Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 101–110 of 111

101

۞ رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًۭا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّٰلِحِينَ

My Lord, You have given me [something] of sovereignty and taught me of the interpretation of dreams. Creator of the heavens and earth, You are my protector in this world and in the Hereafter. Cause me to die a Muslim and join me with the righteous."

ولَمّا ذَكَرَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، تَذَكَّرَ ما وقَعَ لَهُ بِهِما مِنَ الأسْبابِ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ مَقامُ الشُّهُودِ وازْدادَتْ نَفْسُهُ عَنِ الدُّنْيا عُزُوفًا، فَقالَ مُخاطِبًا: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي﴾ وافْتَتَحَ بِـ ”قَدْ“ لِأنَّ الحالَ حالُ تَوَقُّعِ السّامِعِ لِشَرْحِ مَآلِ الرُّؤْيا ﴿مِنَ المُلْكِ﴾ أيْ بَعْضُهُ بَعُدَ بُعْدِي مِنهُ جِدًّا، وهو مَعْنى رُوحِهِ تَمامُ القُدْرَةِ ﴿وعَلَّمْتَنِي﴾ وقَصَرَ دَعْواهُ تَواضُعًا بِالإتْيانِ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ طِبْقَ ما بَشَّرَنِي بِهِ أبِي وأخْبَرْتُ بِهِ أنْتَ مِنَ التَّمْكِينِ والتَّعْلِيمِ قَبْلَ قَوْلِكَ، واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ؛ ثُمَّ ناداهُ بِوَصْفٍ جامِعٍ لِلْعِلْمِ والحِكْمَةِ فَقالَ: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ثُمَّ أعْلَمَهُ بِما هو أعْلَمُ بِهِ مِنهُ مِن أنَّهُ لا يَعُولُ عَلى غَيْرِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَقالَ \: ﴿أنْتَ ولِيِّي﴾ أيِ الأقْرَبُ إلَيَّ باطِنًا وظاهِرًا ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أيْ لا ولِيَّ لِي غَيْرُكَ، والوَلِيُّ يَفْعَلُ لِمَوْلاهُ الأصْلَحَ والأحْسَنَ، فَأحْسَنَ بِي في الآخِرَةِ أعْظَمُ ما أحْسَنْتَ بِي في الدُّنْيا.

ولَمّا كانَ تَوَلِّيهِ لِلَّهِ لا يَتِمُّ إلّا بِتَوَلِّي اللَّهِ لَهُ، أتْبَعَهُ بِما يُفِيدُهُ فَقالَ: ﴿تَوَفَّنِي﴾ أيِ اقْبِضْ رُوحِي وافِيًا تامًّا في جَمِيعِ أمْرِي حِسًّا ومَعْنى حالَ كَوْنِي ﴿مُسْلِمًا﴾ ولَمّا كانَ المُسْلِمُ حَقِيقَةَ مَن كانَ عَرِيقًا في الإخْلاصِ، حَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ فَتَوَفّاهُ اللَّهُ كَما سَألَ؛ قالُوا: وتَخاصَمَ أهْلُ مِصْرَ فِيهِ، كُلُّهم يَرْجُو أنْ يُدْفَنَ في مَحَلَّتِهِ يَرْجُو بَرَكَتَهُ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلى أنْ عَمِلُوا لَهُ صُنْدُوقًا مِن رُخامٍ ودَفَنُوهُ في وسَطِ النِّيلِ، لِيَفْتَرِقَ الماءُ عَلى جَمِيعِ الأرْضِ فَتَنالُها بِرْكَتُهُ وتُخَصَّبُ كُلُّها عَلى حَدٍّ سَواءٍ، ويَكُونُوا كُلُّهم في الماءِ سَواءٌ.

ذَكَرَ ما بَقِيَ مِنَ القِصَّةِ عَنِ التَّوْراةِ:

قالَ بَعْدَما مَضى: فَلَمْ يَقْدِرْ يُوسُفُ عَلى الصَّبْرِ - يَعْنِي عَلى تَرَفُّقِ إخْوَتِهِ - فَأمَرَ بِإخْراجِ جَمِيعِ مَن كانَ عِنْدَهُ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ أحَدٌ حَيْثُ ظَهَرَ يُوسُفُ لِإخْوَتِهِ، فَرَفَعَ صَوْتَهُ فَبَكى حَتّى سَمِعَ المِصْرِيُّونَ فَأخْبَرُوا في آلِ فِرْعَوْنَ، فَقالَ يُوسُفُ لِإخْوَتِهِ: أنا أخُوكم يُوسُفُ، هَلْ أبِي باقٍ؟ فَلَمْ يَقْدِرْ إخْوَتُهُ عَلى إجابَتِهِ لِأنَّهم رَهِبُوهُ، فَقالَ يُوسُفُ لِإخْوَتِهِ: ادْنُوا مِنِّي [فَدَنَوْا] فَقالَ لَهُمْ: أنا يُوسُفُ الَّذِي بِعْتُمُونِي لِمَن ورَدَ إلى مِصْرَ، والآنَ فَلا تَحْزَنُوا، ولا يَشُقَّنَّ عَلَيْكم ذَلِكَ، ولا يَشْتَدَّنَّ عَلَيْكم بَيْعُكم إيّايَ إلى ما هُنا، لِأنَّ اللَّهَ أرْسَلَنِي أمامَكم لِأُعِدَّ لَكُمُ القُوتَ، لِأنَّ لِلْجُوعِ مُذْ أتى سَنَتَيْنِ، وسَتَأْتِي خَمْسُ سِنِينَ أُخَرُ لا يَكُونُ فِيها زَرْعٌ ولا حَصادٌ، فَأرْسَلَنِي الرَّبُّ أمامَكم لِأصِيرَ لَكم بَقاءً في الأرْضِ وأخْلَصَكم وأسْتَنْقِذُكُمْ، لِتَحْيَوْا وتَسْتَبْشِرُوا عَلى الأرْضِ، والآنَ فَلَسْتُمْ أنْتُمُ الَّذِينَ بَعَثْتُمُونِي إلى هاهُنا بَلِ اللَّهُ أرْسَلَنِي وجَعَلَنِي أبًا لِفِرْعَوْنَ وسَيِّدًا لِجَمِيعِ أهْلِ بَيْتِهِ، ومُسَلِّطًا عَلى جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ، فاصْعَدُوا الآنَ عِجِلِينَ عَلَيَّ بِأبِي وقُولُوا لَهُ: هَكَذا يَقُولُ ابْنُكَ يُوسُفُ: إنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي سَيِّدًا لِجَمِيعِ أهْلِ مِصْرَ، فاهْبِطْ إلَيَّ ولا تَتَأخَّرْ، وانْزِلْ إلى أرْضِ السَّدِيرِ - وفي نُسْخَةٍ: خَشّانَ - فَكُنْ قَرِيبًا مِنِّي …

102

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوٓا۟ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ

That is from the news of the unseen which We reveal, [O Muhammad], to you. And you were not with them when they put together their plan while they conspired.

ولَمّا تَمَّ الَّذِي كانَ مِن أمْرِهِمْ عَلى هَذا الوَجْهِ الأحْكَمِ والصِّراطِ الأقْوَمِ مِنَ ابْتِدائِهِ إلى انْتِهائِهِ، قالَ مُشِيرًا إلى أنَّهُ دَلِيلٌ كافٍ في تَصْحِيحِ دَعْوى النُّبُوَّةِ مُخاطِبًا لِمَن لا يَفْهَمُ هَذا الحَقَّ فَهْمَهُ غَيْرُهُ، مُسَلِّيًا لَهُ مُثَّبِتًا لِفُؤادِهِ وشارِحًا لِصَدْرِهِ، مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي السُّؤالُ عَنْهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ النَّبَأِ العالِي الرُّتْبَةِ الَّذِي قَصَصْناهُ قَصًّا يُعْجِزُ البُلَغاءَ مِن حَمَلَتِهِ ورُواتِهِ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ أيْ أخْبارِهِ الَّتِي لَها شَأْنٌ عَظِيمٌ ﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ وعَبَّرَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ تَصْوِيرًا لِحالِ الإيحاءِ الشَّرِيفِ وإشارَةً إلى أنَّهُ لا يَزالُ مَعَهُ يَكْشِفُ لَهُ ما يُرِيدُ ”و“ الحالُ أنَّكَ ”ما كُنْت لَدَيْهِمْ“ أيْ عِنْدِ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في هَذا النَّبَأِ الغَرِيبِ جِدًّا ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ عَلى رَأْيٍ واحِدٍ في إلْقاءِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [فِي الجُبِّ] بَعْدَ أنْ كانَ مُقْسِمًا ﴿وهم يَمْكُرُونَ﴾ أيْ يُدَبِّرُونَ الأذى في خُفْيَةٍ، مِنَ المَكْرِ وهو القَتْلُ - لِتَعْرِفَ ذَلِكَ بِالمُشاهَدَةِ، وانْتِفاءِ تَعَلُّمِكَ لِذَلِكَ مِن بَشَرٍ مِثْلِ انْتِفاءِ كَوْنِكَ لَدَيْهِمْ في ذَلِكَ الحِينِ، ومِنَ المُحَقَّقِ لَدى كُلِّ ذِي لُبٍّ أنَّهُ لا عِلْمَ إلّا بِتَعْلِيمٍ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا مُعَلِّمَ لَكَ إلّا اللَّهُ كَما عَلِمَ إخْوانُكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، [فَيا لَهُ] مِن دَلِيلٍ جَلَّ عَنْ مَثِيلٍ، وهَذا [مَنَ] المَذْهَبِ الكَلامِيِّ، وهو إيرادُ حُجَّةٍ تَكُونُ بَعْدَ تَسْلِيمِ المُقَدِّماتِ مُسْتَلْزَمَةً لِلْمَطْلُوبِ، وهو تَهَكُّمٌ عَظِيمٌ مِمَّنْ كَذَبَ النَّبِيَّ ﷺ.

103

وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ

And most of the people, although you strive [for it], are not believers.

ولَمّا سَألَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - كَما نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ [ ابْنِ] الأنْبارِيِّ - عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنَزَلَتْ مَشْرُوحَةً هَذا الشَّرْحَ الشّافِيَ، مُبَيِّنَةً هَذا البَيانَ الوافِيَ، فَأمَلَ ﷺ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبُ [إسْلامِهِمْ] فَخالَفُوا تَأْمِيلَهُ، عَزّاهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما﴾ أيْ نُوحِيهِ إلَيْكَ عَلى هَذا الوَجْهِ المُقْتَضِي لِإيمانِهِمْ والحالُ أنَّهُ ما ﴿أكْثَرُ النّاسِ﴾ أيْ كُلِّهِمْ مَعَ ذَلِكَ لِأجْلِ ما لَهم مِنَ الِاضْطِرابِ ﴿ولَوْ حَرَصْتَ﴾ أيْ عَلى إيمانِهِمْ ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُخْلِصِينَ في إيمانِهِمْ واصِفِينَ اللَّهَ بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ التَّنَزُّهِ عَنْ شَوائِبِ النَّقْصِ، فَلا تَظُنَّ أنَّهم يُؤْمِنُونَ لِإنْزالِ ما يَقْتَرِحُونَ [مِنَ] الآياتِ، أوْ لِتَرْكِ ما يَغِيظُهم مِنَ الإنْذارِ؛ والكَثِيرُ - قالَ الرُّمّانِيُّ: العُدَّةُ الزّائِدَةُ عَلى مِقْدارِ غَيْرِها، والأكْثَرُ: القَسَمُ الزّائِدُ عَلى القَسَمِ الآخَرِ مِنَ الجُمْلَةِ، ونَقِيضُهُ الأقَلُّ؛ والنّاسُ: جَماعَةُ الإنْسانِ، وهو مِن ناسَ يَنُوسُ - إذا تَحَرَّكَ يَمِينًا وشِمالًا مِن نَفْسِهِ لا بِجَرِّ غَيْرِهِ.

104

وَمَا تَسْـَٔلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ لِّلْعَٰلَمِينَ

And you do not ask of them for it any payment. It is not except a reminder to the worlds.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ذَكَرَ ما يَعْجَبُ [مَعَهُ] مِنهُ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ هم عَلى ذَلِكَ والحالُ أنَّ مُوجِبَ إيمانِهِمْ مَوْجُودٌ، وذَلِكَ أنَّكَ - مَعَ دُعائِهِمْ إلى الطَّرِيقِ الأقْوَمِ وإيتانِكَ عَلَيْهِ بِأوْضَحِ الدَّلائِلِ ما ﴿تَسْألُهم عَلَيْهِ﴾ أيْ هَذا الكِتابَ الَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن أجْرٍ﴾ حَتّى يَكُونَ سُؤالُكَ سَبَبًا لِأنْ يَتَّهِمُوكَ أوْ يَقُولُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ لِيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنْ سُؤالِنا.

ولَمّا نَفى عَنْهم سُؤالَهُمُ الأجْرَ، نَفى عَنْ هَذا الذِّكْرِ كُلَّ غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ فَقالَ: ﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ هَذا الكِتابِ ﴿إلا ذِكْرٌ﴾ أيْ تَذْكِيرٌ وشَرَفٌ ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ قالَ الرُّمّانِيُّ: والذِّكْرُ: حُضُورُ المَعْنى لِلنَّفْسِ، والعالَمُ: جَماعَةُ الحَيَوانِ الكَثِيرَةِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَعْلَمَ، لِأنَّهُ أخَذَ مِنَ العِلْمِ، وفِيهِ مَعْنى التَّكْثِيرِ، وقَدْ يُقالُ: عالَمُ الفَلَكِ وما حَواهُ عَلى طَرِيقِ التَّبَعِ لِلْحَيَوانِ الَّذِي نَنْتَفِعُ بِهِ وهو مَجْعُولٌ لِأجْلِهِ.

105

وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍۢ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ

And how many a sign within the heavens and earth do they pass over while they, therefrom, are turning away.

ولَمّا كانَ القُرْآنُ العَظِيمُ أعْظَمَ الآياتِ بِما أنْبَأ فِيهِ عَنِ الأخْبارِ الماضِيَةِ والكَوائِنِ الآتِيَةِ عَلى ما هي عَلَيْهِ مُضَمَّنَةً مِنَ الحُكْمِ والأحْكامِ، في أسالِيبِ البَلاغَةِ الَّتِي لا تُرامُ، وغَيْرُ ذَلِكَ ما لا يُحْصَرُ بِنِظامٍ، كَما أشارَ إلَيْهِ أوَّلَ السُّورَةِ، كانَ رُبَّما قِيلَ: إنَّ هَذا رُبَّما لا يَعْلَمُهُ إلّا الرّاسِخُونَ فِي العُلُومِ الإلَهِيَّةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ الإشارَةُ إلى أنَّ لَهُ تَعالى غَيْرَهُ مِنَ الآياتِ الَّتِي لا تَحْتاجُ لِوُضُوحِها إلى أكْثَرِ مِنَ العَقْلِ ما لا يُحِيطُ بِهِ الحَصْرُ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ﴾ أيْ عَلامَةٍ كَبِيرَةٍ عَظِيمَةٍ دالَّةٍ عَلى وحْدانِيَّتِهِ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ أيْ كالنَّيِّرَيْنِ وسائِرِ الكَواكِبِ والسَّحابِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿والأرْضِ﴾ مِنَ الجِبالِ والشَّجَرِ والدَّوابِّ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصِيهِ العَدُّ - كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ في [سُورَةِ الرَّعْدِ] مُفَصَّلًا ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ مُشاهَدَةً بِالحِسِّ ظاهِرَةً غَيْرَ خَفِيَّةٍ ﴿وهم عَنْها﴾ أيْ خاصَّةً لا عَنْ مَلاذِهِمْ وشَهَواتِهِمْ بِها ﴿مُعْرِضُونَ﴾ أيْ عَنْ دَلالَتِها عَلى السَّعادَةِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ وما يَتْبَعُها.

106

وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ

And most of them believe not in Allah except while they associate others with Him.

ولَمّا كانَ رُبَّما قِيلَ: كَيْفَ يُوصَفُونَ بِالإعْراضِ وهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ فاعِلٌ تِلْكَ الآياتِ، بَيَّنَ أنَّ إشْراكَهم مُسْقِطٌ لِذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ﴾ أيِ النّاسُ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا شَيْءَ إلّا وهو داعٍ إلى الإيمانِ بِهِ، لِأنَّهُ المُخْتَصُّ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ بِهِ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ فَضْلًا عَنْ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ، كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهم ورازِقُهم ويَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، وكَذا المُنافِقُونَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرانَ، وكَذا أهْلُ الكِتابَيْنِ يُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ ويُقَلِّدُونَ عُلَماءَهم فِي الكُفْرِ بِغَيْرِهِ، فَعَلِمَ أنَّ إذْعانَهم بِهَذا الإيمانِ غَيْرُ تابِعٍ لِدَلِيلٍ، وهو مَحْضُ تَقْلِيدٍ لِمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا، لِما سَبَقَ فِيهِ مِن عَلْمِ اللَّهِ أنَّهُ لا صَلاحِيَةَ لَهُ فَأفْسَدَهُ بِما شابَهَهُ بِهِ مِنَ الشِّرْكِ، والآيَةُ صالِحَةٌ لِإرادَةِ الشِّرْكِ الخَفِيِّ [الَّذِي] أشارَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ”الشِّرْكُ أخْفى في أُمَّتِي [مِن] دَبِيبِ النَّمْلِ“ وهو شِرْكُ الأسْبابِ الَّتِي قَدَّرَ اللَّهُ وُصُولَ ما يَصِلُ إلى العَبْدِ بِواسِطَتِها، فَقُلْ مَن يَتَخَطّى مِنَ الأسْبابِ إلى مُسَبِّبِها! قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وقالَ الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ التِّرْمِذِيُّ: إنَّما هو شَكٌّ وشِرْكٌ فالشَّكُّ ضِيقُ الصَّدْرِ عِنْدَ النَّوائِبِ، ومِنهُ ثَوْبٌ مَشْكُوكٌ، والشِّرْكُ تَعَلُّقُ القَلْبِ بِالشَّيْءِ وإنَّما يُوَسِّعُ الصَّدْرَ نُورُ اليَقِينِ، وإنَّما يَتَخَلَّصُ مِنَ الشِّرْكِ بِنُورِ التَّوْحِيدِ، فَعِنْدَ هَذا يَتَوَلّاهُ اللَّهُ تَعالى، وقالَ الواسِطِيُّ: إلّا وهم مُشْرِكُونَ: في مُلاحَظَةِ الخَواطِرِ والحَرَكاتِ.

107

أَفَأَمِنُوٓا۟ أَن تَأْتِيَهُمْ غَٰشِيَةٌۭ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ

Then do they feel secure that there will not come to them an overwhelming [aspect] of the punishment of Allah or that the Hour will not come upon them suddenly while they do not perceive?

ولَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنِ ارْتِباكِهِمْ في أشْراكِ إشْراكِهِمْ، وأنَّهم يَتَعامَوْنَ عَنِ الأدِلَّةِ في الدُّنْيا، وكانَ الأكْثَرُ المُبْهَمُ القَطْعَ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ مِن تَوْجِيهِ الأمْرِ والنَّهْيِ والحَثِّ والزَّجْرِ إلى الجَمِيعِ وهم فِي غِمارِهِمْ، وكانَ بَعْضُ النّاسُ كالحِمارِ لا يَنْقادُ إلّا بِالعَذابِ، قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿أفَأمِنُوا﴾ إنْكارًا فِيهِ مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ ﴿أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ﴾ أيْ شَيْءٌ يُغَطِّيهِمْ ويَبْرُكَ عَلَيْهِمْ ويُحِيطُ بِهِمْ ﴿مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ في الدُّنْيا كَما أتى مِن ذِكْرِنا قِصَصَهم مِنَ الأُمَمِ.

ولَمّا كانَ العاقِلُ يَنْبَغِي لَهُ الحَذَرُ مِن كُلِّ مُمْكِنٍ وإنْ كانَ لا يُقَرِّبُهُ، قالَ تَعالى: ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ وأشارَ إلى أشَدِّ ما يَكُونُ مِن ذَلِكَ عَلى القُلُوبِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ وهم عَنْها في غايَةِ الغَفْلَةِ بِعَدَمِ تَوَقُّعِها أصْلًا؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: قالَ يَزِيدُ بْنُ مُقْسِمٍ الثَّقَفِيُّ:

ولَكِنَّهم بانُوا ولَمْ أدْرِ بَغْتَةً وأفْظَعَ شَيْءٍ حِينَ يَفْجَئُوكَ البَغْتَ

ولَمّا كانَ هَذا المَعْنى مَهُولًا، أكَّدَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ نَوْعًا مِنَ الشُّعُورِ ولَوْ أنَّهُ كالشَّعْرَةِ، إعْلامًا بِشِدَّةِ جَهْلِهِمْ في أنَّ حالَهم حالُ مَن هو في غايَةِ الأمْنِ مِمّا أقَلَّ أحْوالَهُ أنَّهُ مُمْكِنٌ، لِأنَّ الشُّعُورَ إدْراكُ الشَّيْءِ بِما يَلْطُفُ كَدِقَّةِ الشَّعْرِ، وإنَّما قُلْتُ: إنَّهُ تَأْكِيدٌ، لِأنَّهُ مَعْنى البَغْتَةِ؛ قالَ الإمامُ أبُو بَكْرٍ الزَّبِيدِيُّ في مُخْتَصَرِ العَيْنِ: البَغْتَةُ: المُفاجَأةُ، وقالَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ في دِيوانِهِ: فاجَأْتُ الرَّجُلَ مُفاجَأةً - إذا جِئْتَهُ عَلى غَفْلَةٍ مُغافَصَةً، ثُمَّ قالَ: وفاجَأْتُهُ مُفاجَأةً - إذا لَقِيتَهُ ولَمْ يَشْعُرْ بِكَ، وفي تَرْتِيبِ المُحْكَمِ: فَجِئَهُ الأمْرُ [وفَجَأهُ] وفاجَأهُ مُفاجَأةً: هَجَمَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَشْعُرَ بِهِ، ويَلْزَمَ ذَلِكَ الإسْراعُ وهو مَدارُ هَذِهِ المادَّةِ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ أيْضًا التَّغَبَ - بِتَقْدِيمِ المُثَنّاةِ مُحَرِّكًا وهو الهَلاكُ، لِأنَّهُ أقْرَبُ شَيْءٍ إلى الإنْسانِ إذْ هو الأصْلُ في حالِ الحَدَثِ، والسَّلامَةُ فِيهِ هي العَجَبِ، والتَّغَبِ أيْضًا: الوَسَخُ والدَّرَنُ، وتَغِبَ - بِكَسْرِ الغَيْنِ: صارَ فِيهِ عَيْبٌ، ويُقالُ لِلْقَحْطِ: تِغْبَةً - بِالتَّحْرِيكِ، والتَّغْبُ - ساكِنًا: القَبِيحُ والرِّيبَةُ، وكُلُّ ذَلِكَ أسْرَعُ إلى الإنْسانِ مِن أضْدادِهِ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ، وما ذاكَ إلّا لِأنَّ هَذِهِ الدّارَ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهِ.

108

قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "This is my way; I invite to Allah with insight, I and those who follow me. And exalted is Allah; and I am not of those who associate others with Him."

ولَمّا وصَفَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ ﷺ أكْثَرَ النّاسِ بِما وصَفَ مِن سُوءِ الطَّرِيقَةِ لِلتَّقْلِيدِ الَّذِي مَنشَؤُهُ الإعْراضُ عَنِ الأدِلَّةِ المُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ، أمَرَ أنْ يُذْكَرَ طَرِيقَ الخُلَّصِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ يا أعْلى الخَلْقِ وأصْفاهم وأعْظَمَهم نُصْحًا وإخْلاصًا: ﴿هَذِهِ﴾ أيِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ عَلى ما دَعا إلَيْهِ كِتابُ اللَّهِ وسُنَّنُهُ ﷺ ﴿سَبِيلِي﴾ القَرِيبَةُ المَأْخَذِ، الجَلِيَّةُ الأمْرِ، الجَلِيلَةُ الشَّأْنِ، الواسِعَةُ الواضِحَةُ جِدًّا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما هِيَ؟ فَقالَ: ﴿أدْعُو﴾ كُلُّ مَن يَصِحُّ دُعاؤُهُ ﴿إلى اللَّهِ﴾ الحائِزُ لِجَمِيعِ الكَمالِ حالَ كَوْنِي ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ حُجَّةٍ واضِحَةٍ مِن أمْرِي بِنَظَرَيِ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ والبَراهِينِ السّاطِعَةِ وتَرْكِ التَّقْلِيدِ الدّالِّ عَلى الغَباوَةِ والجُمُودِ، لِأنَّ البَصِيرَةَ المُعَرَّفَةَ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها الحَقُّ مِنَ الباطِلِ دِينًا ودُنْيا بِحَيْثُ يَكُونُ كَأنَّهُ يُبَصِّرُ المَعْنى بِالعَيْنِ.

ولَمّا كانَ المَوْضِعُ في غايَةِ الشَّرَفِ، أكَّدَ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ تَعْيِينًا وتَنْبِيهًا عَلى التَّأهُّلِ لِظُهُورِ الإمامَةِ، فَقالَ: ﴿أنا ومَنِ﴾ أيْ ويَدْعُو كَذَلِكَ مَنِ ﴿اتَّبَعَنِي﴾ لا كَمَن هو عَلى عَمًى جائِرٍ عَنِ القَصْدِ، حائِرٍ في ضَلالِ التَّقْلِيدِ، فَهو لا يَزالُ في غَفْلَةٍ هَدَفًا لِلْحُتُوفِ؛ والِاتِّباعِ: طَلَبُ الثّانِي اللَّحاقَ بِالأوَّلِ لِلْمُوافَقَةِ في مَكانِهِ أوْ في أمْرِهِ الَّذِي دَعا إلَيْهِ، ومِمّا دَخَلَ تَحْتَ ”قُلْ“ عَطْفًا عَلى ”أدَعَوْ“ قَوْلُهُ: مُنَبِّهًا عَلى أنَّ شَرْطَ كُلِّ دَعْوَةٍ إلَيْهِ سُبْحانَهُ اقْتِرانُها بِتَنْزِيهِهِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ - ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ﴾ أيْ وأسْبَحُ الَّذِي اخْتَصَّ بِصِفاتِ الكَمالِ سُبْحانًا، أيْ أُقَدِّرُهُ حَقَّ قَدْرِهِ فَأثْبَتَ لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ما يَلِيقُ بِجَلالِهِ، وأُنَزِّهُهُ عَمّا هو مُتَعالٍ عَنْهُ تَنْزِيهًا يَعْلَمُ هم أنَّهُ يَلِيقُ بِجَلالَةٍ ويَرْضى بِهِ، وفي تَخْصِيصِ اللَّهِ بِذَلِكَ عَقِبَ ما أثْبَتَ لَهُ ولِأتْباعِهِ تَلْوِيحٌ بِنِسْبَةِ النَّقْصِ إلَيْهِمْ تَواضُعًا، واعْتِذارًا عَمّا يَلْحَقُهم مِنَ الوَهْنِ وطَلَبًا لِلْعَفْوِ عَنْهُ ﴿وما أنا﴾ وعَدَلَ عَنْ ”مُشْرِكًا“ إلى أبْلَغَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ في عِدادِ مَن يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، لِأنِّي عَلِمْتُ بِما آتانِي مِنَ البَصِيرَةِ أنَّهُ مَنعُوتٌ بِنُعُوتِ الكَمالِ، مُنَزَّهٌ عَنْ سِماتِ النَّقْصِ، مُتَعالٍ عَنْها، وأنَّ ذَلِكَ أوَّلُ واجِبٍ لِأنَّهُ الواحِدُ الَّذِي جَلَّ عَنِ المُجانَسَةِ، القَهّارُ الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ، وفُسِّرَتْ ”سُبْحانَ“ بِما تَقَدَّمَ لِأنَّ مادَّةَ ”سَبَحَ“ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ تَدُورُ عَلى القَدَرِ والشِّدَّةِ والِاتِّساعِ؛ وتارَةً يَقْتَصِرُ [فِيهِ] عَلى الكِفايَةِ ومِنهُ الحَسَبُ: مِقْدارُ الشَّيْءِ. وتارَةً يَقْتَصِرُ [فِيهِ] عَلى الكِفايَةِ فَيَلْزَمُهُ الحَصْرُ ومِنهُ: أحْسَبَنِي الشَّيْءَ: كَفانِي، واحْتِسابُ الأجْرِ: الِاكْتِفاءُ بِهِ، والحِسابُ: مَعْرِفَةُ المِقْدارِ، والحَسَبُ بِمَعْنى الظَّنِّ راجِعٌ إلى ذَلِكَ أيْضًا، والأحْسَبُ: الَّذِي ابْيَضَّتْ جِلْدَتُهُ مِن داءٍ وفَسَدَتْ شَعْرَتُهُ، بِمَعْنى أنَّ ذَلِكَ الدّاءَ كَفاهُ في الفَسادِ عَنْ كُلِّ داءٍ كَأنَّهُ ما بَقِيَ يَسَعُ مَعَهُ داءٌ، والتَّحْسِيبُ: التَّكْفِينُ بِما يَسَعُ المَيِّتَ، وهو كِفايَةٌ لَهُ لا يَحْتاجُ بَعْدَهُ إلى شَيْءٍ، ومِنهُ الحَبْسُ وهو المَنعُ مِن مُجاوَزَةِ الكِفايَةِ؛ وتَتَجاوَزُ الكِفايَةُ …

109

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰٓ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And We sent not before you [as messengers] except men to whom We revealed from among the people of cities. So have they not traveled through the earth and observed how was the end of those before them? And the home of the Hereafter is best for those who fear Allah; then will you not reason?

ولَمّا أوْضَحَ إبْطالُ ما تَعَنَّتُوا بِهِ مِن قَوْلِهِمْ ”لَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ“ أتْبَعُهُ ما يُوَضِّحُ تَعَنُّتَهم في قَوْلِهِمْ ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] بِذِكْرِ المُرْسَلِينَ، وأهْلِ السَّبِيلِ المُسْتَقِيمِ، الدّاعِينَ إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ، فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ.ولَمّا كانَ الإرْسالُ لِشَرَفِهِ لا يَتَأتّى عَلى ما جَرَتْ بِهِ الحِكْمَةُ في كُلِّ زَمَنٍ كَما أنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ كُلُّ أحَدٍ، وكانَ السِّياقُ لِإنْكارِ التَّأْيِيدِ بِمَلَكٍ في قَوْلِهِ ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] كالَّذِي في النَّحْلِ، لا لِإنْكارِ رِسالَةِ البَشَرِ، أدْخَلَ الجارَّ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ إلى المُكَلَّفِينَ ﴿إلا رِجالا﴾ أيْ مِثْلُ ما أنَّكَ رَجُلٌ، لا مَلائِكَةَ ولا إناثًا - كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والرَّجُلُ مَأْخُوذٌ مِنَ المَشْيِ عَلى الرَّجُلِ ﴿نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ أيْ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ مِثْلَ ما يُوحى إلَيْكَ ﴿مِن أهْلِ القُرى﴾ مَثَلُ ما أنَّكَ مِن أهْلِ القُرى، أيِ الأماكِنُ المَبْنِيَّةُ بِالمَدَرِ والحَجَرِ ونَحْوِهِ، لِأنَّها مُتَهَيِّئَةٌ لِلْإقامَةِ والِاجْتِماعِ وانْتِيابِ أهْلِ الفَضائِلِ، وذَلِكَ أجْدَرُ بِغَزارَةِ العَقْلِ وأصالَةِ الرَّأْيِ وحِدَّةِ الذِّهْنِ وتَوْلِيدِ المَعارِفِ مِنَ البَوادِي، ومَكَّةُ أُمُّ القُرى في ذَلِكَ لِأنَّها مَجْمَعٌ لِجَمِيعِ الخَلائِقِ لِما أمَرُوا بِهِ مِن حَجِّ البَيْتِ، وكانَ العَرَبُ كُلُّهم يَأْتُونَها؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا مِن أهْلِ البادِيَةِ ولا مِنَ الجِنِّ ولا مِنَ النِّساءِ - انْتَهى.

وذَلِكَ لِأنَّ المُدُنَ مَواضِعُ الحِكْمَةِ، والبَوادِي مُواطِنُ لِظُهُورِ الكَلِمَةِ، ولَمّا كانَتْ مَكَّةُ أوِ القُرى مَدِينَةً، وهي مَعَ ذَلِكَ في بِلادِ البادِيَةِ، جَمَعَتِ الأمْرَيْنِ وفازَتْ بِالأثَرَيْنِ، لِأجْلِ أنَّ المُرْسَلَ إلَيْها جامِعٌ لِكُلِّ ما تَفَرَّقَ في غَيْرِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ، وخاتَمٌ لِجَمِيعِ النَّبِيِّينَ ﷺ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.

ومادَّةُ ”قُرى“ - يائِيَّةٌ وواوِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِتَراكِيبِها الخَمْسَةَ عَشَرَ - تَدُورُ عَلى الجَمْعِ، ويُلْزِمُهُ الإمْساكَ، ورُبَّما كانَ عَنْهُ الِانْتِشارُ، فالقَرْيَةُ - بِالفَتْحِ ويَكْسِرُ: المُصِرُّ الجامِعُ، وأقْرى: لَزِمَ القَرْيَةَ، والقارِيُّ: ساكِنُها، والقارِّيَّةُ: الحاضِرَةُ الجامِعَةُ، وطَيْرٌ أخْضَرُ، إمّا لِلُزُومِها، وإمّا لِجَمْعِ لَوْنِهِ لِلْبَصَرِ، والقَرْيَتَيْنِ - مُثَنّى وأكْثَرُ ما يَتَلَفَّظُ بِهِ بِالياءِ: مَكَّةُ والطّائِفُ، وقَرْيَةُ النَّمْلِ: مُجْتَمَعُ تُرابِها، وقَرَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ: جَمَعْتُهُ، والمِقْراةُ: شِبْهُ حَوْضٍ، وكُلُّ ما اجْتَمَعَ فِيهِ ماءٌ، والقَرْيُ: ماءٌ مُسْتَجْمِعٌ، والمُدَّةُ تَقَرّى في الجُرْحِ - أيْ تَجْتَمِعُ، والقَوارِي: الشُّهُودُ - لِجَمْعِهِمُ الأُمُورَ، والقَوارِي: النّاسُ الصّالِحُونَ - كَأنَّهُ مُخَفَّفٌ مِنَ المَهْمُوزِ، وقَرَيْتُ الضَّيْفَ قِرى بِالكَسْرِ والقَصْرِ، وبِالفَتْحِ والمَدِّ: أضَفْتُهُ كاقْتَرَيْتُهُ، والمِقْراةُ: الجَفْنَةُ يَقْرى فِيها الضَّيْفُ، والمَقارِي: القُدُورُ، [وقُرى البَعِيرَ وكُلَّ ما اجْتَرَّ: جَمْعُ جَرَّتِهِ في شِدْقِهِ، وقَرَتِ النّاقَةُ: ورِمَ شِدْقاها مِن وجَعِ الأسْنانِ] كَأنَّها لا تَقْدِرُ مَعَ ذَلِكَ عَلى جَمْعِ الجَرَّةِ، فَيَكُونُ مِنَ السَّلْبِ، وقَرى البِلادَ: تَتَبَّعَها يَخْرُجُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ كاقْتَراها واسْتَقْرَها - لِجَمْعِهِ بَيْنَها، …

110

حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ

[They continued] until, when the messengers despaired and were certain that they had been denied, there came to them Our victory, and whoever We willed was saved. And Our punishment cannot be repelled from the people who are criminals.

ولَمّا كانَ المَعْنى مَعْلُومًا مِن هَذا السِّياقِ تَقْدِيرُهُ: فَدَعا الرِّجالَ [المُرْسَلُونَ] إلى اللَّهِ واجْتَهَدُوا في إنْذارِ قَوْمِهِمْ لِخَلاصِهِمْ مِنَ الشَّقاءِ، وتَوَعَّدَهم عَنِ اللَّهِ بِأنْواعِ العُقُوباتِ إنْ لَمْ يَتْبَعُوهُمْ، وطالَ عَلَيْهِمُ الأمْرُ وتَراخى النَّصْرُ وهم يُكَذِّبُونَهم في تِلْكَ الإيعاداتِ ويُبَكِّتُونَهم ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ، واسْتَمَرَّ ذَلِكَ مِن حالِهِمْ وحالِهِمْ، قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ: ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ أيْ يَئِسُوا مِنَ النَّصْرِ يَأْسًا عَظِيمًا كَأنَّهم أوْجَدُوهُ أوْ طَلَبُوهُ واسْتَجْلَبُوهُ مِن أنْفُسِهِمْ ﴿وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ أيْ فَعَلُوا فِعْلَ اليَأْسِ [العَظِيمِ اليَأْسِ] الَّذِي ظَنَّ أنَّهُ قَدْ أخْلَفَ وعْدَهُ مِنَ الإقْبالِ عَلى التَّحْذِيرِ والتَّبْشِيرِ والجَوابِ - لِمَنِ اسْتَهْزَأ بِهِمْ وقالَ: ما يَحْبِسُ ما وعَدْتُمُونا بِهِ - بِأنَّ ذَلِكَ أمْرُهُ إلى اللَّهِ، إنْ [شاءَ] أنْجَزَهُ، وإنْ شاءَ أخَّرَهُ، لَيْسَ عَلَيْنا مِن أمْرِهِ شَيْءٌ؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهم لَمَنِ اسْتَبْطَئُوا النَّصْرَ وضَجِرُوا مِمّا يُقاسُونَ مِن أذى الأعْداءِ، واسْتِبْطاءِ الأوْلِياءِ ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [البقرة: ٢١٤] -كَما يَقُولُ الآئِسُ ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ، عَبَّرَ عَنْ حالِهِمْ ذَلِكَ بِما هُنا - نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ والرّازِيُّ في اللَّوامِعِ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، هَذا عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ التَّشْدِيدِ فالتَّقْدِيرُ: وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كَذَّبَهم أتْباعُهم حَتّى لَقَدْ أنْكَرَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قِراءَةَ التَّخْفِيفِ، رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ وغَيْرُهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَألَها عَنِ القِراءَةِ: أهِيَ بِالتَّشْدِيدِ أمْ بِالتَّخْفِيفِ؟ فَقالَتْ: إنَّها بِالتَّشْدِيدِ، قالَ قُلْتُ: فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم فَما هو بِالظَّنِّ، قالَتْ: أجِلْ، لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ! فَقُلْتُ لَها: وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا أيْ بِالتَّخْفِيفِ - قالَتْ: مَعاذَ اللَّهِ! لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّها، قُلْتُ: فَما هَذِهِ الآيَةُ؟ قالَتْ: هم أتْباعُ الرُّسُلِ [الَّذِينَ] آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وصَدَّقُوهُمْ، فَطالَ عَلَيْهِمُ البَلاءُ، واسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ، حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهم مِن قَوْمِهِمْ وظَنُّوا أنَّهم أتْباعُهم قَدْ كَذَّبُوهم جاءَهم نَصْرُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ.

﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ لَهَمَّ بِخِذْلانِ أعْدائِهِمْ ﴿فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ﴾ مِنهم ومِن أعْدائِهِمْ ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُنا﴾ أيْ عَذابُنا لِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَنِ القَوْمِ﴾ أيْ وإنْ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ ﴿المُجْرِمِينَ﴾ الَّذِينَ حُتِّمْنا دَوامَهم عَلى القَطِيعَةِ كَما قُلْنا ﴿ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨] وحَقَّقْنا بِمَن ذَكَرْنا مُصارِعَهم مِنَ الأُمَمِ، وكُلِّ ذَلِكَ إعْلامٌ بِأنَّ سُنَّتَهُ جَرَتْ بِأنَّهُ يُطِيلُ الِامْتِحانَ، ويَمُدُّ زَمانَ الِابْتِلاءِ والِاعْتِبارِ، حَثًّا لِلْأتْباعِ عَلى الصَّبْرِ وزَجْرًا لِلْمُكَذِّبِينَ عَنِ التَّمادِي في الِاسْتِهْزاءِ.

ومادَّةُ ”كَذَبَ“ تَدُورُ عَلى ما لا حَقِيقَةَ لَهُ، وأكْثَرُ [تَصارِيفِها] واضِحٌ في ذَلِكَ، ويُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ الإنْسانِ، قالُوا: كَذَبَ البَرْقُ والحُلْمُ والرَّجاءُ والطَّمَعُ والظَّنُّ، …

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.