Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib

Ayahs 11–20 of 111

11

قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَٰصِحُونَ

They said, "O our father, why do you not entrust us with Joseph while indeed, we are to him sincere counselors?

قوله: ﴿قَالُواْ يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ (يُوسُفَ) وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ إلى قوله ﴿لَّخَاسِرُونَ﴾.

وقرأ يزيد بن القعقاع، وعمرو بن عبيد: "تأمنَّا" بغير إشْمَامٍ.

وقرأ طلحة بن مصرف "تأَمَنَنَّا" بنونين ظاهرتين.

وقرأ يحيى بن وثَّاب، والأعمش، وأبو رزين تيمناً بتاء مكسورة بعدها ياء الإدغام. والمعنى: مالك لا تأمنا على يوسف يخرج معنا إذا خرجنا إلى الصحراء.

﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا﴾ إلى قوله: ﴿لَحَافِظُونَ﴾

"نحُوطُهُ ونكلؤه". ومن قرأ "نرتعِ بالنون، وكسر العين، فمعناه: نرتع الغنم والإبل. وهو نفعتل من رعى (يرعو).

وقال مجاهد: نرتع: أي: نحفظ بعضنا بعضاً، أي: نتحارس، ونتكالؤ.

من: رعاك الله، ومن أسكن العين فمعناه: نقيم في الخصة والسعة، من رتع. يقال: رتَّع فلان في ماله: إذا لهى فيه.

ومعناه عند ابن عباس: يلهو، وينبسط.

ومن قرأ بالياء، وكسر العين، فهو يفتعل من "رعى" أي: يرعى الغنم، ويعقل، ويعرف الأمور.

ومن أسكن العين، وقرأ بالياء، فمعناه: أرسله يتفرَّجُ، وينشط في الصحراء: من رتع.

وقولهم: ﴿يَلْعَبْ﴾ ليس هو اللعب الصادُّ عن ذكر الله سبحانه. وروي عن قُنْبُل، عن ابن كثير إثبات الياء في "نرتعي"، على نية الضمة فيها، وفيه بعد. وإنما يجوز في الشعر.

ثم قال: تعالى حكاية عن قول يعقوب لهم: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ﴾ إلى قوله: ﴿لَّخَاسِرُونَ﴾: من همز "الذئب" أخذه من قولهم: تذاءبت الريح: إذا جاءت من كل مكان. فهمز "الذئب" لأنه يجيء من كل مكان. قال ذلك أحمد بن يحيى كأنه شبهه في سرعته، وروغانه بالريح.

ومن لم يهمز فعلى تخفيف الهمز. وقيل: إنه جعله ليس بمشتق، مثل: الفيل، والميل، والكيس. وإنما خاف يعقوب، عليه السلام، من الذئب دون سائر السباع، لأنه كان رأى في المنام كأن ذئباً شد على يوسف، فخرجت تلك الرؤيا في دعواهم. ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾: أي: لا تشعرون ﴿قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ : أي: أحد عشر رجلاً ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ﴾: أي: لعجزة هالكون.

12

أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًۭا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ

Send him with us tomorrow that he may eat well and play. And indeed, we will be his guardians.

قوله: ﴿قَالُواْ يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ (يُوسُفَ) وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ إلى قوله ﴿لَّخَاسِرُونَ﴾.

وقرأ يزيد بن القعقاع، وعمرو بن عبيد: "تأمنَّا" بغير إشْمَامٍ.

وقرأ طلحة بن مصرف "تأَمَنَنَّا" بنونين ظاهرتين.

وقرأ يحيى بن وثَّاب، والأعمش، وأبو رزين تيمناً بتاء مكسورة بعدها ياء الإدغام. والمعنى: مالك لا تأمنا على يوسف يخرج معنا إذا خرجنا إلى الصحراء.

﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا﴾ إلى قوله: ﴿لَحَافِظُونَ﴾

"نحُوطُهُ ونكلؤه". ومن قرأ "نرتعِ بالنون، وكسر العين، فمعناه: نرتع الغنم والإبل. وهو نفعتل من رعى (يرعو).

وقال مجاهد: نرتع: أي: نحفظ بعضنا بعضاً، أي: نتحارس، ونتكالؤ.

من: رعاك الله، ومن أسكن العين فمعناه: نقيم في الخصة والسعة، من رتع. يقال: رتَّع فلان في ماله: إذا لهى فيه.

ومعناه عند ابن عباس: يلهو، وينبسط.

ومن قرأ بالياء، وكسر العين، فهو يفتعل من "رعى" أي: يرعى الغنم، ويعقل، ويعرف الأمور.

ومن أسكن العين، وقرأ بالياء، فمعناه: أرسله يتفرَّجُ، وينشط في الصحراء: من رتع.

وقولهم: ﴿يَلْعَبْ﴾ ليس هو اللعب الصادُّ عن ذكر الله سبحانه. وروي عن قُنْبُل، عن ابن كثير إثبات الياء في "نرتعي"، على نية الضمة فيها، وفيه بعد. وإنما يجوز في الشعر.

ثم قال: تعالى حكاية عن قول يعقوب لهم: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ﴾ إلى قوله: ﴿لَّخَاسِرُونَ﴾: من همز "الذئب" أخذه من قولهم: تذاءبت الريح: إذا جاءت من كل مكان. فهمز "الذئب" لأنه يجيء من كل مكان. قال ذلك أحمد بن يحيى كأنه شبهه في سرعته، وروغانه بالريح.

ومن لم يهمز فعلى تخفيف الهمز. وقيل: إنه جعله ليس بمشتق، مثل: الفيل، والميل، والكيس. وإنما خاف يعقوب، عليه السلام، من الذئب دون سائر السباع، لأنه كان رأى في المنام كأن ذئباً شد على يوسف، فخرجت تلك الرؤيا في دعواهم. ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾: أي: لا تشعرون ﴿قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ : أي: أحد عشر رجلاً ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ﴾: أي: لعجزة هالكون.

13

قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِىٓ أَن تَذْهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَٰفِلُونَ

[Jacob] said, "Indeed, it saddens me that you should take him, and I fear that a wolf would eat him while you are of him unaware."

قوله: ﴿قَالُواْ يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ (يُوسُفَ) وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ إلى قوله ﴿لَّخَاسِرُونَ﴾.

وقرأ يزيد بن القعقاع، وعمرو بن عبيد: "تأمنَّا" بغير إشْمَامٍ.

وقرأ طلحة بن مصرف "تأَمَنَنَّا" بنونين ظاهرتين.

وقرأ يحيى بن وثَّاب، والأعمش، وأبو رزين تيمناً بتاء مكسورة بعدها ياء الإدغام. والمعنى: مالك لا تأمنا على يوسف يخرج معنا إذا خرجنا إلى الصحراء.

﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا﴾ إلى قوله: ﴿لَحَافِظُونَ﴾

"نحُوطُهُ ونكلؤه". ومن قرأ "نرتعِ بالنون، وكسر العين، فمعناه: نرتع الغنم والإبل. وهو نفعتل من رعى (يرعو).

وقال مجاهد: نرتع: أي: نحفظ بعضنا بعضاً، أي: نتحارس، ونتكالؤ.

من: رعاك الله، ومن أسكن العين فمعناه: نقيم في الخصة والسعة، من رتع. يقال: رتَّع فلان في ماله: إذا لهى فيه.

ومعناه عند ابن عباس: يلهو، وينبسط.

ومن قرأ بالياء، وكسر العين، فهو يفتعل من "رعى" أي: يرعى الغنم، ويعقل، ويعرف الأمور.

ومن أسكن العين، وقرأ بالياء، فمعناه: أرسله يتفرَّجُ، وينشط في الصحراء: من رتع.

وقولهم: ﴿يَلْعَبْ﴾ ليس هو اللعب الصادُّ عن ذكر الله سبحانه. وروي عن قُنْبُل، عن ابن كثير إثبات الياء في "نرتعي"، على نية الضمة فيها، وفيه بعد. وإنما يجوز في الشعر.

ثم قال: تعالى حكاية عن قول يعقوب لهم: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ﴾ إلى قوله: ﴿لَّخَاسِرُونَ﴾: من همز "الذئب" أخذه من قولهم: تذاءبت الريح: إذا جاءت من كل مكان. فهمز "الذئب" لأنه يجيء من كل مكان. قال ذلك أحمد بن يحيى كأنه شبهه في سرعته، وروغانه بالريح.

ومن لم يهمز فعلى تخفيف الهمز. وقيل: إنه جعله ليس بمشتق، مثل: الفيل، والميل، والكيس. وإنما خاف يعقوب، عليه السلام، من الذئب دون سائر السباع، لأنه كان رأى في المنام كأن ذئباً شد على يوسف، فخرجت تلك الرؤيا في دعواهم. ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾: أي: لا تشعرون ﴿قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ : أي: أحد عشر رجلاً ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ﴾: أي: لعجزة هالكون.

14

قَالُوا۟ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذًۭا لَّخَٰسِرُونَ

They said, "If a wolf should eat him while we are a [strong] clan, indeed, we would then be losers."

قوله: ﴿قَالُواْ يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ (يُوسُفَ) وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ إلى قوله ﴿لَّخَاسِرُونَ﴾.

وقرأ يزيد بن القعقاع، وعمرو بن عبيد: "تأمنَّا" بغير إشْمَامٍ.

وقرأ طلحة بن مصرف "تأَمَنَنَّا" بنونين ظاهرتين.

وقرأ يحيى بن وثَّاب، والأعمش، وأبو رزين تيمناً بتاء مكسورة بعدها ياء الإدغام. والمعنى: مالك لا تأمنا على يوسف يخرج معنا إذا خرجنا إلى الصحراء.

﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا﴾ إلى قوله: ﴿لَحَافِظُونَ﴾

"نحُوطُهُ ونكلؤه". ومن قرأ "نرتعِ بالنون، وكسر العين، فمعناه: نرتع الغنم والإبل. وهو نفعتل من رعى (يرعو).

وقال مجاهد: نرتع: أي: نحفظ بعضنا بعضاً، أي: نتحارس، ونتكالؤ.

من: رعاك الله، ومن أسكن العين فمعناه: نقيم في الخصة والسعة، من رتع. يقال: رتَّع فلان في ماله: إذا لهى فيه.

ومعناه عند ابن عباس: يلهو، وينبسط.

ومن قرأ بالياء، وكسر العين، فهو يفتعل من "رعى" أي: يرعى الغنم، ويعقل، ويعرف الأمور.

ومن أسكن العين، وقرأ بالياء، فمعناه: أرسله يتفرَّجُ، وينشط في الصحراء: من رتع.

وقولهم: ﴿يَلْعَبْ﴾ ليس هو اللعب الصادُّ عن ذكر الله سبحانه. وروي عن قُنْبُل، عن ابن كثير إثبات الياء في "نرتعي"، على نية الضمة فيها، وفيه بعد. وإنما يجوز في الشعر.

ثم قال: تعالى حكاية عن قول يعقوب لهم: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ﴾ إلى قوله: ﴿لَّخَاسِرُونَ﴾: من همز "الذئب" أخذه من قولهم: تذاءبت الريح: إذا جاءت من كل مكان. فهمز "الذئب" لأنه يجيء من كل مكان. قال ذلك أحمد بن يحيى كأنه شبهه في سرعته، وروغانه بالريح.

ومن لم يهمز فعلى تخفيف الهمز. وقيل: إنه جعله ليس بمشتق، مثل: الفيل، والميل، والكيس. وإنما خاف يعقوب، عليه السلام، من الذئب دون سائر السباع، لأنه كان رأى في المنام كأن ذئباً شد على يوسف، فخرجت تلك الرؤيا في دعواهم. ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾: أي: لا تشعرون ﴿قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ : أي: أحد عشر رجلاً ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ﴾: أي: لعجزة هالكون.

15

فَلَمَّا ذَهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَجْمَعُوٓا۟ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ

So when they took him [out] and agreed to put him into the bottom of the well... But We inspired to him, "You will surely inform them [someday] about this affair of theirs while they do not perceive [your identity]."

قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ﴾: أي: أجمع رأيهم، وعزموا على ذلك. ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ﴾: أي: لتخبرنهم بما صنعوا بك، وهم لا يعلمون بك.

قال الضحاك: لما ألقي يوسف في الجب، نزل إليه جبريل، عليه السلام، فقال له: يا يوسف: ألا أعلمك كلمات إذا أنت قلتهنَّ عجل الله لك بخروجك من هذا الجب. فقال: نعم، فقال له جبريل، صلوات الله عليه،: قل يا صانع كل مصنوع، ويا جابر كل كسير، ويا شاهد كل نجوى ويا حاضر كل ملأ، ويا مفرج كل كربة، ويا صاحب كل غريب، ويا مؤنس كل وحشة: أيتني بالفرج والرخاء، وأقذف رجاءك في قلبي حتى لا أرجو أحداً سواك. فردَّدَها يوسف عليه السلام، في ليلته مراراً فأخرجه الله عز وجل، في صبـ [يـ]ـحة يومه ذلك من الجب.

وقال السدي: خرجوا به، وله عليهم كرامة، فلما برزوا به إلى البرية أظهروا له العداوة، وجعل أخوه يضربه، فيستغيث بالآخر (فيضربه فجعل "لا يرى منهم رحيماً" فضربوه حتى كادوا يقتلونه. فجعل يصيح، ويقول: يا أبتاه! يا يعقوب! لو علمت ما صنع بابنك بنو الإماء. فلما كادوا يقتلونه، قال يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثقاً من الله لا تقتلونه. فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه، فجعلوا يدلونه في البئر وهو يتعلق بشفير البئر. فربطوا يديه ونزعوا عنه قميصه.

فقال: يا (أ)خوتاه: ردوا عليّ قميصي، أتوارى به في الجب. فقالوا له: ادع الشمس والقمر، والأحد عشر كوكباً ليُؤنسوكَ. فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرَادَةَِ أن يموت. فكان في البير ماء، فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فيها. فقام عليها، وجعل يبكي، فنادوه، فظن أنها رحمة منهم، أدركتهم عليه. فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه. فقام يهوذا فمنعهم، وقال: قد أعطيتموني موثقاً ألا تقتلوه.

وقيل: كان الجب الذي ألقوه فيه، لا ماء فيه. فأحدث الله فيه ماء، حتى مال إليه الناس. وكان يهوذا يأتيه بالطعام.

والواو في "وأجمعوا" زائدة للتأكيد، وهو جواب "لما".

* *

قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ﴾: أي: إلى يوسف لتُخْبرن إخوتك بأمرهم هذا الذي صنعوا بك، وهم لا يعلمون، ولا يدرون. (و) هذا يدل على أنه أوحي إليه قبل البلوغ (بإلهامٍ)، أو في منام، أو برسول.

وقيل: المعنى "أوحى الله عز وجل إليه لتخبرنهم بما" ﴿صَنَعُواْ﴾، وهم لا يشعرون بالوحي الذي أوحى "الله عز وجل" إليه.

قال مجاهد، وابن زيد: وقيل: المعنى: ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، (أن) الذي يخبرهم بصنيعهم هو يوسف.

وقيل: المعنى: ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ أنه نبي يوحى إليه.

وقيل: الهاء ليعقوب، أي: أوحى الله إلى يعقوب أن ابنك كاده إخوته، ولَتَعْرِفنهم بكيدهم، ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾: أي: وإخوة يوسف "لا يشعرون بالوحي إلى يعقوب".

(قال ابن عباس: لما دخل إخوة يوسف) على يوسف. (عرفهم)، ﴿وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨]. فقال: جئ بالصواع. فوضعه على يديه، (ثم) نقره، فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم، يقال له: يوسف، يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به، فألقيتموه في غيابات الجُبّ. قال: ثم نقره، فطَنَّ فأتيتم أباكم فقلتم: إن الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدم كذب. فقال بعضكم لبعض: إن هذا الجام ليخبره بخبركم. فذلك معنى ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ أنك يوسف.

16

وَجَآءُوٓ أَبَاهُمْ عِشَآءًۭ يَبْكُونَ

And they came to their father at night, weeping.

قال تعالى: ﴿وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ﴾.

قال السدي: أتوا إلى أبيهم عشاءاً يبكون، فلما سمع أصواتهم فزع، وقال: ما لكم يا بني؟ هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا" لا، قال: فما فعل يوسف؟ فقالوا: ﴿يَٰأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾: كان السبق عندهم على الأرجل، كالسبق على الخيل، لأنه آلة للحرب. فلما قالوا: ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ﴾ بكى الشيخ، وصاح بأعلى صوته، فقال: أين القميص؟ فجاؤو(ه) بالقميص، عليه دم كذب، فأخذ القميص فطرحه على وجهه، ثم بكى حتى تخضب وجهه من دم القميص.

* *

قوله: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾: أي: بمصدق لنا، ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾: قال: المبرد: المعنى: وإن كنا صادقين.

وقيل المعنى: ليس بمصدق لنا لو كنا من أهل الصدق الذين لا يتهمون لِسُوءِ ظنك بنا.

وقيل: المعنى: ولو كنا عندك من أهل الصدق، لاتهمتنا في يوسف لمحبتك إياه.

وقيل: المعنى: قد وقع في قلبك إنّا لنصدقك في يوسف، فأنت لا تصدقنا. وذلك أن يعقوب كان (قد) اتَّهَمَهُمْ عليه، فلما وقع ما وقع، تأكدت التهمة لهم. وإلا فيعقوب، صلوات الله عليه، لا يكذب الصادق، وليس هذا من صفة الأنبياء، صلوات الله عليهم. وإنما كذبهم لتأكيد التهمة، وكثرة الدلائل على كذبهم. فالمعنى: ما أنت بمصدق لنا وقد وقع (بك) ما تحذر، ولو كنا عندك صادقين من قبل، غير متهمين، لوجب أن تتهمنا (الساعة) عند مصيبتك. فكيف وقد كنت متهماً لنا (فيه) من قبل.

17

قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍۢ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَٰدِقِينَ

They said, "O our father, indeed we went racing each other and left Joseph with our possessions, and a wolf ate him. But you would not believe us, even if we were truthful."

قال تعالى: ﴿وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ﴾.

قال السدي: أتوا إلى أبيهم عشاءاً يبكون، فلما سمع أصواتهم فزع، وقال: ما لكم يا بني؟ هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا" لا، قال: فما فعل يوسف؟ فقالوا: ﴿يَٰأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾: كان السبق عندهم على الأرجل، كالسبق على الخيل، لأنه آلة للحرب. فلما قالوا: ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ﴾ بكى الشيخ، وصاح بأعلى صوته، فقال: أين القميص؟ فجاؤو(ه) بالقميص، عليه دم كذب، فأخذ القميص فطرحه على وجهه، ثم بكى حتى تخضب وجهه من دم القميص.

* *

قوله: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾: أي: بمصدق لنا، ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾: قال: المبرد: المعنى: وإن كنا صادقين.

وقيل المعنى: ليس بمصدق لنا لو كنا من أهل الصدق الذين لا يتهمون لِسُوءِ ظنك بنا.

وقيل: المعنى: ولو كنا عندك من أهل الصدق، لاتهمتنا في يوسف لمحبتك إياه.

وقيل: المعنى: قد وقع في قلبك إنّا لنصدقك في يوسف، فأنت لا تصدقنا. وذلك أن يعقوب كان (قد) اتَّهَمَهُمْ عليه، فلما وقع ما وقع، تأكدت التهمة لهم. وإلا فيعقوب، صلوات الله عليه، لا يكذب الصادق، وليس هذا من صفة الأنبياء، صلوات الله عليهم. وإنما كذبهم لتأكيد التهمة، وكثرة الدلائل على كذبهم. فالمعنى: ما أنت بمصدق لنا وقد وقع (بك) ما تحذر، ولو كنا عندك صادقين من قبل، غير متهمين، لوجب أن تتهمنا (الساعة) عند مصيبتك. فكيف وقد كنت متهماً لنا (فيه) من قبل.

18

وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍۢ كَذِبٍۢ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌۭ ۖ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ

And they brought upon his shirt false blood. [Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. And Allah is the one sought for help against that which you describe."

قال تعالى: ﴿وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾، أي: بدم ذي كذب. قال ابن عباس: ومجاهد: ذبحوا سخلة على قميصه.

وقال السدي: ذبحوا جدياً، ثم لطخوا القميص بدمه، ثم أقبلوا إلى أبيهم، فقال يعقوب عليه السلام، (إن كان هذا الذئب لرحيماً كيف أكل لحمه، ولم يخرق قميصه؟ يا بني، يا يوسف ما فعل بك بَنُو الإماء!؟

قال الحسن: جعل يعقوب يقلب القميص، ويقول: ما عهدت الذئب حليماً، إنه أكل ابني، وأبقى على قميصه.

ثم قال مكذباً لهم: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً﴾ أي: زينت لكم في يوسف، وحسنته لكم. ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: أي: فأمري صبر جميل، وشأني صبر. (أي): فصبري عليه صبر جميل.

وقرأ عيسى بن عمر بالنصب على معنى: "فاصبر صبراً جميلاً" على المصدر. والرفع أبْلَغُ ، وأحسن، وإنما يختار النصب في الأمر خاصة. والصبر الجميل: هو الصبر الذي لا جزع معه.

وروي عن النبي ﷺ، أنه قال: هو الصبر الذي لا شكوى معه وكان يعقوب عليه السلام، قد سقط حاجباه،: فكان يرفعهما بخرقة. فقيل له: ما هذا؟ فقال: طول الزمان، وكثرة الأحزان، فأوحى الله عز وجل، إليه: أتشكوني يا يعقوب؟ فقال: رب خطيئة أخطأتها، فاغفرها لي

ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾: أي: على احتماله. وقال قتادة: "على ما تكذبون".

قال الثوري: ثلاث من الصبر: أن لا تحدث بما يوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تزكي نفسك.

ومن حديث ابن لهيعة، رفعه إلى ابن عمر، أن يعقوب عليه السلام قال لبنيه: يا بني "إيتو(ني)" بالذئب الذي أكل ولدي، إن كنتم صادقين، قال: فخرجوا إلى واد لهم يسعون فيه، فإذا هم بذئب قد انحطَّ عليهم من شفير الوادي، فاعترضو(ه) سراعاً، وأخذوه قسراً، وأوثقوه كتافاً، وعمدوا إلى حمل لهم من غنمهم، فذبحوه، ولطخوا جحفلة الذئب بدمه وصدره. ثم حملوه إلى أبيهم، فقالوا: هذا الذئب الذي أكل يوسف أخانا. فقال لهم أطلقـ(و)ا، فأطلقـ(و)ه فقال له: يعقوب: قف أيها الذئب بإذن الله، فوقف الذئب مقعى على ذنبه. فقال له: يعقوب: أسألك أيها الذئب بالذي اتخذني نبياً، وبعثني رسولاً. هل أكلت يوسف فيما أكلت؟ فقال له الذئب: والذي بعثك رسولاً، واتخذ(ك) نبياً. إن هذه البلاد ما دخلتها إلا ساعتي هذه، ثم حكى ليعقوب ما صنعوا به وبالحمل. ثم قال الذئب: يا نبي الله، وأنا أسمو إلى أكل نبيي! أو ما علمت أن لحوم الأنبياء محرمة على السباع؟ قال له يعقوب: "صدقت أيها الذئب. أنت كنت أشفق على يوسف من أخوته"، اذهب حيث شئت.

19

وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌۭ فَأَرْسَلُوا۟ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُۥ ۖ قَالَ يَٰبُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٌۭ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

And there came a company of travelers; then they sent their water drawer, and he let down his bucket. He said, "Good news! Here is a boy." And they concealed him, [taking him] as merchandise; and Allah was knowing of what they did.

قوله: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.

والمعنى: ومر قوم يسيرون، من مارة الطريق، ﴿فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ﴾: وهو الذي يرد المنهل (أ) والمنزل، وور(و)ده إياه، مصير إليه ﴿فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ﴾، أي: أدخلها الجب، وأرسلها. يقال: أدليت الدلو: إذا أرسلتها في الجب، ودلوتها إذا أخرجتها؟. وفي الكلام حذف، والمعنى: فدلى دلوه: أي: أخرجها فتعلق بها (يوسف)، فقال المدلـ(ـي): (يا بشراي هذا غلام).

فقال السدي: لما رآه قد تعلق، نادى رجلاً من أصحابه، يقال له: بشرى: يا بشرى، هذا غلام. وكذلك قال ابن جبير، وقتادة.

وهو معنى قراءة من قرأ: "يا بشراي".

وقيل المعنى: يا بشار(تـ)ـي دعا بشارته.

ومن قرأ بغير ياء، احتمل أن يكون دعا رجلاً اسمه بشرى فلم يضفه إلى نفسه، فهو في موضع رفع.

وقيل: إنه دعا البشرى، كأنه قال: يا أيتها البشرى.

ومعنى نداء البشرى: أنه على تنبيه المخاطبين، وتوكيد القصة. فكأنه قال: يا قوم أبشروا، ويجوز أن تكون هذه القراءة، يراد بها الإضافة، ثم حذف(ت) الياء.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ أي: وأسر يوسف الوُرَّادُ بضاعة من التجار. قالوا لهم: هو معنا بضاعة، استَبْضَعْنَاهُ بعض أهل الماء "التي" إلى مصر. وذلك أن السدي قال: لما رفعه المستدلي، وأصحابه، باعو(ه) من رجلين. فخاف من التجار أن يعلموا بثمنه. فيقولـ(ـون) لهما: أشركانا فيه. فقالوا: هو بضاعة (معنا) لأهل الماء.

وقال مجاهد: المعنى "أسره التجار بعضهم من بعض".

وعن ابن عباس: أن المعنى: وأسره إخوته، وأسر يوسف نفسه (من التجار) خوفاً أن يقتله إخوته. واختار البيع، وذلك أن إخوته ذكروه لوارد القوم، فنادوا الوارد: يا بشرى هذا غلام يباع، فباعه إخوته.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ أي: بثمن ذي بخس، أي: حرام. وقوله: (وشَرُوْهُ): يحتمل أن يكون معناه: وباعوه، وأن يكون اشتروه، وهو من الأضداد.

قال مجاهد: باعه إخوته حين أخرجه المدلى.

وقال قتادة، وغيره: المعنى: وباعه السيارة من بعض التجار، بثمن بخس. وقيل: المعنى: فاشتراه السيارة من إخوته بثمن بخس، وهو اختيار الطبري، ثم خافوا أن يشركهم فيه أصحابهم، وقالوا هو بضاعة.

معنى: ﴿وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ﴾، أي: إخوته.

وقيل: هم الذين اشتروه، والأول أحسن، لأن إِشراءَهُم إياه من التجار يدل على (آن) رغبتهم فيه، وبيع إخوته له بثمن بخس يدل على زهادتهم فيه.

ويجوز أن يكون الضمير: الوارد، أي: وكان الوارد الذي رفعه من الجب فيه من الزاهدين، والذين اشتروهم الذين اشتروه من الوارد، وليسوا بزاهدين فيه، بل اشتروه خوفاً أن يشركهم فيه غيرهم لرغبتهم فيه.

والبخس عند ابن عباس، والضحاك: الحرام. وقيل: هو الظلم، وهو قول قتادة.

وقال مجاهد: هو القليل، وهو قول عكرمة. والبخس في اللغة النقصان، فمعناه: [بـ]ـثمن مبخوس: أي: منقوص.

* *

ومعنى ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾: أي: غير موزونة، ناقصة.

وقيل: المعنى: أنها أقل من أربعين، لأنهم كانوا لا يزنون ما كان أقل من أربعين، لأ(ن) أقل أوزانهم، وأصغرها الأوقية، (وهي) أربعون درهماً.

وقال ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما: كانت عشرين درهماً.

وقال مجاهد: كانت اثنين وعشرين درهماً، أخذ كل واحد من إخوة يوسف درهمين، درهمين، وهم أحد عشر رجلاً.

وقال عكرمة: كانت أربعين. وكان إخوة يوسف فيه من الزاهدين، لا يعلمون نبوءته وكرامته على الله.

ثم قال (تعالى): ﴿وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي (مَثْوَاهُ)﴾: والذي اشتراه: هو الملك بمصر. اسمه: قطفير وهو العزيز. وكان على خزائن مصر، وكان الملك المعظم عندهم يومئذ: الريان بن الوليد، رجل من العمالقة. وكان اسم امرأة العزيز راعيل، وكان الملك زوجها لا ولد له، ولم يكن يأتـ[ـي] النساء، …

20

وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍۭ بَخْسٍۢ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍۢ وَكَانُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ

And they sold him for a reduced price - a few dirhams - and they were, concerning him, of those content with little.

قوله: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.

والمعنى: ومر قوم يسيرون، من مارة الطريق، ﴿فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ﴾: وهو الذي يرد المنهل (أ) والمنزل، وور(و)ده إياه، مصير إليه ﴿فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ﴾، أي: أدخلها الجب، وأرسلها. يقال: أدليت الدلو: إذا أرسلتها في الجب، ودلوتها إذا أخرجتها؟. وفي الكلام حذف، والمعنى: فدلى دلوه: أي: أخرجها فتعلق بها (يوسف)، فقال المدلـ(ـي): (يا بشراي هذا غلام).

فقال السدي: لما رآه قد تعلق، نادى رجلاً من أصحابه، يقال له: بشرى: يا بشرى، هذا غلام. وكذلك قال ابن جبير، وقتادة.

وهو معنى قراءة من قرأ: "يا بشراي".

وقيل المعنى: يا بشار(تـ)ـي دعا بشارته.

ومن قرأ بغير ياء، احتمل أن يكون دعا رجلاً اسمه بشرى فلم يضفه إلى نفسه، فهو في موضع رفع.

وقيل: إنه دعا البشرى، كأنه قال: يا أيتها البشرى.

ومعنى نداء البشرى: أنه على تنبيه المخاطبين، وتوكيد القصة. فكأنه قال: يا قوم أبشروا، ويجوز أن تكون هذه القراءة، يراد بها الإضافة، ثم حذف(ت) الياء.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ أي: وأسر يوسف الوُرَّادُ بضاعة من التجار. قالوا لهم: هو معنا بضاعة، استَبْضَعْنَاهُ بعض أهل الماء "التي" إلى مصر. وذلك أن السدي قال: لما رفعه المستدلي، وأصحابه، باعو(ه) من رجلين. فخاف من التجار أن يعلموا بثمنه. فيقولـ(ـون) لهما: أشركانا فيه. فقالوا: هو بضاعة (معنا) لأهل الماء.

وقال مجاهد: المعنى "أسره التجار بعضهم من بعض".

وعن ابن عباس: أن المعنى: وأسره إخوته، وأسر يوسف نفسه (من التجار) خوفاً أن يقتله إخوته. واختار البيع، وذلك أن إخوته ذكروه لوارد القوم، فنادوا الوارد: يا بشرى هذا غلام يباع، فباعه إخوته.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ أي: بثمن ذي بخس، أي: حرام. وقوله: (وشَرُوْهُ): يحتمل أن يكون معناه: وباعوه، وأن يكون اشتروه، وهو من الأضداد.

قال مجاهد: باعه إخوته حين أخرجه المدلى.

وقال قتادة، وغيره: المعنى: وباعه السيارة من بعض التجار، بثمن بخس. وقيل: المعنى: فاشتراه السيارة من إخوته بثمن بخس، وهو اختيار الطبري، ثم خافوا أن يشركهم فيه أصحابهم، وقالوا هو بضاعة.

معنى: ﴿وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ﴾، أي: إخوته.

وقيل: هم الذين اشتروه، والأول أحسن، لأن إِشراءَهُم إياه من التجار يدل على (آن) رغبتهم فيه، وبيع إخوته له بثمن بخس يدل على زهادتهم فيه.

ويجوز أن يكون الضمير: الوارد، أي: وكان الوارد الذي رفعه من الجب فيه من الزاهدين، والذين اشتروهم الذين اشتروه من الوارد، وليسوا بزاهدين فيه، بل اشتروه خوفاً أن يشركهم فيه غيرهم لرغبتهم فيه.

والبخس عند ابن عباس، والضحاك: الحرام. وقيل: هو الظلم، وهو قول قتادة.

وقال مجاهد: هو القليل، وهو قول عكرمة. والبخس في اللغة النقصان، فمعناه: [بـ]ـثمن مبخوس: أي: منقوص.

* *

ومعنى ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾: أي: غير موزونة، ناقصة.

وقيل: المعنى: أنها أقل من أربعين، لأنهم كانوا لا يزنون ما كان أقل من أربعين، لأ(ن) أقل أوزانهم، وأصغرها الأوقية، (وهي) أربعون درهماً.

وقال ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما: كانت عشرين درهماً.

وقال مجاهد: كانت اثنين وعشرين درهماً، أخذ كل واحد من إخوة يوسف درهمين، درهمين، وهم أحد عشر رجلاً.

وقال عكرمة: كانت أربعين. وكان إخوة يوسف فيه من الزاهدين، لا يعلمون نبوءته وكرامته على الله.

ثم قال (تعالى): ﴿وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي (مَثْوَاهُ)﴾: والذي اشتراه: هو الملك بمصر. اسمه: قطفير وهو العزيز. وكان على خزائن مصر، وكان الملك المعظم عندهم يومئذ: الريان بن الوليد، رجل من العمالقة. وكان اسم امرأة العزيز راعيل، وكان الملك زوجها لا ولد له، ولم يكن يأتـ[ـي] النساء، …

Commentary: Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.