Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas

Ayahs 101–110 of 111

101

۞ رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًۭا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّٰلِحِينَ

My Lord, You have given me [something] of sovereignty and taught me of the interpretation of dreams. Creator of the heavens and earth, You are my protector in this world and in the Hereafter. Cause me to die a Muslim and join me with the righteous."

أعقب ذكر نعمة الله عليه بتوجهه إلى مناجاة ربه بالاعتراف بأعظم نعم الدنيا والنعمة العظمى في الآخرة ، فذكر ثلاث نعم : اثنتان دنيويتان وهما : نعمة الولاية على الأرض ونعمة العلم ، والثالثة : أخروية وهي نعمة الدين الحق المعبر عنه بالإسلام وجعل الذي أوتيه بعضاً من الملك ومن التأويل لأن ما أوتيه بعض من جنس الملك وبعض من التأويل إشعاراً بأن ذلك في جانب مُلك الله وفي جانب علمه شيء قليل . وعلى هذا يكون المراد بالمُلك التصرف العظيم الشبيه بتصرف المَلِك إذ كان يوسف عليه السلام هو الذي يُسير المَلك برأيه . ويجوز أن يراد بالمُلك حقيقته ويكون التبعيض حقيقياً ، أي آتيتني بعض المُلك لأن المُلك مجموع تصرفات في أمر الرعية ، وكان ليوسف عليه السلام من ذلك الحظُّ الأوفر ، وكذلك تأويل الأحاديث .وتقدم معنى تأويل الأحاديث عند قوله تعالى : { ويعلمك من تأويل الأحاديث } [ يوسف : 6 ] في هذه السورة .وفاطر السماوات والأرض } نداء محذوف حرف ندائه . والفاطر : الخالق . وتقدم عند قوله تعالى : { قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض } في سورة الأنعام ( 14 ).والولي : الناصر ، وتقدم عند قوله تعالى : { قل أغير الله أتخذ ولياً } في سورة الأنعام .وجملة { أنت ولي في الدنيا والآخرة } من قبيل الخبر في إنشاء الدعاء وإن أمكن حمله على الإخبار بالنسبة لولاية الدنيا ، قيل لإثباته ذلك الشيء لولاية الآخرة . فالمعنى : كن وليي في الدنيا والآخرة .وأشار بقوله : { توفني مسلما } إلى النعمة العظمى وهي نعمة الدين الحق ، فإن طلب توفّيه على الدين الحق يقتضي أنه متصف بالدين الحق المعبر عنه بالإسلام من الآن ، فهو يسأل الدوام عليه إلى الوفاة .والمسلم : الذي اتصف بالإسلام ، وهو الدين الكامل ، وهو ما تعبّدَ اللّهَ به الأنبياء والرسل عليهم السلام . وقد تقدم عند قوله تعالى : { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } في سورة آل عمران ( 102 ).والإلحاق : حقيقته جعل الشيء لاَ حقاً ، أي مُدركاً من سبقه في السّيْر . وأطلق هنا مجازاً على المَزيد في عداد قوم .والصالحون : المتصفون بالصلاح ، وهو التزام الطاعة . وأراد بهم الأنبياء . فإن كان يوسف عليه السلام يومئذٍ نبيئاً فدعاؤهُ لطلب الدوام على ذلك ، وإن كان نُبّىء فيما بعد فهو دعاء لحصوله ، وقد صار نبيئاً بعد ورسولاً .

102

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوٓا۟ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ

That is from the news of the unseen which We reveal, [O Muhammad], to you. And you were not with them when they put together their plan while they conspired.

تذييل للقصة عند انتهائها . والإشارة إلى ما ذُكر من الحادث أي ذلك المذكور .واسم الإشارة لتمييز الأنباء أكمل تمييز لتتمكن من عقول السامعين لما فيها من المواعظ .و { الغيب } ما غاب عن علم الناس ، وأصله مصدر غاب فسمي به الشيء الذي لا يشاهد . وتذكير ضمير { نوحيه } لأجل مراعاة اسم الإشارة .وضمائر { لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون } عائدة إلى كل من صدر منه ذلك في هذه القصة من الرجال والنساء على طريقة التغليب ، يشمل إخوة يوسف عليه السلام والسيارةَ ، وامرأةَ العزيز ، ونسوتَها .و { أجمعوا أمرهم } تَفسيره مثل قوله : { وأجمعوا أن يجعلوه في غيابَات الجب } [ يوسف : 15 ].والمكر تقدم ، وهذه الجملة استخلاص لمواضع العبرة من القصة . وفيها منّة على النبي ، وتعريض للمشركين بتنبيههم لإعجاز القرآن من الجانب العلمي ، فإن صدور ذلك من النّبي الأميّ آية كبرى على أنه وحي من الله تعالى . ولذلك عقب بقوله : وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين }.وكان في قوله : { وما كنت لديهم } توركاً على المشركين . وجملة { وما كنت لديهم } في موضع الحال إذ هي تمام التعجيب .وجملة { وهم يمكرون } حال من ضمير { أجمعوا } ، وأتي { يمكرون } بصيغة المضارع لاستحضار الحالة العجيبة .

103

وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ

And most of the people, although you strive [for it], are not believers.

انتقال من سوق هذه القصة إلى العبرة بتصميم المشركين على التكذيب بعد هذه الدلائل البينة ، فالواو للعطف على جملة { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك } [ يوسف : 102 ] باعتبار إفادتها أن هذا القرآن وحي من الله وأنه حقيق بأن يكون داعياً سامعيه إلى الإيمان بالنبي . ولما كان ذلك من شأنه أن يكون مطمعاً في إيمانهم عقب بإعلام النبي بأن أكثرهم لا يؤمنون .والناس } يجوز حمله على جميع جنس الناس ، ويجوز أن يراد به ناس معيّنون وهم القوم الذين دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم بمكّة وما حولها ، فيكون عموماً عرفياً .وجملة { ولو حرصت } في موضع الحال معترضة بين اسم { ما } وخبرها .{ ولو } هذه وصلية ، وهي التي تفيد أن شرطها هو أقصى الأسباب لجوابها . وقد تقدم بيانها عند قوله تعالى : { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به } في سورة آل عمران ( 91 ).وجواب لو } هو { وما أكثر الناس } مقدّم عليها أو دليل الجواب .والحرص : شدة الطلب لتحصيل شيء ومعاودته . وتقدم في قوله تعالى : { حريص عليكم } في آخر سورة براءة ( 128 ).

104

وَمَا تَسْـَٔلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ لِّلْعَٰلَمِينَ

And you do not ask of them for it any payment. It is not except a reminder to the worlds.

وجملة { وما تسألهم عليه من أجر } معطوفة على جملة { وما أكثر الناس } إلى آخرها باعتبار ما أفادته من التأييس من إيمان أكثرهم . أي لا يسوءك عدم إيمانهم فلست تبتغي أن يكون إيمانهم جزاء على التبليغ بل إيمانهم لفائدتهم ، كقوله : { قل لا تمنوا علي إسلامكم } [ سورة الحجرات : 17 ].وضمير الجمع في قوله : وما تسألهم } عائد إلى الناس ، أي الذين أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلموجملة { إن هو إلا ذكر للعالمين } بمنزلة التعليل لجملة { وما تسألهم عليه من أجر }. والقصر إضافي ، أي ما هو إلا ذكر للعالمين لا لتحصيل أجرِ مبلّغه .وضمير { عليه } عائد إلى القرآن المعلوم من قوله : { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك } [ يوسف : 102 ].

105

وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍۢ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ

And how many a sign within the heavens and earth do they pass over while they, therefrom, are turning away.

عطف على جملة { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } [ يوسف : 103 ] ، أي ليس إعراضهم عن آية حصول العلم للأمّي بما في الكتب السالفة فحسب بل هم معرضون عن آيات كثيرة في السماوات والأرض .و { كأين } اسم يدل على كثرة العدد المبهم يبينه تمييز مجرور ب { من }. وقد تقدم عند قوله تعالى : { وكأين من نبيء قاتل معه ربيون كثير } في سورة آل عمران ( 146 ).والآية : العلامة ، والمراد هنا الدالةُ على وحدانية الله تعالى بقرينة ذكر الإشراك بعدها .ومعنى يمرون عليها } يرونها ، والمرور مجاز مكنّى به عن التحقق والمشاهدة إذ لا يصح حمل المرور على المعنى الحقيقي بالنسبة لآيات السماوات ، فالمرور هنا كالذي في قوله تعالى : { وإذا مروا باللغو مروُّا كراماً } [ الفرقان : 72 ].وضمير { يمرون } عائد إلى الناس من قوله تعالى : { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين }.

106

وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ

And most of them believe not in Allah except while they associate others with Him.

وجملة { وما يؤمن أكثرهم بالله } في موضع الحال من ضمير { يمرون } أي وما يؤمن أكثر الناس إلا وهم مشركون ، والمراد ب { أكثر الناس } أهل الشرك من العرب . وهذا إبطال لما يزعمونه من الاعتراف بأن الله خالقهم كما في قوله تعالى : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } ، وبأن إيمانهم بالله كالعدم لأنهم لا يؤمنون بوجود الله إلا في تشريكهم معه غيره في الإلهية .والاستثناء من عموم الأحوال ، فجملة { وهم مشركون } حال من { أكثرهم }. والمقصود من هذا تشنيع حالهم . والأظهر أن يكون هذا من قبيل تأكيد الشيء بما يشبه ضده على وجه التهكم . وإسناد هذا الحكم إلى { أكثرهم } باعتبار أكثر أحْوالهم وأقوالهم لأنهم قد تصدر عنهم أقوال خلية عن ذكر الشريك . وليس المراد أن بعضاً منهم يؤمن بالله غير مشرك معه إلها آخر .

107

أَفَأَمِنُوٓا۟ أَن تَأْتِيَهُمْ غَٰشِيَةٌۭ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ

Then do they feel secure that there will not come to them an overwhelming [aspect] of the punishment of Allah or that the Hour will not come upon them suddenly while they do not perceive?

اعتراض بالتفريع على ما دلت عليه الجملتان قبله من تفظيع حالهم وجرأتهم على خالقهم والاستمرار على ذلك دون إقلاع ، فكأنهم في إعراضهم عن توقع حصول غضب الله بهم آمنون أن تأتيهم غاشية من عذابه في الدنيا أو تأتيهم الساعة بغتة فتحول بينهم وبين التوبة ويصيرون إلى العذاب الخالد .والاستفهام مستعمل في التوبيخ .والغشْي والغشيان : الإحاطة من كل جانب { وإذا غشيهم موج كالظلل } [ سورة لقمان : 32 ]. وتقدم في قوله تعالى يغشي الليل النهار في [ سورة الأعراف : 54 ].والغاشية الحادثة التي تحيط بالناس . والعرب يؤنثون هذه الحوادث مثل الطّامة والصاخة والداهية والمصيبة والكارثة والحادثة والواقعة والحاقة . والبغتة : الفجأة . وتقدمت عند قوله تعالى : { حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة } في آخر سورة الأنعام ( 31 ).

108

قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "This is my way; I invite to Allah with insight, I and those who follow me. And exalted is Allah; and I am not of those who associate others with Him."

استئناف ابتدائي للانتقال من الاعتبار بدلالة نزول هذه القصة للنبيء صلى الله عليه وسلم الأمّيّ على صدق نبُوءته وصدقه فيما جاء به من التوحيد إلى الاعتبار بجميع ما جاء به من هذه الشريعة عن الله تعالى ، وهو المعبّر عنه بالسبيل على وجه الاستعارة لإبلاغها إلى المطلوب وهو الفوز الخالد كإبلاغ الطريق إلى المكان المقصود للسائر ، وهي استعارة متكررة في القرآن وفي كلام العرب .والسبيل يؤنث كما في هذه الآية ، ويذكّر أيضاً كما تقدم عند قوله تعالى : { وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا } في سورة الأعراف ( 146 ).والجملة استئناف ابتدائي معترضة بين الجمل المتعاطفة .والإشارة إلى الشريعة بتنزيل المعقول منزلة المحسوس لبلوغه من الوضوح للعقول حداً لا يخفى فيه إلا عمّن لا يُعدّ مُدْركاً .وما في جملة هذه سبيلي } من الإبهام قد فسرته جملة { ادعوا إلى الله على بصيرة }.و { على } فيه للاستعلاء المجازي المراد به التمكن ، مثل «على هدىً من ربهم» .والبصيرة : فعيلة بمعنى فاعلة ، وهي الحجة الواضحة ، والمعنى : أدعو إلى الله ببصيرة متمكناً منها ، ووصف الحجة ببصيرة مجاز عقلي ، والبصير : صاحب الحجة لأنه بها صار بصيراً بالحقيقة . ومثله وصف الآية بمبصرة في قوله : { فلما جاءتهم آياتنا مبصرة } [ سورة النمل : 13 ]. وبعكسه يوصف الخفاء بالعمى كقوله : { وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم } [ سورة هود : 28 ].وضمير أنا } تأكيد للضمير المستتر في { أدعوا } ، أتي به لتحسين العطف بقوله : { ومن اتبعني } ، وهو تحسين واجب في اللغة .وفي الآية دلالة على أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الذين آمنوا به مأمورون بأن يدعوا إلى الإيمان بما يستطيعون . وقد قاموا بذلك بوسائل بث القرآن وأركان الإسلام والجهاد في سبيل الله . وقد كانت الدعوة إلى الإسلام في صدر زمان البعثة المحمدية واجباً على الأعيان لقول النبي صلى الله عليه وسلم " بلّغوا عنّي ولو آيةً " أي بقدر الاستطاعة . ثم لمّا ظهر الإسلام وبلغت دعوته الأسماع صارت الدعوة إليه واجباً على الكفاية كما دل عليه قوله تعالى : { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير الآية } في سورة آل عمران ( 104 ).وعُطفت جملة وسبحان الله } على جملة { أدعوا إلى الله } ، أي أدعو إلى الله وأنزهه .وسبحان : مصدر التسبيح جاء بدلاً عن الفعل للمبالغة . والتقدير : وأسبح الله سبحاناً ، أي أدعو الناس إلى توحيده وطاعته وأنزّهه عن النقائص التي يشرك بها المشركون من دّعاء الشركاء ، والولد ، والصاحبة .وجملة { وما أنا من المشركين } بمنزلة التذييل لما قبلها لأنها تعمّ ما تضمنته .

109

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰٓ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And We sent not before you [as messengers] except men to whom We revealed from among the people of cities. So have they not traveled through the earth and observed how was the end of those before them? And the home of the Hereafter is best for those who fear Allah; then will you not reason?

عطف على جملة { وما أكثر الناس } [ سورة يوسف : 103 ] الخ . هاتان الآيتان متّصل معناهما بما تضمنه قوله تعالى : { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك } [ سورة يوسف : 102 ] إلى قوله : { إن هو إلاّ ذكر للعالمين } [ سورة يوسف : 104 ] وقوله : { قل هذه سبيلي } الآية [ سورة يوسف : 108 ] ، فإن تلك الآي تضمنت الحجة على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام فيما جاءهم به ، وتضمنت أن الذين أشركوا غير مصدقينه عناداً وإعراضاً عن آيات الصدق . فالمعنى أن إرسال الرسل عليهم السلام سنّة إلهية قديمة فلماذا يَجعل المشركون نبوءتك أمراً مستحيلاً فلا يصدّقون بها مع ما قارنها من آيات الصدق فيقولون : أبعث الله بشراً رسولاً }. وهل كان الرسل عليهم السلام السابقون إلا رجالاً من أهل القرى أوحى الله إليهم فبماذا امتازوا عليك ، فسلم المشركون ببعثتهم وتحدّثوا بقصصهم وأنكروا نبوءتك .وراء هذا معنى آخر من التذكير باستواء أحوال الرسل عليهم السلام وما لقوه من أقوامهم فهو وعيد باستواء العاقبة للفريقين .و { من قبلك } يتعلق ب { أرسلنا } ف { من } لابتداء الأزمنة فصار ما صدق القبل الأزمنة السابقة ، أي من أول أزمنة الإرسال . ولولا وجود { من } لكان { قبلك } في معنى الصفة للمرسَلين المدلول عليهم بفعل الإرسال .والرجال : اسم جنس جامد لا مفهوم له . وأطلق هنا مراداً به أناساً كقوله صلى الله عليه وسلم « ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه » أي إنسان أو شخص ، فليس المراد الاحتراز عن المرأة . واختير هنا دون غيره لِمطابقته الواقع فإن الله لم يرسل رسلاً من النساء لحكمة قبول قيادتهم في نفوس الأقوام إذ المرأة مستضعفة عند الرجال دون العكس؛ ألا ترى إلى قول قيس بن عاصم حين تنبأت سَجَاحِ:أضحت نبيئتُنا أنثى نُطِيف بها ...وأصبحت أنبياءُ الناس ذكرانا ... وليس تخصيص الرجال وأنهم من أهل القرى لقصد الاحتراز عن النساء ومن أهل البادية ولكنه لبيان المماثلة بين مَن سلّموا برسالتهم وبين محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا : { فليأتنا بآية كما أرسل الأولون } [ الأنبياء : 5 ] و { قالوا لولا أوتي مثلَ ما أوتي موسى } [ القصص : 48 ] ، أي فما كان محمد صلى الله عليه وسلم بِدعاً من الرسل حتى تبادروا بإنكار رسالته وتُعرضوا عن النظر في آياته .فالقصر إضافي ، أي لم يكن الرسل عليهم السلام قبلك ملائكةً أو ملوكاً من ملوك المدن الكبيرة فلا دلالة في الآية على نفي إرسال رسول من أهل البادية مثل خالد بن سنان العبسي ، ويعقوب عليه السلام حين كان ساكناً في البَدْو كما تقدم .وقرأ الجمهور ، { يُوحَى } بتحتية وبفتح الحاء مبنياً للنائب ، وقرأه حفص بنون على أنه مبني للفاعل والنون نون العظمة .وتفريع قوله : { أفلم يسيروا في الأرض } على ما دلت عليه جملة { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً } من الأسوة ، أي فكذّبهم أقوامهم من قبل قومك مثل ما كذّبك قومك وكانت عاقبتهم العقاب . أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الأقوام السابقين ، أي فينظروا آثار آخر أحوالهم من الهلاك والعذاب فيعلم قومك أن عاقبتهم على قياس عاقبة الذين كذّبوا الرسل قبلهم ، فضمير { يسيروا } عائد على معلوم من المقام الدال عليه { وما أنا من المشركين } [ سورة يوسف : 108 ].والاستفهام إنكاري . فإن مجموع المتحدّث عنهم ساروا في الأرض فرأوا عاقبة المكذبين مثل عاد وثمود .وهذا التفريع اعتراض بالوعيد والتهديد .وكيف } استفهام معلّق لفعل النظر عن مفعوله .وجملة { ولدار الآخرة } خبر . معطوفة على الاعتراض فلها حكمه ، وهو اعتراض بالتبشير وحسن العاقبة للرسل عليهم السلام ومن آمن بهم وهم الذين اتقوا . وهو تعريض بسلامة عاقبة المتقين في الدنيا . وتعريض أيضاً بأن دار الآخرة أشد أيضاً على الذين من قبلهم من العاقبة التي كانت في الدنيا فحصل إيجاز بحذف جملتين .وإضافة { دار } إلى { آخرة } من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل « يا …

110

حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ

[They continued] until, when the messengers despaired and were certain that they had been denied, there came to them Our victory, and whoever We willed was saved. And Our punishment cannot be repelled from the people who are criminals.

و { حتى } من قوله : { حتى إذا استيأس الرسل } ابتدائية ، وهي عاطفة جملة { إذا استيأس الرسل } على جملة { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم } باعتبار أنها حجة على المكذبين ، فتقدير المعنى : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً يوحى إليهم فكذبهم المرسل إليهم واستمروا على التكذيب حتى إذا استيئس الرسل إلى آخره ، فإن { إذا } اسم زمان مضمن معنى الشرط فهو يلزم الإضافة إلى جملة تبين الزمان ، وجملة { استيأس } مضاف إليها { إذا } ، وجملة { جاءهم نصرنا } جواب { إذا } لأن هذا الترتيب في المعنى هو المقصود من جلب { إذا } في مثل هذا التركيب . والمراد بالرسل عليهم السلام غير المراد ب { رجالا } ، فالتعريف في الرسل عليهم السلام تعريف العهد الذَكريّ وهو من الإظهار في مقام الإضمار لإعطاء الكلام استقلالاً بالدلالة اهتماماً بالجملة .وآذن حرف الغاية بمعنى محذوف دل عليه جملة { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا } بما قصد بها من معنى قصد الإسوة بسلفه من الرسل عليهم السلام . والمعنى : فدام تكذيبهم وإعراضهم وتأخر تحقيق ما أنذرُوهم به من العذاب حتى اطمأنوا بالسلامة وسخروا بالرسل وأيس الرسل عليهم السلام من إيمان قَومهم .و { استيأس } مبالغة في يئس ، كما تقدم آنفاً في قوله : { ولا تيأسوا من روح الله } [ سورة يوسف : 87 ].وتقدم أيضاً قراءة البزي بخلاف عنه بتقديم الهمزة على الياء .فهذه أربع كلمات في هذه السورة خالف فيها البزي رواية عنه .وفي { صحيح البخاري } عن عروة أنه سأل عائشة رضي الله عنها : «أكُذِبوا أم كُذّبوا أي بالخفيف أم بالشدّ ؛ قالت : كذّبوا أي بالشد قال : فقد استيقنوا أن قومهم كذّبوهم فما هو بالظن فهي { قد كذبوا } أي بالتخفيف ، قالت : معاذ الله لم يكن الرسل عليهم السلام تظن ذلك بربها وإنما هم أتباع الذين آمنوا وصدقوا فطال عليهم البلاء واستأخر النصر حتى إذا استيأس الرسل عليهم السلام من إيمان من كذبهم من قومهم ، وظنت الرسل عليهم السلام أن أتباعهم مُكذّبوهم» ا ه . وهذا الكلام من عائشة رضي الله عنها رأي لها في التفسير وإنكارها أن تكون { كذبوا } مخففة إنكار يستند بما يبدو من عود الضمائر إلى أقرب مذكور وهو الرسل ، وذلك ليس بمتعيّن ، ولم تكن عائشة قد بلغتْها رواية { كذبوا } بالتخفيف .وتفريع { فننجي من نشاء } على { جاءهم نصرنا } لأن نصر الرسل عليهم السلام هو تأييدهم بعقاب الذين كذبوهم بنزول العذاب وهو البأس ، فينجي الله الذين آمنوا ولا يردّ البأس عن القوم المجرمين .والبأس : هو عذاب المجرمين الذي هو نصر للرسل عليهم السلام . .والقوم المجرمون : الذين كذبوا الرسل .وقرأ الجمهور { فنُنْجِي } بنونين وتخفيف الجيم وسكون الياء مضارع أنجى . و { من نشاء } مفعول { ننجي }. وقرأه ابن عامر وعاصم { فنجّي } بنون واحدة مضمومة وتشديد الجيم مكسورة وفتح التحتية على أنه ماضي { نجّى المضاعف بني للنائب ، وعليه فمن نشاء } هو نائب الفاعل ، والجمع بين الماضي في ( نجّي ) والمضارع في { نشاء } احتباك تقديره فنُجي من شئنا ممن نجا في القرون السالفة وننجي من نشاء في المستقبل من المكذبين .

Commentary: Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.