Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 101–110 of 111

101

۞ رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًۭا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّٰلِحِينَ

My Lord, You have given me [something] of sovereignty and taught me of the interpretation of dreams. Creator of the heavens and earth, You are my protector in this world and in the Hereafter. Cause me to die a Muslim and join me with the righteous."

﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ أيْ: بَعْضًا مِنهُ عَظِيمًا وهو مُلْكُ مِصْرَ ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ أيْ: بَعْضًا مِن ذَلِكَ كَذَلِكَ إنْ أُرِيدَ بِتَعْلِيمِ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ تَفْهِيمُ غَوامِضِ أسْرارِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ودَقائِقِ سُنَنِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فالتَّرْتِيبُ ظاهِرٌ، وأمّا إنْ أُرِيدَ بِهِ تَعْلِيمُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا - كَما هو الظّاهِرُ - فَلَعَلَّ تَقْدِيمَ إيتاءِ المُلْكِ عَلَيْهِ في الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ بِمَقامِ تَعْدادِ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والمُلْكُ أعْرَقُ في كَوْنِهِ نِعْمَةً مِنَ التَّعْلِيمِ المَذْكُورِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا نِعْمَةً جَلِيلَةً في نَفْسِهِ، ولا يُمْكِنُ تَمْشِيَةُ هَذا الِاعْتِذارِ فِيما سَبَقَ؛ لِأنَّ التَّعْلِيمَ هُناكَ وارِدٌ عَلى نَهْجِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ لِلتَّمْكِينِ، فَإنْ حُمِلَ عَلى مَعْنى التَّمْلِيكِ لَزِمَ تَأخُّرُهُ عَنْهُ، وأمّا الواقِعُ هَهُنا فَمُجَرَّدُ التَّأْخِيرِ في الذِّكْرِ، والعَطْفُ بِحَرْفِ الواوِ لا يَسْتَدْعِي ذَلِكَ التَّرْتِيبَ في الوُجُودِ.

﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُبْدِعَهُما وخالِقَهُما نُصِبَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُنادى، أوْ مُنادى آخَرُ وصَفَهُ تَعالى بِهِ بَعْدَ وصْفِهِ بِالربوبية؛ مُبالَغَةً في تَرْتِيبِ مَبادِئِ ما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْتَ ولِيِّي﴾ مالِكُ أُمُورِي ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أوِ الَّذِي يَتَوَلّانِي بِالنِّعْمَةِ فِيهِما، وإذْ قَدْ أتْمَمْتَ عَلَيَّ نِعْمَةَ الدُّنْيا ﴿تَوَفَّنِي﴾ اقْبِضْنِي ﴿مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ مِن آبائِي، أوْ بِعامَّةِ الصّالِحِينَ في الرُّتْبَةِ والكَرامَةِ، فَإنَّما تَتِمُّ النِّعْمَةُ بِذَلِكَ، قِيلَ: لَمّا دَعا تَوَفّاهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - طَيِّبًا طاهِرًا، فَتَخاصَمَ أهْلُ مِصْرَ في دَفْنِهِ وتَشاحُّوا في ذَلِكَ حَتّى هَمُّوا بِالقِتالِ، فَرَأوْا أنْ يَصْنَعُوا لَهُ تابُوتًا مِن مَرْمَرٍ فَجَعَلُوهُ فِيهِ ودَفَنُوهُ في النِّيلِ لِيَمُرَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَصِلَ إلى مِصْرَ لِيَكُونُوا شَرْعًا واحِدًا في التَّبَرُّكِ بِهِ.

وَوُلِدَ لَهُ أفْرايِيمُ ومِيشا ولِأفْرايِيمَ نُونٌ ولِنُونٍ يُوشَعُ فَتى مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولَقَدْ تَوارَثَتِ الفَراعِنَةُ مِنَ العَمالِقَةِ بَعْدَهُ مِصْرَ، ولَمْ يَزَلْ بَنُو إسْرائِيلَ تَحْتَ أيْدِيهِمْ عَلى بَقايا دِينِ يُوسُفَ وآبائِهِ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

102

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوٓا۟ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ

That is from the news of the unseen which We reveal, [O Muhammad], to you. And you were not with them when they put together their plan while they conspired.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِن نَبَأِ يُوسُفَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِ أوْ كَوْنِهِ بِالِانْقِضاءِ في حُكْمِ البَعِيدِ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ وهو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ الَّذِي لا يَحُومُ حَوْلَهُ أحَدٌ.

وَقَوْلُهُ: ﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْمًا مَوْصُولًا و(مِن أنْباءِ الغَيْبِ) صِلَتَهُ، ويَكُونَ الخَبَرُ ﴿ (نُوحِيهِ إلَيْكَ)﴾ ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ يُرِيدُ إخْوَةَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ وهو جَعْلُهم إيّاهُ في غَيابَةِ الجُبِّ ﴿وَهم يَمْكُرُونَ﴾ بِهِ ويَبْغُونَ لَهُ الغَوائِلَ حَتّى تَقِفَ عَلى ظَواهِرِ أسْرارِهِمْ وبَواطِنِها، وتَطَّلِعَ عَلى سَرائِرِهِمْ طُرًّا، وتُحِيطَ بِما لَدَيْهِمْ خُبْرًا، ولَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ نَفْيِ حُضُورِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في مَشْهَدِ إجْماعِهِمْ ومَكْرِهِمْ فَقَطْ، بَلْ في سائِرِ المَشاهِدِ أيْضًا، وإنَّما تَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ مَطْلَعَ القِصَّةِ وأخْفي أحْوالِها، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ: "وَهم يَمْكُرُونَ" والخِطابُ وإنْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ – لَكِنِ المُرادُ إلْزامُ المُكَذِّبِينَ.

والمَعْنى: ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ إذْ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِكَ إيّاهُ سِوى ذَلِكَ، إذْ عَدَمُ سَماعِكَ ذَلِكَ مِنَ الغَيْرِ وعَدَمُ مُطالَعَتِكَ لِلْكُتُبِ أمْرٌ لا يَشُكُّ فِيهِ المُكَذِّبُونَ أيْضًا، ولَمْ تَكُنْ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ عِنْدَ وُقُوعِ الأمْرِ حَتّى تَعْرِفَهُ كَما هو فَتُبَلِّغَهُ إلَيْهِمْ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالكُفّارِ، فَكَأنَّهم يَشُكُّونَ في ذَلِكَ فَيَدْفَعُ شَكَّهُمْ، وفِيهِ أيْضًا إيذانٌ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ النَّبَأِ هو الحَقُّ المُطابِقُ لِلْواقِعِ، وما يَنْقُلُهُ أهْلُ الكِتابِ لَيْسَ عَلى ما هو عَلَيْهِ، يَعْنِي أنَّ مِثْلَ هَذا التَّحْقِيقِ بِلا وحْيٍ لا يُتَصَوَّرُ إلّا بِالحُضُورِ والمُشاهَدَةِ، وإذْ لَيْسَ ذَلِكَ بِالحُضُورِ فَهو بِالوَحْيِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾

103

وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ

And most of the people, although you strive [for it], are not believers.

﴿وَما أكْثَرُ النّاسِ﴾ يُرِيدُ بِهِ العُمُومَ، أوْ أهْلَ مَكَّةَ ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ أيْ: عَلى إيمانِهِمْ وبالَغْتَ في إظْهارِ الآياتِ القاطِعَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِكَ ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ لِتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ وإصْرارِهِمْ عَلى العِنادِ.

رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ وقُرَيْشًا لَمّا سَألُوا عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ وعَدُوا أنْ يُسْلِمُوا، فَلَمّا أخْبَرَهم بِها عَلى مُوافَقَةِ التَّوْراةِ فَلَمْ يُسْلِمُوا حَزِنَ النَّبِيُّ ﷺ فَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ.

104

وَمَا تَسْـَٔلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ لِّلْعَٰلَمِينَ

And you do not ask of them for it any payment. It is not except a reminder to the worlds.

﴿وَما تَسْألُهم عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى الأنْباءِ أوِ القرآن ﴿مِن أجْرٍ﴾ مِن جُعْلٍ كَما يَفْعَلُهُ حَمَلَةُ الأخْبارِ ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ﴾ عِظَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ كافَّةً لا أنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ.

105

وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍۢ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ

And how many a sign within the heavens and earth do they pass over while they, therefrom, are turning away.

﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ﴾ أيْ: كَأيِّ عَدَدٍ شِئْتَ مِنَ الآياتِ والعَلاماتِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ وكَمالِ عِلْمِهِ وقدرته وحِكْمَتِهِ غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي جِئْتَ بِها ﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: كائِنَةٍ فِيهِما مِنَ الأجَرامِ الفَلَكِيَّةِ وما فِيها مِنَ النُّجُومِ وتَغَيُّرِ أحْوالِها، ومِنَ الجِبالِ والبِحارِ وسائِرِ ما في الأرْضِ مِنَ العَجائِبِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ أيْ: يُشاهِدُونَها ولا يَعْبَئُونَ بِها، وقُرِئَ بِرَفْعِ الأرْضِ عَلى الِابْتِداءِ ويَمُرُّونَ خَبَرُهُ، وقُرِئَ بِنَصْبِها عَلى مَعْنى ويَطَئُونَ الأرْضَ يَمُرُّونَ عَلَيْها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (والأرْضَ يَمْشُونَ عَلَيْها) والمُرادُ: ما يَرَوْنَ فِيها مِن آثارِ الأُمَمِ الهالِكَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ والعِبَرِ ﴿وَهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ غَيْرُ ناظِرِينَ إلَيْها ولا مُتَفَكِّرِينَ فِيها.

106

وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ

And most of them believe not in Allah except while they associate others with Him.

﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ﴾ في إقْرارِهِمْ بِوُجُودِهِ وخالِقِيَّتِهِ ﴿إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ بِعِبادَتِهِمْ لِغَيْرِهِ، أوْ بِاتِّخاذِهِمُ الأحْبارَ والرُّهْبانَ أرْبابًا، أوْ بِقَوْلِهِمْ بِاتِّخاذِهِ تَعالى ولَدًا، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، أوْ بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ، وهي جُلْمَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ: لا يُؤْمِنُ أكْثَرُهم إلّا في حالِ شِرْكِهِمْ، قِيلَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في أهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ: في المُنافِقِينَ، وقِيلَ: في أهْلِ الكِتابِ.

107

أَفَأَمِنُوٓا۟ أَن تَأْتِيَهُمْ غَٰشِيَةٌۭ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ

Then do they feel secure that there will not come to them an overwhelming [aspect] of the punishment of Allah or that the Hour will not come upon them suddenly while they do not perceive?

﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ أيْ: عُقُوبَةً تَغْشاهم وتَشْمَلُهم ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ فَجْأةً مِن غَيْرِ سابِقَةِ عَلامَةٍ ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِإتْيانِها غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لَها.

108

قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "This is my way; I invite to Allah with insight, I and those who follow me. And exalted is Allah; and I am not of those who associate others with Him."

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ وهي الدَّعْوَةُ إلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ والإخْلاصِ وفَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ بَيانٍ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ غَيْرِ عَمْياءَ، أوْ حالٍ مِنَ الضَّمِيرِ في سَبِيلِي، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ " أناْ " تَأْكِيدٌ لِلْمُسْتَكِنِّ في (أدْعُو)، أوْ (عَلى بَصِيرَةٍ) لِأنَّهُ حالٌ مِنهُ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (عَلى بَصِيرَةٍ) ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ ﴿وَسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ مُؤَكِّدٌ لِما سَبَقَ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ.

109

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰٓ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And We sent not before you [as messengers] except men to whom We revealed from among the people of cities. So have they not traveled through the earth and observed how was the end of those before them? And the home of the Hereafter is best for those who fear Allah; then will you not reason?

﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ ( ولَوْ شاءَ اللَّهُ لأنْزَلَ مَلائِكَةً)﴾ ﴿نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ كَما أوْحَيْنا إلَيْكَ وقُرِئَ بِالياءِ ﴿مِن أهْلِ القُرى﴾ لِأنَّهم أعْلَمُ وأحْلَمُ، وأهْلُ البَوادِي فِيهِمُ الجَهْلُ والجَفاءُ والقَسْوَةُ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ المُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ والآياتِ فَيَحْذَرُوا تَكْذِيبَكَ ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ﴾ أيِ: السّاعَةُ أوِ الحَياةُ الآخِرَةُ ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَسْتَعْمِلُوا عُقُولَكم لِتَعْرِفُوا خَيْرِيَّةَ دارِ الآخِرَةِ، وقُرِئَ بِالياءِ عَلى أنَّهُ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ (قُلْ).

110

حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ

[They continued] until, when the messengers despaired and were certain that they had been denied, there came to them Our victory, and whoever We willed was saved. And Our punishment cannot be repelled from the people who are criminals.

﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ غايَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ: لا يَغُرَّنَّهم تَمادِيهِمْ فِيما هم فِيهِ مِنَ الدَّعَةِ والرَّخاءِ، فَإنَّ مَن قَبْلَهم قَدْ أُمْهِلُوا حَتّى أيِسَ الرُّسُلُ عَنِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، أوْ عَنْ إيمانِهِمْ لِانْهِماكِهِمْ في الكُفْرِ وتَمادِيهِمْ في الطُّغْيانِ مِن غَيْرِ وازِعٍ ﴿وَظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ كَذَّبَتْهم أنْفُسُهم حِينَ حَدَّثَتْهم بِأنَّهم يُنْصَرُونَ عَلَيْهِمْ، أوْ كَذَّبَهم رَجاؤُهم فَإنَّهُ يُوصَفُ بِالصِّدْقِ والكَذِبِ، والمَعْنى: أنَّ مُدَّةَ التَّكْذِيبِ والعَداوَةِ مِنَ الكُفّارِ وانْتِظارَ النَّصْرِ مِنَ اللَّهِ تَعالى قَدْ تَطاوَلَتْ وتَمادَتْ حَتّى اسْتَشْعَرُوا القُنُوطَ وتَوَهَّمُوا أنْ لا نَصْرَ لَهم في الدُّنْيا ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ فَجْأةً، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: وظَنُّوا أنَّهم قَدْ أُخْلِفُوا ما وعَدَهُمُ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ، فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ فَلَعَلَّهُ أرادَ بِالظَّنِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ مِن شُبَهِ الوَسْوَسَةِ وحَدِيثِ النَّفْسِ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِالظَّنِّ تَهْوِيلًا لِلْخَطْبِ، وأمّا الظَّنُّ الَّذِي هو تَرَجُّحُ أحَدِ الجانِبَيْنِ عَلى الآخَرِ فَلا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مِن آحادِ الأُمَّةِ، فَما ظَنُّكَ بِالأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وهم هُمْ، ومَنزِلَتُهم في مَعْرِفَةِ شُئُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مَنزِلَتُهم.

وَقِيلَ: الضَّمِيرانِ لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: الأوَّلُ لَهُمْ، والثّانِي لِلرُّسُلِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ، أيْ: ظَنَّ الرُّسُلُ أنَّ القَوْمَ كَذَّبُوهم فِيما أوْعَدُوهُمْ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ عَلى بِناءِ الفاعِلِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلرُّسُلِ، أيْ: ظَنُّوا أنَّهم كَذَبُوا عِنْدَ قَوْمِهِمْ فِيما حَدَّثُوا بِهِ لَمّا تَراخى عَنْهم ولَمْ يَرَوْا لَهُ أثَرًا، أوْ عَلى أنَّ الأوَّلَ لِقَوْمِهِمْ ﴿فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ﴾ هُمُ الرُّسُلُ والمُؤْمِنُونَ بِهِمْ، وقُرِئَ (فَنُنَجِّي) عَلى لَفْظِ المُسْتَقْبَلِ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ وقُرِئَ (فَنَجا) ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ إذا نَزَلَ بِهِمْ وفِيهِ بَيانٌ لِمَن تَعَلَّقُ بِهِمُ المَشِيئَةُ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.