۞ رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًۭا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّٰلِحِينَ
My Lord, You have given me [something] of sovereignty and taught me of the interpretation of dreams. Creator of the heavens and earth, You are my protector in this world and in the Hereafter. Cause me to die a Muslim and join me with the righteous."
ولَمّا ذَكَرَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، تَذَكَّرَ ما وقَعَ لَهُ بِهِما مِنَ الأسْبابِ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ مَقامُ الشُّهُودِ وازْدادَتْ نَفْسُهُ عَنِ الدُّنْيا عُزُوفًا، فَقالَ مُخاطِبًا: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي﴾ وافْتَتَحَ بِـ ”قَدْ“ لِأنَّ الحالَ حالُ تَوَقُّعِ السّامِعِ لِشَرْحِ مَآلِ الرُّؤْيا ﴿مِنَ المُلْكِ﴾ أيْ بَعْضُهُ بَعُدَ بُعْدِي مِنهُ جِدًّا، وهو مَعْنى رُوحِهِ تَمامُ القُدْرَةِ ﴿وعَلَّمْتَنِي﴾ وقَصَرَ دَعْواهُ تَواضُعًا بِالإتْيانِ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ طِبْقَ ما بَشَّرَنِي بِهِ أبِي وأخْبَرْتُ بِهِ أنْتَ مِنَ التَّمْكِينِ والتَّعْلِيمِ قَبْلَ قَوْلِكَ، واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ؛ ثُمَّ ناداهُ بِوَصْفٍ جامِعٍ لِلْعِلْمِ والحِكْمَةِ فَقالَ: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ثُمَّ أعْلَمَهُ بِما هو أعْلَمُ بِهِ مِنهُ مِن أنَّهُ لا يَعُولُ عَلى غَيْرِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَقالَ \: ﴿أنْتَ ولِيِّي﴾ أيِ الأقْرَبُ إلَيَّ باطِنًا وظاهِرًا ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أيْ لا ولِيَّ لِي غَيْرُكَ، والوَلِيُّ يَفْعَلُ لِمَوْلاهُ الأصْلَحَ والأحْسَنَ، فَأحْسَنَ بِي في الآخِرَةِ أعْظَمُ ما أحْسَنْتَ بِي في الدُّنْيا.
ولَمّا كانَ تَوَلِّيهِ لِلَّهِ لا يَتِمُّ إلّا بِتَوَلِّي اللَّهِ لَهُ، أتْبَعَهُ بِما يُفِيدُهُ فَقالَ: ﴿تَوَفَّنِي﴾ أيِ اقْبِضْ رُوحِي وافِيًا تامًّا في جَمِيعِ أمْرِي حِسًّا ومَعْنى حالَ كَوْنِي ﴿مُسْلِمًا﴾ ولَمّا كانَ المُسْلِمُ حَقِيقَةَ مَن كانَ عَرِيقًا في الإخْلاصِ، حَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ فَتَوَفّاهُ اللَّهُ كَما سَألَ؛ قالُوا: وتَخاصَمَ أهْلُ مِصْرَ فِيهِ، كُلُّهم يَرْجُو أنْ يُدْفَنَ في مَحَلَّتِهِ يَرْجُو بَرَكَتَهُ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلى أنْ عَمِلُوا لَهُ صُنْدُوقًا مِن رُخامٍ ودَفَنُوهُ في وسَطِ النِّيلِ، لِيَفْتَرِقَ الماءُ عَلى جَمِيعِ الأرْضِ فَتَنالُها بِرْكَتُهُ وتُخَصَّبُ كُلُّها عَلى حَدٍّ سَواءٍ، ويَكُونُوا كُلُّهم في الماءِ سَواءٌ.
ذَكَرَ ما بَقِيَ مِنَ القِصَّةِ عَنِ التَّوْراةِ:
قالَ بَعْدَما مَضى: فَلَمْ يَقْدِرْ يُوسُفُ عَلى الصَّبْرِ - يَعْنِي عَلى تَرَفُّقِ إخْوَتِهِ - فَأمَرَ بِإخْراجِ جَمِيعِ مَن كانَ عِنْدَهُ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ أحَدٌ حَيْثُ ظَهَرَ يُوسُفُ لِإخْوَتِهِ، فَرَفَعَ صَوْتَهُ فَبَكى حَتّى سَمِعَ المِصْرِيُّونَ فَأخْبَرُوا في آلِ فِرْعَوْنَ، فَقالَ يُوسُفُ لِإخْوَتِهِ: أنا أخُوكم يُوسُفُ، هَلْ أبِي باقٍ؟ فَلَمْ يَقْدِرْ إخْوَتُهُ عَلى إجابَتِهِ لِأنَّهم رَهِبُوهُ، فَقالَ يُوسُفُ لِإخْوَتِهِ: ادْنُوا مِنِّي [فَدَنَوْا] فَقالَ لَهُمْ: أنا يُوسُفُ الَّذِي بِعْتُمُونِي لِمَن ورَدَ إلى مِصْرَ، والآنَ فَلا تَحْزَنُوا، ولا يَشُقَّنَّ عَلَيْكم ذَلِكَ، ولا يَشْتَدَّنَّ عَلَيْكم بَيْعُكم إيّايَ إلى ما هُنا، لِأنَّ اللَّهَ أرْسَلَنِي أمامَكم لِأُعِدَّ لَكُمُ القُوتَ، لِأنَّ لِلْجُوعِ مُذْ أتى سَنَتَيْنِ، وسَتَأْتِي خَمْسُ سِنِينَ أُخَرُ لا يَكُونُ فِيها زَرْعٌ ولا حَصادٌ، فَأرْسَلَنِي الرَّبُّ أمامَكم لِأصِيرَ لَكم بَقاءً في الأرْضِ وأخْلَصَكم وأسْتَنْقِذُكُمْ، لِتَحْيَوْا وتَسْتَبْشِرُوا عَلى الأرْضِ، والآنَ فَلَسْتُمْ أنْتُمُ الَّذِينَ بَعَثْتُمُونِي إلى هاهُنا بَلِ اللَّهُ أرْسَلَنِي وجَعَلَنِي أبًا لِفِرْعَوْنَ وسَيِّدًا لِجَمِيعِ أهْلِ بَيْتِهِ، ومُسَلِّطًا عَلى جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ، فاصْعَدُوا الآنَ عِجِلِينَ عَلَيَّ بِأبِي وقُولُوا لَهُ: هَكَذا يَقُولُ ابْنُكَ يُوسُفُ: إنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي سَيِّدًا لِجَمِيعِ أهْلِ مِصْرَ، فاهْبِطْ إلَيَّ ولا تَتَأخَّرْ، وانْزِلْ إلى أرْضِ السَّدِيرِ - وفي نُسْخَةٍ: خَشّانَ - فَكُنْ قَرِيبًا مِنِّي …