Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi

Ayahs 11–20 of 111

11

قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَٰصِحُونَ

They said, "O our father, why do you not entrust us with Joseph while indeed, we are to him sincere counselors?

قوله تعالى: {لاَ تَأْمَنَّا} : حالٌ وتقدَّم نظيرُه. وقرأ العامَّة «تأمَنَّا» بالإِخفاء، وهو عبارةٌ عن تضعيفِ الصوت بالحركة والفصل بين النونين، لا أنَّ النونَ تُسَكَّن رَأْساً، فيكون ذلك إخفاءً لا إدغاماً. قال الداني: «وهو قولُ عامَّةِ أئمَّتنا وهو الصوابُ لتأكيد دلالته وصحته في القياس» .

وقرأ بعضُهم ذلك بالإِشمام، وهو عبارةٌ عن ضمِّ الشفتين إشارةً إلى حركة الفعل مع الإِدغامِ الصريح كما يشير إليها الواقف، وفيه عُسْرٌ كبير قالوا: وتكون الإِشارة إلى الضمة بعد الإِدغام أو قبل كمالِه، والإِشمامُ يقع بإزاء معانٍ هذا مِنْ جُمْلتها، ومنها إشراب الكسرةِ شيئاً مِن الضم نحو: {قِيلَ} [البقرة: 11] و {وَغِيضَ} [هود: 44] وبابه، وقد تقدم أولَ البقرة. ومنها إشمامُ أحدِ حرفين شيئاً من الآخر كإشمام الصاد زاياً في {الصراط} [الفاتحة: 5] : {وَمَنْ أَصْدَقُ} [النساء: 78] وبابهما، وقد تقدم ذلك أيضاً في الفاتحة والنساء. فهذا خَلْطُ حرفٍ بحرف، كما أنَّ ما قبله خَلْطُ حركة بحركة. ومنها الإِشارةُ إلى الضمة في الوقفِ خاصةً، وإنما يراه البصير دونَ الأعمى.

وقرأ أبو جعفر بالإِدغامِ الصريح من غير إشمامٍ. وقرأ الحسن ذلك بالإِظهار مبالغةً في بيان إِعراب الفعل وللمحافظة على حركة الإِعراب. اتفق الجمهورُ على الإِخفاء أو الإِشمام كما تقدم تحقيقه.

وقرأ ابن هرمز «لا تَأْمُنَّا» بضم الميم، نَقَل حركةَ النون الأولى عند إرادةِ إدغامها بعد سَلْب الميمِ حركَتها، وخطُّ المصحف بنون واحدة، ففي قراءة الحسن مخالفة لها.

وقرأ أبو رزين وابن وثاب «لا تِيْمَنَّا» بكسر حرف المضارعة، إلا أنَّ ابنَ وثَّابٍ سَهَّل الهمزةَ. قال الشيخ: «ومجيئُه بعد» مالك «والمعنى يُرْشد إلى أنه نَفْيٌ لا نَهْيٌ وليس كقولهم» ما أَحْسَنَنا «في التعجب؛ لأنه لو أدغم لالتبسَ بالنفي» . قلت: وما أبعد هذا عن تَوَهُّم النهي حتى يَنُصَّ عليه. وقوله «لالتبس بالنفي» صحيح.

12

أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًۭا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ

Send him with us tomorrow that he may eat well and play. And indeed, we will be his guardians.

قوله تعالى: {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} : فيها أربعَ عَشَرَة قراءةً إحداها: قراءةُ نافعٍ بالياء مِنْ تحت وكسرِ العين. الثانية: قراءةُ البزي عن ابن كثير «نَرْتَع ونلعب» بالنونِ وكسرِ العين. الثالثة: قراءةُ قنبل، وقد اخْتُلِفَ عليه فنُقِل عنه ثبوتُ الياء بعد العين وَصْلاً وَوَقْفاً وحَذْفُها وصلاً ووقفاً، فيوافق البزيَّ في أحد الوجهين عنه، فعنه قراءتان. الخامسة: قراءة أبي عمرو وابن عامر «نرتَعْ ونلعبْ» بالنون وسكون العين والباء. السادسة: قراءة الكوفيين: «يرتعْ ويلعبْ» بالياء من تحت وسكون العين والباء.

وقرأ جعفر بن محمد «نرتع» بالنون «ويلعب» بالياء، ورُوِيَتْ عن ابن كثير. وقرأ العلاء بن سيابة «يَرْتَع ويلعبُ» بالياء فيهما وكسر العين وضم الباء. وقرأ مجاهد وقتادة وابن محيصن «نُرْتَعْ» بضم النون وسكون العين والباء. وقرأ أبو رجاء كذلك، إلا أنه بالياء مِنْ تحت فيهما. والنخعي ويعقوب «نرتع» بالنون و «يلعب» بالياء. والفعلان في هذه القراءات كلها مبنيُّ للفاعل.

وقرأ زيد بن علي «يُرْتَع ويُلْعَب» بالياء مِنْ تحت مبنيّين للمفعول. وقرىء «نرتعي ونلعبُ» بثبوت الياء ورفع الباء. وقرأ ابن أبي عبلة «نَرْعي ونلعب» فهذه أربعَ عشرةَ قراءةً، منها ستٌّ في السبع المتواتِر وثمانٍ في الشاذ.

فَمَنْ قرأ بالنون أسند الفعلَ إلى إخوة يوسف، ومَنْ قرأ بالياء أسند الفعل إليه دونهم، ومَنْ كسَر العين اعتقد أنه جزم بحذف حرفِ العلة، وجعله مأخوذاً [مِنْ] يَفْتَعِل من الرَّعْي كيرتمي مِن الرمي. ومَنْ سَكَّن العينَ اعتقد أنه جَزَمَهَ بحذف الحركة وجعله مأخوذاً مِنْ رتعَ يَرْتَعُ إذا اتِّسع في الخِصْب قال:

2747 -. . . . . . . . . . . . . . . . . ... وإذا يَخْلُو له لَحْمي رَتَعْ

ومَنْ سكَّن الباءَ جعله مجزوماً، ومَنْ رفعها جعله مرفوعاً على الاستئناف أي: وهو يلعب، ومَنْ غاير بين الفعلين فقرأ بالياء مِنْ تحت في «يلعب» دون «نرتع» فلأنَّ اللعبَ مُناسب للصغار. ومَنْ قَرَأَ: «نُرْتِع» رباعياً جعل مفعوله محذوفاً، أي: نُرْعي مواشِينَا، ومَنْ بناها للمفعول فالوجهُ أنه أضمر/ المفعولَ الذي لم يُسَمَّ فاعلُه وهو ضمير الغد، والأصل: نرتع فيه ونلعب فيه، ثم اتُّسع فيه فَحُذِفَ حرفُ الجر فتعدَّى إليه الفعلُ بنفسه فصار: نرتعه ونلعبه، فلمَّا بناه للمفعول قام الضمير المنصوب مقام فاعله فانقلب مرفوعاً واستتر في رافعه، فهو في الاتساع كقوله:

2748 - ويومٍ شَهِدْناه سُلَيْمى وعامراً ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ومَنْ رفع الفعلين جعلَهما حالَيْن، وتكون حالاً مقدرة. وأمَّا إثبات الياء في «نَرْتعي» مع جزم «نلعب» وهي قراءةُ قنبل فقد تجرأ بعض الناس ورَدَّها، وقال ابن عطية: «هي قراءةٌ ضعيفة لا تجوز إلا في الشعر» وقيل: هي لغةُ مَنْ يجزم بالحركة المقدرة وأنشد:

2749 - ألم يَأْتيك والأنباءُ تَنْمي ... . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقد تقدَّمَتْ هذه المسألةُ مستوفاةً.

و «نَرْتع» يحتمل أنْ يكونَ وزنُه تَفْتَعِلْ مِن الرعي وهو أَكْلُ المَرْعَى، ويكون على حَذْف مضاف: نرتع مواشينا، أو من المراعاة للشيء قال:

2750 - تَرْتَعِي السَّفْحَ فالكَثيبَ فَذَاقا ... رٍ فَرَوْضَ القطا فَذَاتَ الرِّئالِ

ويحتمل أن يكونَ وزنُه نَفْعَل مِنْ: رَتَعَ يَرْتَعُ إذا أقام في خِصْب وسَعَة، ومنه قول الغضبان بن القبعثرى: «القَيْدُ والرَّتَعَةُ وقِلَّةُ المَنَعَة» وقال الشاعر:

2751 - أكفراً بعد رَدِّ الموت عني ... وبعد عطائِك المِئَةَ الرِّتاعا

قوله: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} جملة حالية، والعامل فيها أحدُ شيئين: إمَّا الأمر، وإمَّا جوابه. فإن قلت: هل يجوز أن تكون المسألةُ من الإِعمال لأنَّ كلاً من العاملين يصحُّ تَسَلُّطُه على الحال؟ فالجواب: ذلك لا يجوز، لأن الإِعمالَ يَسْتَلْزم الإِضمار، والحال لا تُضْمر؛ لأنها لا تكون …

13

قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِىٓ أَن تَذْهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَٰفِلُونَ

[Jacob] said, "Indeed, it saddens me that you should take him, and I fear that a wolf would eat him while you are of him unaware."

قوله تعالى: {أَن تَذْهَبُواْ} : فاعل «يَحْزُنني» ، أي: يَحْزنني ذهابُكم. وفي هذه الآيةِ دلالةٌ على أنَّ المضارعَ المقترن بلام الابتداء لا يكون حالاً، والنحاةُ جَعَلوها مِن القرائن المخصصة للحال، ووجه الدلالة أنَّ «أَنْ تَذْهبوا» مستقبلٌ لاقترانه بحرفِ الاستقبال وهي «أنْ» ، وما في حيزها فاعلٌ، فلو جَعَلْنا «لَيَحْزُنني» حالاً لزم سَبْقُ الفعل لفاعله وهو محالٌ. وأجيب عن ذلك بأنَّ الفاعلَ في الحقيقة مقدرٌ حُذِف هو وقام المضافُ إليه مَقامه، والتقدير: ليحزنني تَوَقُّعُ ذهابِكم.

وقرأ زيد بن علي وابن هرمز وابن محيصن: «لَيَحْزُنِّي» بالإِدغام. وقرأ زيد بن علي وحده «تُذْهبوا» بضم التاء مِنْ أذهب، وهو كقوله: {تُنْبُتُ بالدهن} [المؤمنون: 20] في قراءة مَنْ ضم التاء فتكون الباءُ زائدةً أو حالية.

و «الذئب» يُهْمَز ولا يُهْمز، وبعدم الهمزة قرأ السوسي والكسائي وورش، وفي الوقف لا يهمزه حمزة، قالوا: وهو مشتقٌّ مِنْ «تذاءَبَتِ الرِّيح» : إذا هَبَّتْ مِنْ كل جهة لأنه يأتي كذلك، ويُجْمع على ذِئاب وذُؤبان وأَذْئُب قال:

2752 - وأَزْوَرَ يَمْطُو في بلادٍ بعيدةٍ ... تعاوى به ذُؤْبانه وثعالِبُهْ

وأرضٌ مَذْأَبة: كثيرة الذئاب، وذُؤابة الشعر لتحرُّكِها وتَقَلُّبها، مِنْ ذلك.

وقوله: {وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} جملة حالية العامل فيها «يأكله» .

14

قَالُوا۟ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذًۭا لَّخَٰسِرُونَ

They said, "If a wolf should eat him while we are a [strong] clan, indeed, we would then be losers."

قوله تعالى: {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} : جملةٌ حالية أو معترضة، و {إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ} جواب القسم وحُذِف جوابُ الشرط. و «إذن» حرفُ جوابٍ، وقد تَقَدَّم القولُ في ذلك مُشْبعاً، ونقل أبو البقاء أنه قُرىء «عُصْبَةً» بالنصب، وقدَّر ما قدَّمْتُه في الآية الأولى.

15

فَلَمَّا ذَهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَجْمَعُوٓا۟ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ

So when they took him [out] and agreed to put him into the bottom of the well... But We inspired to him, "You will surely inform them [someday] about this affair of theirs while they do not perceive [your identity]."

قوله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبُواْ} : يجوز في جوابها أوجه، أحدها: أنه محذوفٌ، أي: عَرَّفْناه وأَوْصَلْنا إليه الطمأنينة. وقدَّره الزمخشري: «فَعَلُوا به ما فَعَلوا مِن الأذى» وذكر حكايةً طويلة. وقدَّره غيرُه: عَظُمَتْ فِتْنَتُهم. وآخرون «جَعَلوه فيها» . وهذا أَوْلَى لدلالة الكلام عليه.

الثاني: أنَّ الجوابُ مثبتٌ، وهو قولُه {قَالُواْ ياأبانآ إِنَّا ذَهَبْنَا} ، أي: لمَّا كان كيت وكيت قالوا. وهذا فيه بُعْدٌ لبُعْدِ الكلامِ مِنْ بعضه.

والثالث: أنَّ الجوابَ هو قولُه «وأَوْحَيْنا» والواو فيه زائدةٌ، أي: فلمَّا ذهبوا به أَوْحَينا، وهو رأيُ الكوفيين، وجعلوا مِنْ ذلك قولَه تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ} [الصافات: 103] ، أي: تَلَّه. وقوله: {حتى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ} [الزمر: 71] وقولَ امرئ القيس:

2753 - فلمَّا أَجَزْنا ساحةَ الحيِّ وانتحى ... بنا بَطْنَ حِقْفٍ ذي رُكامٍ عَقَنِقْلِ

أي: فلمَّا أَجَزْنَا انتحى. وهو كثيرٌ عندهم بعدَ «لَمَّا» .

وقوله: {أَن يَجْعَلُوهُ} مفعول «أَجْمعوا» ، أي: عَزَموا على أن يَجْعلوه، أو عَزَموا أنْ يجعلوه، لأنه يتعدى بنفسه وبعلى، ف «أنْ» يُحْتمل أن تكونَ على حذف الحرف، وأن لا تكون، فعلى الأولِ يَحْتمل موضعَها النصبُ والجرُّ، وعلى الثاني يتعيَّن النصبُ.

والجَعْل يجوز أن يكونَ بمعنى الإِلقاء، وأن يكونَ بمعنى التصيير، فعلى الأولِ يتعلَّق «في غيابة» بنفس الفعل قبله، وعلى الثاني بمحذوفٍ. والفعلُ مِنْ قوله: «وأَجْمعوا» يجوزُ أن يكونَ معطوفاً على ما قبله، وأن يكون حالاً، و «قد» معه مضمرةٌ عند بعضهم. والضمير في «إليه» الظاهر عَوْدُه على يوسف. وقيل: يعود على يعقوب.

وقرأ العامَّةُ: «لَتُنَبِّئنَّهُمْ» بتاء الخطاب. وقرأ ابن عمر بياء الغيبة، أي: اللَّه تعالى. قال الشيخ: «وكذا في بعض مصاحف البصرة» وقد تقدَّم أن النَّقْطَ حادثٌ، فإن قال: مصحفٌ حادثٌ غيرُ مصحفِ عثمان فليس الكلام في ذلك.

وقرأ سَلاَّم: «لنُنَبِّئَنَّهم» بالنون. و «هذا» صفةٌ لأَمْرهم. وقيل: بدلٌ. وقيل: بيان.

قوله: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} جملةٌ حالية، يجوز أن يكونَ العاملُ فيها «أَوْحَيْنا» /، أي: أوحينا إليه من غير شعور بالوحي، وأن يكونَ العاملُ فيها «لَنُنَبِّئَنَّهم» ، أي: تُخْبرهم وهم لا يعرفونك لبُعْد المدَّة وتغيُّرِ الأحوال.

16

وَجَآءُوٓ أَبَاهُمْ عِشَآءًۭ يَبْكُونَ

And they came to their father at night, weeping.

قوله تعالى: {عِشَآءً} : يجوز فيه وجهان، أحدهما: وهو الذي لا ينبغي أن يُقال غيرُه أنه ظرف زمان، أي: جاؤوه في هذا الوقت و «يبكون» جملة حالية، أي: جاؤوه باكين. والثاني: أن يكون «عشاء» جمع عاشٍ كقائم وقيام. قال أبو البقاء: «ويُقرأ بضم العين، والأصل: عُشاة مثل غازٍ وغُزاة، فَحُذِفَتْ الهاءُ وزِيْدت الألف عوضاً منها، ثم قُلبت الألفُ همزةً، وفيه كلامٌ قد ذُكر في آل عمران عند قوله: {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} [الآية: 156] ، ويجوز أن يكون جمعَ فاعِل على فُعال، كما جُمع فعيل على فُعال لقُرْب ما بين الكسر والضم، ويجوز أن يكون كنُؤام ورُباب وهو شاذٌّ» . قلت: وهذه القراءة قراءةُ الحسن البصري، وهي من العِشْوة والعُشْوَة وهي الظلام.

وقرأ الحسن أيضاً: «عُشَا» على وزن دُجَى نحو: غازٍ وغُزاة، ثم حُذف منه تاءُ التأنيث، وهذا كما حذفوا تاء التأنيث مِنْ «مَأْلُكة» ، فقالوا: مَأْلُك، وعلى هذه الأوجهِ يكون منصوباً على الحال، وقرأ الحسن أيضاً «عُشِيَّاً» مصغَّراً «.

17

قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍۢ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَٰدِقِينَ

They said, "O our father, indeed we went racing each other and left Joseph with our possessions, and a wolf ate him. But you would not believe us, even if we were truthful."

وقوله تعالى: {نَسْتَبِقُ} : نَتَسابق، والافتعال والتفاعل يشتركان نحو قولهم: نَنْتَضِل ونتناضَلُ، ونَرْتمي ونترامى. و «نَسْتبق» في محل نصب على الحال. و «تَرَكْنا» حال مِنْ «نَسْتبق» و «قد» معه مضمرةٌ عند بعضهم.

قوله: {وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} جملة حالية، أي: ما أنت مصدقاً لنا في كل حال حتى في حال صِدْقِنا لِما غَلَبَ على ظنِّك في تُهْمتنا ببغضِ يوسفَ وكراهتنا له.

18

وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍۢ كَذِبٍۢ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌۭ ۖ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ

And they brought upon his shirt false blood. [Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. And Allah is the one sought for help against that which you describe."

قوله تعالى: {على قَمِيصِهِ} : في محل نصبٍ على الحال من «الدم» . قال أبو البقاء: «لأنَّ التقدير: جاؤوا بدمٍ كذبٍ على قميصه» ، يعني أنه لو تأخَّر لكان صفةً للنكرة. وهذا الوجهُ قد ردَّه الزمخشري فقال: «فإن قلت: هل يجوز أن تكون حالاً متقدمة؟ قلت: لا، لأنَّ حال المجرور لا تتقدَّم عليه» . وهذا الذي رَدَّ به الزمخشريُّ أحدُ قولَي النحاة، وقد صحَّح جماعةٌ جوازَه وأنشدوا:

2754 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فَلَنْ يذهبوا فَرْغاً بقَتْلِ حِبال

وقولَ الآخر:

2755 - لَئِنْ كان بَرْدُ الماءِ هَيْمانَ صادِياً ... إليَّ حبيباً إنَّها لحبيبُ

وقول الآخر:

2756 - غافلاً تَعْرِضُ المنيَّةُ لِلْمَرْ ... ءِ فيدعى ولاتَ حينَ إباءُ

وقال الحوفي: «إنَّ» على قميصه «متعلقٌ ب» جاؤوا «، وفيه نظر؛ لأن مجيئَهم لا يصحُّ أن يكونَ على القميص.

وقال الزمخشري:» فإن قلتَ «على قميصه» ما محلُّه؟ قلت: محلُّه النصبُ على الظرف، كأنه قيل: وجاؤوا فوق قميصه بدم، كما تقول: جاء على جِماله بأَحْمال «. قال الشيخ:» ولا يساعد المعنى على نصب «على» على الظرف بمعنى فوق، لأنَّ العامل فيه إذ ذاك «جاؤوا» ، وليس الفوقُ ظرفاً لهم، بل يستحيل أن يكونَ ظرفاً لهم «. وهذا الردُّ هو الذي رَدَدْت به على الحوفي قولَه إنَّ» على «متعلقةٌ ب» جاؤوا «. ثم قال الشيخ:» وأمَّا المثال الذي ذكره الزمخشري وهو «جاء على جِماله بأَحْمال» فيمكن أن يكونَ ظرفاً للجائي لأنه تمكَّن الظرف فيه باعتبار تبدُّلِه مِنْ جملٍ إلى جمل، وتكون «بأَحْمال» في موضع الحال، أي: مضموماً بأحمال «.

وقرأ العامَّةُ:» كَذِب «بالذال المعجمة، وهو من الوصف بالمصادر فيمكن أن يكونَ على سبيل المبالغة نحو: رجلٌ عَدْلٌ أو على حَذْفِ مضافٍ، أي: ذي كذب، نَسَبَ فِعْلَ فاعله إليه. وقرأ زيد بن علي» كَذِباً «فاحتمل أن يكون مفعولاً من أجله واحتمل أن يكونَ مصدراً في موضع الحال، وهو قليلٌ أعني مجيءَ الحالِ من النكرة.

وقرأ عائشة والحسن:» كَدِب «بالدال المهملة. وقال صاحبُ اللوامح:» معناه: ذي كَدِب، أي: أثر؛ لأنَّ الكَدِبَ هو بياضٌ يَخْرُجُ في أظافير الشباب ويؤثِّر فيها، فهو كالنقش، ويسمى ذلك البياضُ «الفُوْف» فيكون هذا استعارةً لتأثيره في القميص كتأثير ذلك في الأظافير «. وقيل: هو الدمُ الكَدِر. وقيل: الطريُّ. وقيل: اليابس.

قوله: {بَلْ سَوَّلَتْ} قبل هذه الجملةِ جملةٌ محذوفة تقديره: لم يأكلْه الذئب، بل سَوَّلَتْ.

وسوَّلت، أي: زيَّنَتْ وسَهَّلَتْ.

قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} يجوز أن يكونَ مبتدأً وخبره محذوفٌ، أي: صبر جميل أَمْثَلُ بي. ويجوز أن يكون خبراً محذوفَ المبتدأ، أي: أمري صبرٌ جميل. وهل يجب حَذْفُ مبتدأ هذا الخبر/ أو خبر هذا المبتدأ؟ وضابطُه أن يكونَ مصدراً في الأصل بدلاً مِن اللفظ بفعله، وعبارة بعضِهم تقتضي الوجوبَ، وعبارة آخرين الجواز. ومن التصريح بخبر هذا النوعِ. ولكنه في ضرورة شعر قولُه:

2757 - فقالَتْ على اسمِ اللَّهِ أَمْرُك طاعةٌ ... وإن كنتُ قد كُلِّفْتُ ما لم أُعَوَّدِ

وقولُ الشاعر:

2758 - يَشْكو إليَّ جَمَلي طولَ السُّرى ... صَبْرٌ جميلٌ فكِلانا مبتلى

يحتمل أن يكونَ مبتدأً أو خبراً كما تقدَّم.

وقرأ أُبَيّ وعيسى بن عمر: «فصبراً جميلاً» [نصباً، ورُويت عن الكسائي، وكذلك هي في] مصحف أنس بن مالك، وتخريجها على المصدر الخبري، أي: أصبرُ أنا صبراً، وهذه قراءة ضعيفة إن خُرِّجَتْ هذا التخريجَ، فإن سيبويه لا ينقاس ذلك عنده إلا في الطلب، فالأَوْلى أن يُجعل التقدير: إنَّ يعقوب رَجَعَ وأَمَر نفسَه فكأنه قال: اصبري يا نفسُ صبراً. ورُوري البيتُ أيضاً بالرفع والنصب على ما تقدَّم، والأمر فيه ظاهر.

19

وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌۭ فَأَرْسَلُوا۟ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُۥ ۖ قَالَ يَٰبُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٌۭ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

And there came a company of travelers; then they sent their water drawer, and he let down his bucket. He said, "Good news! Here is a boy." And they concealed him, [taking him] as merchandise; and Allah was knowing of what they did.

قوله تعالى: {فأدلى دَلْوَهُ} : يُقال: أدلى دَلْوَه، أي: أرسلها في البئر. و «دَلاها» إذا أَخْرجها ملأى، قال:

2759 - لا تَقْلَوها وادْلُواها دَلْوا ... إنَّ مع اليوم أخاه غَدْوا

والدَّلْوُ مؤنثةٌ فتصغَّر على دُلِيَّة، وتُجمع على دِلاء وأَدْلٍ والأصل: دِلاو فقُلبت الواوُ همزةً نحو كساء، وأَدْلِوٌ فأُعِلَّ إعلالَ قاضٍِ، ودُلُوْوٌ بواوين فَقُلِبتا ياءَيْن نحو: عِصِيّ.

قوله: {يابشراى} قرأ الكوفيون بحذف ياء الإِضافة، وأمال ألفَ فعلى الأخوان، وأمالها ورش بين بين على أصله، وعن أبي عمرو الوجهان، ولكن الأشهرَ عنه عدمُ الإِمالة، وليس ذلك مِنْ أصله على ما قُرِّر في علم القراءات. وقرأ الباقون «يا بشراي» مضافة لياء المتكلم، ونداء البشرى على حدِّ قولِه: {ياحسرتا على} [الزمر: 56] {ياحسرة عَلَى العباد} [يس: 30] كأنه يقول: يا بشرى هذا وقتُ أوانِ أن تُنادَيْ ويُصاحَ بكِ. ومَنْ زعم أنَّ «بشرى» اسم رجل كالسدِّي فقد أَبْعَدَ.

وقرأ ورش عن نافع «يا بُشْراْيْ» بسكون الياء، وهو جمعٌ بين ساكنين في الوصل، وهذا كما تقدم في {وَمَحْيَايَ} [الأنعام: 162] ، فعليك بالالتفات إليه. وقال الزمخشري: «وليس بالوجه لما فيه من التقاء الساكنين على غير حَدِّه إلا أن يَقْصِدَ الوقف» .

وقرأ الجحدري وابن أبي إسحاق والحسن: «يا بُشْرَيَّ» بقلبِ الألفِ ياءً وإدغامها في ياء الإِضافة وهي لغة هُذَلِيَّة تقدَّم الكلامُ عليها في البقرة عند قوله: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَيَّ} [البقرة: 38] . وقال الزمخشري: «وفي قراءة الحسن يا بُشْرَيَّ بالياء مكان الألف جُعِلَتْ الياءُ بمنزلة الكسرة قبل ياء الإِضافة وهي لغة للعرب مشهورة، سمعت أهلَ السروات يقولون في دعائهم: يا سيدي ومَوْلَيَّ» .

قوله: {وَأَسَرُّوهُ} الضمير المرفوع الظاهر أنه يعود على «السَّيَّارة» . وقيل: هو ضميرُ إخوتِه. و «بضاعةً» نصب على الحال، أو مفعول ثانٍ على أن يُضَمَّن «أَسَرُّوه» معنى صَيَّروه بالسرِّ. والبضاعة قطعةٌ من المال تُعَدُّ للتجارة مِنْ «بَضَعْت» ، أي: قَطَعْتُ، ومنه المِبْضع لِما يُقْطَعُ به.

20

وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍۭ بَخْسٍۢ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍۢ وَكَانُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ

And they sold him for a reduced price - a few dirhams - and they were, concerning him, of those content with little.

قوله تعالى: {وَشَرَوْهُ} : شرى بمعنى اشترى، ومنه قول الشاعر:

2760 - ولو أنَّ هذا الموتَ يَقْبَلُ فِدْيَةً ... شَرَيْتُ أبا زيدٍ بما مَلَكَتْ يَدي

وبمعنى باع ومنه قولُ الشاعر:

2761 - وشَرَيْتُ بُرْداً ليتني ... مِنْ بعدِ بُرْدٍ كنتُ هامَهْ فإن جَعَلْنا الضمير في «شَرَوْه» عائداً على إخوة يوسف كان «شرى» بمعنى باع، وإن جَعَلْناه عائداً على السيارة كانت بمعنى اشتروا.

والبَخْسُ: النَّاقصُ، وهو في الأصل مصدرٌ وُصِف به مبالغةً. وقيل: هو بمعنى مفعول. و «دراهم» بدل مِنْ «بثمن» و «فيه» متعلقٌ بما بعده، واغْتُفِر ذلك للاتساع في الظروف والجار، أو بمحذوفٍ وتقدَّم مثلُه.

Commentary: Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.