Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 101–110 of 111

101

۞ رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًۭا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّٰلِحِينَ

My Lord, You have given me [something] of sovereignty and taught me of the interpretation of dreams. Creator of the heavens and earth, You are my protector in this world and in the Hereafter. Cause me to die a Muslim and join me with the righteous."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ﴾ في " أبَوَيْهِ " قَوْلانِ قَدْ تَقَدَّما في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها. والعَرْشُ هاهُنا: سَرِيرُ المَمْلَكَةِ، أجْلَسَ أبَوَيْهِ عَلَيْهِ ﴿وَخَرُّوا لَهُ﴾ يَعْنِي: أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ.

وَفِي هاءِ لَهُ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى يُوسُفَ، قالَهُ الجُمْهُورُ. قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ سُجُودُهم كَهَيْأةِ الرُّكُوعِ كَما يَفْعَلُ الأعاجِمُ. وقالَ الحَسَنُ: أمَرَهُمُ اللَّهُ بِالسُّجُودِ لِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سَجَدُوا لَهُ عَلى جِهَةِ التَّحِيَّةِ، لا عَلى مَعْنى العِبادَةِ، وكانَ أهْلُ ذَلِكَ الدَّهْرِ يُحَيِّى بَعْضُهم بَعْضًا بِالسُّجُودِ والِانْحِناءِ، فَحَظَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَرَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: " «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أحَدُنا يَلْقى صَدِيقَهُ، أيَنْحَنِي لَهُ ؟ قالَ لا» " .

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ، فالمَعْنى: وخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا، رَواهُ عَطاءٌ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهم سَجَدُوا شُكْرًا لِلَّهِ إذْ جَمَعَ بَيْنَهم وبَيْنَ يُوسُفَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ أيْ: تَصْدِيقُ ما رَأيْتُ، وكانَ قَدْ رَآهم في المَنامِ يَسْجُدُونَ لَهُ، فَأراهُ اللَّهُ ذَلِكَ في اليَقَظَةِ.

واخْتَلَفُوا فِيما بَيْنَ رُؤْياهُ وتَأْوِيلِها عَلى سَبْعَةِ أقْوالٍ:

أحَدُها: أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادِ بْنِ الهادِّ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: اثْنَتانِ وعِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: ثَمانُونَ سَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ، والفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ. والرّابِعُ: سِتٌّ وثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ. والخامِسُ: خَمْسٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ قَتادَةُ. والسّادِسُ: سَبْعُونَ سَنَةً، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَوْذَبٍ. السّابِعُ: ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ أحْسَنَ بِي﴾ أيْ: إلَيَّ. والبَدْوُ: البَسْطُ مِنَ الأرْضِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: البَدْوُ: البادِيَةُ، وكانُوا أهْلَ عَمُودٍ وماشِيَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾ أيْ: أفْسَدَ بَيْنَنا. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: نَزَغَ بَيْنِهِمْ يَنْزَغُ، أيْ: أفْسَدَ وهَيَّجَ، وبَعْضُهم يَكْسِرُ زايَ يَنْزِغُ. ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ أيْ: عالِمٌ بِدَقائِقِ الأُمُورِ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى " اللَّطِيفِ " في (الأنْعامِ:١٠٢) .

فَإنْ قِيلَ: قَدْ تَوالَتْ عَلى يُوسُفَ نِعَمٌ خَمْسَةٌ، فَما اقْتِصارُهُ عَلى ذِكْرِ السِّجْنِ، وهَلّا ذَكَرَ الجُبَّ، وهو أصْعَبُ ؟

فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَ الجُبِّ تَكَرُّمًا، لِئَلّا يُذَكِّرَ إخْوَتَهُ صَنِيعَهم، وقَدْ قالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ خَرَجَ مِنَ الجُبِّ إلى الرِّقِّ، ومِنَ السِّجْنِ إلى المُلْكِ، فَكانَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ أوْفى.

والثّالِثُ: أنَّ طُولَ لُبْثِهِ في السِّجْنِ كانَ عُقُوبَةً، لَهُ بِخِلافِ الجُبِّ، فَشَكَرَ اللَّهَ عَلى عَفْوِهِ.

قالَ العُلَماء بِالسِّيَرِ: أقامَ يَعْقُوبُ بَعْدَ قُدُومِهِ مِصْرَ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً. وقالَ بَعْضُهم: سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً في أهْنَإ عَيْشٍ، فَلَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ أوْصى إلى يُوسُفَ أنْ يُحْمَلَ إلى الشّامِ حَتّى يَدْفِنَهُ عِنْدَ أبِيهِ إسْحاقَ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، وكانَ عُمْرُهُ مِائَةً وسَبْعًا وأرْبَعِينَ سَنَةً. ثُمَّ إنَّ يُوسُفَ …

102

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوٓا۟ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ

That is from the news of the unseen which We reveal, [O Muhammad], to you. And you were not with them when they put together their plan while they conspired.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن أمْرِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي كانَتْ غائِبَةً عَنْكَ، فَأنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِكَ. ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ: عِنْدَ إخْوَةِ يُوسُفَ ﴿إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ أيْ: عَزَمُوا عَلى إلْقائِهِ في الجُبِّ ﴿وَهم يَمْكُرُونَ﴾ بِيُوسُفَ، وفي هَذا احْتِجاجٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا ﷺ، لِأنَّهُ لَمْ يُشاهِدْ تِلْكَ القِصَّةَ، ولا كانَ يَقْرَأُ الكِتابَ، وقَدْ أخْبَرَ عَنْها بِهَذا الكَلامِ المُعْجِزِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ أُخْبِرَ بِوَحْيٍ.

103

وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ

And most of the people, although you strive [for it], are not believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ قُرَيْشًا واليَهُودَ سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ، فَشَرَحَها شَرْحًا شافِيًا، وهو يُؤَمِّلُ أنْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ، فَخالَفُوا ظَنَّهُ، فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَعَزّاهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها: وما أكْثَرُ النّاسِ بِمُؤْمِنِينَ ولَوْ حَرَصْتَ عَلى أنْ تَهْدِيَهم. ﴿وَما تَسْألُهم عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى القُرْآنِ وتِلاوَتِهِ وهِدايَتِكَ إيّاهم ﴿مِن أجْرٍ إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما هو إلّا تَذْكِرَةٌ لَهم لِما فِيهِ صَلاحُهم ونَجاتُهم.

104

وَمَا تَسْـَٔلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ لِّلْعَٰلَمِينَ

And you do not ask of them for it any payment. It is not except a reminder to the worlds.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ قُرَيْشًا واليَهُودَ سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ، فَشَرَحَها شَرْحًا شافِيًا، وهو يُؤَمِّلُ أنْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ، فَخالَفُوا ظَنَّهُ، فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَعَزّاهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها: وما أكْثَرُ النّاسِ بِمُؤْمِنِينَ ولَوْ حَرَصْتَ عَلى أنْ تَهْدِيَهم. ﴿وَما تَسْألُهم عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى القُرْآنِ وتِلاوَتِهِ وهِدايَتِكَ إيّاهم ﴿مِن أجْرٍ إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما هو إلّا تَذْكِرَةٌ لَهم لِما فِيهِ صَلاحُهم ونَجاتُهم.

105

وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍۢ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ

And how many a sign within the heavens and earth do they pass over while they, therefrom, are turning away.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ﴾ أيْ: وكَمْ ﴿مِن آيَةٍ﴾ أيْ: عَلامَةٍ ودَلالَةٍ تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، مِن أمْرِ السَّمَواتِ والأرْضِ، ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ أيْ: يَتَجاوَزُونَها غَيْر مُتَفَكِّرِينَ ولا مُعْتَبِرِينَ.

106

وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ

And most of them believe not in Allah except while they associate others with Him.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، ثُمَّ في مَعْناها المُتَعَلِّقِ بِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهم ورازِقُهم وهم يُشْرِكُونَ بِهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في تَلْبِيَةِ مُشْرِكِي العَرَبِ، كانُوا يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ النَّصارى، يُؤْمِنُونَ بِأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهم، ومَعَ ذَلِكَ يُشْرِكُونَ بِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، يُؤْمِنُونَ في الظّاهِرِ رِئاءَ النّاسِ، وهم في الباطِنِ كافِرُونَ، قالَهُ الحَسَنُ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وصَفَ المُشْرِكَ بِالإيمانِ ؟

فالجَواب: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِهِ حَقِيقَةَ الإيمانِ، وإنَّما المَعْنى: أنَّ أكْثَرَهم، مَعَ إظْهارِهِمُ الإيمانَ بِألْسِنَتِهِمْ، مُشْرِكُونَ.

107

أَفَأَمِنُوٓا۟ أَن تَأْتِيَهُمْ غَٰشِيَةٌۭ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ

Then do they feel secure that there will not come to them an overwhelming [aspect] of the punishment of Allah or that the Hour will not come upon them suddenly while they do not perceive?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الغاشِيَةُ: المُجَلِّلَةُ تَغْشاهم. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: يَأْتِيهِمْ ما يَغْمُرُهم مِنَ العَذابِ. والبَغْتَةُ: الفَجْأةُ مِن حَيْثُ لَمْ تَتَوَقَّعُ.

108

قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "This is my way; I invite to Allah with insight, I and those who follow me. And exalted is Allah; and I am not of those who associate others with Him."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ: هَذِهِ الدَّعْوَةُ الَّتِي أدْعُو إلَيْها، والطَّرِيقَةُ الَّتِي أنا عَلَيْها، سَبِيلِي، أيْ: سُنَّتِي ومِنهاجِي. والسَّبِيلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في (آلِ عِمْرانَ:١٩٥) . ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ: عَلى يَقِينٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وكُلُّ مُسْلِمٍ لا يَخْلُو مِنَ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّهُ إذا تَلا القُرْآنَ فَقَدْ دَعا إلى اللَّهِ بِما فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَتِمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: " إلى اللَّهِ "، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسُبْحانَ اللَّهِ﴾ المَعْنى: وقُلْ: سُبْحانَ الله تَنْزِيهًا لَهُ عَمّا أشْرَكُوا.

109

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰٓ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And We sent not before you [as messengers] except men to whom We revealed from among the people of cities. So have they not traveled through the earth and observed how was the end of those before them? And the home of the Hereafter is best for those who fear Allah; then will you not reason?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا﴾ هَذا نَزَلَ مِن أجْلِ قَوْلِهِمْ: هَلّا بَعَثَ اللَّهُ مَلِكًا، فالمَعْنى: كَيْفَ تَعَجَّبُوا مِن إرْسالِنا إيّاكَ، وسائِرُ الرُّسُلِ كانُوا عَلى مَثْلِ حالِكَ " يُوحى إلَيْهِمْ " وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " نُوحِي " بِالنُّونِ. والمُرادُ بِالقُرى: المَدائِنُ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا مِن أهْلِ البادِيَةِ، ولا مِنَ الجِنِّ، ولا مِنَ النِّساءِ، قالَ قَتادَةُ: لِأنَّ أهْلَ القُرى أعْلَمُ وأحْلُمُ مِن أهْلِ العَمُودِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ نُبُوَّتَكَ ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ إلى مَصارِعِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ فَيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ. ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ﴾ يَعْنِي: الجَنَّةَ ﴿خَيْرٌ﴾ مِنَ الدُّنْيا ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشِّرْكَ. قالَ الفَرّاءُ: أُضِيفَتِ الدّارُ إلى الآخِرَةِ، وهي الآخِرَةُ، لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُضِيفُ الشَّيْءَ إلى نَفْسِهِ إذا اخْتَلَفَ لَفْظُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقِعَةِ:٩٦] والحَقُّ: هو اليَقِينُ، وقَوْلِهِمْ: أتَيْتُكَ عامَ الأوَّلِ، ويَوْمَ الخَمِيسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، والمُفَضَّلُ، ويَعْقُوبُ: " تَعْقِلُونَ " بِالتّاءِ، وقَرَأ الآخَرُونَ بِالياءِ، والمَعْنى: أفَلا يَعْقِلُونَ هَذا فَيُؤْمِنُوا.

110

حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ

[They continued] until, when the messengers despaired and were certain that they had been denied, there came to them Our victory, and whoever We willed was saved. And Our punishment cannot be repelled from the people who are criminals.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ المَعْنى مُتَعَلِّقٌ بِالآيَةِ الأُولى، فَتَقْدِيرُهُ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا، فَدَعَوْا قَوْمَهم، فَكَذَّبُوهم، وصَبَرُوا وطالَ دُعاؤُهم وتَكْذِيبُ قَوْمِهِمْ حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ، وفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: اسْتَيْأسُوا مِن تَصْدِيقِ قَوْمِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مِن أنْ نُعَذِّبَ قَوْمَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ. ﴿وَظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " كُذِّبُوا " مُشَدَّدَةَ الذّالِ مَضْمُومَةَ الكافِ، والمَعْنى: وتَيَقَّنَ الرُّسُلُ أنَّ قَوْمَهم قَدْ كَذَّبُوهم، فَيَكُونُ الظَّنُّ هاهُنا بِمَعْنى اليَقِينِ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وعَطاءٍ، وقَتادَةَ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " كُذِبُوا " خَفِيفَةً، والمَعْنى: ظَنَّ قَوْمُهم أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كُذِبُوا فِيما وُعِدُوا بِهِ مِنَ النَّصْرِ، لِأنَّ الرُّسُلَ لا يَظُنُّونَ ذَلِكَ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: " كَذَبُوا " بِفَتْحِ الكافِ والذّالِ خَفِيفَةً، والمَعْنى: ظَنَّ قَوْمُهم أيْضًا أنَّهم قَدْ كَذَبُوا، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ يَعْنِي: الرُّسُلَ " فَنُنْجِي مَن نَشاءُ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " فَنُنْجِي " بِنُونَيْنِ، الأُولى مَضْمُومَةٌ والثّانِيَةُ ساكِنَةٌ والياءُ ساكِنَةٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، وحَفْصٌ، جَمِيعًا عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ: " فَنُجِّيَ " مُشَدَّدَةَ الجِيمِ مَفْتُوحَةَ الياءِ بِنُونٍ واحِدَةٍ، يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ، نَجَوْا عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ.

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.