَوْقِيرَهُ [وإجْلالَهُ وتَعْظِيمَهُ، أخْبَرَ تَعالى بِمُنْتَهى أمْرِهِ، مُشَبِّهًا لَهُ بِهَذا المَضْمُونِ المُعْلَمِ بِهِ -] فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلَ ما مَكَّنا لِيُوسُفَ بِتَزْهِيدِ السَّيّارَةِ: أهْلُ البَدْوِ تارَةٍ، وإكْرامُ مُشْتَرِيهِ ومُنافَسَتُهُ فِيهِ أُخْرى ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ مِصْرَ الَّتِي هي كالأرْضِ كُلِّها لِكَثْرَةِ مَنافِعِها بِالمُلْكِ فِيها لِتُمَكِّنُهُ مِنَ الحُكْمِ بِالعَدْلِ ”و“ بِالنُّبُوَّةِ ”لِنُعْلِمهُ“ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ أيْ بِتَرْجِيعِها مِن ظَواهِرِها إلى بَواطِنِها، فَأشارَ تَعالى إلى المُشَبَّهِ بِهِ مَعَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِهِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ السِّياقِ، وأثْبَتَ التَّمْكِينَ في الأرْضِ لِيَدُلَّ عَلى لازِمِهِ مِنَ المَلِكِ والتَّمْكِينِ مِنَ العَدْلِ، وذَكَرَ التَّعْلِيمَ لِيَدُلَّ عَلى مَلْزُومِهِ وهو النُّبُوَّةُ، فَدَلَّ أوَّلًا بِالمَلْزُومِ عَلى اللّازِمِ، وثانِيًا بِاللّازِمِ عَلى المَلْزُومِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣] فَهو احْتِباكٌ أوْ قَرِيبٌ مِنهُ.

ولَمّا كانَ مِن أعْجَبِ العَجَبِ أنَّ مَن وقَعَ [لَهُ -] التَّمْكِينُ مِن أنْ يَفْعَلَ بِهِ مِثْلَ هَذِهِ الأفْعالِ يَتَمَكَّنُ مِن أرْضَ هو فِيها مَعَ كَوْنِهِ غَرِيبًا مُسْتَبْعَدًا فَرْدًا لا عَشِيرَةَ لَهُ فِيها ولا أعْوانَ، قالَ تَعالى نافِيًا لِهَذا العَجَبِ: ”واللَّهِ“ أيِ المُلْكِ الأعْظَمِ ﴿غالِبٌ عَلى أمْرِهِ﴾ أيِ الأمْرِ الَّذِي يُرِيدُهُ، [غَلِبُهُ -] ظاهِرُ أمْرِها لِكُلِّ مِن لَهُ بَصِيرَةً: أمَرَ يَعْقُوبُ يُوسُفَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ [لا -] يَقُصُّ رُؤْياهُ حَذَرًا عَلَيْهِ مِن إخْوَتِهِ، فَغَلَبَ أمْرُهُ سُبْحانَهُ حَتّى وقَعَ ما حَذَّرَهُ، فَأرادَ إخْوَتُهُ قَتَلَهُ فَغَلَبَ أمْرُهُ عَلَيْهِمْ، وأرادُوا أنْ يَلْتَقِطَهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ لِيَنْدَرِسَ اسْمُهُ فَغَلَبَ أمْرُهُ سُبْحانَهُ وظَهْرَ اسْمُهُ واشْتَهَرَ، ثُمَّ باعُوهُ لِيَكُونَ مَمْلُوكًا فَغَلَبَ أمْرُهُ تَعالى حَتّى صارَ مَلِكًا وسَجَدُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ أرادُوا أنْ يُغْرُوا أباهم ويُطَيِّبُوا قَلْبَهُ حَتّى يَخْلُوَ لَهم وجْهَهُ فَغَلَبَ أمْرُهُ تَعالى فَأظْهَرَهُ عَلى …

22

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيْنَٰهُ حُكْمًۭا وَعِلْمًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ

And when Joseph reached maturity, We gave him judgment and knowledge. And thus We reward the doers of good.

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى يُوسُفَ عَمّا يُرِيدُ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما خَتَمَهُ بِالإخْبارِ عَنْ قُدْرَتِهِ، أتْبَعَهُ الإعْلامُ بِإيجادِ ذَلِكَ الفِعْلِ دَلالَةً عَلى تَمامِ القُدْرَةِ وشُمُولِ العِلْمِ فَقالَ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ أيْ مُجْتَمَعَ قُواهُ ﴿آتَيْناهُ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿حُكْمًا﴾ أيْ نُبُوَّةً أوْ مَلِكَةً يَكُفُّ بِها النَّفْسَ عَنْ هَواها، مِن حِكْمَةِ الفُرْسِ، فَلا يَقُولُ ولا يَفْعَلُ إلّا أمْرًا فَصْلًا تَدْعُو إلَيْهِ الحِكْمَةُ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: والأصْلُ في الحُكْمِ تَبْيِينِ ما يَشْهَدُ بِهِ الدَّلِيلُ، لِأنَّ الدَّلِيلَ حِكْمَةٌ مِن أجْلِ أنَّهُ يَقُودُ إلى المَعْرِفَةِ ﴿وعِلْمًا﴾ أيْ تِبْيِينًا لِلشَّيْءِ عَلى ما هو عَلَيْهِ جَزاءً [لَهُ -] لِأنَّهُ مُحْسِنٌ ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الَّذِي جَزَيْناهُ بِهِ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الإحْسانِ كُلِّهِمُ الَّذِينَ رَأسَهم مُحَمَّدٌ ﷺ الَّذِي أُسْرِيَ بِهِ فَأعْلاهُ ما لَمْ يُعْلَ غَيْرُهُ؛ وعَنِ الحُسْنِ: مِن أحْسَنَ عِبادَةَ اللَّهِ في شَبِيبَتِهِ آتاهُ [اللَّهُ -] الحِكْمَةَ [فِي اكْتِهالِهِ -]، والأشُدُّ: كَمالُ القُوَّةِ، وهو جَمْعُ شِدَّةٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهَ مِثْلُ نِعْمَةٍ وأنْعُمٌ، وقالَ غَيْرُهُ: جَمْعُ شَدٍّ؛ قالَ ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ: وبَعْضُهم يَقُولُ: لا واحِدَ لَها، ويُقالُ: واحِدُها شَدَّ - انْتَهى. [قِيلَ -]: وهَذا هو القِياسُ نَحْوَ ضَبٍّ وأضَبُّ، وصَكٍّ وأصَكُّ، وحَظٍّ وأحَظُّ، وضُرٍّ وأضَرُّ، وشَرٍّ وأشَرُّ قالَ الرُّمانِيُّ: قالَ الشّاعِرُ:

؎هَلْ غَيَّرَ أنْ كَثُرَ الأشَرُّ وأهْلَكَتْ .... حَرْبُ المُلُوكِ أكاثِرَ الأمْوالِ

انْتَهى. واخْتَلَفُوا في حَدِّ الأشُدِّ فَقِيلَ: هو مِنَ الحُلُمِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ مِن عِشْرِينَ سَنَةٍ، ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ، والمادَّةُ تَدُورُ عَلى الصُّعُوبَةِ، وهي ضِدُّ الرَّخاوَةِ، ويَلْزَمُها القُوَّةُ، فالشَّدُّ عَلى العَدْوِ مِنها، وشَدَّ الحَبَلَ وغَيْرَهُ: أحْكُمُ فَتَلَهُ، والشَّدِيدُ والمُتَشَدِّدُ: البَخِيلُ - لِصُعُوبَةِ البَذْلِ عَلَيْهِ، والشِّدَّةُ: صُعُوبَةُ الزَّمانِ، وشَدُّ النَّهارِ: ارْتِفاعُهُ، وهو قُوتُهُ، وشَدَدْتُ فُلانًا: قَوَّيْتَ يَدَهُ ودَبَّرْتَ أمَرَهُ، وأشَدُّ القَوْمِ - إذا كانَتْ دَوابُّهم شِدادًا فَهم مُشِدُّونَ ضِدَّ مُضَعِّفِينَ.

23

وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And she, in whose house he was, sought to seduce him. She closed the doors and said, "Come, you." He said, "[I seek] the refuge of Allah. Indeed, he is my master, who has made good my residence. Indeed, wrongdoers will not succeed."

ولِما أخْبَرَ تَعالى أنَّ سَبَبَ [النِّعْمَةِ -] عَلَيْهِ إحْسانُهُ، أتْبَعُهُ دَلِيلُهُ فَقالَ: ﴿وراوَدَتْهُ﴾ أيْ راجَعَتْهُ الخِطابَ ودارَتْ عَلَيْهِ بِالحِيَلِ، فَهو كِنايَةٌ عَنِ المُخادَعَةِ الَّتِي هي لازِمُ مَعْنى رادَ يُرَوِدُ - إذا جاءَ وذَهَبَ ﴿الَّتِي﴾ هي مُتَمَكِّنَةٌ مِنهُ غايَةَ المُكْنَةِ بِكَوْنِهِ ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ وهو في عُنْفُوانِ الشَّبابِ ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ مُراوَدَةً لَمْ تَكُنْ لَها سَبَبٌ إلّا نَفْسِهِ، لِأنَّ المُراوَدَةَ لا يُمْكِنُ أنْ تَتَجاوَزُ نَفْسَهُ إلّا بَعْدَ مُخالَطَتِها - كَما تَقُولُ: كانَ هَذا عَنْ أمْرِهِ، وذَلِكَ بِأنْ دارَتْ عَلَيْهِ بِكُلِّ حِيلَةٍ ونَصَبَتْ لَهُ أشَراكَ الخِداعِ وأقامَتْ حِينًا تَفْتِلُ [لَهُ -] في الذُّرْوَةِ والغارِبِ، وذَلِكَ لِأنَّ مادَّةَ ”رادَ“ واوِيَّةٌ ويائِيَّةٌ بِجَمِيعِ تَقالِيبِها السَّبْعَةُ: رَوَدَ، ودَوَرَ، ووَرَدَ، ”ودَيَرَ“ ورَدى، وُرِيدَ، ودَرى - تَدُورُ عَلى الدَّوَرانِ، وهو الرُّجُوعُ إلى مَوْضِعِ الِابْتِداءِ، ويَلْزَمُ مِنهُ القَصْدُ والإتْيانُ والإقْبالُ والإدْبارُ والرِّفْقُ والمُهْلَةُ وإعْمالُ الحِيلَةِ وحُسْنُ النَّظَرِ، ورُبَّما يَكُونُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَتَأْتِي مِنهُ الحَيْرَةُ فَيَلْزَمُ الفَسادَ والهَلاكَ، يُقالُ: دارَ فُلانٌ يَدُورُ - إذا مَشى عَلى هَيْئَةِ الخِلْقَةِ، والدَّهْرٌ دَوّارِيٌ - لِدَوَرانِهِ بَأهْلِهِ بِالرَّفْعِ والحَطِّ، والدُّوارُ: شِبْهُ دَوَرانٍ في الرَّأْسِ، ودارَّةُ القَمَرِ مَعْرُوفَةٌ، والدّائِرَةُ: الحَلْقَةُ والدّارُ تَجَمُّعُ العَرْصَةِ والبِناءِ - لِدَوَرانِ بِنائِها ولِلدَّوَرانِ فِيها ولِلذَّهابِ [مِنها -] والرُّجُوعِ إلَيْها، والدّارِيُ: المَلّاحُ الَّذِي يَلِي الشِّراعَ، وهو القَلْعُ - لِأنَّهُ يُدِيرُهُ عَلى عَمُودِ المَرْكِبِ، أوْ لِأنَّهُ يَلْزَمُ دارَ السَّفِينَةِ؛ والرّائِدُ: الَّذِي يَرْتادُ الكَلَأ، أيْ يَذْهَبُ ويَجِيءُ في طَلَبِهِ - لَمّا لَمْ يَكُنْ [لَهُ -] مَقْصِدٌ مِنَ الأرْضِ مُعَيَّنٌ كَأنَّهُ يَدُورُ فِيها، والَّذِي لا يَكْذِبُ أهْلَهُ، وكُلُّ طالِبِ حاجَةٍ - قالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ.

وراوَدَتِ الرَّجُلَ: أرَدَتْهُ عَلى فِعْلٍ؛ ورائِدُ الرَّحى: يَدُها، أيِ العَوْدِ الَّذِي تُدارُ بِهِ ويَقْبِضُ عَلَيْهِ الطّاحِنُ، والرِّيادُ: اخْتِلافُ الإبِلِ في المَرْعى مُقْبِلَةٌ ومُدْبِرَةٌ، ورادَتِ المَرْأةُ - إذا اخْتَلَفَتْ إلى بُيُوتِ جاراتِها، ورادَ وسادَهُ - إذا لَمْ يَسْتَقِرْ، والرَّوَدُ: الطَّلَبُ والذَّهابُ والمَجِيءُ، وامْشِ عَلى رَوَدٍ - بِالضَّمِّ، أيْ مَهْلٍ، وتَصْغِيرُهُ رُوَيْدٍ، والمِرْوَدُ: الَّذِي يُكْتَحَلُ بِهِ، لِأنَّهُ يُدارُ في العَيْنِ، وحَدِيدَةٌ تَدُورُ في اللِّجامِ، ومِحْوَرُ البَكَرَةِ مِن حَدِيدٍ، والدَّيْرُ: مَعْرُوفٌ، ويُقالُ لِرَجُلٍ إذا كانَ رَأْسَ أصْحابِهِ: هو رَأْسُ الدَّيْرِ - كَأنَّهُ مِن إرادَةِ أصْحابِهِ [بِهِ -]، وتَرَدَّيْتُ بِالرِّداءِ وارْتَدَيْتُ - كَأنَّهُ مِنَ الإدارَةِ، والرِّداءُ: السَّيْفُ - لِأنَّهُ يَتَقَلَّدُ بِهِ في مَوْضِعِ الرَّدى، والرَّدَيانِ - مُحَرَّكًا: مَشى الحِمارُ بَيْنَ آرِيِهِ ومُتَمَعِّكِهِ، ورادَيْتُ فُلانًا، مِثْلُ: راوَدَتْهُ، ورَدَّتِ الجارِيَةُ - إذا رَفَعَتْ إحْدى رِجْلَيْها وقَفَزَتْ بِواحِدَةٍ، لِأتٍ مَشْيِها حِينَئِذٍ يُشَبِهُ الدَّوْرانِ، والرِّيدُ - بِالكَسْرِ: التِّرْبُ، لِأنَّهُ يُراوِدُكَ، أيْ يَمْشِي مَعَكَ مِن أوَّلِ زَمانِكَ؛ ومِنَ الإتْيانِ: الوُرُودُ، وهو إتْيانُ المَوْرِدِ مِن ماءٍ وطَرِيقٍ، والوارَدُ: الصّائِرُ إلى الماءِ لِلِاسْتِقاءِ مِنهُ، وهو الَّذِي يَنْزِلُ إلى الماءِ لِيَتَناوَلَ مِنهُ، والوِرْدُ مَعْرُوفٌ، ونُورُ كُلِّ …

24

وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَٰنَ رَبِّهِۦ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ۚ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ

And she certainly determined [to seduce] him, and he would have inclined to her had he not seen the proof of his Lord. And thus [it was] that We should avert from him evil and immorality. Indeed, he was of Our chosen servants.

ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ لا يَتِمُّ حُسْنُهُ إلّا إذا كانَ عِنْدَ غَلَبَةِ الهَوى وتَرامِي الشَّهْوَةِ كَما هو شَأْنِ الرُّجُولِيَّةِ، قالَ تَعالى رَدًّا عَلى مَن يَتَوَهَّمُ ضِدَّ ذَلِكَ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ أيْ أوْقَعَتِ الهَمَّ، وهو القَصْدُ الثّابِتُ والعَزْمُ الصّادِقُ المُتَعَلِّقُ بِمُواقَعَتِهِ، ولا مانِعَ لَها مِن دِينٍ ولا عَقْلٍ ولا عَجْزٍ فاشْتَدَّ طَلَبُها ﴿وهَمَّ بِها﴾ كَما هو شَأْنُ الفُحُولِ عِنْدَ تَوَفُّرِ الأسْبابِ ﴿لَوْلا أنْ رَأى﴾ أيْ بِعَيْنِ قَلْبِهِ ﴿بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ الَّذِي آتاهُ إيّاهُ مِنَ الحُكْمِ والعِلْمِ، أيْ لَهَمَّ بِها، لَكِنَّهُ [لَمّا -] كانَ البُرْهانُ حاضِرًا لَدَيْهِ حُضُورَ مَن يَراهُ بِالعَيْنِ، لَمْ يُغَطِّهِ وُفُورُ شَهْوَةٍ ولا غَلَبَةُ هَوًى، فَلَمْ يَهِمُّ أصْلًا مَعَ كَوْنِهِ في غايَةِ الِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ لِما آتاهُ اللَّهُ مِنَ القُوَّةِ مَعَ كَوْنِهِ في سِنِّ الشَّبابِ، فَلَوْلا المُراقَبَةُ لَهَمَّ بِها التَّوَفُّرُ الدَّواعِي غَيْرَ أنَّ نُورَ الشُّهُودِ مَحاها أصْلًا، وهَذا التَّقْدِيرُ هو اللّائِقُ بِمِثْلِ مَقامِهِ مَعَ أنَّهُ هو الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ أسالِيبُ هَذِهِ الآياتِ مِن جَعْلِهِ مِنَ المُخْلِصِينَ والمُحْسِنِينَ المَصْرُوفِ عَنْهُمُ السُّوءُ، وأنَّ السِّجْنَ أحَبُّ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ، مَعَ قِيامِ القاطِعِ عَلى كَذِبِ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُها ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: ٢٥] - الآيَةُ، مِن مُطْلَقِ الإرادَةِ، ومَعَ ما تُحَتِّمَ تَقْدِيرُ ما ذُكِرَ بَعْدَ ”لَوْلا“ في خُصُوصِ هَذا التَّرْكِيبِ مِن أسالِيبِ كَلامِ العَرَبِ، فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُقَدَّرُ بَعْدَ كُلِّ شَرْطٍ مِن مَعْنى ما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ [القصص: ١٠] أيْ لَأبْدَتْ بِهِ، وأمّا ما ورَدَ عَنِ السَّلَفِ مِمّا يُعارِضُ ذَلِكَ فَلَمْ يَصِحَّ مِنهُ شَيْءٌ عَنْ أحَدٍ مِنهم مَعَ [أنَّ -] الأقْوالَ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْهم إذا جُمِعَتْ تَناقَضَتْ فَتَكاذَبَتْ، ولا يُساعِدُ عَلى شَيْءٍ مِنها كَلامُ العَرَبِ لِأنَّهم قَدَّرُوا جَوابَ ”لَوْلا“ المَحْذُوفَ بِما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِن سابِقِ الكَلامِ ولا لاحِقِهِ - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ الإمامُ أبُو حَيّانَ، وسَبَقَهُ إلى ذَلِكَ الإمامُ الرّازِيُّ وقالَ: إنَّ هَذا قَوْلُ المُحَقِّقِينَ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وأشْبَعَ في إقامَةِ الدَّلائِلِ عَلى هَذا بِما يُطْرِبُ الأسْماعَ، وقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ لِيَكُونَ أوَّلَ ما يَقْرَعُ السَّمْعَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في غايَةِ القُدْرَةِ عَلى الفِعْلِ، وأنَّهُ ما مَنَعَهُ مِنهُ إلّا العِلْمُ بِاللَّهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا التَّثْبِيتَ عَظِيمٌ، فَقِيلَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لازِمٌ لَهُ كَما هو شَأْنُ العِصْمَةِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّثْبِيتِ نُثْبِتُهُ في كُلِّ أمْرٍ ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ أيِ الهَمُّ بِالزِّنا وغَيْرِهِ ﴿والفَحْشاءَ﴾ أيِ الزِّنا وغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ فَعَلَ بِهِ هَذا؟ فَقِيلَ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا﴾ أيِ الَّذِينَ عَظَّمْناهم بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿المُخْلَصِينَ﴾ أيْ هو في عِدادِ الَّذِينَ هم خِيَّرٌ صَرْفٍ، لا يُخالِطُهم غِشٌّ، ومِن ذُرِّيَّتِهِمْ أيْضًا، وهَذا مَعَ قَوْلِ إبْلِيسَ [ ﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] شَهادَةٌ مِن إبْلِيسَ -] أنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَرِيءٌ مِنَ الهَمِّ في هَذِهِ الواقِعَةِ؛ قالَ الإمامُ: فَمَن نَسَبَهُ إلى الهَمِّ إنْ كانَ مِن أتْباعِ …

25

وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍۢ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And they both raced to the door, and she tore his shirt from the back, and they found her husband at the door. She said, "What is the recompense of one who intended evil for your wife but that he be imprisoned or a painful punishment?"

ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُبالَغَتَهُ في الِامْتِناعِ بِالجِدِّ في الهَرَبِ دَلِيلًا عَلى إخْلاصِهِ وأنَّهُ لَمْ يَهِمْ أصْلًا فَقالَ: ﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ أيْ أوْجَدَ المُسابَقَةَ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ مِن كُلٍّ مِنهُما، هَذا لِلْهَرَبِ مِنها، وهَذِهِ لِمَنعِهِ، فَأوْصَلَ الفِعْلَ إلى المَفْعُولِ بِدُونٍ ”إلى“، دَلِيلًا عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما بَذَلَ أقْصى جُهْدَهُ في السَّبْقِ، فَلَحِقَتْهُ عِنْدَ البابِ الأقْصى مَعَ أنَّهُ كانَ قَدْ سَبَقَها بِقُوَّةِ الرُّجُولِيَّةِ وقُوَّةِ الدّاعِيَةِ إلى الفِرارِ إلى اللَّهِ، ولَكِنْ عاقَّةُ إتْقانِها لِلْمَكْرِ بِكَوْنِ الأبْوابِ كانَتْ مُغْلَقَةً، فَكانَ يَشْتَغِلُ بِفَتْحِها فَتَعَلَّقَتْ بِأدْنى ما وصَلَتْ إلَيْهِ مِن قَمِيصِهِ، وهو ما كانَ مِن ورائِهِ خَوْفُ فَواتِهِ، فاشْتَدَّ تَعَلُّقُها بِهِ مَعَ إعْراضِهِ هو عَنْها وهَرَبِهِ مِنها، فَفَتَحَهُ وأرادَ الخُرُوجَ فَمَنَعَتْهُ ”و“ لَمْ تَزَلْ تُنازِعُهُ حَتّى ”قُدْت قَمِيصه“ وكانَ القَدْ ﴿مِن دُبُرٍ﴾ أيِ النّاحِيَةُ الخَلْفُ مِنهُ، وانْقَطَعَتْ مِنهُ قِطْعَةٌ فَبَقِيَتْ في يَدِها ﴿وألْفَيا﴾ أيْ وجَدا مَعَ ما بِهِما مِنَ الغُبارِ والهَيْئَةِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِهِما ﴿سَيِّدَها﴾ أيْ زَوْجُها، ولَمْ يَقُلْ: سَيِّدُهُما، لِأنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَدْخُلْ في رِقٍّ - كَما مَضى - لِأنَّ المُسْلِمَ لا يُمَلَّكُ وهو السَّيِّدُ ”لَدَ“ أيْ عِنْدِ ذَلِكَ ﴿البابَ﴾ أيِ الخارِجِ، عَلى كَيْفِيَّةٍ غَرِيبَةٍ جِدًّا، هَكَذا يَنْبَغِي أنْ يَفْهَمَ هَذا المَقامَ لِأنَّ السَّيِّدَ لا يَقْدِرُ [عَلى -] فَتْحِهِ فَضْلًا عَنِ الوُصُولِ إلى غَيْرِهِ لِتَغْلِيقِ الجَمِيعِ.

ولِما عَلِمَ السّامِعُ أنَّهُما ألْفَياهُ وهُما عَلى هَذِهِ الحالَةِ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما اتَّفَقَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَتْ﴾ مُبادَرَةٌ مِن غَيْرِ حَياءٍ ولا تَلَعْثُمِ ”ما“ نافِيَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً ﴿جَزاءُ مَن أرادَ﴾ أيْ مِنهُ ومَن غَيْرِهِ كائِنًا مَن كانَ، لِما لَكَ مِنَ العَظَمَةِ ﴿بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ أيْ ولَوْ أنَّهُ غَيْرُ الزِّنا ﴿إلا أنْ يُسْجَنَ﴾ أيْ يُودَعُ في السِّجْنِ إلى وقْتٍ ما، لِيَحْكُمَ فِيهِ بِما يَلِيقُ ﴿أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ دائِمٌ ثابِتٌ غَيْرَ السَّجْنِ؛ والجَزاءُ: مُقابَلَةُ العَمَلِ بِما هو حَقُّهُ، هَذا كانَ حالُها عِنْدَ المُفاجَأةِ، وأمّا هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَجَرى عَلى سَجايا الكِرامِ بِأنْ سَكَتَ سِتْرًا عَلَيْها وتَنَزُّهًا عَنْ ذِكْرِ الفَحْشاءِ،

26

قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌۭ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍۢ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ

[Joseph] said, "It was she who sought to seduce me." And a witness from her family testified. "If his shirt is torn from the front, then she has told the truth, and he is of the liars.

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ حِينَ قَذَفَتْهُ بِهَذا؟ فَقِيلَ ﴿قالَ﴾ دافِعًا عَنْ نَفْسِهِ لا هاتِكًا لَها ”هِيَ“ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِاسْتِيحائِهِ عَنْ مُواجَهَتِها بِإشارَةٍ أوْ ضَمِيرِ خِطابٍ ﴿راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ وما قالَ ذَلِكَ إلّا حِينَ اضْطَرَّتْهُ إلَيْهِ بِنِسْبَتِهِ إلى الخِيانَةِ، وصِدْقِهِ لَعَمُرِي فِيما قالَ لا يَحْتاجُ إلى بَيانِ أكْثَرِ مِنَ الحالِ الَّذِي كانا فِيهِ، وهو أنَّهُما عِنْدَ البابِ، ولَوْ كانَ الطَّلَبُ مِنهُ لَما كانا إلّا في مَحَلِّها الَّذِي تَجْلِسُ فِيهِ، وهو صَدْرُ البَيْتِ وأشْرَفُ مَوْضِعٍ فِيهِ ﴿وشَهِدَ﴾ ولَمّا كانَ كُلُّ صالِحٍ لِلشَّهادَةِ كافِيًا، فَلَمْ تَدَعْ ضَرُورَةً إلى تَعْيِينِهِ، قالَ: ﴿شاهِدٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ ﴿مِن أهْلِها﴾ لِأنَّ الأهْلَ أعْظَمُ في الشَّهادَةِ، رَضِيعٌ بِبَراءَتِهِ - نَقَلَهُ الرُّمّانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، كَما شَهِدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ في حِجَّةِ الوَداعِ صَبِيٌّ مِن أهْلِ اليَمامَةِ يَوْمَ وُلِدَ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَكانَ يُدْعى: مُبارَكُ اليَمامَةِ.

فَقالَ ذَلِكَ الشّاهِدَ ﴿إنْ كانَ﴾ أيْ حالِ المُراوَغَةِ ﴿قَمِيصُهُ﴾ أيْ فِيما يَتَبَيَّنُ لَكم ”قَدَّ“ أيْ شَقَّ شَقًّا مُسْتَأصْلًا ﴿مِن قُبُلٍ﴾ أيْ مِن جِهَةِ ما أقْبَلُ مِن جَسَدِهِ ﴿فَصَدَقَتْ﴾ ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ فِعْلِ التَّبَيُّنِ، لِأنَّ الشُّرُوطَ لا تَكُونُ مَعانِيها إلّا مُسْتَقْبَلَةً ولَوْ كانَتْ ألْفاظُها ماضِيَةً.

ولَمّا كانَ صِدْقُها لَيْسَ قاطِعًا في مَنعِ صِدْقِهِ، قالَ: ﴿وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ لِأنَّهُ لَوْلا إقْبالُهُ - وهي تَدْفَعُهُ عَنْها أوْ تَهْرُبُ مِنهُ وهُوَ يَتْبَعُها ويَعْثُرُ في قَمِيصِهِ - ما كانَ القَدُّ مِنَ القُبُلِ

27

وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

But if his shirt is torn from the back, then she has lied, and he is of the truthful."

﴿وإنْ كانَ﴾ أيْ فِيما يَظْهَرُ لَكم ﴿قَمِيصُهُ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ أيْ مِن جِهَةِ ما أدْبَرَ مِنهُ، وبَنى ”قُدَّ“ لِلْمَجْهُولِ لِلنِّزاعِ في القادِّ ﴿فَكَذَبَتْ﴾ ولَمّا كانَ كَذَلِكَ كَذِبُها [فِي إرادَتِهِ -] السُّوءُ لا يُعَيِّنُ صِدْقَهُ في إرادَتِها لَهُ، [قالَ -]: ﴿وهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ لِأنَّهُ لَوْلا إدْبارُهُ عَنْها وإقْبالُها عَلَيْهِ لَما وقَعَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ سَيِّدُها صِحَّةَ ذَلِكَ بِلا شُبْهَةٍ، لِأنَّ مَعْنى ”إنَّ“ هُنا الشَّرْطُ في جِهَةِ التَّقْرِيرِ لِلْمَعْنى الَّذِي يُوجِبُ غَيْرَهُ لا عَلى الشَّكِّ، وقَدِمَ أمارَةَ صِدْقِها لِأنَّهُ مِمّا يُحِبُّهُ سَيِّدُها، فَهو في الظّاهِرِ اهْتِمامٌ بِها، وفي الحَقِيقَةِ تَقْرِيرٌ لِكَذِبِها مَرَّتَيْنِ: الأوْلى بِاللُّزُومِ، والثّانِيَةُ بِالمُطابَقَةِ.

28

فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌۭ

So when her husband saw his shirt torn from the back, he said, "Indeed, it is of the women's plan. Indeed, your plan is great.

ولَمّا كانَ المَعْنى: فَنَظَرَ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا رَأى﴾ أيْ سَيِّدُها ﴿قَمِيصَهُ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ﴾ لَها وقَدْ قَطَعَ بِصِدْقِهِ وكَذِبِها، مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِها ﴿إنَّهُ﴾ أيْ هَذا القَذْفُ لَهُ ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ مَعْشَرَ النِّساءِ؛ والكَيْدُ: طَلَبُ الإنْسانِ بِما يَكْرَهُهُ ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ والعَظِيمُ: ما يَنْقُصُ مِقْدارَ غَيْرِهِ عَنْهُ حِسًّا أوْ مَعْنًى، فاسْتَعْظَمَهُ لِأنَّهُ أدَقُّ مِن مَكْرِ الرَّجُلِ وألْطَفَ وأخْفى، لِأنَّ الشَّيْطانَ عَلَيْهِنَّ لِنُقْصِهِنَّ أقْدَرُ، وكَيْدُهُنَّ الَّذِي هو مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ أضْعَفُ ضَعِيفٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يُدَبِّرُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في إبْطالِهِ؛

29

يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ

Joseph, ignore this. And, [my wife], ask forgiveness for your sin. Indeed, you were of the sinful."

ثُمَّ قالَ العَزِيزُ آمِرًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْقِطًا لِحَرْفِ النِّداءِ دَلالَةً عَلى أنَّ قُرْبَهُ مِن قَلْبِهِ عَلى حالِهِ: ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ﴾ أيِ انْصَرِفْ بِكُلِّيَّتِكَ مُجاوِزًا ﴿عَنْ هَذا﴾ أيِ اجْعَلْهُ بِمَنزِلَةِ ما تَصْرِفُ وجْهَكَ عَنْهُ إلى جِهَةِ العَرْضِ بِأنْ لا تَذْكُرَهُ لِأحَدٍ ولا تَهْتَمَّ بِهِ، فَإنِّي لَمْ أتَأثَّرْ مِنكَ بِوَجْهٍ، لِأنَّ عُذْرَكَ قَدْ بانَ، وأقْبَلَ إلَيْها فَقالَ: ﴿واسْتَغْفِرِي﴾ أيِ اطْلُبِي الغُفْرانَ ﴿لِذَنْبِكِ﴾ في أنْ لا يَحْصُلَ لَكَ عُقُوبَةً مِنِّي ولا مِنَ اللَّهِ؛ واسْتَأْنَفَ بَيانُ ما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكِ كُنْتِ﴾ أيْ كَوْنًا جِبِلِّيًّا ﴿مِنَ الخاطِئِينَ﴾ أيِ العَرِيقَيْنِ في الخَطَأِ بِغايَةِ القُوَّةِ، يُقالُ: خَطِئَ يُخَطَّأُ - إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا.

30

۞ وَقَالَ نِسْوَةٌۭ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ

And women in the city said, "The wife of al-'Azeez is seeking to seduce her slave boy; he has impassioned her with love. Indeed, we see her [to be] in clear error."

ولَمّا كانَ في هَذا مِن شَرَفِ العِفَّةِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ العِصْمَةِ، وأكَّدَهُ تَعالى بِما يَدُلُّ عَلى تَسامِي حُسْنِهِ وتَعالِي جَمالِهِ ولُطْفِهِ، لِأنَّ العادَةَ جَرَتْ بِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْضُهُ لِأحَدٍ كانَ مَظِنَّةً لِمَيْلِهِ، لِتَوْفِيرِ الدَّواعِي عَلى المَيْلِ إلَيْهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وقالَ نِسْوَةٌ﴾ أيْ جَماعَةٌ مِنَ النِّساءِ لِما شاعَ الحَدِيثُ؛ ولِما كانَتِ البَلْدَةُ كُلَّما عَظُمَتْ كانَ أهْلُها أعْقَلَ وأقْرَبَ إلى الحِكْمَةِ، قالَ: ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ أيِ الَّتِي فِيها امْرَأةُ العَزِيزِ ساكِنَةً ﴿امْرَأتُ العَزِيزِ﴾ فَأضَفْنَها إلى زَوْجِها إرادَةَ الإشاعَةِ لِلْخَبَرِ، لِأنَّ النَّفْسَ إلى سَماعِ أخْبارِ أُولى الأخْطارِ أمْيَلُ؛ والعَزِيزُ: المَنِيعُ بِقُدْرَتِهِ مِن أنْ يُضامَ، فالعِزَّةُ أخَصُّ مِن مُطْلَقِ القُدْرَةِ، وعَبَّرْنَ بِالمُضارِعِ في ﴿تُراوِدُ فَتاها﴾ أيْ عَبْدَها نازِلَةٌ مِنَ افْتِراشِ العَزِيزِ إلى افْتِراشِهِ ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ إفْهامًا لِأنَّ الإصْرارَ عَلى المُراوَدَةِ صارَ لَها كالسَّجِيَّةِ؛ والفَتى: الشّابُّ، وقَيَّدَهُ الرُّمّانِيُّ بِالقَوِيِّ، قالَ: وقالَ الزَّجّاجُ: وكانُوا يُسَمَّوْنَ المَمْلُوكَ فَتًى شَيْخًا كانَ أوْ شابًّا، فَفِيهِ اشْتِراكٌ عَلى هَذا ﴿قَدْ شَغَفَها﴾ ذَلِكَ الفَتى ﴿حُبًّا﴾ أيْ مِن جِهَةِ الحُبِّ، قالَ الرُّمّانِيُّ: شَغافُ القَلْبِ غِلافُهُ، وهو جَلْدَةٌ عَلَيْهِ، يُقالُ: دَخَلَ الحُبُّ الجِلْدَ حَتّى أصابَ القَلْبَ، عَنِ السُّدِّيِّ وأبِي عُبَيْدَةَ وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ باطِنُ القَلْبِ، وعَنْ [ أبِي -] عَلَيٍّ: وسَطُ القَلْبِ -انْتَهى. والَّذِي قالَ في المُجْمَلِ وغَيْرِهِ أنَّهُ غِلافُ القَلْبِ، وأحْسَنُ مِن تَوْجِيهِ أبِي عُبَيْدَةَ لَهُ أنَّ حُبَّهُ صارَ شِغافًا لَها، أيْ حِجابًا، أيْ ظَرْفًا مُحِيطًا بِها، وأمّا ”شَعْفُها“ - بِالمُهْمَلَةِ فَمَعْناهُ: غَشّى شَعَفَةَ قَلْبِها، وهي رَأْسُهُ عِنْدَ مُعَلَّقِ النِّياطِ، وقالَ الرُّمّانِيُّ: أيْ ذَهَبَ بِها كُلَّ مَذْهَبٍ، مِن شَعْفِ الجِبالِ، وهي رُءُوسُها.

ولَمّا قِيلَ ذَلِكَ، كانَ كَأنَّهُ قَدْ قِيلَ: فَكانَ ماذا؟ فَقِيلَ - -وأكَّدَ لِأنَّ مَن رَآهُ عَذَرَها وقَطَعَ بِأنَّهُنَّ لَوْ كُنَّ في مَحَلِّها عَمِلْنَ عَمَلَها ولَمْ يُضْلِلْنَ فَعْلَها-: ﴿إنّا لَنَراها﴾ أيْ نَعْلَمُ أمْرَها عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ أيْ مُحِيطٌ بِها ﴿مُبِينٍ﴾ لِرِضاها لِنَفْسِها بَعْدَ عِزِّ السِّيادَةِ بِالسُّفُولِ عَنْ رُتْبَةِ العَبْدِ،

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.