Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 11–20 of 111

11

قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَٰصِحُونَ

They said, "O our father, why do you not entrust us with Joseph while indeed, we are to him sincere counselors?

صفحة ٢٢٧

﴿قالُوا يا أبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ ﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعِ ويَلْعَبْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ سَوْقَ القِصَّةِ يَسْتَدْعِي تَساؤُلَ السّامِعِ عَمّا جَرى بَعْدَ إشارَةِ أخِيهِمْ عَلَيْهِمْ، وهَلْ رَجَعُوا عَمّا بَيَّتُوا وصَمَّمُوا عَلى ما أشارَ بِهِ أخُوهم.

وابْتِداءُ الكَلامِ مَعَ أبِيهِمْ بِقَوْلِهِمْ يا أبانا يَقْضِي أنَّ تِلْكَ عادَتُهم في خِطابِ الِابْنِ أباهُ.

ولَعَلَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ لا يَأْذَنُ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالخُرُوجِ مَعَ إخْوَتِهِ لِلرَّعْيِ أوْ لِلسَّبْقِ خَوْفًا عَلَيْهِ مِن أنْ يُصِيبَهُ سُوءٌ مِن كَيْدِهِمْ أوْ مِن غَيْرِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ يُصَرِّحُ لَهم بِأنَّهُ لا يَأْمَنُهم عَلَيْهِ ولَكِنَّ حالَهُ في مَنعِهِ مِنَ الخُرُوجِ كَحالِ مَن لا يَأْمَنُهم عَلَيْهِ فَنَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ مَن لا يَأْمَنُهم، وأتَوْا بِالِاسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في الإنْكارِ عَلى نَفْيِ الِائْتِمانِ.

وفِي التَّوْراةِ أنَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أرْسَلَهُ إلى إخْوَتِهِ وكانُوا قَدْ خَرَجُوا يَرْعَوْنَ، وإذا لَمْ يَكُنْ تَحْرِيفًا فَلَعَلَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنِ امْتَنَعَ مِن خُرُوجِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهم سَمَحَ لَهُ بِذَلِكَ، أوْ بَعْدَ أنْ سَمِعَ لَوْمَهم عَلَيْهِ سَمَحَ لَهُ بِذَلِكَ.

وتَرْكِيبُ ما لَكَ لا تَفْعَلُ. تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥] في سُورَةِ يُونُسَ، وانْظُرْ قَوْلَهُ - تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] في سُورَةِ بَراءَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] في سُورَةِ النِّساءِ.

واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى قِراءَةِ (﴿لا تَأْمَنّا﴾) بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ مُدْغَمَةٍ مِن نُونِ أمِنَ ونُونِ جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ، وهي مَرْسُومَةٌ في المُصْحَفِ بِنُونٍ واحِدَةٍ. واخْتَلَفُوا

صفحة ٢٢٨

فِي كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِهَذِهِ النُّونِ بَيْنَ إدْغامٍ مَحْضٍ، وإدْغامٍ بِإشْمامٍ، وإخْفاءٍ بِلا إدْغامٍ، وهَذا الوَجْهُ الأخِيرُ مَرْجُوحٌ، وأرْجَحُ الوَجْهَيْنِ الآخَرَيْنِ الإدْغامُ بِإشْمامٍ، وهُما طَرِيقَتانِ لِلْكُلِّ ولَيْسا مَذْهَبَيْنِ.

وحَرْفُ (عَلى) الَّتِي يَتَعَدّى بِها فِعْلُ الأمْنِ المَنفِيِّ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ بِمَعْنى التَّمَكُّنِ مِن تَعَلُّقِ الِائْتِمانِ بِمَدْخُولِ (عَلى) .

والنُّصْحُ عَمَلٌ أوْ قَوْلٌ فِيهِ نَفْعٌ لِلْمَنصُوحِ، وفِعْلُهُ يَتَعَدّى بِاللّامِ غالِبًا وبِنَفْسِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وجُمْلَةُ ﴿وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَتَيْ ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا﴾ وجُمْلَةِ (أرْسِلْهُ) . والمَعْنى هُنا: أنَّهم يَعْمَلُونَ ما فِيهِ نَفْعٌ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

وجُمْلَةُ أرْسِلْهُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ الإنْكارَ المُتَقَدِّمَ يُثِيرُ تَرَقُّبَ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِمَعْرِفَةِ ما يُرِيدُونَ مِنهُ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

و (يَرْتَعِ) قَرَأهُ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ بِياءِ الغائِبِ وكَسْرِ العَيْنِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ وكَسْرِ العَيْنِ وهو عَلى قِراءَةِ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ مُضارِعُ ارْتَعى وهو افْتِعالٌ مِنَ الرَّعْيِ لِلْمُبالَغَةِ …

12

أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًۭا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ

Send him with us tomorrow that he may eat well and play. And indeed, we will be his guardians.

صفحة ٢٢٧

﴿قالُوا يا أبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ ﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعِ ويَلْعَبْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ سَوْقَ القِصَّةِ يَسْتَدْعِي تَساؤُلَ السّامِعِ عَمّا جَرى بَعْدَ إشارَةِ أخِيهِمْ عَلَيْهِمْ، وهَلْ رَجَعُوا عَمّا بَيَّتُوا وصَمَّمُوا عَلى ما أشارَ بِهِ أخُوهم.

وابْتِداءُ الكَلامِ مَعَ أبِيهِمْ بِقَوْلِهِمْ يا أبانا يَقْضِي أنَّ تِلْكَ عادَتُهم في خِطابِ الِابْنِ أباهُ.

ولَعَلَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ لا يَأْذَنُ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالخُرُوجِ مَعَ إخْوَتِهِ لِلرَّعْيِ أوْ لِلسَّبْقِ خَوْفًا عَلَيْهِ مِن أنْ يُصِيبَهُ سُوءٌ مِن كَيْدِهِمْ أوْ مِن غَيْرِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ يُصَرِّحُ لَهم بِأنَّهُ لا يَأْمَنُهم عَلَيْهِ ولَكِنَّ حالَهُ في مَنعِهِ مِنَ الخُرُوجِ كَحالِ مَن لا يَأْمَنُهم عَلَيْهِ فَنَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ مَن لا يَأْمَنُهم، وأتَوْا بِالِاسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في الإنْكارِ عَلى نَفْيِ الِائْتِمانِ.

وفِي التَّوْراةِ أنَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أرْسَلَهُ إلى إخْوَتِهِ وكانُوا قَدْ خَرَجُوا يَرْعَوْنَ، وإذا لَمْ يَكُنْ تَحْرِيفًا فَلَعَلَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنِ امْتَنَعَ مِن خُرُوجِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهم سَمَحَ لَهُ بِذَلِكَ، أوْ بَعْدَ أنْ سَمِعَ لَوْمَهم عَلَيْهِ سَمَحَ لَهُ بِذَلِكَ.

وتَرْكِيبُ ما لَكَ لا تَفْعَلُ. تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥] في سُورَةِ يُونُسَ، وانْظُرْ قَوْلَهُ - تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] في سُورَةِ بَراءَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] في سُورَةِ النِّساءِ.

واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى قِراءَةِ (﴿لا تَأْمَنّا﴾) بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ مُدْغَمَةٍ مِن نُونِ أمِنَ ونُونِ جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ، وهي مَرْسُومَةٌ في المُصْحَفِ بِنُونٍ واحِدَةٍ. واخْتَلَفُوا

صفحة ٢٢٨

فِي كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِهَذِهِ النُّونِ بَيْنَ إدْغامٍ مَحْضٍ، وإدْغامٍ بِإشْمامٍ، وإخْفاءٍ بِلا إدْغامٍ، وهَذا الوَجْهُ الأخِيرُ مَرْجُوحٌ، وأرْجَحُ الوَجْهَيْنِ الآخَرَيْنِ الإدْغامُ بِإشْمامٍ، وهُما طَرِيقَتانِ لِلْكُلِّ ولَيْسا مَذْهَبَيْنِ.

وحَرْفُ (عَلى) الَّتِي يَتَعَدّى بِها فِعْلُ الأمْنِ المَنفِيِّ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ بِمَعْنى التَّمَكُّنِ مِن تَعَلُّقِ الِائْتِمانِ بِمَدْخُولِ (عَلى) .

والنُّصْحُ عَمَلٌ أوْ قَوْلٌ فِيهِ نَفْعٌ لِلْمَنصُوحِ، وفِعْلُهُ يَتَعَدّى بِاللّامِ غالِبًا وبِنَفْسِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وجُمْلَةُ ﴿وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَتَيْ ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا﴾ وجُمْلَةِ (أرْسِلْهُ) . والمَعْنى هُنا: أنَّهم يَعْمَلُونَ ما فِيهِ نَفْعٌ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

وجُمْلَةُ أرْسِلْهُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ الإنْكارَ المُتَقَدِّمَ يُثِيرُ تَرَقُّبَ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِمَعْرِفَةِ ما يُرِيدُونَ مِنهُ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

و (يَرْتَعِ) قَرَأهُ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ بِياءِ الغائِبِ وكَسْرِ العَيْنِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ وكَسْرِ العَيْنِ وهو عَلى قِراءَةِ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ مُضارِعُ ارْتَعى وهو افْتِعالٌ مِنَ الرَّعْيِ لِلْمُبالَغَةِ …

13

قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِىٓ أَن تَذْهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَٰفِلُونَ

[Jacob] said, "Indeed, it saddens me that you should take him, and I fear that a wolf would eat him while you are of him unaware."

صفحة ٢٣٠

﴿قالَ إنِّي لَيُحْزِنُنِيَ أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾

فَصْلُ جُمْلَةِ (قالَ) جارٍ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ.

أظْهَرَ لَهم سَبَبَ امْتِناعِهِ مِن خُرُوجِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهم إلى الرِّيفِ بِأنَّهُ يُحْزِنُهُ لِبُعْدِهِ عَنْهُ أيّامًا، وبِأنَّهُ يَخْشى عَلَيْهِ الذِّئابَ، إذْ كانَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَئِذٍ غُلامًا، وكانَ قَدْ رُبِّيَ في دَعَةٍ فَلَمْ يَكُنْ مُرِّنا بِمُقاوَمَةِ الوُحُوشِ، والذِّئابُ تَجْتَرِئُ عَلى الَّذِي تُحِسُّ مِنهُ ضَعْفًا في دِفاعِها. قالَ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبْعٍ الفَزارِيُّ يَشْكُو ضَعْفَ الشَّيْخُوخَةِ:

والذِّئْبُ أخْشاهُ إنْ مَـرَرْتُ بِـهِ وحْدِي وأخْشى الرِّياحَ والمَطَرا

وقالَ الفَرَزْدَقُ يَذْكُرُ ذِئْبًا:

فَقُلْتُ لَهُ لَمّا تَكَشَّرَ ضاحِكًـا ∗∗∗ وقائِمُ سَيْفِي مِن يَدِي بِمَـكَـانِ

تَعِشْ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونَنِـي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ

فَذِئابُ بادِيَةِ الشّامِ كانَتْ أشَدَّ خُبْثًا مِن بَقِيَّةِ الذِّئابِ، ولَعَلَّها كانَتْ كَذِئابِ بِلادِ الرُّوسِ. والعَرَبُ يَقُولُونَ: إنَّ الذِّئْبَ إذا حُورِبَ ودافَعَ عَنْ نَفْسِهِ حَتّى عَضَّ الإنْسانَ وأسالَ دَمَهُ أنَّهُ يَضْرى حِينَ يَرى الدَّمَ فَيَسْتَأْسِدُ عَلى الإنْسانِ، قالَ:

فَكُنْتَ كَذِئْبِ السُّوءِ حِينَ رَأى دَمًا ∗∗∗ بِصاحِبِهِ يَوْمًا أحالَ عَلى الـدَّمِ

وقَدْ يَتَجَمَّعُ سِرْبٌ مِنَ الذِّئابِ فَتَكُونُ أشَدَّ خَطَرًا عَلى الواحِدِ مِنَ النّاسِ والصَّغِيرِ.

صفحة ٢٣١

والتَّعْرِيفُ في الذِّئْبِ تَعْرِيفُ الحَقِيقَةِ والطَّبِيعَةِ، ويُسَمّى تَعْرِيفُ الجِنْسِ. وهو هَنا مُرادٌ بِهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِن نَوْعِ الذِّئْبِ أوْ جَماعَةٍ مِنهُ، ولَيْسَ الحُكْمُ عَلى الجِنْسِ بِقَرِينَةِ أنَّ الأكْلَ مِن أحْوالِ الذَّواتِ لا مِن أحْوالِ الجِنْسِ، لَكِنَّ المُرادَ أيَّةُ ذاتٍ مِن هَذا الجِنْسِ دُونَ تَعْيِينٍ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] أيْ فَرْدٍ مِنَ الحَمِيرِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وقَرِينَةُ إرادَةِ الفَرْدِ دُونَ الجِنْسِ إسْنادُ حَمْلِ الأسْفارِ إلَيْهِ لِأنَّ الجِنْسَ لا يَحْمِلُ. ومِنهُ قَوْلُهم: ”ادْخُلِ السُّوقَ“ إذا أرَدْتَ فَرْدًا مِنَ الأسْواقِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وقَوْلُكَ: ادْخُلْ، قَرِينَةٌ عَلى ما ذُكِرَ. وهَذا التَّعْرِيفُ شَبِيهٌ بِالنَّكِرَةِ في المَعْنى إلّا أنَّهُ مُرادٌ بِهِ فَرْدٌ مِنَ الجِنْسِ. وقَرِيبٌ مِن هَذا التَّعْرِيفِ بِاللّامِ التَّعْرِيفُ بِعَلَمِ الجِنْسِ، والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ اللّامِ وبَيْنَ المُنْكَرِ كالفَرْقِ بَيْنَ عَلَمِ الجِنْسِ والنَّكِرَةِ.

فالمَعْنى: أخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، أيْ يَقْتُلَهُ فَيَأْكُلُ مِنهُ فَإنَّكم تَبْعُدُونَ عَنْهُ، لِما يَعْلَمُ مِن إمْعانِهِمْ في اللَّعِبِ والشُّغْلِ بِاللَّهْوِ والمُسابَقَةِ، فَتَجْتَرِئُ الذِّئابُ عَلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

والذِّئْبُ: حَيَوانٌ مِنَ الفَصِيلَةِ الكَلْبِيَّةِ، وهو كَلْبٌ بَرِّيٌّ وحْشِيٌّ. مِن خُلُقِهِ الِاحْتِيالُ والنُّفُورُ. وهو يَفْتَرِسُ الغَنَمَ. وإذا قاتَلَ الإنْسانَ فَجَرَحَهُ ورَأى عَلَيْهِ الدَّمَ ضَرى بِهِ فَرُبَّما مَزَّقَهُ.

وإنَّما ذَكَرَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ ذَهابَهم بِهِ غَدًا يُحْدِثُ بِهِ حُزْنًا مُسْتَقْبَلًا لِيَصْرِفَهم عَنِ الإلْحاحِ في طَلَبِ الخُرُوجِ بِهِ لِأنَّ شَأْنَ الِابْنِ البارِّ أنْ يَتَّقِيَ ما يُحْزِنُ أباهُ.

صفحة ٢٣٢

وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ …

14

قَالُوا۟ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذًۭا لَّخَٰسِرُونَ

They said, "If a wolf should eat him while we are a [strong] clan, indeed, we would then be losers."

صفحة ٢٣٠

﴿قالَ إنِّي لَيُحْزِنُنِيَ أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾

فَصْلُ جُمْلَةِ (قالَ) جارٍ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ.

أظْهَرَ لَهم سَبَبَ امْتِناعِهِ مِن خُرُوجِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهم إلى الرِّيفِ بِأنَّهُ يُحْزِنُهُ لِبُعْدِهِ عَنْهُ أيّامًا، وبِأنَّهُ يَخْشى عَلَيْهِ الذِّئابَ، إذْ كانَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَئِذٍ غُلامًا، وكانَ قَدْ رُبِّيَ في دَعَةٍ فَلَمْ يَكُنْ مُرِّنا بِمُقاوَمَةِ الوُحُوشِ، والذِّئابُ تَجْتَرِئُ عَلى الَّذِي تُحِسُّ مِنهُ ضَعْفًا في دِفاعِها. قالَ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبْعٍ الفَزارِيُّ يَشْكُو ضَعْفَ الشَّيْخُوخَةِ:

والذِّئْبُ أخْشاهُ إنْ مَـرَرْتُ بِـهِ وحْدِي وأخْشى الرِّياحَ والمَطَرا

وقالَ الفَرَزْدَقُ يَذْكُرُ ذِئْبًا:

فَقُلْتُ لَهُ لَمّا تَكَشَّرَ ضاحِكًـا ∗∗∗ وقائِمُ سَيْفِي مِن يَدِي بِمَـكَـانِ

تَعِشْ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونَنِـي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ

فَذِئابُ بادِيَةِ الشّامِ كانَتْ أشَدَّ خُبْثًا مِن بَقِيَّةِ الذِّئابِ، ولَعَلَّها كانَتْ كَذِئابِ بِلادِ الرُّوسِ. والعَرَبُ يَقُولُونَ: إنَّ الذِّئْبَ إذا حُورِبَ ودافَعَ عَنْ نَفْسِهِ حَتّى عَضَّ الإنْسانَ وأسالَ دَمَهُ أنَّهُ يَضْرى حِينَ يَرى الدَّمَ فَيَسْتَأْسِدُ عَلى الإنْسانِ، قالَ:

فَكُنْتَ كَذِئْبِ السُّوءِ حِينَ رَأى دَمًا ∗∗∗ بِصاحِبِهِ يَوْمًا أحالَ عَلى الـدَّمِ

وقَدْ يَتَجَمَّعُ سِرْبٌ مِنَ الذِّئابِ فَتَكُونُ أشَدَّ خَطَرًا عَلى الواحِدِ مِنَ النّاسِ والصَّغِيرِ.

صفحة ٢٣١

والتَّعْرِيفُ في الذِّئْبِ تَعْرِيفُ الحَقِيقَةِ والطَّبِيعَةِ، ويُسَمّى تَعْرِيفُ الجِنْسِ. وهو هَنا مُرادٌ بِهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِن نَوْعِ الذِّئْبِ أوْ جَماعَةٍ مِنهُ، ولَيْسَ الحُكْمُ عَلى الجِنْسِ بِقَرِينَةِ أنَّ الأكْلَ مِن أحْوالِ الذَّواتِ لا مِن أحْوالِ الجِنْسِ، لَكِنَّ المُرادَ أيَّةُ ذاتٍ مِن هَذا الجِنْسِ دُونَ تَعْيِينٍ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] أيْ فَرْدٍ مِنَ الحَمِيرِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وقَرِينَةُ إرادَةِ الفَرْدِ دُونَ الجِنْسِ إسْنادُ حَمْلِ الأسْفارِ إلَيْهِ لِأنَّ الجِنْسَ لا يَحْمِلُ. ومِنهُ قَوْلُهم: ”ادْخُلِ السُّوقَ“ إذا أرَدْتَ فَرْدًا مِنَ الأسْواقِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وقَوْلُكَ: ادْخُلْ، قَرِينَةٌ عَلى ما ذُكِرَ. وهَذا التَّعْرِيفُ شَبِيهٌ بِالنَّكِرَةِ في المَعْنى إلّا أنَّهُ مُرادٌ بِهِ فَرْدٌ مِنَ الجِنْسِ. وقَرِيبٌ مِن هَذا التَّعْرِيفِ بِاللّامِ التَّعْرِيفُ بِعَلَمِ الجِنْسِ، والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ اللّامِ وبَيْنَ المُنْكَرِ كالفَرْقِ بَيْنَ عَلَمِ الجِنْسِ والنَّكِرَةِ.

فالمَعْنى: أخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، أيْ يَقْتُلَهُ فَيَأْكُلُ مِنهُ فَإنَّكم تَبْعُدُونَ عَنْهُ، لِما يَعْلَمُ مِن إمْعانِهِمْ في اللَّعِبِ والشُّغْلِ بِاللَّهْوِ والمُسابَقَةِ، فَتَجْتَرِئُ الذِّئابُ عَلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

والذِّئْبُ: حَيَوانٌ مِنَ الفَصِيلَةِ الكَلْبِيَّةِ، وهو كَلْبٌ بَرِّيٌّ وحْشِيٌّ. مِن خُلُقِهِ الِاحْتِيالُ والنُّفُورُ. وهو يَفْتَرِسُ الغَنَمَ. وإذا قاتَلَ الإنْسانَ فَجَرَحَهُ ورَأى عَلَيْهِ الدَّمَ ضَرى بِهِ فَرُبَّما مَزَّقَهُ.

وإنَّما ذَكَرَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ ذَهابَهم بِهِ غَدًا يُحْدِثُ بِهِ حُزْنًا مُسْتَقْبَلًا لِيَصْرِفَهم عَنِ الإلْحاحِ في طَلَبِ الخُرُوجِ بِهِ لِأنَّ شَأْنَ الِابْنِ البارِّ أنْ يَتَّقِيَ ما يُحْزِنُ أباهُ.

صفحة ٢٣٢

وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ …

15

فَلَمَّا ذَهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَجْمَعُوٓا۟ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ

So when they took him [out] and agreed to put him into the bottom of the well... But We inspired to him, "You will surely inform them [someday] about this affair of theirs while they do not perceive [your identity]."

صفحة ٢٣٣

﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنَّ يَجْعَلُوهُ في غَياباتِ الجُبِّ وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾

تَفْرِيعُ حِكايَةِ الذَّهابِ بِهِ والعَزْمِ عَلى إلْقائِهِ في الجُبِّ عَلى حِكايَةِ المُحاوَرَةِ بَيْنَ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَنِيهِ في مُحاوَلَةِ الخُرُوجِ بِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى البادِيَةِ يُؤْذِنُ بِجُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ فِيها ذِكْرُ أنَّهم ألَحُّوا عَلى يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى أقْنَعُوهُ فَأذِنَ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالخُرُوجِ مَعَهم، وهو إيجازٌ.

والمَعْنى: فَلَمّا أجابَهم يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى ما طَلَبُوا ذَهَبُوا بِهِ وبَلَغُوا المَكانَ الَّذِي فِيهِ الجُبُّ.

وفِعْلُ ”أجْمَعَ“ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ. ومَعْناهُ: صَمَّمَ عَلى الفِعْلِ، فَقَوْلُهُ: أنْ يَجْعَلُوهُ هو مَفْعُولُ (وأجْمَعُوا) .

وجَوابُ ”لَمّا“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ”أنْ يَجْعَلُوهُ في غَياباتِ الجُبِّ“، والتَّقْدِيرُ: جَعَلُوهُ في الجُبِّ. ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ. وهو مِنَ الإيجازِ الخاصِّ بِالقُرْآنِ فَهو تَقْلِيلٌ في اللَّفْظِ لِظُهُورِ المَعْنى.

وجُمْلَةُ ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَياباتِ الجُبِّ﴾؛ لِأنَّ هَذا المُوحى مِن مُهِمِّ عِبَرِ القِصَّةِ.

وقِيلَ: الواوُ مَزِيدَةٌ وجُمْلَةُ (أوْحَيْنا) هو جَوابُ ”لَمّا“، وقَدْ قِيلَ بِمِثْلِ ذَلِكَ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى

. . . البَيْتَ.

وقِيلَ بِهِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] الآيَةَ، وفي جَمِيعِ ذَلِكَ نَظَرٌ.

صفحة ٢٣٤

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (إلَيْهِ) عائِدٌ إلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ مُقْتَصِرِينَ عَلَيْهِ. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ قِيلَ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

وجُمْلَةُ ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ أوْحَيْنا. وأُكِّدَتْ بِاللّامِ ونُونِ التَّوْكِيدِ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِها سَواءً كانَ المُرادُ مِنها الإخْبارُ عَنِ المُسْتَقْبَلِ أوِ الأمْرِ في الحالِ. فَعَلى الأوَّلِ فَهَذا الوَحْيُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلْهامًا ألْقاهُ اللَّهُ في نَفْسِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ كَيْدِهِمْ لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ وحْيٌ بِواسِطَةِ المَلَكِ فَيَكُونُ إرْهاصًا لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ النُّبُوَّةِ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ لِيُزِيلَ عَنْهُ كَرْبَهُ، فَأعْلَمَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُهُ مِن هَذِهِ المُصِيبَةِ وتَكُونُ لَهُ العاقِبَةُ عَلى الَّذِينَ كادُوا لَهُ، وإيذانٌ بِأنَّهُ سَيُؤانِسُهُ في وحْشَةِ الجُبِّ بِالوَحْيِ والبِشارَةِ، وبِأنَّهُ سَيُنَبِّئُ في المُسْتَقْبَلِ إخْوَتَهُ بِما فَعَلُوهُ مَعَهُ كَما تُؤْذِنُ بِهِ نُونُ التَّوْكِيدِ إذا اقْتَرَنَتْ بِالجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ نَجاتَهُ وتَمَكُّنَهُ مِن إخْوَتِهِ لِأنَّ الإنْباءَ بِذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في حالِ تَمَكُّنٍ مِنهم وأمْنٍ مِن شَرِّهِمْ.

ومَعْنى بِأمْرِهِمْ: بِفِعْلِهِمُ العَظِيمِ في الإساءَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ لَتُخْبِرَنَّهم بِما فَعَلُوا بِكَ وهم لا يَشْعُرُونَ أنَّكَ أخُوهم بَلْ في حالَةِ يَحْسَبُونَهُ مُطَّلِعًا عَلى المُغَيَّباتِ مُتَكَهِّنًا بِها، وذَلِكَ إخْبارٌ بِما وقَعَ بَعْدَ سِنِينَ مِمّا حُكِيَ في هَذِهِ السُّورَةِ …

16

وَجَآءُوٓ أَبَاهُمْ عِشَآءًۭ يَبْكُونَ

And they came to their father at night, weeping.

﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨]

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥] عَطْفُ جُزْءِ القِصَّةِ.

صفحة ٢٣٦

والعِشاءُ: وقْتُ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ الباقِي مِن بَقايا شُعاعِ الشَّمْسِ بَعْدَ غُرُوبِها.

والبُكاءُ: خُرُوجُ الدُّمُوعِ مِنَ العَيْنَيْنِ عِنْدَ الحُزْنِ والأسَفِ والقَهْرِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] . وقَدْ أُطْلِقَ هُنا عَلى البُكاءِ المُصْطَنَعِ وهو التَّباكِي. وإنَّما اصْطَنَعُوا البُكاءَ تَمْوِيهًا عَلى أبِيهِمْ لِئَلّا يَظُنُّ بِهِمْ أنَّهُمُ اغْتالُوا يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَعَلَّهم كانَتْ لَهم مَقْدِرَةٌ عَلى البُكاءِ مَعَ عَدَمِ وِجْدانِ مُوجِبِهِ، وفي النّاسِ عَجائِبُ مِنَ التَّمْوِيهِ والكَيْدِ. ومِنَ النّاسِ مَن تَتَأثَّرُ أعْصابُهم بِتَخَيُّلِ الشَّيْءِ ومُحاكاتِهِ فَيَعْتَرِيهِمْ ما يَعْتَرِي النّاسَ بِالحَقِيقَةِ.

وبَعْضُ المُتَظَلِّمِينَ بِالباطِلِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وفِطْنَةُ الحاكِمِ لا تَنْخَدِعُ لِمِثْلِ هَذِهِ الحِيَلِ ولا تَنُوطُ بِها حُكْمًا، وإنَّما يُناطُ الحُكْمُ بِالبَيِّنَةِ.

جاءَتِ امْرَأةٌ إلى شُرَيْحٍ تُخاصِمُ في شَيْءٍ وكانَتْ مُبْطِلَةً فَجَعَلَتْ تَبْكِي، وأظْهَرَ شُرَيْحٌ عَدَمَ الِاطْمِئْنانِ لِدَعْواها، فَقِيلَ لَهُ: أما تَراها تَبْكِي ؟ فَقالَ: قَدْ جاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أباهم عِشاءً يَبْكُونَ وهم ظَلَمَةٌ كَذَبَةٌ. لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقْضِيَ إلّا بِالحَقِّ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: قالَ عُلَماؤُنا: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ بُكاءَ المَرْءِ لا يَدُلُّ عَلى صِدْقِ مَقالِهِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ تَصَنُّعًا. ومِنَ الخَلْقِ مَن لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ومِنهم مَن يَقْدِرُ.

قُلْتُ: ومِنَ الأمْثالِ (دُمُوعُ الفاجِرِ بِيَدَيْهِ) وهَذِهِ عِبْرَةٌ في هَذِهِ العِبْرَةِ.

والِاسْتِباقُ: افْتِعالٌ مِنَ السَّبْقِ وهو هُنا بِمَعْنى التَّسابُقِ قالَ في الكَشّافِ: والِافْتِعالُ والتَّفاعُلُ يَشْتَرِكانِ كالِانْتِضالِ والتَّناضُلِ، والِارْتِماءِ والتَّرامِي، أيْ فَهو بِمَعْنى المُفاعَلَةِ. ولِذَلِكَ يُقالُ: السِّباقُ أيْضًا. كَما يُقالُ النِّضالُ والرِّماءُ.

والمُرادُ: الِاسْتِباقُ بِالجَرْيِ عَلى الأرْجُلِ، وذَلِكَ مِن مَرَحِ الشَّبابِ ولَعِبِهِمْ.

والمَتاعُ: ما يُتَمَتَّعُ أيْ يُنْتَفَعُ بِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] في سُورَةِ النِّساءِ. والمُرادُ بِهِ هُنا ثَقَلُهم مِنَ الثِّيابِ والآنِيَةِ والزّادِ.

صفحة ٢٣٧

ومَعْنى ﴿فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ قَتَلَهُ وأكَلَ مِنهُ، وفِعْلُ الأكْلِ يَتَعَلَّقُ بِاسْمِ الشَّيْءِ. والمُرادُ بَعْضُهُ. يُقالُ: أكَلَهُ الأسَدُ إذا أكَلَ مِنهُ. قالَ - تَعالى: ﴿وما أكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] عَطْفًا عَلى المَنهِيّاتِ عَنْ أنْ يُؤْكَلَ مِنها، أيْ بِقَتْلِها.

ومِن كَلامِ عُمَرَ حِينَ طَعَنَهُ أبُو لُؤْلُؤَةَ ”أكَلَنِي الكَلْبُ“، أيْ عَضَّنِي.

والمُرادُ بِالذِّئْبِ جَمْعٌ مِنَ الذِّئابِ عَلى ما عَرَفْتَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣]؛ بِحَيْثُ لَمْ يَتْرُكِ الذِّئابُ مِنهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُولُوا فَدَفَنّاهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ الفائِدَةِ. وهو أنَّ المُتَكَلِّمَ عَلِمَ بِمَضْمُونِ الخَبَرِ. وهو تَعْرِيضٌ …

17

قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍۢ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَٰدِقِينَ

They said, "O our father, indeed we went racing each other and left Joseph with our possessions, and a wolf ate him. But you would not believe us, even if we were truthful."

﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨]

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥] عَطْفُ جُزْءِ القِصَّةِ.

صفحة ٢٣٦

والعِشاءُ: وقْتُ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ الباقِي مِن بَقايا شُعاعِ الشَّمْسِ بَعْدَ غُرُوبِها.

والبُكاءُ: خُرُوجُ الدُّمُوعِ مِنَ العَيْنَيْنِ عِنْدَ الحُزْنِ والأسَفِ والقَهْرِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] . وقَدْ أُطْلِقَ هُنا عَلى البُكاءِ المُصْطَنَعِ وهو التَّباكِي. وإنَّما اصْطَنَعُوا البُكاءَ تَمْوِيهًا عَلى أبِيهِمْ لِئَلّا يَظُنُّ بِهِمْ أنَّهُمُ اغْتالُوا يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَعَلَّهم كانَتْ لَهم مَقْدِرَةٌ عَلى البُكاءِ مَعَ عَدَمِ وِجْدانِ مُوجِبِهِ، وفي النّاسِ عَجائِبُ مِنَ التَّمْوِيهِ والكَيْدِ. ومِنَ النّاسِ مَن تَتَأثَّرُ أعْصابُهم بِتَخَيُّلِ الشَّيْءِ ومُحاكاتِهِ فَيَعْتَرِيهِمْ ما يَعْتَرِي النّاسَ بِالحَقِيقَةِ.

وبَعْضُ المُتَظَلِّمِينَ بِالباطِلِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وفِطْنَةُ الحاكِمِ لا تَنْخَدِعُ لِمِثْلِ هَذِهِ الحِيَلِ ولا تَنُوطُ بِها حُكْمًا، وإنَّما يُناطُ الحُكْمُ بِالبَيِّنَةِ.

جاءَتِ امْرَأةٌ إلى شُرَيْحٍ تُخاصِمُ في شَيْءٍ وكانَتْ مُبْطِلَةً فَجَعَلَتْ تَبْكِي، وأظْهَرَ شُرَيْحٌ عَدَمَ الِاطْمِئْنانِ لِدَعْواها، فَقِيلَ لَهُ: أما تَراها تَبْكِي ؟ فَقالَ: قَدْ جاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أباهم عِشاءً يَبْكُونَ وهم ظَلَمَةٌ كَذَبَةٌ. لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقْضِيَ إلّا بِالحَقِّ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: قالَ عُلَماؤُنا: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ بُكاءَ المَرْءِ لا يَدُلُّ عَلى صِدْقِ مَقالِهِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ تَصَنُّعًا. ومِنَ الخَلْقِ مَن لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ومِنهم مَن يَقْدِرُ.

قُلْتُ: ومِنَ الأمْثالِ (دُمُوعُ الفاجِرِ بِيَدَيْهِ) وهَذِهِ عِبْرَةٌ في هَذِهِ العِبْرَةِ.

والِاسْتِباقُ: افْتِعالٌ مِنَ السَّبْقِ وهو هُنا بِمَعْنى التَّسابُقِ قالَ في الكَشّافِ: والِافْتِعالُ والتَّفاعُلُ يَشْتَرِكانِ كالِانْتِضالِ والتَّناضُلِ، والِارْتِماءِ والتَّرامِي، أيْ فَهو بِمَعْنى المُفاعَلَةِ. ولِذَلِكَ يُقالُ: السِّباقُ أيْضًا. كَما يُقالُ النِّضالُ والرِّماءُ.

والمُرادُ: الِاسْتِباقُ بِالجَرْيِ عَلى الأرْجُلِ، وذَلِكَ مِن مَرَحِ الشَّبابِ ولَعِبِهِمْ.

والمَتاعُ: ما يُتَمَتَّعُ أيْ يُنْتَفَعُ بِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] في سُورَةِ النِّساءِ. والمُرادُ بِهِ هُنا ثَقَلُهم مِنَ الثِّيابِ والآنِيَةِ والزّادِ.

صفحة ٢٣٧

ومَعْنى ﴿فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ قَتَلَهُ وأكَلَ مِنهُ، وفِعْلُ الأكْلِ يَتَعَلَّقُ بِاسْمِ الشَّيْءِ. والمُرادُ بَعْضُهُ. يُقالُ: أكَلَهُ الأسَدُ إذا أكَلَ مِنهُ. قالَ - تَعالى: ﴿وما أكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] عَطْفًا عَلى المَنهِيّاتِ عَنْ أنْ يُؤْكَلَ مِنها، أيْ بِقَتْلِها.

ومِن كَلامِ عُمَرَ حِينَ طَعَنَهُ أبُو لُؤْلُؤَةَ ”أكَلَنِي الكَلْبُ“، أيْ عَضَّنِي.

والمُرادُ بِالذِّئْبِ جَمْعٌ مِنَ الذِّئابِ عَلى ما عَرَفْتَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣]؛ بِحَيْثُ لَمْ يَتْرُكِ الذِّئابُ مِنهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُولُوا فَدَفَنّاهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ الفائِدَةِ. وهو أنَّ المُتَكَلِّمَ عَلِمَ بِمَضْمُونِ الخَبَرِ. وهو تَعْرِيضٌ …

18

وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍۢ كَذِبٍۢ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌۭ ۖ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ

And they brought upon his shirt false blood. [Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. And Allah is the one sought for help against that which you describe."

﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾

حَرْفُ الإضْرابِ إبْطالٌ لِدَعْواهم أنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ فَقَدْ صَرَّحَ لَهم بِكَذِبِهِمْ.

والتَّسْوِيلُ: التَّسْهِيلُ وتَزْيِينُ النَّفْسِ ما تَحْرِصُ عَلى حُصُولِهِ.

والإبْهامُ الَّذِي في كَلِمَةِ (أمْرًا) يَحْتَمِلُ عِدَّةَ أشْياءَ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يُؤْذُوا بِهِ

صفحة ٢٣٩

يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: مِن قَتْلٍ، أوْ بَيْعٍ، أوْ تَغْرِيبٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعْيِينَ ما فَعَلُوهُ. وتَنْكِيرُ (أمْرًا) لِلتَّهْوِيلِ.

وفُرِّعَ عَلى ذَلِكَ إنْشاءُ التَّصَبُّرِ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ نائِبٌ مَنابَ اصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا. عَدَلَ بِهِ عَنِ النَّصْبِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ والدَّوامِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] في سُورَةِ هُودٍ. ويَكُونُ ذَلِكَ اعْتِراضًا في أثْناءِ خِطابِ أبْنائِهِ، أوْ يَكُونُ تَقْدِيرُ: اصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا، عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِنَفْسِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صَبْرٌ جَمِيلٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ فَأمْرِي صَبْرٌ. أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ كَذَلِكَ. والمَعْنى عَلى الإنْشاءِ أوْقَعُ، وتَقَدَّمَ الصَّبْرُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ووَصْفُ جَمِيلٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا كاشِفًا إذِ الصَّبْرُ كُلُّهُ حَسَنٌ دُونَ الجَزَعِ. كَما قالَ إبْراهِيمُ بْنُ كُنَيفٍ النَّبْهانِيُّ:

تَصَبَّرْ فَإنَّ الصَّبْرَ بِالحُرِّ أجْمَلُ ولَيْسَ عَلى رَيْبِ الزَّمانِ مُعَوَّلُ

أيْ: أجْمَلُ مِنَ الجَزَعِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا مُخَصَّصًا. وقَدْ فُسِّرَ الصَّبْرُ الجَمِيلُ بِالَّذِي لا يُخالِطُهُ جَزَعٌ.

والجَمالُ: حُسْنُ الشَّيْءِ في صِفاتِ مَحاسِنِ صِنْفِهِ، فَجَمالُ الصَّبْرِ أحْسَنُ أحْوالِهِ، وهو أنْ لا يُقارِنُهُ شَيْءٌ يُقَلِّلُ خَصائِصَ ماهِيَّتِهِ.

وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ مَرَّ بِامْرَأةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقالَ لَها: اتَّقِي اللَّهَ واصْبِرِي، فَقالَتْ: إلَيْكَ عَنِّي فَإنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي - ولَمْ تَعْرِفْهُ - فَلَمّا انْصَرَفَ مَرَّ بِها رَجُلٌ، فَقالَ لَها: إنَّهُ النَّبِيءُ ﷺ . فَأتَتْ بابَ النَّبِيِّ ﷺ

صفحة ٢٤٠

فَقالَتْ: لَمْ أعْرِفْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: إنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى»، أيِ الصَّبْرُ الكامِلُ.

وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فَتَكُونُ مُحْتَمِلَةً لِلْمَعْنَيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ مِن إنْشاءِ الِاسْتِعانَةِ أوِ الإخْبارِ بِحُصُولِ اسْتِعانَتِهِ بِاللَّهِ عَلى تَحَمُّلِ الصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ، أوْ أرادَ الِاسْتِعانَةَ بِاللَّهِ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى الخَلاصِ مِمّا أحاطَ بِهِ.

والتَّعْبِيرُ عَمّا أصابَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِما تَصِفُونَ في غايَةِ البَلاغَةِ لِأنَّهُ كانَ واثِقًا بِأنَّهم كاذِبُونَ في الصِّفَةِ وواثِقًا بِأنَّهم ألْحَقُوا بِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ضُرًّا فَلَمّا لَمْ يَتَعَيَّنْ عِنْدَهُ المُصابُ أجْمَلَ التَّعْبِيرَ عَنْهُ إجْمالًا مُوَجَّهًا لِأنَّهم يَحْسَبُونَ أنَّ ما يَصِفُونَهُ هو مَوْتُهُ بِأكْلِ الذِّئْبِ إيّاهُ ويَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُرِيدُ أنَّ ما يَصِفُونَهُ هو المُصابُ الواقِعُ الَّذِي وصَفُوهُ وصْفًا كاذِبًا. فَهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] . …

19

وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌۭ فَأَرْسَلُوا۟ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُۥ ۖ قَالَ يَٰبُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٌۭ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

And there came a company of travelers; then they sent their water drawer, and he let down his bucket. He said, "Good news! Here is a boy." And they concealed him, [taking him] as merchandise; and Allah was knowing of what they did.

صفحة ٢٤١

﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأرْسَلُوا وارِدَهم فَأدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرايَ هَذا غُلامٌ وأسَرُّوهُ بِضاعَةً واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى ﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾ [يوسف: ١٦] عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ. وهَذا رُجُوعٌ إلى ما جَرى في شَأْنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والمَعْنى: وجاءَتِ الجُبَّ.

و﴿السَّيّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠] تَقَدَّمَ آنِفًا.

والوارِدُ: الَّذِي يَرِدُ الماءَ لِيَسْتَقِيَ لِلْقَوْمِ.

والإدْلاءُ: إرْسالُ الدَّلْوِ في البِئْرِ لِنَزْعِ الماءِ.

والدَّلْوُ: ظَرْفٌ كَبِيرٌ مِن جِلْدٍ مَخِيطٍ لَهُ خُرْطُومٌ في أسْفَلِهِ يَكُونُ مَطْوِيًّا عَلى ظاهِرِ الظَّرْفِ بِسَبَبِ شَدِّهِ بِحَبْلٍ مُقارِنٍ لِلْحَبْلِ المُعَلَّقَةِ فِيهِ الدَّلْوُ. والدَّلْوُ مُؤَنَّثَةٌ.

وجُمْلَةُ ”قالَ يا بُشْرايَ“ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ ذِكْرَ إدْلاءِ الدَّلْوِ يُهَيِّئُ السّامِعَ لِلسُّؤالِ عَمّا جَرى حِينَئِذٍ فَيَقَعُ جَوابُهُ ”قالَ يا بُشْرايَ“ .

والبُشْرى: تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] في سُورَةِ يُونُسَ.

ونِداءُ البُشْرى مَجازٌ؛ لِأنَّ البُشْرى لا تُنادى، ولَكِنَّها شُبِّهَتْ بِالعاقِلِ الغائِبِ الَّذِي احْتِيجَ إلَيْهِ فَيُنادى كَأنَّهُ يُقالُ لَهُ: هَذا آنُ حُضُورِكَ. ومِنهُ: يا حَسْرَتا، وياعَجَبًا، فَهي مَكْنِيَّةٌ وحَرْفُ النِّداءِ تَخْيِيلٌ أوْ تَبَعِيَّةٌ.

والمَعْنى: أنَّهُ فَرِحَ وابْتَهَجَ بِالعُثُورِ عَلى غُلامٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يا بُشْرايَ“ بِإضافَةِ البُشْرى إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِدُونِ إضافَةٍ.

صفحة ٢٤٢

واسْمُ الإشارَةِ عائِدٌ إلى ذاتِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ خاطَبَ الوارِدُ بَقِيَّةَ السَّيّارَةِ، ولَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ ذاتَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ أصْعَدَهُ الوارِدُ مِنَ الجُبِّ، إذْ لَوْ كانُوا يَرَوْنَهُ لَما كانَتْ فائِدَةٌ لِتَعْرِيفِهِمْ بِأنَّهُ غُلامٌ إذِ المُشاهَدَةُ كافِيَةٌ عَنِ الإعْلامِ، فَتَعَيَّنَ أيْضًا أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُشاهِدِينَ شَبَحَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ ظَهَرَ مِنَ الجُبِّ، فالظّاهِرُ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ لا يُقْصَدُ بِهِ الدَّلالَةُ عَلى ذاتٍ مُعَيَّنَةٍ مَرْئِيَّةٍ بَلْ يُقْصَدُ بِهِ إشْعارُ السّامِعِ بِأنَّهُ قَدْ حَصَلَ شَيْءٌ فَرِحَ بِهِ غَيْرُ مُتَرَقَّبٍ، كَما يَقُولُ الصّائِدُ لِرِفاقِهِ: هَذا غَزالٌ ! وكَما يَقُولُ الغائِصُ: هَذِهِ صَدَفَةٌ ! أوْ لُؤْلُؤَةٌ ! ويَقُولُ الحافِرُ لِلْبِئْرِ: هَذا الماءُ ! قالَ النّابِغَةُ يَصِفُ الصّائِدَ وكِلابَهُ وفَرَسَهُ:

يَقُولُ راكِبُهُ الجِنِّيُّ مُرْتَفِقًـا هَذا لَكِنْ ولَحْمُ الشّاةِ مَحْجُورُ

وكانَ الغائِصُونَ إذا وجَدُوا لُؤْلُؤَةً يَصِيحُونَ. قالَ النّابِغَةُ:

أوْ دُرَّةُ صَدَفاتِهِ غَوّاصُهَـا ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلُّ ويَسْجُدُ

والمَعْنى: وجَدْتُ في البِئْرِ غُلامًا، فَهو لُقَطَةٌ، فَيَكُونُ عَبْدًا لِمَنِ التَقَطَهُ. وذَلِكَ سَبَبُ ابْتِهاجِهِ بِقَوْلِهِ: ”﴿يا بُشْرايَ هَذا غُلامٌ﴾“ .

والغُلامُ: مِن سِنِّهِ بَيْنَ العَشْرِ والعِشْرِينَ. وكانَ سِنُّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَوْمَئِذٍ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.

وكانَ هَؤُلاءِ السَّيّارَةُ مِنَ الإسْماعِيلِيِّنَ كَما في التَّوْراةِ، أيْ أبْناءُ إسْماعِيلَ بْنِ إبْراهِيمَ. وقِيلَ: كانُوا مِن أهْلِ مَدْيَنَ وكانَ مَجِيئُهُمُ الجُبَّ لِلِاسْتِقاءِ مِنها، ولَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ إخْوَةُ يُوسُفَ إذْ كانُوا قَدِ ابْتَعَدُوا عَنِ الجُبِّ.

ومَعْنى أسَرُّوهُ …

20

وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍۭ بَخْسٍۢ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍۢ وَكَانُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ

And they sold him for a reduced price - a few dirhams - and they were, concerning him, of those content with little.

﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾

مَعْنى شَرَوْهُ باعُوهُ. يُقالُ: شَرى كَما يُقالُ: باعَ، ويُقالُ: اشْتَرى كَما يُقالُ: ابْتاعَ. ومِثْلُهُما رَهَنَ وارْتَهَنَ، وعاوَضَ واعْتاضَ، وكَرى واكْتَرى.

والأصْلُ في ذَلِكَ وأمْثالِهِ أنَّ الفِعْلَ لِلْحَدَثِ والِافْتِعالَ لِمُطاوَعَةِ الحَدَثِ.

ومَن فَسَّرَ شَرَوْهُ بِاشْتَرَوْهُ أخْطَأ خَطَأً أوْقَعَهُ فِيهِ سُوءُ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ . وما ادَّعاهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ شَرى واشْتَرى مُتَرادِفانِ في مَعْنَيَيْهِما يَغْلِبُ عَلى ظَنِّي أنَّهُ وهَمَ إذْ لا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ.

صفحة ٢٤٤

والبَخْسُ: أصْلُهُ مَصْدَرُ بَخَسَهُ إذا نَقَصَهُ عَنْ قِيمَةِ شَيْئِهِ. وهو هُنا بِمَعْنى المَبْخُوسِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ. وتَقَدَّمَ فِعْلُ البَخْسِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

و﴿دَراهِمَ﴾ بَدَلٌ مِن ثَمَنٍ وهي جُمَعُ دِرْهَمٍ، وهو المَسْكُوكُ. وهو مُعَرَّبٌ عَنِ الفارِسِيَّةِ كَما في صِحاحِ الجَوْهَرِيِّ.

وقَدْ أغْفَلَهُ الَّذِينَ جَمَعُوا ما هو مُعَرَّبٌ في القُرْآنِ كالسُّيُوطِيِّ في الإتْقانِ.

و﴿مَعْدُودَةٍ﴾ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِها قَلِيلَةً لِأنَّ الشَّيْءَ القَلِيلَ يَسْهُلُ عَدُّهُ فَإذا كَثُرَ صارَ تَقْدِيرُهُ بِالوَزْنِ أوِ الكَيْلِ. ويُقالُ في الكِنايَةِ عَنِ الكَثْرَةِ: لا يُعَدُّ.

وضَمائِرُ الجَمْعِ كُلُّها لِلسَّيّارَةِ عَلى أصَحِّ التَّفاسِيرِ.

والزَّهادَةُ: قِلَّةُ الرَّغْبَةِ في حُصُولِ الشَّيْءِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَرْغَبَ فِيهِ، أوْ قِلَّةُ الرَّغْبَةِ في عِوَضِهِ كَما هُنا، أيْ كانَ السَّيّارَةُ غَيْرَ راغِبِينَ في إغْلاءِ ثَمَنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ولَعَلَّ سَبَبَ ذَلِكَ قِلَّةُ مَعْرِفَتِهِمْ بِالأسْعارِ.

وصَوْغُ الإخْبارِ عَنْ زَهادَتِهِمْ فِيهِ بِصِيغَةِ ﴿مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ أشَدُّ مُبالَغَةً مِمّا لَوْ أخْبَرَ بِكانُوا فِيهِ زاهِدِينَ؛ لِأنَّ جَعْلَهم مِن فَرِيقٍ زاهِدِينَ يُنْبِي بِأنَّهم جَرَوْا في زُهْدِهِمْ في أمْثالِهِ عَلى سُنَنِ أمْثالِهِمُ البُسَطاءِ الَّذِينَ لا يُقَدِّرُونَ قَدْرَ نَفائِسِ الأُمُورِ.

وفِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿الزّاهِدِينَ﴾ و”ألْ“ حَرفٌ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ، ولَيْسَتِ اسْمًا مَوْصُولًا خِلافًا لِأكْثَرِ النُّحاةِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ ”ألِ“ الدّاخِلَةَ عَلى الأسْماءِ المُشْتَقَّةِ اسْمًا مَوْصُولًا ما لَمْ يَتَحَقَّقْ عَهْدٌ وتَمَسَّكُوا بِعِلَلٍ واهِيَةٍ وخالَفَهُمُ الأخْفَشُ والمازِنِيُّ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ المَزْهُودِ فِيهِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى ضَعْفِ تَوَسُّمِهِمْ وبَصارَتِهِمْ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.