لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًۭا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ
There was certainly in their stories a lesson for those of understanding. Never was the Qur'an a narration invented, but a confirmation of what was before it and a detailed explanation of all things and guidance and mercy for a people who believe.
.
قَوْلُهُ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا﴾ هَذا رَدٌّ عَلى مَن قالَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان: ٧]، أيْ: لَمْ نَبْعَثْ مِنَ الأنْبِياءِ إلى مَن قَبْلَهم إلّا رِجالًا لا مَلائِكَةً، فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ إرْسالَنا إيّاكَ.
وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا مِنَ النِّساءِ ولا مِنَ الجِنِّ، وهَذا يَرُدُّ عَلى مَن قالَ: إنَّ في النِّساءِ أرْبَعَ نَبِيّاتٍ: حَوّاءَ، وآسِيَةَ، وأُمَّ مُوسى، ومَرْيَمَ، وقَدْ كانَ بَعْثَةُ الأنْبِياءِ مِنَ الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ أمْرًا مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ، حَتّى قالَ قَيْسُ بْنُ عاصِمٍ في سَجاحِ المُتَنَبِّئَةِ:
؎أضْحَتْ نَبِيَّتُنا أُنْثى نَطِيفُ بِها وأصْبَحَتْ أنْبِياءُ اللَّهِ ذُكْرانا
؎فَلَعْنَةُ اللَّهِ والأقْوامُ كُلُّهُمُ ∗∗∗ عَلى سَجاحٍ ومَن بِاللَّوْمِ أغْرانا
﴿نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ كَما نُوحِي إلَيْكَ ﴿مِن أهْلِ القُرى﴾ أيِ المَدائِنِ دُونَ أهْلِ البادِيَةِ لِغَلَبَةِ الجَفاءِ والقَسْوَةِ عَلى البَدْوِ ولِكَوْنِ أهْلِ الأمْصارِ أتَمَّ عَقْلًا وأكْمَلَ حِلْمًا وأجَلَّ فَضْلًا ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أيْ: أفَلَمْ يَسِرِ المُشْرِكُونَ هَؤُلاءِ فَيَنْظُرُوا إلى مَصارِعِ الأُمَمِ الماضِيَةِ فَيَعْتَبِرُوا بِهِمْ حَتّى يَنْزِعُوا عَمّا هم فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ لَدارُ السّاعَةِ الآخِرَةِ، أوْ لَحالَةُ الآخِرَةِ عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الدّارَ هي الآخِرَةُ، وأُضِيفَ الشَّيْءُ إلى نَفْسِهِ لِاخْتِلافِ اللَّفْظِ كَيَوْمِ الجُمُعَةِ وصَلاةِ الأُولى ومَسْجِدِ الجامِعِ، والكَلامُ في ذَلِكَ مُبَيَّنٌ في كُتُبِ الإعْرابِ.
والمُرادُ بِهَذِهِ الدّارِ: الجَنَّةُ، أيْ: هي خَيْرٌ لِلْمُتَّقِينَ مِن دارِ الدُّنْيا.
وقُرِئَ ( ولَلدّارُ الآخِرَةُ ) وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ﴾ هَذِهِ الغايَةُ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، وتَقْدِيرُهُ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ يا مُحَمَّدُ إلّا رِجالًا ولَمْ نُعاجِلْ أُمَمَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِما جاءُوا بِهِ بِالعُقُوبَةِ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ مِنَ النَّصْرِ بِعُقُوبَةِ قَوْمِهِمْ، أوْ حَتّى إذِ اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِن إيمانِ قَوْمِهِمْ لِانْهِماكِهِمْ في الكُفْرِ ﴿وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ .
قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وأبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ والحَسَنُ وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وخَلَفٌ ( كُذِبُوا ) بِالتَّخْفِيفِ: ظَنَّ القَوْمُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهم فِيما أخْبَرُوا بِهِ مِنَ العَذابِ ولَمْ يَصْدُقُوا، وقِيلَ: المَعْنى: ظَنَّ القَوْمُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا فِيما ادَّعَوْا مِن نَصْرِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: وظَنَّ الرُّسُلُ أنَّها قَدْ كَذَبَتْهم أنْفُسُهم حِينَ حَدَّثَتْهم بِأنَّهم يُنْصَرُونَ عَلَيْهِمْ، أوْ كَذَبَهم رَجاؤُهم لِلنَّصْرِ.
وقَرَأ الباقُونَ ( كُذِّبُوا ) بِالتَّشْدِيدِ، والمَعْنى عَلَيْها واضِحٌ، أيْ: ظَنَّ الرُّسُلُ بِأنَّ قَوْمَهم قَدْ كَذَّبُوهم فِيما وعَدُوهم بِهِ مِنَ العَذابِ، ويَجُوزُ في هَذا أنْ يَكُونَ فاعِلُ " ظَنَّ " القَوْمَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ عَلى …