وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
And the one from Egypt who bought him said to his wife, "Make his residence comfortable. Perhaps he will benefit us, or we will adopt him as a son." And thus, We established Joseph in the land that We might teach him the interpretation of events. And Allah is predominant over His affair, but most of the people do not know.
﴿وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ﴾ وهو العَزِيزُ الَّذِي كانَ عَلى خَزائِنِهِ، واسْمُهُ قِطْفِيرُ أوْ إطْفِيرُ، وبَيانُ كَوْنِهِ مِن مِصْرَ لِتَرْبِيَةِ ما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ مَعَ الإشْعارِ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مَنِ اشْتَراهُ مِنَ المُلْتَقَطِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ الثَّمَنِ البَخْسِ، وكانَ المَلِكُ يَوْمَئِذٍ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ العِمْلِيقِيُّ وماتَ في حَياةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنْ آمَنَ بِهِ، فَمَلَكَ بَعْدَهُ قابُوسُ بْنُ مُصْعَبٍ، فَدَعاهُ إلى الإسْلامِ فَأبى، وقِيلَ: كانَ المَلِكُ في أيّامِهِ فِرْعَوْنَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ وقِيلَ: فِرْعَوْنُ مُوسى مِن أوْلادِ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ، والآيَةُ مِن قَبِيلِ خِطابِ الأوْلادِ بِأحْوالِ الآباءِ، واخْتُلِفَ في مِقْدارِ ما اشْتَراهُ بِهِ العَزِيزُ، فَقِيلَ: بِعِشْرِينَ دِينارًا، وزَوْجَيْ نَعْلٍ، وثَوْبَيْنِ أبْيَضَيْنِ، وقِيلَ: أدْخَلُوهُ في السُّوقِ يَعْرِضُونَهُ فَتَرافَعُوا في ثَمَنِهِ حَتّى بَلَغَ ثَمَنُهُ وزْنَهُ مِسْكًا ووَزْنَهُ ورِقًا ووَزْنَهُ حَرِيرًا، فاشْتَراهُ قِطْفِيرُ بِذَلِكَ المَبْلَغِ، وكانَ سِنُّهُ إذْ ذاكَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وأقامَ في مَنزِلِهِ مَعَ ما مَرَّ عَلَيْهِ مِن مُدَّةِ لُبْثِهِ في السِّجْنِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، واسْتَوْزَرَهُ الرَّيّانُ وهو ابْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً، وآتاهُ اللَّهُ العِلْمَ والحِكْمَةَ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، وتُوُفِّيَ وهو ابْنُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً.
﴿لامْرَأتِهِ﴾ راعِيلَ، أوْ زُلَيْخا، وقِيلَ: اسْمُها هو الأوَّلُ والثّانِي لَقَبُها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(قالَ) لا بِـ(اشْتَراهُ) ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ﴾ اجْعَلِي مَحَلَّ إقامَتِهِ كَرِيمًا مَرْضِيًّا، والمَعْنى أحْسِنِي تَعَهُّدَهُ ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ في ضِياعِنا وأمْوالِنا ونَسْتَظْهِرُ بِهِ في مَصالِحِنا ﴿أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ أيْ: نَتَبَنّاهُ، وكانَ ذَلِكَ لِما تَفَرَّسَ فِيهِ مِن مَخايِلِ الرُّشْدِ والنَّجابَةِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: أفَرَسُ النّاسِ ثَلاثَةٌ: عَزِيزُ مِصْرَ، وابْنَةُ شُعَيْبٍ الَّتِي قالَتْ: (يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ) وأبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ﴿وَكَذَلِكَ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ العَزِيزِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِتَفْخِيمِهِ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّمْكِينِ البَدِيعِ ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ أيْ: جَعَلْنا لَهُ فِيها مَكانًا، يُقالُ: مَكَّنَهُ فِيهِ، أيْ: أثْبَتَهُ فِيهِ ومَكَّنَ لَهُ فِيهِ أيْ: جَعَلَ لَهُ فِيهِ مَكانًا، ولِتَقارُبِهِما وتَلازُمِهِما يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنهُما في مَحَلِّ الآخَرِ، قالَ عَزَّ وجَلَّ:"وَكَمّ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مّن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْض ما لَمْ نُمَكِّنْ لَّكم " أيْ: ما لَمْ نُمَكِّنْكم فِيها، أوْ مَكَّنّا لَهم في الأرْضِ... إلَخْ، والمَعْنى: كَما جَعَلْنا لَهُ مَثْوًى كَرِيمًا في مَنزِلِ العَزِيزِ، أوْ مَكانًا عَلِيًّا في قَلْبِهِ - حَتّى أمَرَ امْرَأتَهُ دُونَ سائِرِ حَواشِيهِ بِإكْرامِ مَثْواهُ - جَعَلْنا لَهُ مَكانَةً رَفِيعَةً في أرْضِ مِصْرَ، ولَعَلَّهُ عِبارَةٌ عَنْ جَعْلِهِ وجِيهًا بَيْنَ أهْلِها ومُحَبَّبًا في قُلُوبِهِمْ كافَّةً، كَما في قَلْبِ العَزِيزِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يُؤَدِّي إلى الغايَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ أيْ: نُوَفِّقُهُ لِتَعْبِيرِ بَعْضِ المَناماتِ الَّتِي عُمْدَتُها رُؤْيا المَلِكِ وصاحِبَيِ …