Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 21–30 of 111

21

وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

And the one from Egypt who bought him said to his wife, "Make his residence comfortable. Perhaps he will benefit us, or we will adopt him as a son." And thus, We established Joseph in the land that We might teach him the interpretation of events. And Allah is predominant over His affair, but most of the people do not know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ﴾ قالَ وهْبٌ: لَمّا ذَهَبَتْ بِهِ السَّيّارَةُ إلى مِصْرَ، وقَفُوهُ في سُوقِها يَعْرِضُونَهُ لِلْبَيْعِ، فَتُزايِدَ النّاسُ في ثَمَنِهِ حَتّى بَلَغَ ثَمَنُهُ وزْنَهُ مِسْكًا، ووَزْنَهُ ورِقًا، ووَزْنَهُ حَرِيرًا، فاشْتَراهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ رَجُلٌ يُقالُ: لَهُ قِطْفِيرٌ، وكانَ أمِينَ فِرْعَوْنَ وخازِنَهُ، وكانَ مُؤْمِنًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما اشْتَراهُ قِطْفِيرٌ مِن مالِكِ بْنِ ذُعْرٍ بِعِشْرِينَ دِينارًا، وزَوْجَيْ نَعْلٍ، وثَوْبَيْنِ أبْيَضَيْنِ، فَلَمّا رَجَعَ إلى مَنزِلِهِ قالَ لِامْرَأتِهِ: أكْرِمِي مَثْواهُ. وقالَ قَوْمٌ: اسْمُهُ أطْفِيرٌ

وَفِي اسْمِ المَرْأةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: راعَيِلُ بِنْتُ رَعايِيلَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. والثّانِي. أزْلِيخا بِنْتُ تَمْلِيخا، قالَهُ مُقاتِلٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " أكْرِمِي مَثْواهُ " يَعْنِي أكْرِمِي مَنزِلَهُ ومَقامَهُ عِنْدَكِ، مِن قَوْلِكَ: ثَوَيْتُ بِالمَكانِ: إذا أقَمْتَ بِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أحْسِنِي إلَيْهِ في طُولِ مَقامِهِ عِنْدَنا. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أفَرَسُ النّاسِ ثَلاثَةُ: العَزِيزُ حِينَ تَفَرَّسَ في يُوسُفَ، فَقالَ لِامْرَأتِهِ: ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾، وابْنَةُ شُعَيْبٍ حِينَ قالَتْ: ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القَصَصِ:٢٦]، وأبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: يَكْفِينا إذا بَلَغَ أُمُورَنا. والثّانِي: بِالرِّبْحِ في ثَمَنِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَتَبَنّاهُ. وقالَ غَيْرُهُ: لَمْ يَكُنْ لَهُما ولَدٌ، وكانَ العَزِيزُ لا يَأْتِي النِّساءَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ أيْ: وكَما أنْجَيْناهُ مِن إخْوَتِهِ وأخْرَجْناهُ مِن ظُلْمَةِ الجُبِّ، مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ، أيْ: مَلَّكْناهُ في أرْضِ مِصْرَ فَجَعَلْناهُ عَلى خَزائِنِها. ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما دَخَلَتِ الواوُ في " ولِنُعَلِّمَهُ " لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ هو المُجْتَلَبُ لِلّامِ، والمَعْنى: مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ، واخْتَصَصْناهُ بِذَلِكَ لِكَيْ نُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ. وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ " تَأْوِيلِ الأحادِيثِ " [يُوسُفَ:٦] .

﴿واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ، فالمَعْنى: أنَّهُ غالِبٌ عَلى ما أرادَ مِن قَضائِهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى يُوسُفَ، فالمَعْنى: غالِبٌ عَلى أمْرِ يُوسُفَ حَتّى يُبَلِّغَهُ ما أرادَهُ لَهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ. وقالَ بَعْضُهم: واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ حَيْثُ أمَرَ يَعْقُوبُ يُوسُفَ أنْ لا يَقُصُّ رُؤْياهُ عَلى إخْوَتِهِ، فَعَلِمُوا بِها، ثُمَّ أرادَ يَعْقُوبُ أنْ لا يَكِيدُوهُ، فَكادُوهُ، ثُمَّ أرادَ إخْوَةُ يُوسُفَ قَتْلَهُ، فَلَمْ يُقَدِّرْ لَهم، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَلْتَقِطَهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ فَيَنْدَرِسَ أمْرُهُ، فَعَلا أمْرُهُ، ثُمَّ باعُوهُ لِيَكُونَ مَمْلُوكًا، فَغَلَبَ أمْرُهُ حَتّى مَلَكَ، وأرادُوا أنْ يُعَطِّفُوا أباهم، فَأباهم، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَغُرُّوا يَعْقُوبَ بِالبُكاءِ والدَّمِ الَّذِي ألْقَوْهُ عَلى القَمِيصِ، فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ، فَنَسُوا ذَنْبَهم إلى أنْ أقَرُّوا بِهِ بَعْدَ سِنِينَ فَقالُوا: ﴿إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ [يُوسُفَ:٩٧]، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَمْحُوا مَحَبَّتَهُ مِن قَلْبِ أبِيهِ، فازْدادَتْ، ثُمَّ أرادَتْ أزْلِيخا أنْ تُلْقِيَ عَلَيْهِ …

22

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيْنَٰهُ حُكْمًۭا وَعِلْمًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ

And when Joseph reached maturity, We gave him judgment and knowledge. And thus We reward the doers of good.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الأشُدِّ في (الأنْعامِ:١٥٢)، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِهِ هاهُنا عَلى ثَمانِيَةِ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. والثّانِي: ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: بُلُوغُ الحُلُمِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، ورَبِيعَةُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ. والخامِسُ: عِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ. والسّادِسُ: أنَّهُ مِن نَحْوِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً إلى نَحْوِ الأرْبَعِينَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والسّابِعُ: أنَّهُ بُلُوغُ ثَمانٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّامِنُ: ثَلاثُونَ سَنَةً، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ الفِقْهُ والعَقْلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّالِثُ: أنَّهُ جُعِلَ حَكِيمًا، قالَهُ الزَّجّاجُ، قالَ: ولَيْسَ كُلُّ عالَمٍ حَكِيمًا، إنَّما الحَكِيمُ: العالِمُ المُسْتَعْمِلُ عِلْمَهُ، المُمْتَنِعُ بِهِ مِنِ اسْتِعْمالِ ما يُجَهَّلُ فِيهِ. والرّابِعُ: أنَّهُ الإصابَةُ في القَوْلِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الحُكْمُ عِنْدَ العَرَبِ ما يَصْرِفُ عَنِ الجَهْلِ والخَطَإ، ويَمْنَعُ مِنهُما، ويَرُدُّ النَّفْسَ عَمّا يَشِينُها ويَعُودُ عَلَيْها بِالضَّرَرِ، ومِنهُ حِكْمَةُ الدّابَّةِ. وأصْلُ أحْكَمْتُ في اللُّغَةِ: مَنَعْتُ، وسُمِّي الحاكِمُ حاكِمًا، لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ الظُّلْمِ والزَّيْغِ.

وَفِي المُرادِ بِالعِلْمِ هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: الفِقْهُ. والثّانِي: عِلْمُ الرُّؤْيا

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: ومِثْلَ ما وصَفْنا مِن تَعَلُّمِ يُوسُفَ وحِراسَتِهِ، نُثِيبُ مَن أحْسَنَ عَمَلَهُ، واجْتَنَبَ المَعاصِيَ، فَنُنْجِيهِ مِنَ الهَلَكَةِ، ونَسْتَنْقِذُهُ مِنَ الضَّلالَةِ فَنَجْعَلُهُ مِن أهْلِ العِلْمِ والحِكْمَةِ كَما فَعَلْنا بِيُوسُفَ.

وَفِي المُرادِ بِالمُحْسِنِينَ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: الصّابِرُونَ عَلى النَّوائِبِ. والثّانِي: المُهْتَدُونَ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: المُؤْمِنُونَ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: هَذا، وإنْ كانَ مَخْرَجُ ظاهِرِهِ عَلى كُلِّ مُحْسِنٍ، فالمُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والمَعْنى: كَما فَعَلْتُ بِيُوسُفَ بَعْدَ ما لَقِيَ مِنَ البَلاءِ فَمَكَّنْتُهُ في الأرْضِ وآتَيْتُهُ العِلْمَ، كَذَلِكَ أفْعَلُ بِكَ وأُنْجِيكَ مِن مُشْرِكِي قَوْمِكَ.

23

وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And she, in whose house he was, sought to seduce him. She closed the doors and said, "Come, you." He said, "[I seek] the refuge of Allah. Indeed, he is my master, who has made good my residence. Indeed, wrongdoers will not succeed."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ: طَلَبَتْ مِنهُ المُواقَعَةَ، وقَدْ سَبَقَ اسْمُها. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: راوَدَتْهُ عَمّا أرادَتْهُ مِمّا يُرِيدُ النِّساءَ مِنَ الرِّجالِ. ﴿وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: " هَيْتُ لَكَ " بِفَتْحِ الهاءِ وتَسْكِينِ الياءِ وضَمِّ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " هِيْتَ لَكَ " بِكَسْرِ الهاءِ وتَسْكِينِ الياءِ وفَتْحِ التّاءِ. وهي مَرْوِيَّةٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ. ورَوى الحَلَوانِيُّ عَنْ هِشامٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ هَمَزَهُ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو خَطَأٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " هِئْتُ لَكَ " بِكَسْرِ الهاءِ وهَمْزِ الياءِ وضَمِّ التّاءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي الدَّرْداءِ، وقَتادَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: هو مِنَ الهَيْئَةِ، كَأنَّها قالَتْ: تَهَيَّأْتُ لَكَ. وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ مِثْلُ قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ إلّا أنَّها بِغَيْرِ هَمْزٍ. وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ الهاءِ وكَسْرِ التّاءِ. وهي قِراءَةُ أبِي رَزِينٍ، وحُمَيْدٍ. وعَنِ الوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بِكَسْرِ الهاءِ والتّاءِ مَعَ الهَمْزِ، وهي قِراءَةُ أبِي العالِيَةِ. وقَرَأ ابْنُ خُثَيْمٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَهْمِزْ. وعَنِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ الهاءِ وفَتْحِ التّاءِ مَعَ الهَمْزِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ: " هُيِّئْتُ لَكَ " بِرَفْعِ الهاءِ والتّاءِ وبِياءٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ ساكِنَةٌ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: " ها أنا لَكَ " . وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الهاءِ والتّاءِ بِغَيْرِ هَمْزٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو أجْوَدُ اللُّغاتِ، وأكْثَرُها في كَلامِ العَرَبِ، ومَعْناها: هَلُمَّ لَكَ، أيْ: أقْبِلْ عَلى ما أدْعُوكَ إلَيْهِ، وقالَ الشّاعِرُ:

؎ أبْلِغْ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أخا العِراقِ إذا أتَيْتا أنَّ العِراقَ وأهْلَهُ عُنُقٌ إلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتا

أيْ: فَأقْبِلْ وتَعالَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ هَيَّتَ فَلانٌ لِفُلانٍ: إذا دَعاهُ وصاحَ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ قَدْ رابَنِي أنَّ الكَرِيَّ أسْكَتا ∗∗∗ لَوْ كانَ مَعْنِيًّا بِها لَهَيَّتا

أيْ: صارَ ذا سُكُوتٍ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ: " هَيْتَ لَكَ " بِأيِّ لُغَةٍ هي، عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها عَرَبِيَّةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ قِيلَ: إنَّها مِن كَلامِ قُرَيْشٍ، إلّا أنَّها مِمّا دَرَسَ وقَلَّ في أفْواهِهِمْ آخِرًا، فَأتى اللَّهُ بِهِ، لِأنَّ أصْلَهُ مِن كَلامِهِمْ، وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا مَصْدَرَ لَها، ولا تَصَرُّفَ، ولا تَثْنِيَةَ، ولا جَمْعَ، ولا تَأْنِيثَ، يُقالُ لِلِاثْنَيْنِ: هَيْتَ لَكُما، ولِلْجَمِيعِ: هَيْتَ لَكم، ولِلنِّسْوَةِ: هَيْتَ لَكُنَّ.

والثّانِي: أنَّها بِالسُّرْيانِيَّةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: بِالحَوْرانِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والكِسائِيُّ. وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: إنَّها لُغَةٌ لَأهِلَ حَوَرانَ، سَقَطَتْ إلى أهْلِ مَكَّةَ فَتَكَلَّمُوا بِها.

والرّابِعُ: أنَّها بِالقِبْطِيَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ، والمَعْنى: أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أفْعَلَ هَذا، يُقالُ عُذْتُ عِياذًا ومَعاذًا ومَعاذَةً. ﴿إنَّهُ رَبِّي﴾ أيْ: إنَّ العَزِيزَ صاحِبِي " أحْسَنَ مَثْوايَ "، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " إنَّهُ رَبِّي " يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ﴿أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ أيْ: تَوَلّانِي في طُولِ مُقامِي.

قَوْلُهُ تَعالى: …

24

وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَٰنَ رَبِّهِۦ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ۚ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ

And she certainly determined [to seduce] him, and he would have inclined to her had he not seen the proof of his Lord. And thus [it was] that We should avert from him evil and immorality. Indeed, he was of Our chosen servants.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ الهَمُّ بِالشَّيْءِ في كَلامِ العَرَبِ: حَدِيثُ المَرْءِ نَفْسَهُ بِمُواقَعَتِهِ ما لَمْ يُواقِعْ. فَأمّا هَمُّ أزْلِيخا، فَقالَ المُفَسِّرُونَ: دَعَتْهُ إلى نَفْسِها واسْتَلْقَتْ لَهُ. واخْتَلَفُوا في هَمِّهِ بِها عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ كانَ مِن جِنْسِ هَمِّها، فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَصَمَهُ لَفَعَلَ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وهو قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ المُتَقَدِّمِينَ، واخْتارَهُ مِنَ المُتَأخِّرِينَ جَماعَةٌ مِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يَجُوزُ في اللُّغَةِ: هَمَمْتُ بِفُلانٍ، وهَمَّ بِي، وأنْتَ تُرِيدُ: اخْتِلافَ الهَمَّيْنِ. واحْتَجَّ مَن نَصَرَ هَذا القَوْلَ بِأنَّهُ مَذْهَبُ الأكْثَرِينَ مِنَ السَّلَفِ والعُلَماءِ الأكابِرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما سَنَذْكُرُهُ مِن أمْرِ البُرْهانِ الَّذِي رَآهُ. قالُوا: ورُجُوعُهُ عَمّا هَمَّ بِهِ مِن ذَلِكَ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى يَمْحُو عَنْهُ سَيِّئَ الهَمِّ، ويُوجِبُ لَهُ عُلُوَّ المَنازِلِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أنَّ ثَلاثَةً خَرَجُوا فَلَجَؤُوا إلى غارٍ، فانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ، فَقالُوا: لِيَذْكُرْ كُلُّ واحِدٍ مِنكم أفْضَلَ عَمَلِهِ. فَقالَ أحَدُهم: اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أنَّهُ كانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ فَراوَدْتُها عَنْ نَفْسِها فَأبَتْ إلّا بِمِائَةِ دِينارٍ، فَلَمّا أتَيْتُها بِها وجَلَسْتُ مِنها مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِنَ المَرْأةِ أُرْعِدَتْ وقالَتْ: إنَّ هَذا لَعَمَلٌ ما عَمِلْتُهُ قَطُّ، فَقُمْتُ عَنْها وأعْطَيْتُها المِائَةَ الدِّينارِ، فَإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغاءَ وجْهِكَ فافْرُجْ عَنّا، فَزالَ ثُلُثُ الحَجَرِ» . والحَدِيثُ مَعْرُوفٌ، وقَدْ ذَكَرْتُهُ في " الحَدائِقِ " فَعَلى هَذا نَقُولُ: إنَّما هَمَّتْ، فَتَرَقَّتْ هِمَّتُها إلى العَزِيمَةِ، فَصارَتْ مُصِرَّةً عَلى الزِّنا. فَأمّا هو، فَعارَضَهُ ما يُعارِضُ البَشَرَ مِن خَطَراتِ القَلْبِ، وحَدِيثِ النَّفْسِ، مِن غَيْرِ عَزْمٍ، فَلَمْ يُلْزِمْهُ هَذا الهَمُّ ذَنْبًا، فَإنَّ الرَّجُلَ الصّالِحَ قَدْ يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ وهو صائِمٌ شُرْبُ الماءِ البارِدِ، فَإذا لَمْ يَشْرَبْ لَمْ يُؤاخَذْ بِما هَجَسَ في نَفْسِهِ، وقَدْ قالَ ﷺ: " «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَمّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَتَكَلَّمْ أوْ تَعْمَلْ» " وقالَ ﷺ " «هَلَكَ المُصِرُّونَ» "، ولَيْسَ الإصْرارُ إلّا عَزْمَ القَلْبِ، فَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ حَدِيثِ النَّفْسِ وعَزْمِ القَلْبِ، وسُئِلَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: أيُؤاخَذُ العَبْدُ بِالهِمَّةِ ؟ فَقالَ: إذا كانَتْ عَزْمًا، ويُؤَيِّدُهُ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: إذا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ ولَمْ يَعْمَلْها لَمْ أكْتُبْها عَلَيْهِ، فَإنْ عَمِلَها كَتَبْتُها عَلَيْهِ سَيِّئَةً» " . واحْتَجَّ القاضِي أبُو يَعْلى عَلى أنَّ هِمَّتَهُ لَمْ تَكُنْ مِن جِهَةِ العَزِيمَةِ، وإنَّما كانَتْ مِن جِهَةِ دَواعِي الشَّهْوَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي﴾ وقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ إخْبارٌ بِبَراءَةِ ساحَتِهِ مِنَ العَزِيمَةِ عَلى المَعْصِيَةِ.

فَإنْ قِيلَ: فَقَدَ سَوّى القُرْآنُ بَيْنَ الهِمَّتَيْنِ، فَلِمَ فَرَّقْتُمْ ؟

فالجَوابُ: أنَّ الِاسْتِواءَ وقَعَ في بِدايَةِ الهِمَّةِ، ثُمَّ تَرَقَّتْ هِمَّتُها إلى العَزِيمَةِ، بِدَلِيلِ مُراوَدَتِها واسْتِلْقائِها بَيْنَ …

25

وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍۢ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And they both raced to the door, and she tore his shirt from the back, and they found her husband at the door. She said, "What is the recompense of one who intended evil for your wife but that he be imprisoned or a painful punishment?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ يَعْنِي يُوسُفَ والمَرْأةَ، تَبادَرا إلى البابِ يَجْتَهِدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يَسْبِقَ صاحِبَهُ، وأرادَ يُوسُفُ أنْ يَسْبِقَ لِيَفْتَحَ البابَ ويَخْرُجَ، وأرادَتْ هي إنْ سَبَقَتْ إمْساكَ البابِ لِئَلّا يَخْرُجَ، فَأدْرَكَتْهُ فَتَعَلَّقَتْ بِقَمِيصِهِ مِن خَلْفِهِ، فَجَذَبَتْهُ إلَيْها، فَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ، أيْ: قَطَعَتْهُ مِن خَلْفِهِ، لِأنَّهُ كانَ هو الهارِبَ وهي الطّالِبَةَ لَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: قَطَعَتْ قَمِيصَهُ نِصْفَيْنِ، فَلَمّا خَرَجا، ألْفَيا سَيِّدَها، أيْ: صادَفا زَوْجَها عِنْدَ البابِ، فَحَضَرَها في ذَلِكَ الوَقْتِ كَيْدٌ، فَقالَتْ سابِقَةً بِالقَوْلِ مُبَرِّئَةً لِنَفْسِها مِنَ الأمْرِ " ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تُرِيدُ الزِّنى ﴿إلا أنْ يُسْجَنَ﴾ أيْ: ما جَزاؤُهُ إلّا السِّجْنُ ﴿أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ تَعْنِي الضَّرْبَ بِالسِّياطِ، فَغَضِبَ يُوسُفُ حِينَئِذٍ وقالَ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي﴾ وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: قالَ لَهُ العَزِيزُ حِينَئِذٍ: أخُنْتَنِي يا يُوسُفُ في أهْلِي، وغَدَرْتَ بِي، وغَرَرْتَنِي بِما كُنْتُ أرى مِن صَلاحِكَ ؟ فَقالَ حِينَئِذٍ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تَعارَضَ قَوْلاهُما، احْتاجا إلى شاهِدٍ يُعْلَمُ بِهِ قَوْلُ الصّادِقِ.

وَفِي ذَلِكَ الشّاهِدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ كانَ صَبِيًّا في المَهْدِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَة، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، وهِلالُ بْنُ يَسافٍ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ مِن خاصَّةٍ المَلِكَ، رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ ابْنَ عَمٍّ لَها، وكانَ رَجُلًا حَكِيمًا، فَقالَ: قَدْ سَمِعْنا الِاشْتِدادَ والجَلَبَةَ مِن وراءِ البابِ، فَإنْ كانَ شَقُّ القَمِيصِ مِن قُدّامِهِ فَأنْتِ صادِقَةٌ وهو كاذِبٌ، وإنْ كانَ مِن خَلْفِهِ فَهو صادِقٌ وأنْتِ كاذِبَةٌ. وقالَ بَعْضُهم: كانَ ابْنَ خالَةِ المَرْأةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ شَقُّ القَمِيصِ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وفِيهِ ضَعْفٌ، لِقَوْلِهِ: ﴿مِن أهْلِها﴾ .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وقَعَتْ شَهادَةُ الشّاهِدِ هاهُنا مُعَلَّقَةً بِشَرْطٍ، والشّارِطُ غَيْرُ عالِمٍ بِما يَشْرُطُهُ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ:

أحَدُهُما: أنَّ الشّاهِدَ شاهِدٌ بِأمْرٍ قَدْ عَلِمَهُ، فَكَأنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ كَلامِ يُوسُفَ وأزْلِيخا، فَعَلِمَ، غَيْرَ أنَّهُ أوْقَعَ في شَهادَتِهِ شَرْطًا لِيَلْزَمَ المُخاطَبِينَ قَبُولُ شَهادَتِهِ مِن جِهَةِ العَقْلِ والتَّمْيِيزِ، فَكَأنَّهُ قالَ: هو الصّادِقُ عِنْدِي، فَإنْ تَدَبَّرْتُمْ ما أشْتَرِطُهُ لَكم، عَقَلْتُمْ قَوْلِي. ومِثْلُ هَذا قَوْلُ الحُكَماءِ: إنْ كانَ القَدَرُ حَقًّا، فالحِرْصُ باطِلٌ، وإنْ كانَ المَوْتُ يَقِينًا، فالطُّمَأْنِينَةُ إلى الدُّنْيا حُمْقٌ.

والجَوابُ الثّانِي: أنَّ الشّاهِدَ لَمْ يَقْطَعْ بِالقَوْلِ، ولَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَةَ ما جَرى، وإنَّما قالَ ما قالَ عَلى جِهَةِ إظْهارِ ما يَسْنَحُ لَهُ مِنَ الرَّأْيِ، فَكانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ﴾: أعْلَمَ وبَيَّنَ. فَقالَ: الَّذِي عِنْدِي مِنَ الرَّأْيِ أنْ نَقِيسَ القَمِيصَ لِيُوقَفَ عَلى الخائِنِ. فَهَذانَ الجَوابانِ يَدُلّانِ عَلى أنَّ المُتَكَلِّمَ رَجُلٌ. فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ صَبِيٌّ في المَهْدِ، كانَ دُخُولُ الشَّرْطِ مُصَحِّحًا لِبَراءَةِ يُوسُفَ، لِأنَّ كَلامَ مِثْلِهِ أُعْجُوبَةٌ …

26

قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌۭ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍۢ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ

[Joseph] said, "It was she who sought to seduce me." And a witness from her family testified. "If his shirt is torn from the front, then she has told the truth, and he is of the liars.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ يَعْنِي يُوسُفَ والمَرْأةَ، تَبادَرا إلى البابِ يَجْتَهِدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يَسْبِقَ صاحِبَهُ، وأرادَ يُوسُفُ أنْ يَسْبِقَ لِيَفْتَحَ البابَ ويَخْرُجَ، وأرادَتْ هي إنْ سَبَقَتْ إمْساكَ البابِ لِئَلّا يَخْرُجَ، فَأدْرَكَتْهُ فَتَعَلَّقَتْ بِقَمِيصِهِ مِن خَلْفِهِ، فَجَذَبَتْهُ إلَيْها، فَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ، أيْ: قَطَعَتْهُ مِن خَلْفِهِ، لِأنَّهُ كانَ هو الهارِبَ وهي الطّالِبَةَ لَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: قَطَعَتْ قَمِيصَهُ نِصْفَيْنِ، فَلَمّا خَرَجا، ألْفَيا سَيِّدَها، أيْ: صادَفا زَوْجَها عِنْدَ البابِ، فَحَضَرَها في ذَلِكَ الوَقْتِ كَيْدٌ، فَقالَتْ سابِقَةً بِالقَوْلِ مُبَرِّئَةً لِنَفْسِها مِنَ الأمْرِ " ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تُرِيدُ الزِّنى ﴿إلا أنْ يُسْجَنَ﴾ أيْ: ما جَزاؤُهُ إلّا السِّجْنُ ﴿أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ تَعْنِي الضَّرْبَ بِالسِّياطِ، فَغَضِبَ يُوسُفُ حِينَئِذٍ وقالَ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي﴾ وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: قالَ لَهُ العَزِيزُ حِينَئِذٍ: أخُنْتَنِي يا يُوسُفُ في أهْلِي، وغَدَرْتَ بِي، وغَرَرْتَنِي بِما كُنْتُ أرى مِن صَلاحِكَ ؟ فَقالَ حِينَئِذٍ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تَعارَضَ قَوْلاهُما، احْتاجا إلى شاهِدٍ يُعْلَمُ بِهِ قَوْلُ الصّادِقِ.

وَفِي ذَلِكَ الشّاهِدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ كانَ صَبِيًّا في المَهْدِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَة، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، وهِلالُ بْنُ يَسافٍ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ مِن خاصَّةٍ المَلِكَ، رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ ابْنَ عَمٍّ لَها، وكانَ رَجُلًا حَكِيمًا، فَقالَ: قَدْ سَمِعْنا الِاشْتِدادَ والجَلَبَةَ مِن وراءِ البابِ، فَإنْ كانَ شَقُّ القَمِيصِ مِن قُدّامِهِ فَأنْتِ صادِقَةٌ وهو كاذِبٌ، وإنْ كانَ مِن خَلْفِهِ فَهو صادِقٌ وأنْتِ كاذِبَةٌ. وقالَ بَعْضُهم: كانَ ابْنَ خالَةِ المَرْأةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ شَقُّ القَمِيصِ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وفِيهِ ضَعْفٌ، لِقَوْلِهِ: ﴿مِن أهْلِها﴾ .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وقَعَتْ شَهادَةُ الشّاهِدِ هاهُنا مُعَلَّقَةً بِشَرْطٍ، والشّارِطُ غَيْرُ عالِمٍ بِما يَشْرُطُهُ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ:

أحَدُهُما: أنَّ الشّاهِدَ شاهِدٌ بِأمْرٍ قَدْ عَلِمَهُ، فَكَأنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ كَلامِ يُوسُفَ وأزْلِيخا، فَعَلِمَ، غَيْرَ أنَّهُ أوْقَعَ في شَهادَتِهِ شَرْطًا لِيَلْزَمَ المُخاطَبِينَ قَبُولُ شَهادَتِهِ مِن جِهَةِ العَقْلِ والتَّمْيِيزِ، فَكَأنَّهُ قالَ: هو الصّادِقُ عِنْدِي، فَإنْ تَدَبَّرْتُمْ ما أشْتَرِطُهُ لَكم، عَقَلْتُمْ قَوْلِي. ومِثْلُ هَذا قَوْلُ الحُكَماءِ: إنْ كانَ القَدَرُ حَقًّا، فالحِرْصُ باطِلٌ، وإنْ كانَ المَوْتُ يَقِينًا، فالطُّمَأْنِينَةُ إلى الدُّنْيا حُمْقٌ.

والجَوابُ الثّانِي: أنَّ الشّاهِدَ لَمْ يَقْطَعْ بِالقَوْلِ، ولَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَةَ ما جَرى، وإنَّما قالَ ما قالَ عَلى جِهَةِ إظْهارِ ما يَسْنَحُ لَهُ مِنَ الرَّأْيِ، فَكانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ﴾: أعْلَمَ وبَيَّنَ. فَقالَ: الَّذِي عِنْدِي مِنَ الرَّأْيِ أنْ نَقِيسَ القَمِيصَ لِيُوقَفَ عَلى الخائِنِ. فَهَذانَ الجَوابانِ يَدُلّانِ عَلى أنَّ المُتَكَلِّمَ رَجُلٌ. فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ صَبِيٌّ في المَهْدِ، كانَ دُخُولُ الشَّرْطِ مُصَحِّحًا لِبَراءَةِ يُوسُفَ، لِأنَّ كَلامَ مِثْلِهِ أُعْجُوبَةٌ …

27

وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

But if his shirt is torn from the back, then she has lied, and he is of the truthful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ يَعْنِي يُوسُفَ والمَرْأةَ، تَبادَرا إلى البابِ يَجْتَهِدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يَسْبِقَ صاحِبَهُ، وأرادَ يُوسُفُ أنْ يَسْبِقَ لِيَفْتَحَ البابَ ويَخْرُجَ، وأرادَتْ هي إنْ سَبَقَتْ إمْساكَ البابِ لِئَلّا يَخْرُجَ، فَأدْرَكَتْهُ فَتَعَلَّقَتْ بِقَمِيصِهِ مِن خَلْفِهِ، فَجَذَبَتْهُ إلَيْها، فَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ، أيْ: قَطَعَتْهُ مِن خَلْفِهِ، لِأنَّهُ كانَ هو الهارِبَ وهي الطّالِبَةَ لَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: قَطَعَتْ قَمِيصَهُ نِصْفَيْنِ، فَلَمّا خَرَجا، ألْفَيا سَيِّدَها، أيْ: صادَفا زَوْجَها عِنْدَ البابِ، فَحَضَرَها في ذَلِكَ الوَقْتِ كَيْدٌ، فَقالَتْ سابِقَةً بِالقَوْلِ مُبَرِّئَةً لِنَفْسِها مِنَ الأمْرِ " ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تُرِيدُ الزِّنى ﴿إلا أنْ يُسْجَنَ﴾ أيْ: ما جَزاؤُهُ إلّا السِّجْنُ ﴿أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ تَعْنِي الضَّرْبَ بِالسِّياطِ، فَغَضِبَ يُوسُفُ حِينَئِذٍ وقالَ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي﴾ وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: قالَ لَهُ العَزِيزُ حِينَئِذٍ: أخُنْتَنِي يا يُوسُفُ في أهْلِي، وغَدَرْتَ بِي، وغَرَرْتَنِي بِما كُنْتُ أرى مِن صَلاحِكَ ؟ فَقالَ حِينَئِذٍ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تَعارَضَ قَوْلاهُما، احْتاجا إلى شاهِدٍ يُعْلَمُ بِهِ قَوْلُ الصّادِقِ.

وَفِي ذَلِكَ الشّاهِدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ كانَ صَبِيًّا في المَهْدِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَة، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، وهِلالُ بْنُ يَسافٍ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ مِن خاصَّةٍ المَلِكَ، رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ ابْنَ عَمٍّ لَها، وكانَ رَجُلًا حَكِيمًا، فَقالَ: قَدْ سَمِعْنا الِاشْتِدادَ والجَلَبَةَ مِن وراءِ البابِ، فَإنْ كانَ شَقُّ القَمِيصِ مِن قُدّامِهِ فَأنْتِ صادِقَةٌ وهو كاذِبٌ، وإنْ كانَ مِن خَلْفِهِ فَهو صادِقٌ وأنْتِ كاذِبَةٌ. وقالَ بَعْضُهم: كانَ ابْنَ خالَةِ المَرْأةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ شَقُّ القَمِيصِ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وفِيهِ ضَعْفٌ، لِقَوْلِهِ: ﴿مِن أهْلِها﴾ .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وقَعَتْ شَهادَةُ الشّاهِدِ هاهُنا مُعَلَّقَةً بِشَرْطٍ، والشّارِطُ غَيْرُ عالِمٍ بِما يَشْرُطُهُ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ:

أحَدُهُما: أنَّ الشّاهِدَ شاهِدٌ بِأمْرٍ قَدْ عَلِمَهُ، فَكَأنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ كَلامِ يُوسُفَ وأزْلِيخا، فَعَلِمَ، غَيْرَ أنَّهُ أوْقَعَ في شَهادَتِهِ شَرْطًا لِيَلْزَمَ المُخاطَبِينَ قَبُولُ شَهادَتِهِ مِن جِهَةِ العَقْلِ والتَّمْيِيزِ، فَكَأنَّهُ قالَ: هو الصّادِقُ عِنْدِي، فَإنْ تَدَبَّرْتُمْ ما أشْتَرِطُهُ لَكم، عَقَلْتُمْ قَوْلِي. ومِثْلُ هَذا قَوْلُ الحُكَماءِ: إنْ كانَ القَدَرُ حَقًّا، فالحِرْصُ باطِلٌ، وإنْ كانَ المَوْتُ يَقِينًا، فالطُّمَأْنِينَةُ إلى الدُّنْيا حُمْقٌ.

والجَوابُ الثّانِي: أنَّ الشّاهِدَ لَمْ يَقْطَعْ بِالقَوْلِ، ولَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَةَ ما جَرى، وإنَّما قالَ ما قالَ عَلى جِهَةِ إظْهارِ ما يَسْنَحُ لَهُ مِنَ الرَّأْيِ، فَكانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ﴾: أعْلَمَ وبَيَّنَ. فَقالَ: الَّذِي عِنْدِي مِنَ الرَّأْيِ أنْ نَقِيسَ القَمِيصَ لِيُوقَفَ عَلى الخائِنِ. فَهَذانَ الجَوابانِ يَدُلّانِ عَلى أنَّ المُتَكَلِّمَ رَجُلٌ. فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ صَبِيٌّ في المَهْدِ، كانَ دُخُولُ الشَّرْطِ مُصَحِّحًا لِبَراءَةِ يُوسُفَ، لِأنَّ كَلامَ مِثْلِهِ أُعْجُوبَةٌ …

28

فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌۭ

So when her husband saw his shirt torn from the back, he said, "Indeed, it is of the women's plan. Indeed, your plan is great.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ﴾ في هَذا الرّائِي والقائِلِ: ﴿إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ الزَّوْجُ. والثّانِي: الشّاهِدُ.

وَفِي هاءِ الكِنايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى تَمْزِيقِ القَمِيصِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: إلى قَوْلِها: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾، فالمَعْنى: قَوْلُكِ هَذا مِن كَيْدِكُنَّ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: إلى السُّوءِ الَّذِي دَعَتْهُ إلَيْهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ﴾ أيْ: عَمَلَكُنَّ ﴿عَظِيمٌ﴾ تَخْلِطْنَ البَرِيءَ والسَّقِيمَ.

29

يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ

Joseph, ignore this. And, [my wife], ask forgiveness for your sin. Indeed, you were of the sinful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ المَعْنى: يا يُوسُفُ أعْرِضْ.

وَفِي القائِلِ لَهُ هَذا قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ ابْنُ عَمِّها وهو الشّاهِدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الزَّوْجُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْرِضْ عَنْ هَذا الأمْرِ فَلا تَذْكُرْهُ لِأحَدٍ، واكْتُمْهُ عَلَيْها. ورَوى الحَلَبِيُّ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ عَلى الخَبَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: اسْتَعْفِي زَوْجَكِ لِئَلّا يُعاقِبَكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: تُوبِي مِن ذَنْبِكِ فَإنَّكِ قَدْ أثِمْتِ.

وَفِي القائِلِ لِهَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما ابْنُ عَمِّها. والثّانِي: الزَّوْجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ يَعْنِي: مِنَ المُذْنِبِينَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ الحَدِيثُ في مِصْرَ حَتّى تَحَدَّثَ بِذَلِكَ النِّساءُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ﴾ وفي عَدَدِهِنَّ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُنَّ كُنَّ أرْبَعًا: امْرَأةُ ساقِي المَلِكِ، وامْرَأةُ صاحِبِ دِيوانِهِ، وامْرَأةُ خَبّازِهِ، وامْرَأةُ صاحِبِ سِجْنِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُنَّ خَمْسٌ: امْرَأةُ الخَبّازِ، وامْرَأةُ السّاقِي، وامْرَأةُ السَّجّانِ، وامْرَأةُ صاحِبِ الدَّواةِ، وامْرَأةُ الآذِنِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَأمّا العَزِيزُ، فَهو بِلُّغَتِهُمُ المَلِكُ، والفَتى بِمَعْنى العَبْدِ. قالَ الزَّجّاجُ: كانُوا يُسَمُّوْنَ المَمْلُوكَ فَتًى. وإنَّما تَكَلَّمَ النِّسْوَةُ في حَقِّها، طَعْنًا فِيها وتَحْقِيقًا لِبَراءَةِ يُوسُفَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ أيْ: بَلَغَ حُبُّهُ شَغافَ قَلْبِها.

وَفِي الشَّغافِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ جِلْدَةٌ بَيْنَ القَلْبِ والفُؤادِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي أنَّهُ غِلافُ القَلْبِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ولَمْ يُرِدِ الغِلافَ، إنَّما أرادَ القَلْبَ، يُقالُ: شَغَفْتُ فُلانًا: إذا أصَبْتَ شَغافَهُ، كَما يُقالُ: كَبَدْتُهُ: إذا أصَبْتَ كَبِدَهُ، وبَطَنْتُهُ إذا أصَبْتَ بَطْنَهُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ حَبَّةُ القَلْبِ وسُوَيْداؤُهُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ داءٌ يَكُونُ في الجَوْفِ في الشَّراسِيفِ، وأنْشَدُوا:

؎ وقَدْ حالَ هَمٌّ دُونَ ذَلِكَ داخِلٌ دُخُولَ الشَّغافِ تَبْتَغِيهِ الأصابِعُ

ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الزَّجّاجُ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: الشَّغافُ عِنْدَ العَرَبِ: داءٌ يَكُونُ تَحْتَ الشَّراسِيفِ في الجانِبِ الأيْمَنِ مِنَ البَطْنِ، والشَّراسِيفُ: مَقاطُّ رُؤُوسِ الأضْلاعِ، واحِدُها: شُرْسُوفٌ.

وَقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " قَدْ شَعَفَها " بِالعَيْنِ. قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ ذَهَبَ بِها كُلَّ مَذْهَبٍ، والشَّعَفُ: رُؤُوسُ الجِبالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ، لِحُبِّها إيّاهُ. والمُبِينُ: الظّاهِرُ.

30

۞ وَقَالَ نِسْوَةٌۭ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ

And women in the city said, "The wife of al-'Azeez is seeking to seduce her slave boy; he has impassioned her with love. Indeed, we see her [to be] in clear error."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ المَعْنى: يا يُوسُفُ أعْرِضْ.

وَفِي القائِلِ لَهُ هَذا قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ ابْنُ عَمِّها وهو الشّاهِدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الزَّوْجُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْرِضْ عَنْ هَذا الأمْرِ فَلا تَذْكُرْهُ لِأحَدٍ، واكْتُمْهُ عَلَيْها. ورَوى الحَلَبِيُّ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ عَلى الخَبَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: اسْتَعْفِي زَوْجَكِ لِئَلّا يُعاقِبَكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: تُوبِي مِن ذَنْبِكِ فَإنَّكِ قَدْ أثِمْتِ.

وَفِي القائِلِ لِهَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما ابْنُ عَمِّها. والثّانِي: الزَّوْجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ يَعْنِي: مِنَ المُذْنِبِينَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ الحَدِيثُ في مِصْرَ حَتّى تَحَدَّثَ بِذَلِكَ النِّساءُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ﴾ وفي عَدَدِهِنَّ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُنَّ كُنَّ أرْبَعًا: امْرَأةُ ساقِي المَلِكِ، وامْرَأةُ صاحِبِ دِيوانِهِ، وامْرَأةُ خَبّازِهِ، وامْرَأةُ صاحِبِ سِجْنِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُنَّ خَمْسٌ: امْرَأةُ الخَبّازِ، وامْرَأةُ السّاقِي، وامْرَأةُ السَّجّانِ، وامْرَأةُ صاحِبِ الدَّواةِ، وامْرَأةُ الآذِنِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَأمّا العَزِيزُ، فَهو بِلُّغَتِهُمُ المَلِكُ، والفَتى بِمَعْنى العَبْدِ. قالَ الزَّجّاجُ: كانُوا يُسَمُّوْنَ المَمْلُوكَ فَتًى. وإنَّما تَكَلَّمَ النِّسْوَةُ في حَقِّها، طَعْنًا فِيها وتَحْقِيقًا لِبَراءَةِ يُوسُفَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ أيْ: بَلَغَ حُبُّهُ شَغافَ قَلْبِها.

وَفِي الشَّغافِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ جِلْدَةٌ بَيْنَ القَلْبِ والفُؤادِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي أنَّهُ غِلافُ القَلْبِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ولَمْ يُرِدِ الغِلافَ، إنَّما أرادَ القَلْبَ، يُقالُ: شَغَفْتُ فُلانًا: إذا أصَبْتَ شَغافَهُ، كَما يُقالُ: كَبَدْتُهُ: إذا أصَبْتَ كَبِدَهُ، وبَطَنْتُهُ إذا أصَبْتَ بَطْنَهُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ حَبَّةُ القَلْبِ وسُوَيْداؤُهُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ داءٌ يَكُونُ في الجَوْفِ في الشَّراسِيفِ، وأنْشَدُوا:

؎ وقَدْ حالَ هَمٌّ دُونَ ذَلِكَ داخِلٌ دُخُولَ الشَّغافِ تَبْتَغِيهِ الأصابِعُ

ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الزَّجّاجُ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: الشَّغافُ عِنْدَ العَرَبِ: داءٌ يَكُونُ تَحْتَ الشَّراسِيفِ في الجانِبِ الأيْمَنِ مِنَ البَطْنِ، والشَّراسِيفُ: مَقاطُّ رُؤُوسِ الأضْلاعِ، واحِدُها: شُرْسُوفٌ.

وَقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " قَدْ شَعَفَها " بِالعَيْنِ. قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ ذَهَبَ بِها كُلَّ مَذْهَبٍ، والشَّعَفُ: رُؤُوسُ الجِبالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ، لِحُبِّها إيّاهُ. والمُبِينُ: الظّاهِرُ.

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.