قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَٰصِحُونَ
They said, "O our father, why do you not entrust us with Joseph while indeed, we are to him sincere counselors?
صفحة ٢٢٧
﴿قالُوا يا أبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ ﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعِ ويَلْعَبْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ سَوْقَ القِصَّةِ يَسْتَدْعِي تَساؤُلَ السّامِعِ عَمّا جَرى بَعْدَ إشارَةِ أخِيهِمْ عَلَيْهِمْ، وهَلْ رَجَعُوا عَمّا بَيَّتُوا وصَمَّمُوا عَلى ما أشارَ بِهِ أخُوهم.
وابْتِداءُ الكَلامِ مَعَ أبِيهِمْ بِقَوْلِهِمْ يا أبانا يَقْضِي أنَّ تِلْكَ عادَتُهم في خِطابِ الِابْنِ أباهُ.
ولَعَلَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ لا يَأْذَنُ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالخُرُوجِ مَعَ إخْوَتِهِ لِلرَّعْيِ أوْ لِلسَّبْقِ خَوْفًا عَلَيْهِ مِن أنْ يُصِيبَهُ سُوءٌ مِن كَيْدِهِمْ أوْ مِن غَيْرِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ يُصَرِّحُ لَهم بِأنَّهُ لا يَأْمَنُهم عَلَيْهِ ولَكِنَّ حالَهُ في مَنعِهِ مِنَ الخُرُوجِ كَحالِ مَن لا يَأْمَنُهم عَلَيْهِ فَنَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ مَن لا يَأْمَنُهم، وأتَوْا بِالِاسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في الإنْكارِ عَلى نَفْيِ الِائْتِمانِ.
وفِي التَّوْراةِ أنَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أرْسَلَهُ إلى إخْوَتِهِ وكانُوا قَدْ خَرَجُوا يَرْعَوْنَ، وإذا لَمْ يَكُنْ تَحْرِيفًا فَلَعَلَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنِ امْتَنَعَ مِن خُرُوجِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهم سَمَحَ لَهُ بِذَلِكَ، أوْ بَعْدَ أنْ سَمِعَ لَوْمَهم عَلَيْهِ سَمَحَ لَهُ بِذَلِكَ.
وتَرْكِيبُ ما لَكَ لا تَفْعَلُ. تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥] في سُورَةِ يُونُسَ، وانْظُرْ قَوْلَهُ - تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] في سُورَةِ بَراءَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] في سُورَةِ النِّساءِ.
واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى قِراءَةِ (﴿لا تَأْمَنّا﴾) بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ مُدْغَمَةٍ مِن نُونِ أمِنَ ونُونِ جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ، وهي مَرْسُومَةٌ في المُصْحَفِ بِنُونٍ واحِدَةٍ. واخْتَلَفُوا
صفحة ٢٢٨
فِي كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِهَذِهِ النُّونِ بَيْنَ إدْغامٍ مَحْضٍ، وإدْغامٍ بِإشْمامٍ، وإخْفاءٍ بِلا إدْغامٍ، وهَذا الوَجْهُ الأخِيرُ مَرْجُوحٌ، وأرْجَحُ الوَجْهَيْنِ الآخَرَيْنِ الإدْغامُ بِإشْمامٍ، وهُما طَرِيقَتانِ لِلْكُلِّ ولَيْسا مَذْهَبَيْنِ.
وحَرْفُ (عَلى) الَّتِي يَتَعَدّى بِها فِعْلُ الأمْنِ المَنفِيِّ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ بِمَعْنى التَّمَكُّنِ مِن تَعَلُّقِ الِائْتِمانِ بِمَدْخُولِ (عَلى) .
والنُّصْحُ عَمَلٌ أوْ قَوْلٌ فِيهِ نَفْعٌ لِلْمَنصُوحِ، وفِعْلُهُ يَتَعَدّى بِاللّامِ غالِبًا وبِنَفْسِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَتَيْ ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا﴾ وجُمْلَةِ (أرْسِلْهُ) . والمَعْنى هُنا: أنَّهم يَعْمَلُونَ ما فِيهِ نَفْعٌ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
وجُمْلَةُ أرْسِلْهُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ الإنْكارَ المُتَقَدِّمَ يُثِيرُ تَرَقُّبَ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِمَعْرِفَةِ ما يُرِيدُونَ مِنهُ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
و (يَرْتَعِ) قَرَأهُ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ بِياءِ الغائِبِ وكَسْرِ العَيْنِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ وكَسْرِ العَيْنِ وهو عَلى قِراءَةِ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ مُضارِعُ ارْتَعى وهو افْتِعالٌ مِنَ الرَّعْيِ لِلْمُبالَغَةِ …