Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 11–20 of 111

11

قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَٰصِحُونَ

They said, "O our father, why do you not entrust us with Joseph while indeed, we are to him sincere counselors?

﴿قالُوا يا أبانا﴾ خاطَبُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ تَحْرِيكًا لِسِلْسِلَةِ النَّسَبِ وتَذْكِيرًا لِرابِطَةِ الأُخُوَّةِ لِيَتَسَبَّبُوا بِذَلِكَ اسْتِنْزالَهُ عَنْ رَأْيِهِ في حِفْظِهِ مِنهم لِما أحَسَّ بِحَسَدِهِمْ فَكَأنَّهم قالُوا: ﴿ما لَكَ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ لَكَ ﴿لا تَأْمَنّا﴾ لا تَجْعَلْنا أُمَناءَ ﴿عَلى يُوسُفَ﴾ مَعَ أنَّكَ أبُونا ونَحْنُ بَنُوكَ وهو أخُونا ﴿وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ مُرِيدُونَ لَهُ الخَيْرَ ومُشْفِقُونَ عَلَيْهِ لَيْسَ فِينا ما يُخِلُّ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿لا تَأْمَنّا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وكَذا جُمْلَةُ ﴿وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ والِاسْتِفْهامُ –بِما لَكَ- فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، والكَلامُ ظاهِرٌ في أنَّهُ تَقَدَّمَ مِنهم سُؤالٌ أنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم فَلَمْ يَرْضَ أبُوهم بِذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا تَأْمَنّا﴾ بِالإدْغامِ والإشْمامِ، وفُسِّرَ بِضَمِّ الشَّفَتَيْنِ مَعَ انْفِراجٍ بَيْنَهُما إشارَةً إلى الحَرَكَةِ مَعَ الإدْغامِ الصَّرِيحِ كَما يَكُونُ في الوَقْفِ وهو المَعْرُوفُ عِنْدَهم وفِيهِ عُسْرٌ هُنا، ويُطْلَقُ عَلى إشْرابِ الكَسْرَةِ شَيْئًا مِنَ الضَّمَّةِ كَما قالُوا في قِيلَ، وعَلى إشْمامِ أحَدِ حَرْفَيْنِ شَيْئًا مِن حَرْفٍ آخَرَ كَما قالُوا في الصِّراطِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأبُو جَعْفَرٍ والزُّهْرِيُّ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بِالإدْغامِ مِن غَيْرِ إشْمامٍ، وإرادَةُ النَّفْيِ ظاهِرَةٌ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ بِضَمِّ المِيمِ مَعَ الإدْغامِ، وهَذِهِ الضَّمَّةُ مَنقُولَةٌ إلى المِيمِ مِنَ النُّونِ الأُولى بَعْدَ سَلْبِ حَرَكَتِها.

وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ: لا تَأْمَنُنا- بِالإظْهارِ وضَمِّ النُّونِ عَلى الأصْلِ، وهو خِلافُ خَطِّ المُصْحَفِ لِأنَّهُ بِنُونٍ واحِدَةٍ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وأبُو رَزِينٍ -لا تِيمَنّا- بِكَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ؛ وسَهَّلَ الهَمْزَةَ بَعْدَ الكَسْرَةِ ابْنُ وثّابٍ، ولَمْ يُسَهِّلْ أبُو رَزِينٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ بِذَلِكَ بِمَحْضَرِ عُبَيْدِ بْنِ فَضْلَةَ فَقالَ لَهُ: لَحَنْتَ، فَقالَ أبُو رَزِينٍ: ما لَحَنَ مَن قَرَأ بِلُغَةِ قَوْمِهِ

12

أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًۭا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ

Send him with us tomorrow that he may eat well and play. And indeed, we will be his guardians.

﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ الزَّمانِيَّةِ وهو يُطْلَقُ عَلى اليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ، وعَلى الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ مُطْلَقًا، وأصْلُهُ غَدَوٌ فَحُذِفَتْ لامُهُ وقَدْ جاءَ تامًّا أيِ ابْعَثْهُ مَعَنا غَدًا إلى الصَّحْراءِ ﴿يَرْتَعْ﴾ أيْ يَتَّسِعُ في أكْلِ الفَواكِهِ ونَحْوِها، وأصْلُ مَعْنى الرَّتْعِ أنْ تَأْكُلَ وتَشْرَبَ ما تَشاءُ في خِصْبٍ وسِعَةٍ، ويُقالُ: رَتَعَ أقامَ في خِصْبٍ وتَنَعُّمٍ، ويُسَمّى الخِصْبُ رَتْعَةً بِسُكُونِ التّاءِ وفَتْحِها، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ الرَّتْعَ حَقِيقَةٌ في أكْلِ البَهائِمِ ويُسْتَعارُ لِلْإنْسانِ إذا أُرِيدَ بِهِ الأكْلُ الكَثِيرُ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ. وإذْ يَخْلُو لَهُ الحِمى رَتَعَ.

﴿ويَلْعَبْ﴾ بِالِاسْتِباقِ والِانْتِضالِ ونَحْوِهِما مِمّا يَتَدَرَّبُ بِهِ لِقِتالِ العَدُوِّ، ولَيْسَ المُرادُ لَعِبَ لَهْوٍ وإلّا لَمْ يُقِرَّهم عَلَيْهِ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما عَبَّرُوا عَنْ ذَلِكَ بِهِ لِكَوْنِهِ عَلى هَيْئَتِهِ تَحْقِيقًا لِما رَمَوْهُ مِنِ اسْتِصْحابِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَصْوِيرِهِمْ لَهُ بِصُورَةِ ما يُلائِمُ حالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن صِغَرِ السِّنِّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾ بِالياءِ

صفحة 194

والجَزْمِ، والِابْنانِ وأبُو عَمْرٍو بِالنُّونِ والجَزْمِ، وكَسَرَ العَيْنَ الحَرَمِيّانِ، واخْتُلِفَ عَنْ قُنْبُلٍ في إثْباتِ الياءِ وحَذْفِها، ويُرْوى عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ –نَرْتَعُ- بِالنُّونِ و(يَلْعَبُ) بِالياءِ، وهي قِراءَةُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقَرَأ العَلاءُ بْنُ سَيابَةَ (يَرْتَعِ) بِالياءِ وكَسْرِ العَيْنِ مَجْزُومًا مَحْذُوفَ اللّامِ (ويَلْعَبُ) بِالياءِ أيْضًا وضَمِّ الباءِ عَلى أنَّهُ مُسْتَأْنِفٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ وهو يَلْعَبُ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ –نُرْتَعْ- بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وعَيْنٍ ساكِنَةٍ مِن أرْتَعْنا –ونَلْعَبُ- بِالنُّونِ أيْضًا، وكَذَلِكَ أبُو رَجاءٍ إلّا أنَّهُ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ فِيهِما، والقِراءَتانِ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ أيْ نُرْتِعِ المَواشِي أوْ غَيْرَها، والفِعْلانِ في هَذِهِ القِراآتِ كُلِّها مَبْنِيّانِ لِلْفاعِلِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (يُرْتَعُ ويُلْعَبُ) بِالياءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِما، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى أنَّ نائِبَ الفاعِلِ ضَمِيرُ غَدٍ، والأصْلُ يَرْتَعُ فِيهِ ويَلْعَبُ فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ واتَّسَعَ فَعُدِّيَ الفِعْلُ لِلضَّمِيرِ فَصارَ يُرْتِعُهُ ويُلْعِبُهُ، ثُمَّ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ فاسْتُتِرَ الضَّمِيرُ الَّذِي كانَ مَنصُوبًا لِكَوْنِهِ نائِبًا عَنِ الفاعِلِ، ومَن كَسَرَ العَيْنَ مِنَ الفِعْلِ الأوَّلِ فَهو عِنْدَهُ مِنَ المُراعاةِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْ يُراعِي بَعْضُنا بَعْضًا ويَحْرُسُهُ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِن رَعْيِ الإبِلِ أيْ نَتَدَرَّبُ في الرَّعْيِ وحِفْظِ المالِ، أوْ مِن رَعْيِ النَّباتِ والكَلَأِ، والمُرادُ نَرْعى مَواشِيَنا إلّا أنَّهُ أسْنَدَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ مَجازًا، أوْ تَجُوزُ عَنْ أكْلِهِمْ بِالرَّعْيِ، وضَعَّفَ ابْنُ عَطِيَّةَ القِراءَةَ بِإثْباتِ الياءِ، وقالَ: إنَّ إثْباتَها في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ:

ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمى بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ

وقِيلَ: إنَّ تَقْدِيرَ حَذْفِ الحَرَكَةِ في الياءِ ونَحْوِها لِلْجازِمِ لُغَةٌ ولَيْسَ مِنَ الضَّرُورَةِ في شَيْءٍ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ نَلْهُو ونَلْعَبُ ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ أيْ مِن أنْ …

13

قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِىٓ أَن تَذْهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَٰفِلُونَ

[Jacob] said, "Indeed, it saddens me that you should take him, and I fear that a wolf would eat him while you are of him unaware."

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّ سائِلًا يَقُولُ: فَماذا قالَ أبُوهم لَهُمْ؟ فَقِيلَ: قالَ ﴿إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ لِشِدَّةِ مُفارَقَتِهِ عَلَيَّ وقِلَّةِ صَبْرِي عَنْهُ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ إنَّ إذا كانَ مُضارِعًا قِيلَ: تَقْصُرُهُ عَلى الحالِ وهو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ، وقِيلَ: تَكُونُ لَهُ ولِغَيْرِهِ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾، وقِيلَ: إنَّها لِلْحالِ إنْ خَلَتْ عَنْ قَرِينَةٍ ومَعَها تَكُونُ لِغَيْرِهِ، وجَعَلُوا مِن ذَلِكَ ما في الآيَةِ، وبَعْضُهم جَعَلَها هُنا لِلْحالِ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ الذَّهابَ مُسْتَقْبَلٌ فَيَلْزَمُ تَقَدُّمُ الفِعْلِ عَلى فاعِلِهِ وهو غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ أثَرُهُ ولا يُعْقَلُ تَقَدُّمُ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ التَّقْدِيرَ قَصْدُ أوْ تَوَقُّعُ أنْ تَذْهَبُوا بِهِ، فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ وهو الفاعِلُ ولَيْسَ ذاكَ أمْرًا مُسْتَقْبَلًا بَلْ حالٌ، ولا يَمْتَنِعُ في مِثْلِ ذَلِكَ حَذْفُ الفاعِلِ لِما صَرَّحُوا بِهِ أنَّهُ إنَّما يَمْتَنِعُ إذا لَمْ يَسُدَّ مَسَدَّهُ شَيْءٌ وهُنا قَدْ سَدَّ، ولا يَجِبُ أنْ يَكُونَ السّادُّ هو المُضافُ إلَيْهِ كَما ظُنَّ، بَلْ لَوْ سَدَّ غَيْرُهُ كانَ الحَذْفُ جائِزًا أيْضًا، ومِن هُنا كانَ تَقْدِيرُ قَصْدِكم أنْ تَذْهَبُوا صَحِيحًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَقْدِيرَ مَعْنًى لا تَقْدِيرَ إعْرابٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ:

صفحة 195

إنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُ الإشْكالِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ بِأنْ يُقالَ: إنَّ الذَّهابَ يُحْزِنُهُ بِاعْتِبارِ تَصَوُّرِهِ كَما قِيلَ نَظِيرُهُ في العِلَّةِ الغائِيَّةِ، وقالَ شِهابٌ: ذَلِكَ التَّحْقِيقُ أظُنُّ أنَّ ما قالُوهُ في تَوْجِيهِ الإشْكالِ مَغْلَطَةٌ لا أصْلَ لَها، فَإنَّ لُزُومَ كَوْنِ الفاعِلِ مَوْجُودًا عِنْدَ وُجُودِ الفِعْلِ إنَّما هو الفاعِلُ الحَقِيقِيُّ لا النَّحْوِيُّ واللُّغَوِيُّ فَإنَّ الفِعْلَ قَدْ يَكُونُ قَبْلَهُ سَواءٌ كانَ حالًا كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، أوْ ماضِيًا كَما أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ في مِثْلِهِ أمْرًا مَعْدُومًا كَما في قَوْلِهِ:

ومَن سَرَّهُ أنْ لا يَرى ما يَسُوءُهُ فَلا يَتَّخِذُ شَيْئًا يَخافُ لَهُ فَقْدًا

ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ في مِثْلِهِ إنَّهُ مُحْتاجٌ إلى التَّأْوِيلِ فَإنَّ الحُزْنَ والغَمَّ كالسُّرُورِ والفَرَحِ يَكُونُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ هِلالٍ في فُرُوقِهِ، ولا حاجَةَ إلى تَأْوِيلٍ أوْ تَقْدِيرٍ أوْ تَنْزِيلٍ لِلْوُجُودِ الذِّهْنِيِّ مَنزِلَةَ الخارِجِيِّ عَلى القَوْلِ بِهِ أوْ الِاكْتِفاءِ بِهِ، فَإنَّهُ مِثْلُهُ لا يَعْرِفُهُ أهْلُ العَرَبِيَّةِ أوِ اللِّسانُ فَإنْ أبَيْتَ إلّا اللَّجاجَ فِيهِ فَلْيَكُنْ مِنَ التَّجَوُّزِ في النِّسْبَةِ إلى ما يَسْتَقْبِلُ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْحُزْنِ الآنَ اهـ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ فِعْلَ الفاعِلِ الِاصْلاحِيِّ إمّا قائِمٌ بِهِ أوْ واقِعٌ مِنهُ، وقِيامُ الشَّيْءِ بِما لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ ووُقُوعُهُ مِنهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وحِينَئِذٍ فالتَّأْوِيلُ بِما يَصِحُّ القِيامُ أوِ الوُقُوعُ في فاقِدِ ذَلِكَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ واجِبٌ كَذا قِيلَ فَتَدَبَّرْ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ –لِيَحْزُنِّي- بِالإدْغامِ، وبِذَلِكَ قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَرَأ أيْضًا تَذْهَبُوا بِهِ مِن أذْهَبَ رُباعِيًّا، ويَخْرُجُ كَما قالَ أبُو حَيّانَ عَلى زِيادَةِ الباءِ في (بِهِ) كَما خَرَّجَ بَعْضُهم (تُنْبِتُ بِالدُّهْنِ) في قِراءَةِ مَن ضَمَّ …

14

قَالُوا۟ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذًۭا لَّخَٰسِرُونَ

They said, "If a wolf should eat him while we are a [strong] clan, indeed, we would then be losers."

﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أيْ والحالُ أنّا جَماعَةٌ جَدِيرَةٌ بِأنْ تَعْصِبَ بِنا الأُمُورُ وتَكْفِيَ بِآرائِنا وتَدْبِيراتِنا الخُطُوبُ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى الشَّرْطِ مُوطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابٌ مُجْزِئٌ عَنِ الجَزاءِ، والخَسارُ إمّا بِمَعْنى الهَلاكِ تَجَوُّزًا عَنِ الضَّعْفِ أوِ اسْتِحْقاقِهِ، أوْ عَنِ اسْتِحْقاقِ الدُّعاءِ بِهِ أيْ لَضُعَفاءُ عاجِرُونَ، أوْ مُسْتَحِقُّونَ لِلْهَلاكِ لا غِناءَ عِنْدَنا ولا نَفْعَ في حَياتِنا، أوْ مُسْتَحِقُّونَ لِأنْ يُدْعى عَلَيْنا بِالخَسارِ والدَّمارِ فَيُقالُ: خَسَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى ودَمَّرَهم إذْ أكَلَ الذِّئْبُ أخاهم وهم مَعَهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ أيْ إنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلى حِفْظِهِ وهو أعَزُّ شَيْءٍ عِنْدَنا فَقَدْ هَلَكَتْ مَواشِينا وخَسِرْناها، وإنَّما اقْتَصَرُوا عَلى جَوابِ خَوْفِ أبِيهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أكْلِ الذِّئْبِ مَعَ أنَّهُ ذَكَرَ في وجْهِ عَدَمِ مُفارَقَتِهِ أمْرَيْنِ: حُزْنُهُ لِمُفارَقَتِهِ وخَوْفُهُ عَلَيْهِ مِنَ الذِّئْبِ لِأنَّهُ السَّبَبُ القَوِيُّ في المَنعِ دُونَ الحُزْنِ لِقَصْرِ زَمانِهِ بِناءً عَلى سُرْعَةِ عَوْدِهِمْ بِهِ، أوْ لِأنَّ حُزْنَهُ بِالذَّهابِ إنَّما هو لِلْخَوْفِ عَلَيْهِ، فَنَفْيُ الثّانِي يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الأوَّلِ، أوْ لِكَراهَتِهِمْ لِذَلِكَ لِأنَّهُ سَبَبُ حَسَدِهِمْ لَهُ فَلِذَلِكَ أعارُوهُ أُذُنًا صَمّاءَ

15

فَلَمَّا ذَهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَجْمَعُوٓا۟ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ

So when they took him [out] and agreed to put him into the bottom of the well... But We inspired to him, "You will surely inform them [someday] about this affair of theirs while they do not perceive [your identity]."

﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا﴾ أيْ عَزَمُوا عَزْمًا مُصَمِّمًا عَلى ﴿أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾ قِيلَ: هو بِئْرٌ عَلى ثَلاثِ فَراسِخَ مِن مَقامِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَنْعانَ الَّتِي هي مِن نَواحِي الأُرْدُنِّ، وقِيلَ: هو بَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ، وقِيلَ: بِنَفْسِ أرْضِ الأُرْدُنِّ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها بِئْرُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَرُدُّهُ التَّعْلِيلُ بِالتِقاطِ بَعْضِ السَّيّارَةِ ومَجِيئِهِمْ عِشاءَ ذَلِكَ اليَوْمِ فَإنَّ بَيْنَ مَنزِلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْتِ المَقْدِسِ مَراحِلَ، وجَوابُ –لَمّا- مَحْذُوفٌ إيذانًا بِظُهُورِهِ وإشْعارًا بِأنَّ تَفْصِيلَهُ مِمّا لا يَحْوِيهِ فَلَكَ العِبارَةُ، ومُجْمَلُهُ فَعَلُوا ما فَعَلُوا، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم عَظُمَتْ فِتْنَتُهم وهو أوْلى مِن تَقْدِيرٍ وضَعُوهُ فِيها، وقِيلَ: لا حَذْفَ والجَوابُ أوْحَيْنا، والواوُ زائِدَةٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

قالَ وهْبٌ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ السِّيَرِ والأخْبارِ: إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا: أما تَشْتاقُ أنْ تَخْرُجَ مَعَنا

صفحة 197

إلى مَواشِينا فَنَصِيدُ ونَسْتَبِقُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلى، قالُوا: فَسَلْ أباكَ أنْ يُرْسِلَكَ مَعَنا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أفْعَلُ، فَدَخَلُوا بِجَماعَتِهِمْ عَلى يَعْقُوبَ فَقالُوا: يا أبانا إنَّ يُوسُفَ قَدْ أحَبَّ أنْ يَخْرُجَ مَعَنا إلى مَواشِينا، فَقالَ يَعْقُوبُ: ما تَقُولُ يا بُنَيَّ؟ قالَ: نَعَمْ يا أبَتِ إنِّي أرى مِن إخْوَتِي مِنَ اللِّينِ واللُّطْفِ فَأُحِبُّ أنْ تَأْذَنَ لِي، وكانَ يَعْقُوبُ يَكْرَهُ مُفارَقَتَهُ ويُحِبُّ مَرْضاتَهُ، فَأذِنَ لَهُ وأرْسَلَهُ مَعَهم فَلَمّا خَرَجُوا بِهِ جَعَلُوا يَحْمِلُونَهُ عَلى رِقابِهِمْ ويَعْقُوبُ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ فَلَمّا بَعِدُوا عَنْهُ وصارُوا بِهِ إلى الصَّحْراءِ ألْقَوْهُ إلى الأرْضِ وأظْهَرُوا لَهُ ما في أنْفُسِهِمْ مِنَ العَداوَةِ وبَسَطُوا لَهُ القَوْلَ وجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، فَجَعَلَ كُلَّما جاءَ إلى واحِدٍ مِنهم واسْتَغاثَ بِهِ ضَرَبَهُ فَلَمّا فَطِنَ لِما عَزَمُوا عَلَيْهِ جَعَلَ يُنادِي يا أبَتا لَوْ رَأيْتَ يُوسُفَ وما نَزَلَ بِهِ مِن إخْوَتِهِ لَأحْزَنَكَ ذَلِكَ وأبْكاكَ، يا أبَتاهُ ما أسْرَعَ ما نَسُوا عَهْدَكَ وضَيَّعُوا وصِيَّتَكَ، وجَعَلَ يَبْكِي بُكاءً شَدِيدًا فَأخَذَهُ رُوبِيلُ فَجَلَدَ بِهِ الأرْضَ ثُمَّ جَثَمَ عَلى صَدْرِهِ وأرادَ قَتْلَهُ، فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: مَهْلًا يا أخِي لا تَقْتُلْنِي، فَقالَ لَهُ: يا ابْنَ راحِيلَ أنْتَ صاحِبُ الأحْلامِ، قُلْ لِرُؤْياكَ تُخَلِّصُكَ مِن أيْدِينا ولَوى عُنُقَهُ فاسْتَغاثَ بِيَهُوذا وقالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ تَعالى فِيَّ وحُلْ بَيْنِي وبَيْنَ مَن يُرِيدُ قَتْلِي، فَأدْرَكَتْهُ رَحْمَةُ الأُخُوَّةِ ورَقَّ لَهُ، فَقالَ: يا إخْوَتاهُ ما عَلى هَذا عاهَدْتُمُونِي ألا أدُلُّكم عَلى ما هو أهْوَنُ لَكم وأرْفَقُ بِهِ؟ قالُوا: وما هُوَ؟ قالَ: تُلْقُونَهُ في هَذا الجُبِّ، فَإمّا أنْ يَمُوتَ أوْ يَلْتَقِطَهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ، فانْطَلَقُوا بِهِ إلى بِئْرٍ هُناكَ واسِعِ الأسْفَلِ ضَيِّقِ الرَّأْسِ فَجَعَلُوا يُدَلُّونَهُ فِيها فَتَعَلَّقَ بِشَفِيرِها فَرَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ، فَقالَ: يا إخْوَتاهُ رُدُّوا عَلَيَّ قَمِيصِي لِأسْتَتِرَ بِهِ في الجُبِّ فَلَمْ يَفْعَلُوا، ثُمَّ ألْقَوْهُ فِيها، فَقالَ لَهُمْ: يا إخْوَتاهُ أتَدَعُونِي وحِيدًا؟ قالُوا: ادْعُ الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ تُؤْنِسُكَ.

وقِيلَ: جَعَلُوهُ في دَلْوٍ ثُمَّ أدْلَوْهُ فَلَمّا بَلَغَ نِصْفَها ألْقَوْهُ إرادَةَ أنْ يَمُوتَ وكانَ في البِئْرِ ماءٌ فَسَقَطَ فِيهِ …

16

وَجَآءُوٓ أَبَاهُمْ عِشَآءًۭ يَبْكُونَ

And they came to their father at night, weeping.

﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً﴾ أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وهو -كَما قالَ الرّاغِبُ- مِن صَلاةِ المَغْرِبِ إلى العَتَمَةِ، والعِشاآنِ: المَغْرِبُ والعَتَمَةُ.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ –عُشَيًّا- بِضَمِّ العَيْنِ وفَتْحِ الشِّينِ وتَشْدِيدِ الياءِ مُنَوَّنًا وهو تَصْغِيرُ عَشِيٍّ وهو مِن

صفحة 199

زَوالِ الشَّمْسِ إلى الصَّباحِ، وعَنْهُ أنَّهُ قَرَأ –عُشى- بِالضَّمِّ والقَصْرِ كَدُجى فَنَصْبُهُ عَلى الحالِ وهو جَمْعُ أعْشى عِنْدَ بَعْضٍ وعاشَ عِنْدَ آخَرِينَ، وأصْلُهُ عُشاةٌ كَماشٍ ومُشاةٍ فَحُذِفَتِ الهاءُ تَخْفِيفًا، وأوْرَدَ عَلَيْهِما بِأنَّهُ لا جَوازَ لِمِثْلِ هَذا الحَذْفِ وأنَّهُ لا يُجْمَعُ أفْعَلُ فَعْلاءَ عَلى فُعَلٍ بِضَمِّ الفاءِ وفَتْحِ العَيْنِ بَلْ فُعْلٍ بِسُكُونِ العَيْنِ، ولِذا قِيلَ: كانَ أصْلُهُ عَشْوا فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى ما قَبْلَها لِكَوْنِهِ حَرْفًا صَحِيحًا ساكِنًا ثُمَّ حُذِفَتْ بَعْدَ قَلْبِها ألِفًا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وإنْ قُدِّرَ ما بَكَوْا بِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا يَعْشُو مِنهُ الإنْسانُ، وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّ المَقْصُودَ المُبالَغَةُ في شِدَّةِ البُكاءِ والنَّحِيبِ لا حَقِيقَتُهُ أيْ كادَ يَضْعُفُ بَصَرُهم لِكَثْرَةِ البُكاءِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ عَشْوَةٍ مُثَلَّثُ العَيْنِ وهي رُكُوبُ أمْرٍ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ، يُقالُ: أوْطَأهُ عَشْوَةً أيْ أمْرًا مُلْتَبِسًا يُوقِعُهُ في حِيرَةٍ وبَلِيَّةً فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِكَذِبِهِمْ وهو تَمْيِيزٌ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعُ عَشْوَةٍ بِالضَّمِّ بِمَعْنى شُعْلَةِ النّارِ عِبارَةً عَنْ سُرْعَتِهِمْ لِابْتِهاجِهِمْ بِما فَعَلُوا مِنَ العَظِيمَةِ وافْتَعَلُوا مِنَ العَضِيهَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ (عِشاءً) أيْ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ جَمْعَ عاشٍ مِثْلِ راعٍ ورِعاءٍ ويَكُونُ نَصْبُهُ عَلى الحالِ، والظّاهِرُ الأوَّلُ، وإنَّما -جاءُوا عِشاءً- إمّا لِأنَّها لَمْ يَصِلُوا مِن مَكانِهِمْ إلّا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإمّا لِيَكُونُوا أقْدَرَ عَلى الِاعْتِذارِ لِمَكانِ الظُّلْمَةِ الَّتِي يَرْتَفِعُ فِيها الحَياءُ، ولِذا قِيلَ: لا تَطْلُبِ الحاجَةَ بِاللَّيْلِ فَإنَّ الحَياءَ في العَيْنَيْنِ ولا تَعْتَذِرْ في النَّهارِ مِن ذَنْبٍ فَتَلَجْلَجَ في الِاعْتِذارِ وهَلْ جاءُوا في عِشاءِ اليَوْمِ الَّذِي ذَهَبُوا فِيهِ أوْ في عِشاءِ يَوْمٍ آخَرَ؟ ظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمُ الأوَّلُ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى الثّانِي بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكَثَ في الجُبِّ ثَلاثَةَ أيّامٍ وكانَ إخْوَتُهُ يَرْعَوْنَ حَوالَيْهِ وكانَ يَهُوذا يَأْتِيهِ بِالطَّعامِ.

وفِي الكَلامِ عَلى ما في البَحْرِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ ﴿وجاءُوا أباهُمْ﴾ دُونَ يُوسُفَ ﴿عِشاءً يَبْكُونَ﴾ أيْ مُتَباكِينَ أيْ مَظْهِرِينَ البُكاءَ بِتَكَلُّفٍ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ حُزْنٍ لَكِنَّهُ يُشْبِهُهُ، وكَثِيرًا ما يَفْعَلُ بَعْضُ الكَذّابِينَ كَذَلِكَ، أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: جاءَتِ امْرَأةٌ إلى شُرَيْحٍ تُخاصِمُ في شَيْءٍ فَجَعَلَتْ تَبْكِي، فَقالُوا: يا أبا أُمَيَّةَ أما تَراها تَبْكِي! فَقالَ: قَدْ جاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ أباهم عِشاءً يَبْكُونَ، وقالَ الأعْمَشُ: لا يُصَدَّقُ باكٍ بَعْدَ إخْوَةِ يُوسُفَ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ بُكاءَهم قالَ: ما بالُكم أجَرى في الغَنَمِ شَيْءٌ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَما أصابَكم وأيْنَ يُوسُفُ؟

17

قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍۢ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَٰدِقِينَ

They said, "O our father, indeed we went racing each other and left Joseph with our possessions, and a wolf ate him. But you would not believe us, even if we were truthful."

﴿قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ أيْ مُتَسابِقِينَ في العَدْوِ عَلى الأقْدامِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، أوْ في الرَّمْيِ بِالسِّهامِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، أوْ في أعْمالٍ نَتَوَزَّعُها مِن سَقْيٍ ورَعْيٍ واحْتِطابٍ، أوْ في الصَّيْدِ وأخَذَهُ كَما قِيلَ، ورَجُحَ ما قالَهُ الزَّجّاجُ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ -إنّا ذَهَبْنا نَنْتَضِلُ- وأوْرَدَ عَلى الأوَّلِ أنَّهُ كَيْفَ ساغَ لَهم الِاسْتِباقُ في العَدْوِ وهو مِن أفْعالِ الصِّبْيانِ الَّتِي لا ثَمَرَةَ فِيها، وأُجِيبَ بِالمَنعِ وثَمَرَتُهُ التَّدْرِيبُ في العَدْوِ لِمُحارَبَةِ العَدُوِّ ومُدافِعَةِ الذِّئْبِ مَثَلًا؛ وبِالجُمْلَةِ (نَسْتَبِقُ) بِمَعْنى نَتَسابَقُ وقَدْ يَشْتَرِكُ الِافْتِعالُ والتَّفاعُلُ فَيَكُونانِ بِمَعْنًى كالِانْتِضالِ والتَّناضُلِ ونَظائِرِهِما ﴿وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا﴾ أيْ ما يُتَمَتَّعُ بِهِ مِنَ الثِّيابِ والأزْوادِ وغَيْرِهِما ﴿فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ عَقِيبَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ مُضِيِّ زَمانٍ يُعْتادُ فِيهِ التَّفَقُّدُ والتَّعَهُّدُ وحَيْثُ لا يَكادُ يَطْرَحُ المَتاعَ عادَةً إلّا في مَقامٍ يُؤْمَنُ فِيهِ مِنَ الغَوائِلِ لَمْ يُعَدَّ تَرْكُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَهُ مِن بابِ الغَفْلَةِ وتَرْكِ الحِفْظِ المُلْتَزَمِ لا سِيَّما إذْ لَمْ يَغِيبُوا عَنْهُ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنّا لَمْ نُقَصِّرْ في مُحافَظَتِهِ ولَمْ نَغْفُلْ عَنْ مُراقَبَتِهِ بَلْ تَرَكْناهُ في مَأْمَنِنا ومَجْمَعِنا بِمَرْأًى مِنّا وما فارَقْناهُ إلّا ساعَةً يَسِيرَةً بَيْنَنا وبَيْنَهُ مَسافَةٌ قَصِيرَةٌ فَكانَ ما كانَ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، والظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يُرِيدُوا

صفحة 200

إلّا أنَّ الذِّئْبَ أكَلَ يُوسُفَ ولَمْ يَقْصِدُوا بِذَلِكَ تَعْرِيضًا فَما قِيلَ: إنَّهم عَرَضُوا وأرادُوا أكَلَ الذِّئْبُ المَتاعَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لِما فِيهِ مِنَ الخُرُوجِ عَنِ الجادَّةِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ أيْ ما أنْتَ مُصَدِّقٌ لَنا في هَذِهِ المَقالَةِ ﴿ولَوْ كُنّا﴾ عِنْدَكَ وفي اعْتِقادِكَ ﴿صادِقِينَ﴾ أيْ مَوْصُوفِينَ بِالصِّدْقِ والثِّقَةِ لِفَرْطِ مَحَبَّتِكَ فَكَيْفَ وأنْتَ سَيِّئُ الظَّنِّ بِنا غَيْرُ واثِقٍ بِقَوْلِنا، قِيلَ: ولا بُدَّ مِن هَذا التَّأْوِيلِ إذْ لَوْ كانَ المَعْنى ﴿ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ في نَفْسِ الأمْرِ لَكانَ تَقْدِيرُهُ فَكَيْفَ إذا كُنّا كاذِبِينَ فِيهِ فَيَلْزَمُ اعْتِرافُهم بِكَذِبِهِمْ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المُرادَ في مِثْلِ ذَلِكَ تَحْقِيقُ الحُكْمِ السّابِقِ عَلى كُلِّ حالٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ هُنا: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ فَتَذَكَّرْ وتَأمَّلْ.

﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أيْ ذِي كَذِبٍ أوْ وصْفٍ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً كَأنَّهُ نَفْسُ الكَذِبِ وعَيْنُهُ كَما يُقالُ لِلْكَذّابِ: هو الكَذِبُ بِعَيْنِهِ والزُّورُ بِذاتِهِ، ومِن ذَلِكَ ما في قَوْلِهِ:

أفِيضُوا عَلى عُزّابِكم مِن بَناتِكم فَما في كِتابِ اللَّهِ أنْ يُحْرَمَ الفَضْلَ

وفِيهِنَّ فَضْلٌ قَدْ عَرَفْنا مَكانَهُ ∗∗∗ فَهُنَّ بِهِ جُودٌ وأنْتُمْ بِهِ بُخْلُ

وبَعْضُهم يُؤَوِّلُ كَذِبٌ بِمَكْذُوبٍ فِيهِ، فَإنَّ المَصْدَرَ قَدْ يُؤَوَّلُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَذِبًا بِالنَّصْبِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلٍ (جاءُوا) بِتَأْوِيلِ كاذِبِينَ، وقِيلَ: مِن دَمٍ عَلى تَأْوِيلِ مَكْذُوبًا فِيهِ، وفِيهِ أنَّ الحالَ مِنَ النَّكِرَةِ عَلى خِلافِ القِياسِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ جاءُوا بِذَلِكَ لِأجْلِ الكَذِبِ، وقَرَأتْ عائِشَةُ رَضِيَ …

18

وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍۢ كَذِبٍۢ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌۭ ۖ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ

And they brought upon his shirt false blood. [Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. And Allah is the one sought for help against that which you describe."

﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكُمْ﴾ أيْ زَيَّنَتْ وسَهَّلَتْ ﴿أمْرًا﴾ مِنَ الأُمُورِ مُنْكَرًا لا يُوصَفُ ولا يُعْرَفُ، وأصْلُ التَّسْوِيلِ تَقْدِيرُ شَيْءٍ في النَّفْسِ مَعَ الطَّمَعِ في إتْمامِهِ.

وقالَ الرّاغِبُ: هو تَزْيِينُ النَّفْسِ لِما تَحْرِصُ عَلَيْهِ وتَصْوِيرُ القَبِيحِ بِصُورَةِ الحَسَنِ.

وقالَ الأزْهَرِيُّ: كَأنَّ التَّسْوِيلَ تَفْعِيلٌ مِن سِوالِ الإنْسانِ وهو أُمْنِيَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُها فَتُزَيِّنُ لِطالِبِها الباطِلَ وغَيْرَهُ، وأصْلُهُ مَهْمُوزٌ، وقِيلَ: مِنَ السَّوَلِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو اسْتِرْخاءٌ في العَصَبِ ونَحْوِهِ كَأنَّ المُسَوِّلَ لِمَزِيدِ حِرْصِهِ اسْتَرْخى عَصَبُهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ عَلى ما في البَحْرِ أيْ لَمْ يَأْكُلْهُ الذِّئْبُ ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ إلَخْ، وعِلْمُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَذِبِهِمْ قِيلَ: حَصَلَ مِن سَلامَةِ القَمِيصِ عَنِ التَّمْزِيقِ وهي إحْدى ثَلاثِ آياتٍ في القَمِيصِ: ثانِيَتُها عَوْدُ يَعْقُوبَ بَصِيرًا بِإلْقائِهِ عَلى وجْهِهِ، وثالِثَتُها قَدُّهُ مِن دُبُرٍ فَإنَّهُ كانَ دَلِيلًا عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ، ويَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ وُقُوفُهُ بِالرُّؤْيا الدّالَّةِ عَلى بُلُوغِهِ مَرْتَبَةً عَلْياءَ تَنْحَطُّ عَنْها الكَواكِبُ، وقِيلَ: مَن تُناقِضُهم فَإنَّهُ يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ما تَقَدَّمَ عَنْ قَتادَةَ قالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ قَتَلَهُ اللُّصُوصُ، فَقالَ: كَيْفَ قَتَلُوهُ وتَرَكُوا قَمِيصَهُ وهم إلى قَمِيصِهِ أحْوَجُ مِنهم إلى قَتْلِهِ؟! ولَعَلَّهُ مَعَ هَذا العِلْمِ إنَّما حَزِنَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما خَشِيَ عَلَيْهِ مِنَ المَكْرُوهِ والشَّدائِدِ غَيْرِ المَوْتِ، وقِيلَ: إنَّما حَزِنَ لِفِراقِهِ وفِراقُ الأحِبَّةِ مِمّا لا يُطاقُ، ولِذَلِكَ قِيلَ:

لَوْ لا مُفارَقَةُ الأحْبابِ ما وجَدَتْ لَها المَنايا إلى أرْواحِنا سُبُلًا

ولا بَأْسَ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ أحْزَنَهُ فِراقُهُ وخَوْفُ أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهٌ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أيْ فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أوْ فَصَبْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ كَما قالَ قُطْرُبٌ، أوْ فالَّذِي أفْعَلُهُ ذَلِكَ كَما قالَ الخَلِيلُ، أوْ فَهو صَبْرٌ إلَخْ، كَما قالَ الفَرّاءُ، وصَبْرٌ في كُلِّ ذَلِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أمْثَلُ وأجْمَلُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وهَلِ الحَذْفُ في مِثْلِ ذَلِكَ واجِبٌ أوْ جائِزٌ؟ فِيهِ خِلافٌ، وكَذا اخْتَلَفُوا فِيما إذا صَحَّ في كَلامٍ واحِدٍ اعْتِبارُ حَذْفِ المُبْتَدَأِ وإبْقاءِ الخَبَرِ واعْتِبارُ العَكْسِ هَلْ الِاعْتِبارُ الأوَّلُ أوْلى أمِ الثّانِي؟

وقَرَأ أُبَيٌّ والأشْهَبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ -فَصَبْرًا جَمِيلًا- بِنَصْبِهِما، وكَذا في مُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكِسائِيِّ، وخَرَجَ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ فاصْبِرْ صَبْرًا عَلى أنَّ اصْبِرْ مُضارِعٌ مُسْنَدٌ لِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَحْسُنُ النَّصْبُ في مِثْلِ ذَلِكَ إلّا مَعَ الأمْرِ، والتَزَمَ بَعْضُهم تَقْدِيرَهُ هُنا بِأنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ رَجَعَ إلى مُخاطَبَةِ نَفْسِهِ فَقالَ: صَبْرًا جَمِيلًا عَلى مَعْنى فاصْبِرِي يا نَفْسُ صَبْرًا جَمِيلًا، والصَّبْرُ الجَمِيلُ عَلى ما رَوى الحَسَنُ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -ما لا شَكْوى فِيهِ أيْ إلى الخَلْقِ وإلّا فَقَدَ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَقَطَ حاجِباهُ عَلى عَيْنَيْهِ فَكانَ يَرْفَعُهُما بِعِصابَةٍ فَسُئِلَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ، فَقالَ: طُولُ الزَّمانِ وكَثْرَةُ الأحْزانِ فَأوْحى اللَّهُ …

19

وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌۭ فَأَرْسَلُوا۟ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُۥ ۖ قَالَ يَٰبُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٌۭ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

And there came a company of travelers; then they sent their water drawer, and he let down his bucket. He said, "Good news! Here is a boy." And they concealed him, [taking him] as merchandise; and Allah was knowing of what they did.

﴿وجاءَتْ﴾ شُرُوعٌ فِيما جَرى عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجُبِّ بَعْدَ الفَراغِ عَنْ ذِكْرِ ما وقَعَ بَيْنَ إخْوَتِهِ وبَيْنَ أبِيهِ أيْ وجاءَتْ إلى الجُبِّ ﴿سَيّارَةٌ﴾ رُفْقَةٌ تَسِيرُ مِن جِهَةِ مَدْيَنَ إلى مِصْرَ وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ مَضَتْ مِن زَمَنِ إلْقائِهِ في قَوْلٍ، وقِيلَ: في اليَوْمِ الثّانِي، والظّاهِرُ أنَّ الجُبَّ كانَ في طَرِيقِ سَيْرِهِمُ المُعْتادُ.

وقِيلَ: إنَّهُ كانَ في قَفْرَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ العُمْرانِ فَأخْطَأُوا الطَّرِيقَ فَأصابُوهُ ﴿فَأرْسَلُوا﴾ إلَيْهِ ﴿وارِدَهُمْ﴾ الَّذِي يَرِدُ الماءَ ويَسْتَقِي لَهم وكانَ ذَلِكَ مالِكَ بْنَ ذُعْرٍ الخُزاعِيَّ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الوارِدُ هُنا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَماعَةِ اهـ، والظّاهِرُ الأوَّلُ، والتَّأْنِيثُ في (جاءَتْ) والتَّذْكِيرُ في أرْسَلُوا و وارِدَهُمْ) بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ والمَعْنى، وفي التَّعْبِيرِ بِالمَجِيءِ إيماءٌ إلى كَرامَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُهُ وكَذا مُتَعَلِّقُ الإرْسالِ لِظُهُورِهِ، ولِذا حُذِفَ المُتَعَلِّقُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأدْلى دَلْوَهُ﴾ أيْ أرْسَلَها إلى الجُبِّ لِيُخْرِجَ الماءَ، ويُقالَ: دَلا الدَّلْوَ إذا أخْرَجَها مَلْأى، والدَّلْوُ مِنَ المُؤَنَّثاتِ لِلسَّماعِيَّةِ فَتُصَغَّرُ عَلى دُلِيَّةٍ وتُجْمَعُ عَلى أدُلٍ ودِلاءٍ ودُلِيٍّ.

وقالَ ابْنُ الشِّحْنَةِ: إنَّ الدَّلْوَ الَّتِي يُسْتَقى بِها مُؤَنَّثَةٌ وقَدْ تُذَكَّرُ، وأمّا الدَّلْوُ مَصْدَرُ دَلَوْتُ وضَرْبٌ مِنَ السَّيْرِ فَمُذَكَّرٌ ومِثْلُها في التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ الجُبُّ عِنْدَ الفَرّاءِ عَلى ما نَقَلَهُ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الجَهْمِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ مُذَكَّرٌ لا غَيْرَ، وأمّا البِئْرُ مُؤَنَّثَةٌ فَقَطْ في المَشْهُورِ، ويُقالُ في تَصْغِيرِها: بُوَيْرَةٌ، وفي جَمْعِها آبارٌ وأبْآرٌ وأبْؤُرٌ وبِئارٌ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ فَأدْلى دَلْوَهُ فَتَدَلّى بِها يُوسُفُ فَخَرَجَ (قالَ) اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَقْتَضِيهِ الحالُ.

﴿يا بُشْرى هَذا غُلامٌ﴾ نادى البُشْرى بِشارَةً لِنَفْسِهِ أوْ لِقَوْمِهِ ورُفْقَتِهِ كَأنَّهُ نَزَّلَها مَنزِلَةَ شَخْصٍ فَناداهُ، فَهو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ أيْ يا بُشْرى تَعالَيْ فَهَذا أوانُ حُضُورِكِ، وقِيلَ: المُنادى مَحْذُوفٌ كَما في يا لَيْتَ أيْ يا قَوْمِي انْظُرُوا واسْمَعُوا بُشْرايَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّبْشِيرِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى النِّداءِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ بُشْرى اسْمُ صاحِبٍ لَهُ ناداهُ لِيُعِينَهُ عَلى إخْراجِهِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ السُّدِّيِّ -ولَيْسَ بِذاكَ- وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ -يا بُشْرايَ- بِالإضافَةِ، وأمالَ فَتْحَةَ الرّاءِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ.

ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ قَرَأ -يا بُشْرايَ- بِسُكُونِ ياءِ الإضافَةِ ويُلْزِمُهُ التِقاءَ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ واعْتَذَرَ بِأنَّهُ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ ونَظائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: جازَ ذَلِكَ لِأنَّ الألِفَ لِمَدِّها تَقُومُ مَقامَ الحَرَكَةِ، وقَرَأ أبُو الطُّفَيْلِ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والجَحْدَرِيُّ (يا بُشْرَيَّ) بِقَلْبِ الألِفِ ياءً وإدْغامِها في ياءِ الإضافَةِ -وهِيَ لُغَةٌ لِهُذَيْلٍ ولِناسٍ غَيْرِهِمْ- ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: سَبَقُوا (هُوِيَّ) وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ فَتَخَرَّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ

ويَقُولُونَ: يا سَيِّدِي ومَوْلَيَّ، و–الغُلامُ- كَثِيرًا ما يُطْلَقُ عَلى ما بَيْنَ …

20

وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍۭ بَخْسٍۢ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍۢ وَكَانُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ

And they sold him for a reduced price - a few dirhams - and they were, concerning him, of those content with little.

﴿وشَرَوْهُ﴾ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ إمّا لِلْأُخْوَةِ فَشَرى بِمَعْنى باعَ، وإمّا لِلسَّيّارَةِ فَهو بِمَعْنى اشْتَرى كَما في قَوْلِهِ:

(وشَرَيْتُ) بُرْدًا لَيْتَنِي مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهُ

وقَوْلِهِ:

ولَوْ أنَّ هَذا المَوْتَ يَقْبَلُ فِدْيَةً ∗∗∗ شَرَيْتُ أبا زَيْدٍ بِما مَلَكَتْ يَدِي

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَعْنى باعَ بِناءً عَلى أنَّهم باعُوهُ لَمّا التَقَطُوهُ مِن بَعْضِهِمْ ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أيْ نَقْصٍ وهو مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ المَفْعُولِ أيْ مَنقُوصٌ، وجَوَّزَ الرّاغِبُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى باخِسٍ أيْ ناقِصٍ عَنِ القِيمَةِ نُقْصانًا ظاهِرًا، وقالَ مُقاتِلٌ: زَيْفٌ ناقِصُ العِيارِ، وقالَ قَتادَةُ: بَخْسٌ ظُلْمٌ لِأنَّهُ ظَلَمُوهُ في بَيْعِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ في آخَرِينَ: البَخْسُ الحَرامُ وكانَ ذَلِكَ حَرامًا لِأنَّهُ ثَمَنُ الحُرِّ وسُمِّيَ الحَرامُ بَخْسًا لِأنَّهُ مَبْخُوسُ البَرَكَةِ أيْ مَنقُوصُها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿دَراهِمَ﴾ بَدَلٌ مِن ثَمَنٍ أيْ لا دَنانِيرَ ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ أيْ قَلِيلَةٍ وكُنِّيَ بِالعَدِّ عَنِ القِلَّةِ لِأنَّ الكَثِيرَ يُوزَنُ عِنْدَهم وكانَتْ عِدَّةُ هَذِهِ الدَّراهِمِ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وفي رِوايَةٍ

صفحة 205

عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ، وفي أُخْرى عَنْهُ عِشْرِينَ وحُلَّةً ونَعْلَيْنِ، وقِيلَ: ثَلاثِينَ وحُلَّةً ونَعْلَيْنِ، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ اشْتَرَوْا بِها أخْفافًا ونِعالًا، وقِيلَ: عَشَرَةً، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها كانَتْ أرْبَعِينَ دِرْهَمًا، ولا يَأْبى هَذا ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أنَّ عادَتَهم أنَّهم لا يَزِنُونَ إلّا ما بَلَغَ أُوقِيَّةً وهي أرْبَعُونَ دِرْهَمًا إذْ لَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أنَّ الأرْبَعِينَ قَدْ تُعَدُّ ﴿وكانُوا فِيهِ﴾ أيْ في يُوسُفَ كَما هو الظّاهِرُ ﴿مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ أيِ الرّاغِبِينَ عَنْهُ، والضَّمِيرُ في ( وكانُوا ) إنْ كانَ لِلْإخْوَةِ فَظاهِرٌ وإنْ كانَ لِلرُّفْقَةِ وكانُوا بائِعِينَ فَزُهْدُهم فِيهِ لِأنَّهُمُ التَقَطُوهُ، والمُلْتَقِطُ لِلشَّيْءِ مُتَهاوِنٌ بِهِ لا يُبالِي بِما باعَهُ، ولِأنَّهُ يَخافُ أنْ يَعْرِضَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ يَنْتَزِعُهُ مِن يَدِهِ فَيَبِيعُهُ مِن أوَّلِ مُساوِمٍ بِأوْكَسِ الثَّمَنِ وإنْ كانَ لَهم وكانُوا مُبْتاعِينَ بِأنِ اشْتَرَوْهُ مِن بَعْضِهِمْ أوْ مِنَ الإخْوَةِ فَزُهْدُهم لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّهُ آبِقٌ، فَخافُوا أنْ يُخاطِرُوا بِما لَهم فِيهِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ (فِيهِ) لِلثَّمَنِ وزُهْدُهم فِيهِ لِرَداءَتِهِ أوْ لِأنَّ مَقْصُودَهم لَيْسَ إلّا إبْعادُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذا ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (كانُوا) لِلْإخْوَةِ، والجارُّ -عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ مالِكٍ- مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ –الزّاهِدِينَ- أيْ كانُوا زاهِدِينَ فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ، وذَلِكَ أنَّ اللّامَ في الزّاهِدِينَ اسْمٌ مَوْصُولٌ ولا يَتَقَدَّمُ ما في صِلَةِ المَوْصُولِ عَلَيْهِ، ولِأنَّ ما بَعْدَ الجارِّ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، وهَلْ ﴿مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ حِينَئِذٍ صِفَةٌ لِزاهِدِينَ المَحْذُوفِ مُؤَكَّدَةٌ كَما تَقُولُ: عالِمٌ مِنَ العُلَماءِ، أوْ صِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ أيْ زاهِدِينَ بَلَغَ بِهِمُ الزُّهْدُ إلى أنْ يُعَدُّوا في الزّاهِدِينَ لِأنَّ الزّاهِدَ قَدْ لا يَكُونُ عَرِيقًا في الزّاهِدِينَ حَتّى يُعَدَّ فِيهِمْ إذا عُدُّوا، أوْ يَكُونُ خَبَرًا ثانِيًا؟ كُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، ولَيْسَ بَدَلًا مِنَ المَحْذُوفِ لِوُجُودِ (مِن) مَعَهُ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المَحْذُوفَ أعْنِي وأنا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ، وقالَ ابْنُ …

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.