Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 101–110 of 111

101

۞ رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًۭا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّٰلِحِينَ

My Lord, You have given me [something] of sovereignty and taught me of the interpretation of dreams. Creator of the heavens and earth, You are my protector in this world and in the Hereafter. Cause me to die a Muslim and join me with the righteous."

﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ أيْ بَعْضًا عَظِيمًا مِنهُ فَمِن لِلتَّبْعِيضِ ويَبْعُدُ القَوْلُ بِزِيادَتِها أوْ جَعْلِها لِبَيانِ الجِنْسِ والتَّعْظِيمُ مِن مُقْتَضَياتِ المَقامِ وبَعْضُهم قَدَّرَ عَظِيمًا في النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ كَما نَقَلَ أبُو البَقاءِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ مِن ذَلِكَ البَعْضِ مُلْكَ مِصْرَ ومِنَ ﴿المُلْكِ﴾ ما يَعُمُّ مِصْرَ وغَيْرَها ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ جَوازُ أنْ يُرادَ مِنَ المُلْكِ مِصْرُ ومِنَ البَعْضِ شَيْءٌ مِنها وزَعَمَ أنَّهُ لا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا فِيهِ وإنْ كانَ مُمَكَّنًا وفِيهِ تَأمُّلٌ وقِيلَ: أرادَ مُلْكَ نَفْسِهِ مِن إنْفاذِ شَهْوَتِهِ وقالَ عَطاءٌ: مَلَكَ حُسّادَهُ بِالطّاعَةِ ونَيْلِ الأمانِي ولَيْسَ بِذاكَ ﴿وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ أيْ بَعْضًا مِن ذَلِكَ كَذَلِكَ والمُرادُ بِتَأْوِيلِ الأحادِيثِ إمّا تَعْلِيمُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا وهو الظّاهِرُ وإمّا تَفْهِيمُ غَوامِضِ أسْرارِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ ودَقائِقِ سُنَنِ الأنْبِياءِ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَمْ يُؤْتَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَمِيعَ ذَلِكَ والتَّرْتِيبُ عَلى غَيْرِ الظّاهِرِ ظاهِرٌ وأمّا عَلى الظّاهِرِ فَلَعَلَّ تَقْدِيمَ إيتاءِ المُلْكِ عَلى ذَلِكَ في الذِّكْرِ لِأنَّهُ بِمَقامِ تَعْدادِ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ والمُلْكُ أعْرَقُ في كَوْنِهِ مِنَ التَّعْلِيمِ المَذْكُورِ وإنْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا نِعْمَةً جَلِيلَةً في نَفْسِهِ فَتَذَكَّرْ وتَأمَّلْ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ ذَرٍّ ( آتَيْتَنِ وعَلَّمْتَنِ ) بِحَذْفِ الياءِ فِيهِما اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الأخِيرِ ( آتَيْتَنِي ) بِغَيْرِ قَدْ ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُبْدِعَهُما وخالِقَهُما ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِرَبِّ أوْ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ أوْ مَنصُوبٌ بِأعْنِي أوْ مُنادى ثانٍ ووَصْفُهُ تَعالى بِهِ بَعْدَ وصْفِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ مُبالَغَةً في تَرْتِيبِ مَبادِئِ ما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْتَ ولِيِّي﴾ مُتَوَلِّي أُمُورِي ومُتَكَفِّلٌ بِها أوْ مُوالٍ لِي وناصِرٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فالوَلِيُّ إمّا في الوِلايَةِ أوِ المُوالاةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَوْلى كالمُعْطِي لَفْظًا ومَعْنًى أيِ الَّذِي يُعْطِينِي نِعَمَ الدُّنْيا

صفحة 62

والآخِرَةِ ﴿تَوَفَّنِي﴾ اقْبِضْنِي ﴿مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ . (101) . مِن آبائِي عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ بِعامَّةِ الصّالِحِينَ في الرُّتْبَةِ والكَرامَةِ كَما قِيلَ واعْتُرِضَ بِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن كِبارِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والصَّلاحُ أوَّلُ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَطْلُبَ اللَّحاقَ بِمَن هو في البِدايَةِ وأُجِيبَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَهُ هَضْمًا لِنَفْسِهِ فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ اسْتِغْفارِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا سُؤال ولا جَوابَ إذا أُرِيدَ مِنَ الصّالِحِينَ آباؤُهُ الكِرامُ يَعْقُوبُ وإسْحاقُ وإبْراهِيمُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقالَ الإمامُ: ها هُنا وها هُنا مَقامٌ آخَرُ في الآيَةِ عَلى لِسانِ أصْحابِ المُكاشَفاتِ وهو أنَّ النُّفُوسَ المُفارِقَةَ إذا أشْرَقَتِ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ واللِّواءِ مَعَ القُدُسِيَّةِ فَإذا كانَتْ مُتَناسِبَةً مُتَشاكِلَةً انْعَكَسَ النُّورُ الَّذِي في كُلِّ واحِدٍ مِنها إلى الأُخْرى بِسَبَبِ تِلْكَ المُلاءَمَةِ والمُجانَسَةِ فَعَظُمَتْ تِلْكَ الأنْوارُ وتَقَوَّتْ …

102

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوٓا۟ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ

That is from the news of the unseen which We reveal, [O Muhammad], to you. And you were not with them when they put together their plan while they conspired.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن أنْباءِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ الَّذِي لا يَحُومُ حَوْلَهُ أحَدٌ خَبَرُهُ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْمًا مَوْصُولًا مُبْتَدَأً و﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ صِلَتُهُ و﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرُهُ وهو مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبٍ مَرْجُوحٍ مِن جَعْلِ سائِرِ أسْماءِ الإشارَةِ مَوْصُولاتٍ.

﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ يُرِيدُ إخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ وهو جَعْلُهُمُ إيّاهُ في غَيابَةِ الجُبِّ ﴿وهم يَمْكُرُونَ﴾ . (102) . بِهِ ويَبْغُونَ لَهُ الغَوائِلَ والجُمْلَةُ قِيلَ: كالدَّلِيلِ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ ومُوحى إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمَعْنى أنَّ هَذا النَّبَأ غَيْبٌ لَمْ تَعْرِفْهُ إلّا بِالوَحْيِ لِأنَّكَ لَمْ تَحْضُرْ إخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ عَزَمُوا عَلى ما هَمُّوا بِهِ مِن أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وهم يَمْكُرُونَ بِهِ ومِنَ المَعْلُومِ الَّذِي لا يَخْفى عَلى مُكَذِّبِيكَ أنَّكَ ما لَقِيتَ أحَدًا سَمِعَ ذَلِكَ فَتَعَلَّمْتَهُ مِنهُ وهَذا مِنَ المَذْهَبِ الكَلامِيِّ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ وإنَّما حُذِفَ الشِّقُّ الأخِيرُ مَعَ أنَّ الدّالَّ عَلى ما ذُكِرَ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ لِعِلْمِهِ مِن آيَةٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ﴾ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ هَذا تَهَكُّمٌ بِمَن كَذَّبَهُ وذَلِكَ مِن حَيْثُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ المَشْكُوكَ فِيهِ كَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حاضِرًا بَيْنَ يَدَيْ أوْلادِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ماكِرِينَ فَنَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ وإنَّما الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَرْتابَ فِيهِ المُرْتابُ قَبْلَ التَّعَرُّفِ هو تَلَقِّيهِ مِن أصْحابِ هَذِهِ القِصَّةِ وكانَ ظاهِرُ الكَلامِ أنْ يُنْفى ذَلِكَ فَما جَعَلَ المَشْكُوكَ ما لا رَيْبَ فِيهِ لِأنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَلْقَ أحَدًا ولا سَمِعَ كانَ عِنْدَهم كَفَلَقِ الفَجْرِ جاءَ التَّهَكُّمُ البالِغُ وصارَ حاصِلَ المَعْنى قَدْ عَلِمْتُمْ يا مُكابِرَةُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُشاهِدًا لِمَن مَضى مِنَ القُرُونِ الخالِيَةِ وإنْكارُكم لِما أخْبَرَ بِهِ يُفْضِي إلى أنْ تُكابِرُوا بِأنَّهُ قَدْ شاهَدَ مَن مَضى مِنهم وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ ومِنهُ يَظْهَرُ فائِدَةُ العُدُولِ عَنْ أُسْلُوبِ ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ﴾ إلى هَذا الأُسْلُوبِ وهو أبْلَغُ مِمّا ذُكِرَ أوَّلًا وذُكِرَ لِتَرْكِ ذَلِكَ نُكْتَةٌ أُخْرى أيْضًا وهي أنَّ المَذْكُورَ مَكْرُهم

صفحة 65

وما دَبَّرُوهُ وهو مِمّا أخْفَوْهُ حَتّى لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهم فَلا يُمْكِنُ تَعَلُّمُهُ مِنَ الغَيْرِ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ وأيًّا ما كانَ فَفي الآيَةِ إيذانٌ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ النَّبَأِ هو الحَقُّ المُطابِقُ لِلْواقِعِ وما يَنْقُلُهُ أهْلُ الكِتابِ لَيْسَ عَلى ما هو عَلَيْهِ:

103

وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ

And most of the people, although you strive [for it], are not believers.

﴿وما أكْثَرُ النّاسِ﴾ الظّاهِرُ العُمُومُ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهم أهْلُ مَكَّةَ ﴿ولَوْ حَرَصْتَ﴾ أيْ عَلى إيمانِهِمْ وبالَغْتَ في إظْهارِ الآياتِ القاطِعَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِكَ عَلَيْهِمْ ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ . (103) . لِتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ وإصْرارِهِمْ عَلى العِنادِ حَسْمًا اقْتَضاهُ اسْتِعْدادُهم و( حَرَصَ ) مِن بابِ ضَرَبَ وعَلِمَ كِلاهُما لُغَةٌ فَصِيحَةٌ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سَألَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَزَلَتْ مَشْرُوحَةً شَرْحًا وافِيًا فَأمَّلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ إسْلامِهِمْ وقِيلَ: إنَّهم وعَدُوهُ أنْ يُسْلِمُوا فَلَمّا لَمْ يَفْعَلُوا عَزّاهُ تَعالى بِذَلِكَ وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ وقِيلَ: في النَّصارى وقِيلَ: في المُشْرِكِينَ فَقَطْ وقِيلَ: في أهْلِ الكِتابِ فَقَطْ وقِيلَ: في الثَّنَوِيَّةِ

104

وَمَا تَسْـَٔلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ لِّلْعَٰلَمِينَ

And you do not ask of them for it any payment. It is not except a reminder to the worlds.

﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ﴾ أيْ هَذا الإنْباءِ أوْ جِنْسِهِ أوِ القُرْآنِ وأيًّا ما كانَ فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِمّا قَبْلَهُ والمَعْنى ما تَطْلُبُ مِنهم عَلى تَبْلِيغِهِ ﴿مِن أجْرٍ﴾ أيْ جُعْلٍ ما كَما يَفْعَلُهُ حَمَلَةُ الأخْبارِ ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ﴾ أيْ ما هو إلّا تَذْكِيرٌ وعِظَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ . (104) . كافَّةً والجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها لِأنَّ الوَعْظَ العامَّ يُنافِي أخْذَ الأُجْرَةِ مِنَ البَعْضِ لِأنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِهِمْ وقِيلَ: أُرِيدَ أنَّهُ لَيْسَ إلّا عِظَةً مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أُمِرْتُ أنْ أُبَلِّغَها فَوَجَبَ عَلَيَّ ذَلِكَ فَكَيْفَ أسْألُ أجْرًا عَلى أداءِ الواجِبِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ وعَلَيْهِ تَكُوُنُ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى حُرْمَةِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى أداءِ الواجِباتِ وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ ( وما نَسْألُهم ) بِالنُّونِ.

105

وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍۢ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ

And how many a sign within the heavens and earth do they pass over while they, therefrom, are turning away.

﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ﴾ أيْ وكَمْ مِن آيَةٍ قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: إنَّ كَأيِّ اسْمٌ كَكَمِ التَّكْثِيرِيَّةِ الخَبَرِيَّةِ في المَعْنى مُرَكَّبٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ وأيٍّ الِاسْتِفْهامِيَّةِ المُنَوَّنَةِ وحُكِيَتْ ولِهَذا جازَ الوَقْفُ عَلَيْها بِالنُّونِ لِأنَّ التَّنْوِينَ لَمّا دَخَلَ في التَّرْكِيبِ أشْبَهَ النُّونَ الأصْلِيَّةَ ولِذا رُسِمَ في المُصْحَفِ نُونًا ومَن وقَفَ عَلَيْها بِحَذْفِهِ أعْتَبَرَ حُكْمَهُ في الأصْلِ وقِيلَ: الكافُ فِيها هي الزّائِدَةُ قالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: ألا تَرى أنَّكَ لا تُرِيدُ بِها مَعْنى التَّشْبِيهِ وهي مَعَ ذا لازِمَةٌ وغَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِشَيْءٍ وأيْ مَجْرُورُها وقِيلَ: هي اسْمٌ بَسِيطٌ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ قالَ: ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ تَلاعُبُ العَرَبِ بِها في اللُّغاتِ وإفادَتُها لِلِاسْتِفْهامِ نادِرٌ حَتّى أنْكَرَهُ الجُمْهُورُ ومِنهُ قَوْلُ أُبَيٍّ لِابْنِ مَسْعُودٍ: كَأيِّنْ تَقْرَأُ سُورَةَ الأحْزابِ آيَةً فَقالَ: ثَلاثًا وسَبْعِينَ والغالِبُ وُقُوعُها خَبَرِيَّةً ويَلْزَمُها الصَّدْرُ فَلا تَجُرُّ خِلافًا لِابْنِ قُتَيْبَةَ وابْنِ عُصْفُورٍ ولا يَحْتاجُ إلى سَماعٍ والقِياسُ عَلى كَمْ يَقْتَضِي أنْ يُضافَ إلَيْها ولا يُحْفَظُ ولا يُخْبَرَ عَنْها إلّا بِجُمْلَةٍ فِعْلِيَّهٍ مُصَدَّرَةٍ بِماضٍ أوْ مُضارِعٍ كَما هُنا قالَ أبُو حَيّانَ: والقِياسُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِ أوِ الظَّرْفِ أوْ خَبَرَ كانَ كَما كانَ ذَلِكَ في كَمْ وفي البَسِيطِ أنَّها تَكُونُ مُبْتَدَأً وخَبَرًا ومَفْعُولًا ويُقالُ فِيها: كائِنٌ بِالمَدِّ بِوَزْنِ اسْمِ الفاعِلِ مِن كانَ ساكِنَةِ النُّونِ وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( وكَأ ) بِالقَصْرِ بِوَزْنِ ( عَمَ ) . ( وكَأيْ )

صفحة 66

بِوَزْنِ رَمى وبِهِ قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ( وكَيْءِ ) بِتَقْدِيمِ الياءِ عَلى الهَمْزَةِ وذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّ الحَسَنَ قَرَأ ( وكَيِ ) بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ ولا ألِفٍ ولا تَشْدِيدٍ و﴿آيَةٍ﴾ في مَوْضِعِ التَّمْيِيزِ و( مِن ) زائِدَةٌ وجَرُّ تَمْيِيزِ كَأيِّنْ بِها دائِمِيٌّ أوْ أكْثَرِيٌّ وقِيلَ: هي مُبَيِّنَةٌ لِلتَّمْيِيزِ المُقَدَّرِ والمُرادُ مِنَ الآيَةِ الدَّلِيلُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ وكَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وهي وإنْ كانَتْ مُفْرَدَةً لَفْظًا لَكِنَّها في مَعْنى الجَمْعُ أيْ آياتٌ لِمَكانٍ كائِنٍ والمَعْنى وكَأيِّ عَدَدٍ شِئْتَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ ما جِئْتَ بِهِ غَيْرَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ كائِنَةٌ فِيهِما مِنَ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ وما فِيها مِنَ النُّجُومِ وتَغَيُّرِ أحْوالِها ومِنَ الجِبالِ والبِحارِ وسائِرِ ما في الأرْضِ مِنَ العَجائِبِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ:

وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ

﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ يُشاهِدُونَها ﴿وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ . (105) . غَيْرُ مُتَفَكِّرِينَ فِيها ولا مُعْتَبِرِينَ بِها وفي هَذا مِن تَأْكِيدِ تَعَزِّيهِ ﷺ وذَمِّ القَوْمِ ما فِيهِ والظّاهِرُ أنَّ ﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِآيَةٍ وجُمْلَةُ ﴿يَمُرُّونَ﴾ خَبَرُ كَأيِّنْ كَما أشَرْنا إلَيْهِ سابِقًا وجُوِّزَ العَكْسُ وقَرَأ عِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ ( والأرْضُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ في السَّماواتِ هو الخَبَرُ لِكَأيِّنْ والأرْضُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ ويَكُونُ ضَمِيرُ عَلَيْها لِلْأرْضِ لا لِلْآياتِ كَما في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ وقَرَأ السُّدِّيُّ ( والأرْضَ ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ﴿يَمُرُّونَ﴾ وهو مِنَ الِاشْتِغالِ …

106

وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ

And most of them believe not in Allah except while they associate others with Him.

﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ﴾ في إقْرارِهِمْ بِوُجُودِهِ تَعالى وخالِقِيَّتِهِ ﴿إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ . (106) . بِهِ سُبْحانَهُ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مَنِ الأكْثَرِ أيْ ما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم إلّا في حالِ إشْراكِهِمْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ: هم أهْلُ مَكَّةَ آمَنُوا وأشْرَكُوا كانُوا يَقُولُونَ في تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ ومِن هُنا «كانَ ﷺ إذا سَمِعَ أحَدَهم يَقُولُ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ يَقُولُ لَهُ: قَطُّ قَطُّ أيْ يَكْفِيكَ ذَلِكَ ولا تَزِدْ إلّا شَرِيكًا ..» إلَخْ وقِيلَ: هم أُولَئِكَ آمَنُوا لَمّا غَشِيَهُمُ الدُّخانُ في سِنِي القَحْطِ وعادُوا إلى الشِّرْكَ بَعْدَ كَشْفِهِ وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ أيْضًا أنَّ هَؤُلاءِ كُفّارُ العَرَبِ مُطْلَقًا أقَرُّوا بِالخالِقِ الرّازِقِ المُمِيتِ وأشْرَكُوا بِعِبادَةِ الأوْثانِ والأصْنامِ وقِيلَ: أشْرَكُوا بِقَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهم أهْلُ الكِتابِ أقَرُّوا بِاللَّهِ تَعالى وأشْرَكُوا بِهِ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ مِن حَيْثُ عَبَدُوا عُزَيْرًا والمَسِيحَ عَلَيْهِما السَّلامُ.

وقِيلَ: أشْرَكُوا بِالتَّبَنِّي واتِّخاذِهِمْ أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا وقِيلَ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ يُخْلِصُونَ في الدُّعاءِ عِنْدَ الشِّدَّةِ ويُشْرِكُونَ إذا نَجَوْا مِنها ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ وقِيلَ: هُمُ الثَّنَوِيَّةُ قالُوا بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ وقِيلَ:

صفحة 67

هُمُ المُنافِقُونَ جَهَرُوا بِالإيمانِ وأخْفَوُا الكُفْرَ ونُسِبَ ذَلِكَ لِلْبَلْخِيِّ وعَنِ الحَبْرِ أنَّهُمُ المُشَبِّهَةُ آمَنُوا مُجْمَلًا وكَفَرُوا مُفَصَّلًا وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ المُراؤُونَ بِأعْمالِهِمْ والرِّياءُ شِرْكٌ خَفِيٌّ وقِيلَ: هُمُ المُناظِرُونَ إلى الأسْبابِ المُعْتَمِدُونَ عَلَيْها وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يُطِيعُونَ الخَلْقَ بِمَعْصِيَةِ الخالِقِ وقَدْ يُقالُ نَظَرًا إلى مَفْهُومِ الآيَةِ: إنَّهم مَن يَنْدَرِجُ فِيهِمْ كُلُّ مَن أقَرَّ بِاللَّهِ تَعالى وخالِقِيَّتِهِ مَثَلًا وكانَ مُرْتَكِبًا ما يُعَدُّ شِرْكًا كَيْفَما كانَ ومِن أُولَئِكَ عَبَدَةُ القُبُورِ النّاذِرُونَ لَها المُعْتَقِدُونَ لِلنَّفْعِ والضُّرِّ مِمَّنِ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحالِهِ فِيها وهُمُ اليَوْمَ أكْثَرُ مِنَ الدُّودِ واحْتَجَتِ الكَرامِيَّةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ مُجَرَّدُ الإقْرارِ بِاللِّسانِ وفِيهِ نَظَرٌ

107

أَفَأَمِنُوٓا۟ أَن تَأْتِيَهُمْ غَٰشِيَةٌۭ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ

Then do they feel secure that there will not come to them an overwhelming [aspect] of the punishment of Allah or that the Hour will not come upon them suddenly while they do not perceive?

﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ أيْ عُقُوبَةٌ تَغْشاهم وتَشْمَلُهم والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ فِيهِ مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ كَما في البَحْرِ والكَلامُ في العَطْفِ ومَحَلِّ الِاسْتِفْهامِ في الحَقِيقَةِ مَشْهُورٌ وقَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ والمُرادُ بِهَذِهِ العُقُوبَةِ ما يَعُمُّ الدُّنْيَوِيَّةَ والأُخْرَوِيَّةَ عَلى ما قِيلَ وفي البَحْرِ ما هو صَرِيحٌ في الدُّنْيَوِيَّةِ لِلْمُقابَلَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ فَجْأةً مِن غَيْرِ سابِقَةِ عَلامَةٍ وهو الظّاهِرُ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِإتْيانِها غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لَها ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أيْ هَذِهِ السَّبِيلُ الَّتِي هي الدَّعْوَةُ إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ سَبِيلِي كَذا قالُوا والظّاهِرُ أنَّهم أخَذُوا الدَّعْوَةَ إلى الإيمانِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ لِإفادَةِ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى الإيمانِ بِجِدٍّ وحِرْصٍ وإنْ لَمْ يَنْفَعْ فِيهِمْ والدَّعْوَةُ إلى التَّوْحِيدِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ﴾ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ كَوْنَهُ ذِكْرًا لَهم لِاشْتِمالِهِ عَلى التَّوْحِيدِ لَكِنَّهم لا يَرْفَعُونَ لَهُ رَأْسًا كَسائِرِ آياتِ الآفاقِ والأنْفُسِ الدّالَّةِ عَلى تَوَحُّدِهِ تَعالى ذاتًا وصِفاتٍ وفُسِّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ أيْ أدْعُو النّاسَ إلى مَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ بِصِفاتِ كَمالِهِ ونُعُوتِ جَلالِهِ ومِن جُمْلَتِها التَّوْحِيدُ فالجُمْلَةُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الياءِ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الحالَ في مِثْلِهِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ مُخالِفَةٌ لِلْقَواعِدِ ظاهِرًا ولَيْسَ ذَلِكَ مِثْلَ ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ فِيهِ تَقْيِيدَ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ ولَيْسَ ذاكَ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ بَيانٍ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ غَيْرِ عَمْياءَ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿أدْعُو﴾ وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ الظّاهِرَ تَعَلُّقُهُ بِأدْعُو وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنا﴾ تَأْكِيدٌ لِذَلِكَ الضَّمِيرِ أوْ لِلضَّمِيرِ الَّذِي في الحالِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ عُطِفَ عَلى ذِي الحالِ ونِسْبَةُ أدْعُو إلَيْهِ مِن بابِ التَّغْلِيبِ كَما قُرِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ ومِنهم مَن قَدَّرَ في مِثْلِهِ فِعْلًا عامِلًا في المَعْطُوفِ ولَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ ومُنِعَ عَطْفُهُ عَلى ( أنا ) لِكَوْنِهِ تَأْكِيدًا ولا يَصِحُّ في المَعْطُوفِ كَوْنُهُ تَأْكِيدًا كالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ المُحَقِّقِينَ وجُوِّزَ كَوْنُ ( مَن ) مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ ومَنِ اتَّبَعَنِي كَذَلِكَ أيْ داعٍ وأنْ يَكُونَ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ خَبَرًا مُقَدَّمًا وأنا مُبْتَدَأٌ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ﴾ أيْ وأُنَزِّهُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَنْزِيهًا مِنَ الشُّرَكاءِ وهو داخِلٌ تَحْتَ القَوْلِ وكَذا ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . (108) . في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ والكَلامُ مُؤَكِّدٌ لِما سَبَقَ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( قُلْ هَذا سَبِيلِي ) عَلى التَّذْكِيرِ والسَّبِيلُ تُؤَنَّثُ وقَدْ تُذَكَّرُ

108

قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "This is my way; I invite to Allah with insight, I and those who follow me. And exalted is Allah; and I am not of those who associate others with Him."

﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ أيْ عُقُوبَةٌ تَغْشاهم وتَشْمَلُهم والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ فِيهِ مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ كَما في البَحْرِ والكَلامُ في العَطْفِ ومَحَلِّ الِاسْتِفْهامِ في الحَقِيقَةِ مَشْهُورٌ وقَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ والمُرادُ بِهَذِهِ العُقُوبَةِ ما يَعُمُّ الدُّنْيَوِيَّةَ والأُخْرَوِيَّةَ عَلى ما قِيلَ وفي البَحْرِ ما هو صَرِيحٌ في الدُّنْيَوِيَّةِ لِلْمُقابَلَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ فَجْأةً مِن غَيْرِ سابِقَةِ عَلامَةٍ وهو الظّاهِرُ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِإتْيانِها غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لَها ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أيْ هَذِهِ السَّبِيلُ الَّتِي هي الدَّعْوَةُ إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ سَبِيلِي كَذا قالُوا والظّاهِرُ أنَّهم أخَذُوا الدَّعْوَةَ إلى الإيمانِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ لِإفادَةِ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى الإيمانِ بِجِدٍّ وحِرْصٍ وإنْ لَمْ يَنْفَعْ فِيهِمْ والدَّعْوَةُ إلى التَّوْحِيدِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ﴾ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ كَوْنَهُ ذِكْرًا لَهم لِاشْتِمالِهِ عَلى التَّوْحِيدِ لَكِنَّهم لا يَرْفَعُونَ لَهُ رَأْسًا كَسائِرِ آياتِ الآفاقِ والأنْفُسِ الدّالَّةِ عَلى تَوَحُّدِهِ تَعالى ذاتًا وصِفاتٍ وفُسِّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ أيْ أدْعُو النّاسَ إلى مَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ بِصِفاتِ كَمالِهِ ونُعُوتِ جَلالِهِ ومِن جُمْلَتِها التَّوْحِيدُ فالجُمْلَةُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الياءِ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الحالَ في مِثْلِهِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ مُخالِفَةٌ لِلْقَواعِدِ ظاهِرًا ولَيْسَ ذَلِكَ مِثْلَ ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ فِيهِ تَقْيِيدَ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ ولَيْسَ ذاكَ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ بَيانٍ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ غَيْرِ عَمْياءَ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿أدْعُو﴾ وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ الظّاهِرَ تَعَلُّقُهُ بِأدْعُو وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنا﴾ تَأْكِيدٌ لِذَلِكَ الضَّمِيرِ أوْ لِلضَّمِيرِ الَّذِي في الحالِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ عُطِفَ عَلى ذِي الحالِ ونِسْبَةُ أدْعُو إلَيْهِ مِن بابِ التَّغْلِيبِ كَما قُرِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ ومِنهم مَن قَدَّرَ في مِثْلِهِ فِعْلًا عامِلًا في المَعْطُوفِ ولَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ ومُنِعَ عَطْفُهُ عَلى ( أنا ) لِكَوْنِهِ تَأْكِيدًا ولا يَصِحُّ في المَعْطُوفِ كَوْنُهُ تَأْكِيدًا كالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ المُحَقِّقِينَ وجُوِّزَ كَوْنُ ( مَن ) مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ ومَنِ اتَّبَعَنِي كَذَلِكَ أيْ داعٍ وأنْ يَكُونَ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ خَبَرًا مُقَدَّمًا وأنا مُبْتَدَأٌ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ﴾ أيْ وأُنَزِّهُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَنْزِيهًا مِنَ الشُّرَكاءِ وهو داخِلٌ تَحْتَ القَوْلِ وكَذا ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . (108) . في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ والكَلامُ مُؤَكِّدٌ لِما سَبَقَ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( قُلْ هَذا سَبِيلِي ) عَلى التَّذْكِيرِ والسَّبِيلُ تُؤَنَّثُ وقَدْ تُذَكَّرُ

109

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰٓ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And We sent not before you [as messengers] except men to whom We revealed from among the people of cities. So have they not traveled through the earth and observed how was the end of those before them? And the home of the Hereafter is best for those who fear Allah; then will you not reason?

﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ( لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ) نَفْيٌ لَهُ وقِيلَ: المُرادُ نَفْيُ اسْتِنْباءِ النِّساءِ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وزَعَمَ

صفحة 68

بَعْضُهم أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في سَجاحٍ بِنْتِ المُنْذِرِ المُنَبِّئَةِ الَّتِي يَقُولُ فِيها الشّاعِرُ:

أمْسَتْ نَبِيَّتُنا أُنْثى نَطُوفُ بِها ولَمْ تَزَلْ أنْبِياءُ اللَّهِ ذُكْرانا ∗∗∗

فَلَعْنَةُ اللَّهِ والأقْوامِ كُلِّهِمْ ∗∗∗ عَلى سَجاحٍ ومَن بِالإفْكِ أغْرانا

أعْنِي مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ لا سُقِيَتْ ∗∗∗ أصْداؤُهُ ماءَ مُزْنٍ أيْنَما كانا

وهُوَ مِمّا لا صِحَّةَ لَهُ لِأنَّ ادِّعاءَها النُّبُوَّةَ كانَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وكَوْنُهُ إخْبارًا بِالغَيْبِ لا قَرِينَةَ عَلَيْهِ ﴿نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ كَما أوْحَيْنا إلَيْكَ وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ ( يُوحى ) /بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وقِراءَةُ النُّونِ وهي قِراءَةُحَفْصٍ وطَلْحَةَ وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُوافَقَةٌ لَأرْسَلْنا ﴿مِن أهْلِ القُرى﴾ لِأنَّ أهْلَها كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: وهو مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ أعْلَمُ وأحْلَمُ مِن أهْلِ البادِيَةِ ولِذا يُقالُ: لِأهْلِ البادِيَةِ أهْلُ الجَفاءِ وذَكَرُوا أنَّ التَّبَدِّيَ مَكْرُوهٌ إلّا في الفِتَنِ وفي الحَدِيثِ «مَن بَدا جَفا» قالَ قَتادَةُ: ما نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ رَسُولًا قَطُّ إلّا مِن أهْلِ القُرى ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لَمْ يُبْعَثْ رَسُولٌ مِن أهْلِ البادِيَةِ ولا مِنَ النِّساءِ ولا مِنَ الجِنِّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ قَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ آنِفًا.

﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ المُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ والآياتِ مِن قَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ لُوطٍ وقَوْمِ صالِحٍ وسائِرِ مَن عَذَّبَهُ اللَّهُ تَعالى فَيَحْذَرُوا تَكْذِيبَكَ ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ عاقِبَةَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ المَشْغُوفِينَ بِالدُّنْيا المُتَهالِكِينَ عَلَيْها فَيُقْلِعُوا ويَكُفُّوا عَنْ حُبِّها وكَأنَّهُ لاحَظَ المُجَوِّزُ ما سَيُذْكَرُ والِاسْتِفْهامُ عَلى ما في البَحْرِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ﴾ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ عِنْدَ الكُوفِيَّةِ أيْ ولا الدّارُ الآخِرَةُ وقَدَّرَ البَصْرِيُّ مَوْصُوفًا أيْ ولَدارُ الحالِ أوِ السّاعَةِ أوِ الحَياةِ الآخِرَةِ وهو المُخْتارُ عِنْدَ الكَثِيرِ في مِثْلِ ذَلِكَ ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ . (109) . فَتَسْتَعْمِلُوا عُقُولَكم لِتَعْرِفُوا خَيْرِيَّةَ دارِ الآخِرَةِ فَتَتَوَسَّلُوا إلَيْها بِالِاتِّقاءِ قِيلَ: إنَّ هَذا مِن مَقُولِ ( قُلْ ) أيْ قُلْ لَهم مُخاطِبًا أفَلا تَعْقِلُونَ فالخِطابُ عَلى ظاهِرِهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ﴾ إلى ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ أوِ ﴿اتَّقَوْا﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ مَقُولِ القَوْلِ واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم كَوْنَ هَذا التِفاتًا وقَرَأ جَماعَةٌ ( يَعْقِلُونَ ) بِالياءِ رَعْيًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ .

110

حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ

[They continued] until, when the messengers despaired and were certain that they had been denied, there came to them Our victory, and whoever We willed was saved. And Our punishment cannot be repelled from the people who are criminals.

﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ غايَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ والتَّقْدِيرُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ لا يَغُرَّنَّهم تَمادِيهِمْ فِيما هم فِيهِ مِنَ الدَّعَةِ والرَّخاءِ فَإنَّ مَن قَبْلَهم قَدْ أُمْهِلُوا حَتّى يَئِسَ الرُّسُلُ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا أوْ مِن إيمانِهِمْ لِانْهِماكِهِمْ في الكُفْرِ وتَمادِيهِمْ في الطُّغْيانِ مِن غَيْرِ وازِعٍ وقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: التَّقْدِيرُ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا فَدَعَوْا قَوْمَهم فَكَذَّبُوهم وصَبَرُوا وطالَ دُعاؤُهم وتَكْذِيبُ قَوْمِهِمْ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ﴾ .. إلَخْ وقالَ القُرْطُبِيُّ: التَّقْدِيرُ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا ثُمَّ لَمْ نُعاقِبُ أُمَمَهم حَتّى إذا اسْتَيْأسَ .. إلَخْ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّقْدِيرُ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا فَتَراخى النَّصْرُ حَتّى إذا .. إلَخْ ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى وإنْ كانَ فِيهِ كَثْرَةُ حَذْفٍ والِاسْتِفْعالُ بِمَعْنى المُجَرَّدِ كَما أشَرْنا

صفحة 69

إلَيْهِ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ ( وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا ) بِالتَّخْفِيفِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وطَلْحَةَ والأعْمَشِ والكُوفِيِّينَ واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ فَقِيلَ: الضَّمائِرُ الثَّلاثَةُ لِلرُّسُلِ والظَّنُّ بِمَعْنى التَّوَهُّمِ لا بِمَعْناهُ الأصْلِيِّ ولا بِمَعْناهُ المَجازِيِّ أعْنِي اليَقِينَ وفاعِلُ ( كُذِبُوا ) المُقَدَّرُ إمّا أنْفُسُهم أوْ رَجاؤُهم فَإنَّهُ يُوصَفُ بِالصِّدْقِ والكَذِبِ أيْ كَذَبَتْهم أنْفُسُهم حِينَ حَدَّثَتْهم بِأنَّهم يُنْصَرُونَ أوْ كَذَبَهم رَجاؤُهُمُ النَّصْرَ والمَعْنى أنَّ مُدَّةَ التَّكْذِيبِ والعَداوَةِ مِنَ الكُفّارِ وانْتِظارِ النَّصْرِ مِنَ اللَّهِ تَعالى قَدْ تَطاوَلَتْ وتَمادَتْ حَتّى اسْتَشْعَرُوا القُنُوطَ وتَوَهَّمُوا أنْ لا نَصْرَ لَهم في الدُّنْيا ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ فَجْأةً وقِيلَ: الضَّمائِرُ كُلُّها لِلرُّسُلِ والظَّنُّ بِمَعْناهُ وفاعِلُ ( كُذِبُوا ) المُقَدَّرُ مَن أخْبَرَهم عَنِ اللَّهِ تَعالى ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَرَأ قَدْ ( كُذِبُوا ) مُخَفَّفَةً ثُمَّ قالَ: يَقُولُ أُخْلِفُوا وكانُوا بَشَرًا وتَلا ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: فَذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى أنَّهم يَئِسُوا أوْ ضَعُفُوا فَظَنُّوا أنَّهم قَدْ أُخْلِفُوا ورَوى ذَلِكَ عَنْهُ البُخارِيُّ في الصَّحِيحِ واسْتُشْكِلَ هَذا بِأنَّ فِيهِ ما لا يَلِيقُ نِسْبَتُهُ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَلْ إلى صالِحِي الأُمَّةِ ولِذا نُقِلَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ذَلِكَ فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَنْ هَذِهِ الآيَةِ قالَ: قُلْتُ أكُذِبُوا أمْ كُذِّبُوا فَقالَتْ عائِشَةُ بَلْ كُذِّبُوا يَعْنِي فَقُلْتُ: لَعَلَّهُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا مُخَفَّفَةً قالَتْ: مَعاذَ اللَّهِ تَعالى لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ لِتَظُنَّ ذَلِكَ بِرَبِّها قُلْتُ: فَما هَذِهِ الآيَةُ قالَتْ: هُمُ أتْباعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وصَدَّقُوهم وطالَ عَلَيْهِمُ البَلاءُ واسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهم مِن قَوْمِهِمْ …

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.