Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 21–30 of 111

21

وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

And the one from Egypt who bought him said to his wife, "Make his residence comfortable. Perhaps he will benefit us, or we will adopt him as a son." And thus, We established Joseph in the land that We might teach him the interpretation of events. And Allah is predominant over His affair, but most of the people do not know.

صفحة ٢٤٥

﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ لِامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾

﴿الَّذِي اشْتَراهُ﴾ مُرادٌ مِنهُ الَّذِي دَفَعَ الثَّمَنَ فَمَلَكَهُ وإنْ كانَ لَمْ يَتَوَلَّ الِاشْتِراءَ بِنَفْسِهِ، فَإنَّ فِعْلَ الِاشْتِراءِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى دَفْعِ العِوَضِ، بِحَيْثُ إنَّ إسْنادَ الِاشْتِراءِ لِمَن يَتَوَلّى إعْطاءَ الثَّمَنِ وتَبسَلُّمَ المَبِيعِ إذا لَمْ يَكُنْ هو مالِكُ الثَّمَنِ ومالِكُ المَبِيعِ يَكُونُ إسْنادًا مَجازِيًّا، ولِذَلِكَ يَكْتُبُ المُوَثِّقُونَ في مِثْلِ هَذا أنَّ شِراءَهُ لِفُلانٍ.

والَّذِي اشْتَرى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَجُلٌ اسْمُهُ (فُوطِيفارُ) رَئِيسُ شُرْطَةِ مَلِكِ مِصْرَ، وهو والِي مَدِينَةِ مِصْرَ، ولُقِّبَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِالعَزِيزِ، وسَيَأْتِي.

ومَدِينَةُ مِصْرَ هي (مَنفِيسُ) ويُقالُ (مَنفُ) وهي قاعِدَةُ مِصْرَ السُّفْلى الَّتِي يَحْكُمُها قَبائِلُ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ عُرِفُوا عِنْدَ القِبْطِ باسِمِ (الهِكْسُوسُ) أيِ الرُّعاةُ. وكانَتْ مِصْرُ العُلْيا المَعْرُوفَةُ اليَوْمَ بِالصَّعِيدِ تَحْتَ حُكْمِ فَراعِنَةِ القِبْطِ. وكانَتْ مَدِينَتُها (ثِيبَةَ) أوْ (طِيبَةَ)، وهي اليَوْمَ خَرابٌ ومَوْضِعُها يُسَمّى الأقْصُرُ، جَمْعُ قَصْرٍ؛ لِأنَّ بِها أطْلالَ القُصُورِ القَدِيمَةِ، أيِ الهَياكِلُ. وكانَتْ حُكُومَةُ مِصْرَ العُلْيا أيامَئِذٍ مُسْتَضْعَفَةً لِغَلَبَةِ الكَنْعانِيِّينَ عَلى مُعْظَمِ القُطْرِ وأجْوَدِهِ.

وامْرَأتُهُ تُسَمّى في كُتُبِ العَرَبِ (زَلِيخا) بِفَتْحِ الزّايِ وكَسْرِ اللّامِ وقَصْرِ آخِرِهِ وسَمّاها اليَهُودُ راعِيلَ. و(﴿مِن مِصْرَ﴾) صِفَةٌ لِـ ﴿الَّذِي اشْتَراهُ﴾ .

و﴿لِامْرَأتِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ قالَ أوْ بِـ اشْتَراهُ أوْ يَتَنازَعُهُ كِلا الفِعْلَيْنِ، فَيَكُونُ اشْتَراهُ لِيَهَبَهُ لَها لِتَتَّخِذَهُ ولَدًا. وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُما لَمْ يَكُنْ لَهُما ولَدٌ.

وامْرَأتُهُ: مَعْناهُ زَوْجُهُ، فَإنَّ الزَّوْجَةَ يُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُ المَرْأةِ ويُرادُ مِنهُ مَعْنى الزَّوْجَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] .

صفحة ٢٤٦

والمَثْوى: حَقِيقَتُهُ المَحَلُّ الَّذِي يَثْوِي المَرْءُ، أيْ يَرْجِعُ إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢٨] في سُورَةِ الأنْعامِ. وهو هُنا كِنايَةٌ عَنْ حالِ الإقامَةِ عِنْدَهُما لِأنَّ المَرْءَ يُثَوى إلى مَنزِلِ إقامَتِهِ.

فالمَعْنى: اجْعَلِي إقامَتَهُ عِنْدَكِ كَرِيمَةً، أيْ كامِلَةً في نَوْعِها. أرادَ أنْ يُجْعَلَ الإحْسانُ إلَيْهِ سَبَبًا في اجْتِلابِ مَحَبَّتِهِ إيّاهُما ونُصْحِهِ لَهُما فَيَنْفَعُهُما، أوْ يَتَّخِذانِهِ ولَدًا فَيَبَرُّ بِهِما وذَلِكَ أشَدُّ تَقْرِيبًا. ولَعَلَّهُ كانَ آيِسًا مِن وِلادَةِ زَوْجِهِ. وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِحُسْنِ تَفَرُّسِهِ في مَلامِحِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المُؤْذِنَةِ بِالكَمالِ، وكَيْفَ لا يَكُونُ رَجُلًا ذا فِراسَةٍ وقَدْ جَعَلَهُ المَلِكُ رَئِيسَ شُرْطَتِهِ، فَقَدْ كانَ المُلُوكُ أهْلَ حَذَرٍ فَلا يُوَلُّونَ أُمُورَهم غَيْرَ الأكْفاءِ.

* * *

﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾

إنْ أجْرَيْنا اسْمَ الإشارَةِ عَلى قِياسِ كَثِيرٍ مِن أمْثالِهِ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ كانَتِ الإشارَةُ إلى التَّمْكِينِ المُسْتَفادِ مِن ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ تَنْوِيهًا بِأنَّ ذَلِكَ التَّمْكِينَ …

22

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيْنَٰهُ حُكْمًۭا وَعِلْمًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ

And when Joseph reached maturity, We gave him judgment and knowledge. And thus We reward the doers of good.

﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾

هَذا إخْبارٌ عَنِ اصْطِفاءِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلنُّبُوءَةِ. ذُكِرَ هُنا في ذِكْرِ مَبْدَأِ حُلُولِهِ بِمِصْرَ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ مِنَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِتَمْكِينِهِ في الأرْضِ وتَعْلِيمِهِ تَأْوِيلَ الأحادِيثِ.

والأشُدُّ: القُوَّةُ. وفُسِّرَ بِبُلُوغِهِ ما بَيْنَ خَمْسٍ وثَلاثِينَ سَنَةً إلى أرْبَعِينَ.

والحُكْمُ والحِكْمَةُ مُتَرادِفانِ، وهو: عِلْمُ حَقائِقِ الأشْياءِ والعَمَلُ بِالصّالِحِ واجْتِنابُ ضِدِّهِ. وأُرِيدَ بِهِ هُنا النُّبُوءَةُ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - في ذِكْرِ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] . والمُرادُ بِالعِلْمِ عِلْمٌ زائِدٌ عَلى النُّبُوءَةِ.

وتَنْكِيرُ عِلْمًا لِلنَّوْعِيَّةِ، أوْ لِلتَّعْظِيمِ. والمُرادُ: عِلْمُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا، كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ - تَعالى - عَنْهُ ﴿ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: ٣٧] .

وقالَ فَخْرُ الدِّينِ: الحُكْمُ: الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ لِأنَّها حُكْمٌ عَلى هُدى النَّفْسِ. والعِلْمُ: الحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ.

والقَوْلُ في ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وفِي ذِكْرِ المُحْسِنِينَ إيماءٌ إلى أنَّ إحْسانَهُ هو سَبَبُ جَزائِهِ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ.

صفحة ٢٤٩

وفِي هَذا الَّذِي دَبَّرَهُ اللَّهُ - تَعالى - تَصْرِيحٌ بِآيَةٍ مِنَ الآياتِ الَّتِي كانَتْ في يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإخْوَتِهِ.

23

وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And she, in whose house he was, sought to seduce him. She closed the doors and said, "Come, you." He said, "[I seek] the refuge of Allah. Indeed, he is my master, who has made good my residence. Indeed, wrongdoers will not succeed."

﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هِيتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّيَ أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدا البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهْوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهْوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾

عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ حاصِلَةً في الوُجُودِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ كانَ هَذا الحادِثُ قَبْلَ إيتائِهِ النُّبُوءَةَ لِأنَّ إيتاءَ النُّبُوءَةِ غَلَبَ أنْ يَكُونَ في سِنِّ الأرْبَعِينَ. والأظْهَرُ أنَّهُ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ بَعْدَ دُخُولِ أهْلِهِ إلى مِصْرَ وبَعْدَ وفاةِ أبِيهِ. وقَدْ تَعَرَّضَتِ الآياتُ لِتَقْرِيرِ ثَباتِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى العَفافِ والوَفاءِ وكَرَمِ الخُلُقِ.

صفحة ٢٥٠

فالمُراوَدَةُ المُقْتَضِيَةُ تَكْرِيرَ المُحاوَلَةِ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، والمُفاعَلَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّكْرِيرِ. وقِيلَ: المُفاعَلَةُ تَقْدِيرِيَّةٌ بِأنِ اعْتَبَرَ العَمَلَ مِن جانِبٍ والمُمانَعَةَ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ مِنَ العَمَلِ بِمَنزِلَةِ مُقابَلَةِ العَمَلِ بِمِثْلِهِ. والمُراوَدَةُ: مُشْتَقَّةٌ مِن رادَ يَرُودُ، إذا جاءَ وذَهَبَ. شَبَّهَ حالَ المُحاوِلِ أحَدًا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ مُكَرِّرًا ذَلِكَ بِحالِ مَن يَذْهَبُ ويَجِيءُ في المُعاوَدَةِ إلى الشَّيْءِ المَذْهُوبِ عَنْهُ، فَأطْلَقَ راوَدَ بِمَعْنى حاوَلَ.

وعَنْ لِلْمُجاوَزَةِ، أيْ راوَدَتْهُ مُباعَدَةً لَهُ عَنْ نَفْسِهِ، أيْ بِأنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ لَها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ، فالنَّفْسُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ غَرَضِ المُواقَعَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ فالنَّفْسُ أُرِيدَ بِها عَفافُهُ وتَمْكِينُها مِنهُ لِما تُرِيدُ، فَكَأنَّها تُراوِدُهُ عَنْ أنْ يُسَلِّمَ إلَيْها إرادَتَهُ وحُكْمَهُ في نَفْسِهِ.

وأمّا تَعْدِيَتُهُ بِـ ”عَلى“ فَذَلِكَ إلى الشَّيْءِ المَطْلُوبِ حُصُولُهُ. ووَقَعَ في قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يُراوِدُ عَمَّهُ أبا طالِبٍ عَلى الإسْلامِ»: وفي حَدِيثِ الإسْراءِ فَقالَ لَهُ مُوسى: قَدْ راوَدْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أدْنى مِن ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ.

والتَّعْبِيرُ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي هو في بَيْتِها﴾ لِقَصْدِ ما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَقْرِيرِ عِصْمَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ كَوْنَهُ في بَيْتِها مِن شَأْنِهِ أنْ يُطَوِّعَهُ لِمُرادِها.

و﴿بَيْتِها﴾ بَيْتُ سُكْناها الَّذِي تَبِيتُ فِيهِ. فَمَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ كانَ حِينَئِذٍ في البَيْتِ الَّذِي هي بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبَيْتِ المَنزِلَ كُلَّهُ، وهو قَصْرُ العَزِيزِ. ومِنهُ قَوْلُهم: رَبَّةُ البَيْتِ، أيْ زَوْجَةُ صاحِبِ الدّارِ ويَكُونُ مَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ أتْباعِ ذَلِكَ المَنزِلِ.

وغَلْقُ الأبْوابِ: …

24

وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَٰنَ رَبِّهِۦ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ۚ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ

And she certainly determined [to seduce] him, and he would have inclined to her had he not seen the proof of his Lord. And thus [it was] that We should avert from him evil and immorality. Indeed, he was of Our chosen servants.

﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هِيتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّيَ أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدا البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهْوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهْوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾

عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ حاصِلَةً في الوُجُودِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ كانَ هَذا الحادِثُ قَبْلَ إيتائِهِ النُّبُوءَةَ لِأنَّ إيتاءَ النُّبُوءَةِ غَلَبَ أنْ يَكُونَ في سِنِّ الأرْبَعِينَ. والأظْهَرُ أنَّهُ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ بَعْدَ دُخُولِ أهْلِهِ إلى مِصْرَ وبَعْدَ وفاةِ أبِيهِ. وقَدْ تَعَرَّضَتِ الآياتُ لِتَقْرِيرِ ثَباتِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى العَفافِ والوَفاءِ وكَرَمِ الخُلُقِ.

صفحة ٢٥٠

فالمُراوَدَةُ المُقْتَضِيَةُ تَكْرِيرَ المُحاوَلَةِ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، والمُفاعَلَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّكْرِيرِ. وقِيلَ: المُفاعَلَةُ تَقْدِيرِيَّةٌ بِأنِ اعْتَبَرَ العَمَلَ مِن جانِبٍ والمُمانَعَةَ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ مِنَ العَمَلِ بِمَنزِلَةِ مُقابَلَةِ العَمَلِ بِمِثْلِهِ. والمُراوَدَةُ: مُشْتَقَّةٌ مِن رادَ يَرُودُ، إذا جاءَ وذَهَبَ. شَبَّهَ حالَ المُحاوِلِ أحَدًا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ مُكَرِّرًا ذَلِكَ بِحالِ مَن يَذْهَبُ ويَجِيءُ في المُعاوَدَةِ إلى الشَّيْءِ المَذْهُوبِ عَنْهُ، فَأطْلَقَ راوَدَ بِمَعْنى حاوَلَ.

وعَنْ لِلْمُجاوَزَةِ، أيْ راوَدَتْهُ مُباعَدَةً لَهُ عَنْ نَفْسِهِ، أيْ بِأنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ لَها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ، فالنَّفْسُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ غَرَضِ المُواقَعَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ فالنَّفْسُ أُرِيدَ بِها عَفافُهُ وتَمْكِينُها مِنهُ لِما تُرِيدُ، فَكَأنَّها تُراوِدُهُ عَنْ أنْ يُسَلِّمَ إلَيْها إرادَتَهُ وحُكْمَهُ في نَفْسِهِ.

وأمّا تَعْدِيَتُهُ بِـ ”عَلى“ فَذَلِكَ إلى الشَّيْءِ المَطْلُوبِ حُصُولُهُ. ووَقَعَ في قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يُراوِدُ عَمَّهُ أبا طالِبٍ عَلى الإسْلامِ»: وفي حَدِيثِ الإسْراءِ فَقالَ لَهُ مُوسى: قَدْ راوَدْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أدْنى مِن ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ.

والتَّعْبِيرُ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي هو في بَيْتِها﴾ لِقَصْدِ ما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَقْرِيرِ عِصْمَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ كَوْنَهُ في بَيْتِها مِن شَأْنِهِ أنْ يُطَوِّعَهُ لِمُرادِها.

و﴿بَيْتِها﴾ بَيْتُ سُكْناها الَّذِي تَبِيتُ فِيهِ. فَمَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ كانَ حِينَئِذٍ في البَيْتِ الَّذِي هي بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبَيْتِ المَنزِلَ كُلَّهُ، وهو قَصْرُ العَزِيزِ. ومِنهُ قَوْلُهم: رَبَّةُ البَيْتِ، أيْ زَوْجَةُ صاحِبِ الدّارِ ويَكُونُ مَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ أتْباعِ ذَلِكَ المَنزِلِ.

وغَلْقُ الأبْوابِ: …

25

وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍۢ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And they both raced to the door, and she tore his shirt from the back, and they found her husband at the door. She said, "What is the recompense of one who intended evil for your wife but that he be imprisoned or a painful punishment?"

﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هِيتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّيَ أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدا البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهْوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهْوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾

عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ حاصِلَةً في الوُجُودِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ كانَ هَذا الحادِثُ قَبْلَ إيتائِهِ النُّبُوءَةَ لِأنَّ إيتاءَ النُّبُوءَةِ غَلَبَ أنْ يَكُونَ في سِنِّ الأرْبَعِينَ. والأظْهَرُ أنَّهُ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ بَعْدَ دُخُولِ أهْلِهِ إلى مِصْرَ وبَعْدَ وفاةِ أبِيهِ. وقَدْ تَعَرَّضَتِ الآياتُ لِتَقْرِيرِ ثَباتِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى العَفافِ والوَفاءِ وكَرَمِ الخُلُقِ.

صفحة ٢٥٠

فالمُراوَدَةُ المُقْتَضِيَةُ تَكْرِيرَ المُحاوَلَةِ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، والمُفاعَلَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّكْرِيرِ. وقِيلَ: المُفاعَلَةُ تَقْدِيرِيَّةٌ بِأنِ اعْتَبَرَ العَمَلَ مِن جانِبٍ والمُمانَعَةَ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ مِنَ العَمَلِ بِمَنزِلَةِ مُقابَلَةِ العَمَلِ بِمِثْلِهِ. والمُراوَدَةُ: مُشْتَقَّةٌ مِن رادَ يَرُودُ، إذا جاءَ وذَهَبَ. شَبَّهَ حالَ المُحاوِلِ أحَدًا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ مُكَرِّرًا ذَلِكَ بِحالِ مَن يَذْهَبُ ويَجِيءُ في المُعاوَدَةِ إلى الشَّيْءِ المَذْهُوبِ عَنْهُ، فَأطْلَقَ راوَدَ بِمَعْنى حاوَلَ.

وعَنْ لِلْمُجاوَزَةِ، أيْ راوَدَتْهُ مُباعَدَةً لَهُ عَنْ نَفْسِهِ، أيْ بِأنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ لَها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ، فالنَّفْسُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ غَرَضِ المُواقَعَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ فالنَّفْسُ أُرِيدَ بِها عَفافُهُ وتَمْكِينُها مِنهُ لِما تُرِيدُ، فَكَأنَّها تُراوِدُهُ عَنْ أنْ يُسَلِّمَ إلَيْها إرادَتَهُ وحُكْمَهُ في نَفْسِهِ.

وأمّا تَعْدِيَتُهُ بِـ ”عَلى“ فَذَلِكَ إلى الشَّيْءِ المَطْلُوبِ حُصُولُهُ. ووَقَعَ في قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يُراوِدُ عَمَّهُ أبا طالِبٍ عَلى الإسْلامِ»: وفي حَدِيثِ الإسْراءِ فَقالَ لَهُ مُوسى: قَدْ راوَدْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أدْنى مِن ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ.

والتَّعْبِيرُ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي هو في بَيْتِها﴾ لِقَصْدِ ما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَقْرِيرِ عِصْمَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ كَوْنَهُ في بَيْتِها مِن شَأْنِهِ أنْ يُطَوِّعَهُ لِمُرادِها.

و﴿بَيْتِها﴾ بَيْتُ سُكْناها الَّذِي تَبِيتُ فِيهِ. فَمَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ كانَ حِينَئِذٍ في البَيْتِ الَّذِي هي بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبَيْتِ المَنزِلَ كُلَّهُ، وهو قَصْرُ العَزِيزِ. ومِنهُ قَوْلُهم: رَبَّةُ البَيْتِ، أيْ زَوْجَةُ صاحِبِ الدّارِ ويَكُونُ مَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ أتْباعِ ذَلِكَ المَنزِلِ.

وغَلْقُ الأبْوابِ: …

26

قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌۭ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍۢ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ

[Joseph] said, "It was she who sought to seduce me." And a witness from her family testified. "If his shirt is torn from the front, then she has told the truth, and he is of the liars.

﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هِيتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّيَ أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدا البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهْوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهْوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾

عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ حاصِلَةً في الوُجُودِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ كانَ هَذا الحادِثُ قَبْلَ إيتائِهِ النُّبُوءَةَ لِأنَّ إيتاءَ النُّبُوءَةِ غَلَبَ أنْ يَكُونَ في سِنِّ الأرْبَعِينَ. والأظْهَرُ أنَّهُ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ بَعْدَ دُخُولِ أهْلِهِ إلى مِصْرَ وبَعْدَ وفاةِ أبِيهِ. وقَدْ تَعَرَّضَتِ الآياتُ لِتَقْرِيرِ ثَباتِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى العَفافِ والوَفاءِ وكَرَمِ الخُلُقِ.

صفحة ٢٥٠

فالمُراوَدَةُ المُقْتَضِيَةُ تَكْرِيرَ المُحاوَلَةِ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، والمُفاعَلَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّكْرِيرِ. وقِيلَ: المُفاعَلَةُ تَقْدِيرِيَّةٌ بِأنِ اعْتَبَرَ العَمَلَ مِن جانِبٍ والمُمانَعَةَ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ مِنَ العَمَلِ بِمَنزِلَةِ مُقابَلَةِ العَمَلِ بِمِثْلِهِ. والمُراوَدَةُ: مُشْتَقَّةٌ مِن رادَ يَرُودُ، إذا جاءَ وذَهَبَ. شَبَّهَ حالَ المُحاوِلِ أحَدًا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ مُكَرِّرًا ذَلِكَ بِحالِ مَن يَذْهَبُ ويَجِيءُ في المُعاوَدَةِ إلى الشَّيْءِ المَذْهُوبِ عَنْهُ، فَأطْلَقَ راوَدَ بِمَعْنى حاوَلَ.

وعَنْ لِلْمُجاوَزَةِ، أيْ راوَدَتْهُ مُباعَدَةً لَهُ عَنْ نَفْسِهِ، أيْ بِأنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ لَها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ، فالنَّفْسُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ غَرَضِ المُواقَعَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ فالنَّفْسُ أُرِيدَ بِها عَفافُهُ وتَمْكِينُها مِنهُ لِما تُرِيدُ، فَكَأنَّها تُراوِدُهُ عَنْ أنْ يُسَلِّمَ إلَيْها إرادَتَهُ وحُكْمَهُ في نَفْسِهِ.

وأمّا تَعْدِيَتُهُ بِـ ”عَلى“ فَذَلِكَ إلى الشَّيْءِ المَطْلُوبِ حُصُولُهُ. ووَقَعَ في قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يُراوِدُ عَمَّهُ أبا طالِبٍ عَلى الإسْلامِ»: وفي حَدِيثِ الإسْراءِ فَقالَ لَهُ مُوسى: قَدْ راوَدْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أدْنى مِن ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ.

والتَّعْبِيرُ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي هو في بَيْتِها﴾ لِقَصْدِ ما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَقْرِيرِ عِصْمَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ كَوْنَهُ في بَيْتِها مِن شَأْنِهِ أنْ يُطَوِّعَهُ لِمُرادِها.

و﴿بَيْتِها﴾ بَيْتُ سُكْناها الَّذِي تَبِيتُ فِيهِ. فَمَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ كانَ حِينَئِذٍ في البَيْتِ الَّذِي هي بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبَيْتِ المَنزِلَ كُلَّهُ، وهو قَصْرُ العَزِيزِ. ومِنهُ قَوْلُهم: رَبَّةُ البَيْتِ، أيْ زَوْجَةُ صاحِبِ الدّارِ ويَكُونُ مَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ أتْباعِ ذَلِكَ المَنزِلِ.

وغَلْقُ الأبْوابِ: …

27

وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

But if his shirt is torn from the back, then she has lied, and he is of the truthful."

﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هِيتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّيَ أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدا البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهْوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهْوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾

عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ حاصِلَةً في الوُجُودِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ كانَ هَذا الحادِثُ قَبْلَ إيتائِهِ النُّبُوءَةَ لِأنَّ إيتاءَ النُّبُوءَةِ غَلَبَ أنْ يَكُونَ في سِنِّ الأرْبَعِينَ. والأظْهَرُ أنَّهُ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ بَعْدَ دُخُولِ أهْلِهِ إلى مِصْرَ وبَعْدَ وفاةِ أبِيهِ. وقَدْ تَعَرَّضَتِ الآياتُ لِتَقْرِيرِ ثَباتِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى العَفافِ والوَفاءِ وكَرَمِ الخُلُقِ.

صفحة ٢٥٠

فالمُراوَدَةُ المُقْتَضِيَةُ تَكْرِيرَ المُحاوَلَةِ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، والمُفاعَلَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّكْرِيرِ. وقِيلَ: المُفاعَلَةُ تَقْدِيرِيَّةٌ بِأنِ اعْتَبَرَ العَمَلَ مِن جانِبٍ والمُمانَعَةَ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ مِنَ العَمَلِ بِمَنزِلَةِ مُقابَلَةِ العَمَلِ بِمِثْلِهِ. والمُراوَدَةُ: مُشْتَقَّةٌ مِن رادَ يَرُودُ، إذا جاءَ وذَهَبَ. شَبَّهَ حالَ المُحاوِلِ أحَدًا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ مُكَرِّرًا ذَلِكَ بِحالِ مَن يَذْهَبُ ويَجِيءُ في المُعاوَدَةِ إلى الشَّيْءِ المَذْهُوبِ عَنْهُ، فَأطْلَقَ راوَدَ بِمَعْنى حاوَلَ.

وعَنْ لِلْمُجاوَزَةِ، أيْ راوَدَتْهُ مُباعَدَةً لَهُ عَنْ نَفْسِهِ، أيْ بِأنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ لَها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ، فالنَّفْسُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ غَرَضِ المُواقَعَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ فالنَّفْسُ أُرِيدَ بِها عَفافُهُ وتَمْكِينُها مِنهُ لِما تُرِيدُ، فَكَأنَّها تُراوِدُهُ عَنْ أنْ يُسَلِّمَ إلَيْها إرادَتَهُ وحُكْمَهُ في نَفْسِهِ.

وأمّا تَعْدِيَتُهُ بِـ ”عَلى“ فَذَلِكَ إلى الشَّيْءِ المَطْلُوبِ حُصُولُهُ. ووَقَعَ في قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يُراوِدُ عَمَّهُ أبا طالِبٍ عَلى الإسْلامِ»: وفي حَدِيثِ الإسْراءِ فَقالَ لَهُ مُوسى: قَدْ راوَدْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أدْنى مِن ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ.

والتَّعْبِيرُ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي هو في بَيْتِها﴾ لِقَصْدِ ما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَقْرِيرِ عِصْمَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ كَوْنَهُ في بَيْتِها مِن شَأْنِهِ أنْ يُطَوِّعَهُ لِمُرادِها.

و﴿بَيْتِها﴾ بَيْتُ سُكْناها الَّذِي تَبِيتُ فِيهِ. فَمَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ كانَ حِينَئِذٍ في البَيْتِ الَّذِي هي بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبَيْتِ المَنزِلَ كُلَّهُ، وهو قَصْرُ العَزِيزِ. ومِنهُ قَوْلُهم: رَبَّةُ البَيْتِ، أيْ زَوْجَةُ صاحِبِ الدّارِ ويَكُونُ مَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ أتْباعِ ذَلِكَ المَنزِلِ.

وغَلْقُ الأبْوابِ: …

28

فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌۭ

So when her husband saw his shirt torn from the back, he said, "Indeed, it is of the women's plan. Indeed, your plan is great.

﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هِيتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّيَ أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدا البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهْوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهْوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾

عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ حاصِلَةً في الوُجُودِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ كانَ هَذا الحادِثُ قَبْلَ إيتائِهِ النُّبُوءَةَ لِأنَّ إيتاءَ النُّبُوءَةِ غَلَبَ أنْ يَكُونَ في سِنِّ الأرْبَعِينَ. والأظْهَرُ أنَّهُ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ بَعْدَ دُخُولِ أهْلِهِ إلى مِصْرَ وبَعْدَ وفاةِ أبِيهِ. وقَدْ تَعَرَّضَتِ الآياتُ لِتَقْرِيرِ ثَباتِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى العَفافِ والوَفاءِ وكَرَمِ الخُلُقِ.

صفحة ٢٥٠

فالمُراوَدَةُ المُقْتَضِيَةُ تَكْرِيرَ المُحاوَلَةِ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، والمُفاعَلَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّكْرِيرِ. وقِيلَ: المُفاعَلَةُ تَقْدِيرِيَّةٌ بِأنِ اعْتَبَرَ العَمَلَ مِن جانِبٍ والمُمانَعَةَ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ مِنَ العَمَلِ بِمَنزِلَةِ مُقابَلَةِ العَمَلِ بِمِثْلِهِ. والمُراوَدَةُ: مُشْتَقَّةٌ مِن رادَ يَرُودُ، إذا جاءَ وذَهَبَ. شَبَّهَ حالَ المُحاوِلِ أحَدًا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ مُكَرِّرًا ذَلِكَ بِحالِ مَن يَذْهَبُ ويَجِيءُ في المُعاوَدَةِ إلى الشَّيْءِ المَذْهُوبِ عَنْهُ، فَأطْلَقَ راوَدَ بِمَعْنى حاوَلَ.

وعَنْ لِلْمُجاوَزَةِ، أيْ راوَدَتْهُ مُباعَدَةً لَهُ عَنْ نَفْسِهِ، أيْ بِأنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ لَها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ، فالنَّفْسُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ غَرَضِ المُواقَعَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ فالنَّفْسُ أُرِيدَ بِها عَفافُهُ وتَمْكِينُها مِنهُ لِما تُرِيدُ، فَكَأنَّها تُراوِدُهُ عَنْ أنْ يُسَلِّمَ إلَيْها إرادَتَهُ وحُكْمَهُ في نَفْسِهِ.

وأمّا تَعْدِيَتُهُ بِـ ”عَلى“ فَذَلِكَ إلى الشَّيْءِ المَطْلُوبِ حُصُولُهُ. ووَقَعَ في قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يُراوِدُ عَمَّهُ أبا طالِبٍ عَلى الإسْلامِ»: وفي حَدِيثِ الإسْراءِ فَقالَ لَهُ مُوسى: قَدْ راوَدْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أدْنى مِن ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ.

والتَّعْبِيرُ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي هو في بَيْتِها﴾ لِقَصْدِ ما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَقْرِيرِ عِصْمَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ كَوْنَهُ في بَيْتِها مِن شَأْنِهِ أنْ يُطَوِّعَهُ لِمُرادِها.

و﴿بَيْتِها﴾ بَيْتُ سُكْناها الَّذِي تَبِيتُ فِيهِ. فَمَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ كانَ حِينَئِذٍ في البَيْتِ الَّذِي هي بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبَيْتِ المَنزِلَ كُلَّهُ، وهو قَصْرُ العَزِيزِ. ومِنهُ قَوْلُهم: رَبَّةُ البَيْتِ، أيْ زَوْجَةُ صاحِبِ الدّارِ ويَكُونُ مَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ أتْباعِ ذَلِكَ المَنزِلِ.

وغَلْقُ الأبْوابِ: …

29

يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ

Joseph, ignore this. And, [my wife], ask forgiveness for your sin. Indeed, you were of the sinful."

﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هِيتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّيَ أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدا البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهْوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهْوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾

عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ حاصِلَةً في الوُجُودِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ كانَ هَذا الحادِثُ قَبْلَ إيتائِهِ النُّبُوءَةَ لِأنَّ إيتاءَ النُّبُوءَةِ غَلَبَ أنْ يَكُونَ في سِنِّ الأرْبَعِينَ. والأظْهَرُ أنَّهُ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ بَعْدَ دُخُولِ أهْلِهِ إلى مِصْرَ وبَعْدَ وفاةِ أبِيهِ. وقَدْ تَعَرَّضَتِ الآياتُ لِتَقْرِيرِ ثَباتِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى العَفافِ والوَفاءِ وكَرَمِ الخُلُقِ.

صفحة ٢٥٠

فالمُراوَدَةُ المُقْتَضِيَةُ تَكْرِيرَ المُحاوَلَةِ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، والمُفاعَلَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّكْرِيرِ. وقِيلَ: المُفاعَلَةُ تَقْدِيرِيَّةٌ بِأنِ اعْتَبَرَ العَمَلَ مِن جانِبٍ والمُمانَعَةَ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ مِنَ العَمَلِ بِمَنزِلَةِ مُقابَلَةِ العَمَلِ بِمِثْلِهِ. والمُراوَدَةُ: مُشْتَقَّةٌ مِن رادَ يَرُودُ، إذا جاءَ وذَهَبَ. شَبَّهَ حالَ المُحاوِلِ أحَدًا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ مُكَرِّرًا ذَلِكَ بِحالِ مَن يَذْهَبُ ويَجِيءُ في المُعاوَدَةِ إلى الشَّيْءِ المَذْهُوبِ عَنْهُ، فَأطْلَقَ راوَدَ بِمَعْنى حاوَلَ.

وعَنْ لِلْمُجاوَزَةِ، أيْ راوَدَتْهُ مُباعَدَةً لَهُ عَنْ نَفْسِهِ، أيْ بِأنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ لَها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ، فالنَّفْسُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ غَرَضِ المُواقَعَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ فالنَّفْسُ أُرِيدَ بِها عَفافُهُ وتَمْكِينُها مِنهُ لِما تُرِيدُ، فَكَأنَّها تُراوِدُهُ عَنْ أنْ يُسَلِّمَ إلَيْها إرادَتَهُ وحُكْمَهُ في نَفْسِهِ.

وأمّا تَعْدِيَتُهُ بِـ ”عَلى“ فَذَلِكَ إلى الشَّيْءِ المَطْلُوبِ حُصُولُهُ. ووَقَعَ في قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يُراوِدُ عَمَّهُ أبا طالِبٍ عَلى الإسْلامِ»: وفي حَدِيثِ الإسْراءِ فَقالَ لَهُ مُوسى: قَدْ راوَدْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أدْنى مِن ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ.

والتَّعْبِيرُ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي هو في بَيْتِها﴾ لِقَصْدِ ما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَقْرِيرِ عِصْمَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ كَوْنَهُ في بَيْتِها مِن شَأْنِهِ أنْ يُطَوِّعَهُ لِمُرادِها.

و﴿بَيْتِها﴾ بَيْتُ سُكْناها الَّذِي تَبِيتُ فِيهِ. فَمَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ كانَ حِينَئِذٍ في البَيْتِ الَّذِي هي بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبَيْتِ المَنزِلَ كُلَّهُ، وهو قَصْرُ العَزِيزِ. ومِنهُ قَوْلُهم: رَبَّةُ البَيْتِ، أيْ زَوْجَةُ صاحِبِ الدّارِ ويَكُونُ مَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ أتْباعِ ذَلِكَ المَنزِلِ.

وغَلْقُ الأبْوابِ: …

30

۞ وَقَالَ نِسْوَةٌۭ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ

And women in the city said, "The wife of al-'Azeez is seeking to seduce her slave boy; he has impassioned her with love. Indeed, we see her [to be] in clear error."

﴿وقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ امْرَأةُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾

النِّسْوَةُ: اسْمُ جَمْعِ امْرَأةٍ لا مُفْرَدَ لَهُ، وهو اسْمُ جَمْعِ قِلَّةٍ مِثْلُهُ نِساءٌ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ونِساءَنا ونِساءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وقَوْلُهُ: ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ صِفَةٌ لِنِسْوَةٍ. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ أنَّهُنَّ كُنَّ مُتَفَرِّقاتٍ في دِيارٍ مِنَ المَدِينَةِ. وهَذِهِ المَدِينَةُ هي قاعِدَةُ مِصْرَ السُّفْلى

صفحة ٢٦٠

وهِيَ مَدِينَةُ (مَنفِيسَ) حَيْثُ كانَ قَصْرُ العَزِيزِ، فَنُقِلَ الخَبَرُ في بُيُوتِ المُتَّصِلِينَ بِبَيْتِ العَزِيزِ. وقِيلَ: إنَّ امْرَأةَ العَزِيزِ باحَتْ بِالسِّرِّ لِبَعْضِ خَلائِلِها فَأفْشَيْنَهُ كَأنَّها أرادَتِ التَّشاوُرَ مَعَهُنَّ، أوْ أرادَتِ الِارْتِياحَ بِالحَدِيثِ إلَيْهِنَّ ”ومَن أحَبَّ شَيْئًا أكْثَرَ مِن ذِكْرِهِ“ . وهَذا الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] وقَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ﴾ [يوسف: ٣٢]

والفَتى: الَّذِي في سِنِّ الشَّبابِ، ويُكَنّى بِهِ عَنِ المَمْلُوكِ وعَنِ الخادِمِ كَما يُكَنّى بِالغُلامِ والجارِيَةِ وهو المُرادُ هُنا. وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ ﴿امْرَأةُ العَزِيزِ﴾ لِأنَّهُ غُلامُ زَوْجِها فَهو غُلامٌ لَها بِالتَّبَعِ ما دامَتْ زَوْجَةٌ لِمالِكِهِ.

وشَغَفَ: فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جامِدٍ، وهو الشِّغافُ بِكَسْرِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ وهو غِلافُ القَلْبِ. وهَذا الفِعْلُ مِثْلَ كَبَدَهُ ورَآهُ وجَبَهَهُ، إذا أصابَ كَبِدَهُ ورِئَتَهُ وجَبْهَتَهُ.

والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في ﴿شَغَفَها﴾ لِـ ﴿فَتاها﴾ . ولِما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ جِيءَ بِالتَّمْيِيزِ لِلنِّسْبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿حُبًّا﴾ . وأصْلُهُ شَغَفَها حُبُّهُ، أيْ أصابَ حُبُّهُ شِغافَها، أيِ اخْتَرَقَ الشَّغافَ فَبَلَغَ القَلْبَ، كِنايَةٌ عَنِ التَّمَكُّنِ.

وتَذْكِيرُ الفِعْلِ في ﴿وقالَ نِسْوَةٌ﴾ لِأنَّ الفِعْلَ المُسْنَدَ إلى ألْفاظِ الجُمُوعِ غَيْرُ الجَمْعِ المُذَكِّرِ السّالِمِ يَجُوزُ تَجْرِيدُهُ مِنَ التّاءِ بِاعْتِبارِ الجَمْعِ، وقَرْنُهُ بِالتّاءِ بِاعْتِبارِ الجَماعَةِ مِثْلَ ﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ﴾ [يوسف: ١٩]

وأمّا الهاءُ الَّتِي في آخِرِ ﴿نِسْوَةٌ﴾ فَلَيْسَتْ عَلامَةَ تَأْنِيثٍ بَلْ هي هاءُ فِعْلَةٍ جَمْعُ تَكْسِيرٍ، مِثْلَ صِبْيَةٍ وغَلِمَةٍ.

وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ تَسْمِيَةِ الَّذِي اشْتَرى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِاسْمِ العَزِيزِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ لِامْرَأتِهِ﴾ [يوسف: ٢١] . وتَقَدَّمَ ذِكْرُ اسْمِهِ واسْمِها في العَرَبِيَّةِ وفي العِبْرانِيَّةِ.

صفحة ٢٦١

ومَجِيءُ ﴿تُراوِدُ﴾ بِصِيغَةِ المُضارِعِ مَعَ كَوْنِ المُراوَدَةِ مَضَتْ لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ لِقَصْدِ الإنْكارِ عَلَيْها في أنْفُسِهِنَّ ولَوْمِها عَلى صَنِيعِها. ونَظِيرُهُ في اسْتِحْضارِ الحالَةِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]

وجُمْلَةُ ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿تُراوِدُ فَتاها﴾

وجُمْلَةُ ﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِإظْهارِ اللَّوْمِ والإنْكارِ عَلَيْها. والتَّأْكِيدُ بِـ ”إنَّ“ واللّامِ لِتَحْقِيقِ اعْتِقادِهِنَّ ذَلِكَ، وإبْعادًا لِتُهْمَتِهِنَّ بِأنَّهُنَّ يَحْسُدْنَها عَلى ذَلِكَ الفَتى.

والضَّلالُ هُنا: مُخالَفَةُ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ هي مَفْتُونَةُ العَقْلِ بِحُبِّ هَذا الفَتى، ولَيْسَ المُرادُ الضَّلالَ الدِّينِيَّ. وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى - آنِفًا ﴿إنَّ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.