Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Al-Lubab fi 'Ulum al-Kitab by Ibn 'Adil al-Hanbali

Ayahs 101–110 of 111

101

۞ رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًۭا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّٰلِحِينَ

My Lord, You have given me [something] of sovereignty and taught me of the interpretation of dreams. Creator of the heavens and earth, You are my protector in this world and in the Hereafter. Cause me to die a Muslim and join me with the righteous."

قوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ الآية قال أكثر المفسرين المراد: أبوه خالته «ليَّا» وكانت أمه قد ماتت في نفاسها بنيامين وقال الحسنُ: أبوه وأمه، وكانت حية.

وروي: أنَّ الله تعالى أحيَا أمّه حتَّى جاءت مع يعقوب إلى مصر حتَّى سجدت له تحقيقاً لرؤيا يوسف.

وقيل: إن الخالة أم كما أنَّ العم أبٌ، قال تعالى: ﴿إلهك وإله آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: 133] ، ومعنى ﴿آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ ضمهما إليه، واعتنقهما.

فإن قيل: ما معنى دخولهما عليه قبل دخولهم مصر؟ .

فالجواب: أنَّهُ حين استقبلهم أنزلهم في خيمة، أو بيت هناك، فدخلوا عليه وضم إليه أبويه وقال: ﴿ادخلوا مِصْرَ إِن شَآءَ الله آمِنِينَ﴾ ، أي: أقيموا بها آمنين، سمَّى الإقامة دخولاً؛ لاقتران أحدهما بالآخر.

قال السديُّ في هذا الاستثناء قولان:

الأول: أنه عائدٌ إلى الأمن إلى الدخول، والمعنى: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله، كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَآءَ الله آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27] .

وقيل: إنَّه عائدٌ إلى الدُّخول كما تقدَّم.

وقيل: «إنْ» هنا بمعنى: «إذْ» يريدُ: إ ن شاء الله، كقوله: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139] أي: إذ كنتم مؤمنين.

ومعنى قوله: «آمِنينَ» أي على أنفسكم، وأموالكم، وأهليكم لا تخافون أحداً، وكان فيما سلف يخافون ملك مصر، وقيل: آمنين من القحطِ والشّدة وقيل آمنين من أن يضرهم يوسف بالجرم السالف.

﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ﴾ من باب التَّغليب، يريد: أباه وأمه أو خالته ﴿عَلَى العرش﴾ قال أهل اللغة: العرشُ: السَّريرُ الرَّفيعُ، قال تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 23] .

والرفع: هو النقل إلى العلو، و «سُجَّداً» حال.

قال أبو البقاء: «حال مقدرةٌ؛ لأنَّ السجود يكن بعد الخُرُورِ» .

فإن قيل: إن يعقوب عليه السلام، كان أبا يوسف فحقُّه عظيم، قال تعالى: ﴿وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ [الإسراء: 23] فقرون حق الوالدين بحق نفسه، وأيضاً: فإنَّه كان شيخاً كبيراً [والشاب] يجبُ عليه تعظيم الشيخ وأيضاً: كان من أكابر الأنبياء، ويوسف، وإن كان نبياً إلا أن يعقوب كان أعلى حالاً منه.

وأيضاً: فإن جدّ يعقوب، واجتهاده في تكثير الطّاعات أكثر من جد يوسف، واجتماع هذه الجهات الكثيرةِ يوجب المبالغة في خدمة يعقوب، فكيف استجاز يوسف أن يسجد له يعقوب؟ .

فالجواب من وجوه:

الأول: روى عطاءٌ عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ المراد بهذه الآية أنهم خرُّوا سجداً لأجل وجدانه، فكيون سجود شكر لله تعالى لأجل وجدانه يوسف، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً﴾ .

وذلك يشعر بأهم صعدوا على السرير، ثمَّ سجدوا لله، ولو أنهم سجدوا ليوسف لسجدوا له قل الصُّعود على السَّرير؛ لأنَّ ذلك أدخل في التَّواضع.

فإن قيل: هذا التَّأويلُ لا يطابق قوله: ﴿ياأبت هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: 100] .

والمراد منه قوله: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4] قيل: معناه لأجلي، لطلب مصلحتي، وللسعي في إعلاء منصبي، وإذا احتمل هذا سقط السؤال.

الثاني: أن يقال: إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكراً لنعمته.

وهذا تأويلٌ حسنٌ، فإنه يقال: صليت للكعبة كما يقال: صليتُ إلى الكعبة؛ قال حسَّانُ رَحِمَهُ اللَّهُ: [البسيط]

3153 - ألَيْسَ أوَّل من صَلَّى لِقبْلتِكُمْ ... وأعْرَفَ النَّاس بالآثَارِ والسُّنَنِ

فدلَّ على أنَّه يجوز أن يقال: فلانٌ صلَّى للقلبةِ، فكذلك يجوز أن يقال: سجد لِلْقِبْلةِ.

وقوله: ﴿وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً﴾ أي جعلوه كالقبلة ثمَّ سجدوا لله شكراً لنعمة وجدانه.

الثالث: التَّواضع يسمى سجوداًح كقوله: [الطويل] …

102

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوٓا۟ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ

That is from the news of the unseen which We reveal, [O Muhammad], to you. And you were not with them when they put together their plan while they conspired.

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب﴾ الآية «ذَلِكَ» : مبتدأ و ﴿مِنْ أَنْبَآءِ الغيب﴾ : خبره، و «نُوحِيهِ» : حالٌ، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً، أو حالاً من الضمير في الخبر، وجوز الزمخشري: أن يكون موصولاً بمعنى: الذي، وتقدَّم نظيهر، والمعنى: ذلك الذي ذكرت من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت يا محمَّد عند أولاد يعقوب، ﴿إِذْ أجمعوا أَمْرَهُمْ﴾ أي عزموا على إلقاء يوسف في الجبِّ، وما كنت هناك، ذكره على وجه التَّهكُّم، وتقدَّم الكلام على هذا اللفظ عند قوله: ﴿فأجمعوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: 71] وقوله: ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ أي: بيوسف والمقصود من هذا إخبار عن الغيبن فكيون معجزاً؛ لأنَّ محمداً صلوات الله وسلامه عليه لم يطالع الكتب، ولم يتلمذْ لأحد، ما كانت بلدته بلدة العلماء؛ فإتيانه بهذه القصَّة الطويلة، على وجه لم يقع فيها تحريف، ولا غلطٌ من غير مطالعةٍ، ولاتعلم، كيف لا يكون معجزاً؟ .

روي أن اليهود وقريشاً سألوا رسو الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قصَّة يوسف؛ فلما أخبرهم على موافقة التَّوراة لم يسلموا، فحزن النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقيل: إنهم لا يؤمنون، ولو حرصت على إيمانهم.

قوله ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ : حال، ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ معترض بين «مََا» وخبرها، وجواب مقدَّماً عليها، فلا يجوز أن يقال: «قُمْتُ لو قمُتَ» .

وقال الفراء في «المصادر» : حَرَصَ يَحْرِصً حِرْصاً، وفي لغة أخرى: حَرِصَ يَحْرَصُ حَرْصاً، ومعنى الحَرْص: طلب الشيء بأقصى ما يكون من الاجتهاد، ﴿إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ : حالٌ.

قوله ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ﴾ على تبليغ الرِّسالة، والدُّعاء إلى الله عزَّ وجلَّ «مِنْ أجْرٍ» جعلوا خبر «إن» هو «مَا» أي: القرآن، «إلاَّ ذِكْرٌ» : عظة وتذكير «للْعَالمِينَ» .

ثم قال: «وَكَأيِّنْ» : وكم، «من آيةٍ» : عبرة ودلالة، ﴿فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ : لا يتفكرون فيها ولا يتعبرون.

واعلم: أن دلائل التَّوحيد، والعلم، والقدرة، والحكمة والرحمة لا بد وأن تكون من أمور محسوسة، وهي: إما الأجرام الفلكيَّة، وإما الأجرام العنصرية.

أما الأجرام الفلكيَّة فهي قسمان: إما الأفلاك، وإما الكواكب.

فأما الأفلاك فقد يستدل بمقاديرها المعينة على وجود الصَّانع، وقد يستدل بكون بعضها فوق بعضه أو تحته، وقد يستدلُّ بحركتها، إمَّا بسرعة حركتها، وإمَّا باختلاف جهة تلك الحركات.

وأمَّا الأجرام الكوكبيَّة، فتارة تدلُّ على وجود الصَّانع بمقاديرها، وأجرامها، وحركاتها في سرعتها وبطئها، وتارة بألوانها وأضوائها، وتارة بتأثيراتها في حصول الأضواء والظلال.

وأما دلائل الأجرام العنصرية: فإمَّا أن تكون مأخوذة من بسائطها، وهو البر والبحر، وإما مأخوذ من [المواليد] ، وهي أقسام:

أحدها: العلويِّة كالرعد، والبرق، والسَّحاب، والمطر، والثلج، والهواء، وقوس قُزَح.

وثانيها: المعادن على اختلاف طابعئها وصفاتها، وكيفياتها.

وثالثها: النَّبات وخاصيَّة الخشب والورق بخصوصه.

ورابعها: اختلاف حال الحيوانت في أشكالها، وطبائعها، وأصواتها، وخلقها.

وخامسها: تشريح أبدان الناس، وتشريح القوى الإنسانية، وبيان المنافع الحاصلة منها، ومن هذا الباب أيضاً قصص الأولين والملوك الذين استولوا على الأرض، وقهروا العباد، وخربوا البلاد. ماتوا ولم يبق لهم في الدنيا خبر، ثم بقي الوزرُ والعقاب عليهم، قال ابن الخطيب: فلهذا ضبط أنواع هذه الدَّلائل.

فصل

الجمهور على جر الأرض عطفاً على السموات، والضمير في «عَلَيْهَا» للآية، فيكون «يمُرُّون» صفة للآية، وحالاً لتخصُّصها بالوصف بالجر.

وقيل: يعود الضمير في «عَليْهَا» للأرض فيكون «يمُرُّون عليها» حالاً منها.

وقال أبو البقاء: وقيل: منها ومن السَّموات، أي: يكون الحال من الشيئين جميعاً، وهذا لا يجوز؛ إذا كان يجب أن يقال: عليهما، وأيضاً: فإنهم لا يمرُّون في …

103

وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ

And most of the people, although you strive [for it], are not believers.

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب﴾ الآية «ذَلِكَ» : مبتدأ و ﴿مِنْ أَنْبَآءِ الغيب﴾ : خبره، و «نُوحِيهِ» : حالٌ، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً، أو حالاً من الضمير في الخبر، وجوز الزمخشري: أن يكون موصولاً بمعنى: الذي، وتقدَّم نظيهر، والمعنى: ذلك الذي ذكرت من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت يا محمَّد عند أولاد يعقوب، ﴿إِذْ أجمعوا أَمْرَهُمْ﴾ أي عزموا على إلقاء يوسف في الجبِّ، وما كنت هناك، ذكره على وجه التَّهكُّم، وتقدَّم الكلام على هذا اللفظ عند قوله: ﴿فأجمعوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: 71] وقوله: ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ أي: بيوسف والمقصود من هذا إخبار عن الغيبن فكيون معجزاً؛ لأنَّ محمداً صلوات الله وسلامه عليه لم يطالع الكتب، ولم يتلمذْ لأحد، ما كانت بلدته بلدة العلماء؛ فإتيانه بهذه القصَّة الطويلة، على وجه لم يقع فيها تحريف، ولا غلطٌ من غير مطالعةٍ، ولاتعلم، كيف لا يكون معجزاً؟ .

روي أن اليهود وقريشاً سألوا رسو الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قصَّة يوسف؛ فلما أخبرهم على موافقة التَّوراة لم يسلموا، فحزن النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقيل: إنهم لا يؤمنون، ولو حرصت على إيمانهم.

قوله ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ : حال، ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ معترض بين «مََا» وخبرها، وجواب مقدَّماً عليها، فلا يجوز أن يقال: «قُمْتُ لو قمُتَ» .

وقال الفراء في «المصادر» : حَرَصَ يَحْرِصً حِرْصاً، وفي لغة أخرى: حَرِصَ يَحْرَصُ حَرْصاً، ومعنى الحَرْص: طلب الشيء بأقصى ما يكون من الاجتهاد، ﴿إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ : حالٌ.

قوله ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ﴾ على تبليغ الرِّسالة، والدُّعاء إلى الله عزَّ وجلَّ «مِنْ أجْرٍ» جعلوا خبر «إن» هو «مَا» أي: القرآن، «إلاَّ ذِكْرٌ» : عظة وتذكير «للْعَالمِينَ» .

ثم قال: «وَكَأيِّنْ» : وكم، «من آيةٍ» : عبرة ودلالة، ﴿فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ : لا يتفكرون فيها ولا يتعبرون.

واعلم: أن دلائل التَّوحيد، والعلم، والقدرة، والحكمة والرحمة لا بد وأن تكون من أمور محسوسة، وهي: إما الأجرام الفلكيَّة، وإما الأجرام العنصرية.

أما الأجرام الفلكيَّة فهي قسمان: إما الأفلاك، وإما الكواكب.

فأما الأفلاك فقد يستدل بمقاديرها المعينة على وجود الصَّانع، وقد يستدل بكون بعضها فوق بعضه أو تحته، وقد يستدلُّ بحركتها، إمَّا بسرعة حركتها، وإمَّا باختلاف جهة تلك الحركات.

وأمَّا الأجرام الكوكبيَّة، فتارة تدلُّ على وجود الصَّانع بمقاديرها، وأجرامها، وحركاتها في سرعتها وبطئها، وتارة بألوانها وأضوائها، وتارة بتأثيراتها في حصول الأضواء والظلال.

وأما دلائل الأجرام العنصرية: فإمَّا أن تكون مأخوذة من بسائطها، وهو البر والبحر، وإما مأخوذ من [المواليد] ، وهي أقسام:

أحدها: العلويِّة كالرعد، والبرق، والسَّحاب، والمطر، والثلج، والهواء، وقوس قُزَح.

وثانيها: المعادن على اختلاف طابعئها وصفاتها، وكيفياتها.

وثالثها: النَّبات وخاصيَّة الخشب والورق بخصوصه.

ورابعها: اختلاف حال الحيوانت في أشكالها، وطبائعها، وأصواتها، وخلقها.

وخامسها: تشريح أبدان الناس، وتشريح القوى الإنسانية، وبيان المنافع الحاصلة منها، ومن هذا الباب أيضاً قصص الأولين والملوك الذين استولوا على الأرض، وقهروا العباد، وخربوا البلاد. ماتوا ولم يبق لهم في الدنيا خبر، ثم بقي الوزرُ والعقاب عليهم، قال ابن الخطيب: فلهذا ضبط أنواع هذه الدَّلائل.

فصل

الجمهور على جر الأرض عطفاً على السموات، والضمير في «عَلَيْهَا» للآية، فيكون «يمُرُّون» صفة للآية، وحالاً لتخصُّصها بالوصف بالجر.

وقيل: يعود الضمير في «عَليْهَا» للأرض فيكون «يمُرُّون عليها» حالاً منها.

وقال أبو البقاء: وقيل: منها ومن السَّموات، أي: يكون الحال من الشيئين جميعاً، وهذا لا يجوز؛ إذا كان يجب أن يقال: عليهما، وأيضاً: فإنهم لا يمرُّون في …

104

وَمَا تَسْـَٔلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ لِّلْعَٰلَمِينَ

And you do not ask of them for it any payment. It is not except a reminder to the worlds.

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب﴾ الآية «ذَلِكَ» : مبتدأ و ﴿مِنْ أَنْبَآءِ الغيب﴾ : خبره، و «نُوحِيهِ» : حالٌ، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً، أو حالاً من الضمير في الخبر، وجوز الزمخشري: أن يكون موصولاً بمعنى: الذي، وتقدَّم نظيهر، والمعنى: ذلك الذي ذكرت من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت يا محمَّد عند أولاد يعقوب، ﴿إِذْ أجمعوا أَمْرَهُمْ﴾ أي عزموا على إلقاء يوسف في الجبِّ، وما كنت هناك، ذكره على وجه التَّهكُّم، وتقدَّم الكلام على هذا اللفظ عند قوله: ﴿فأجمعوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: 71] وقوله: ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ أي: بيوسف والمقصود من هذا إخبار عن الغيبن فكيون معجزاً؛ لأنَّ محمداً صلوات الله وسلامه عليه لم يطالع الكتب، ولم يتلمذْ لأحد، ما كانت بلدته بلدة العلماء؛ فإتيانه بهذه القصَّة الطويلة، على وجه لم يقع فيها تحريف، ولا غلطٌ من غير مطالعةٍ، ولاتعلم، كيف لا يكون معجزاً؟ .

روي أن اليهود وقريشاً سألوا رسو الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قصَّة يوسف؛ فلما أخبرهم على موافقة التَّوراة لم يسلموا، فحزن النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقيل: إنهم لا يؤمنون، ولو حرصت على إيمانهم.

قوله ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ : حال، ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ معترض بين «مََا» وخبرها، وجواب مقدَّماً عليها، فلا يجوز أن يقال: «قُمْتُ لو قمُتَ» .

وقال الفراء في «المصادر» : حَرَصَ يَحْرِصً حِرْصاً، وفي لغة أخرى: حَرِصَ يَحْرَصُ حَرْصاً، ومعنى الحَرْص: طلب الشيء بأقصى ما يكون من الاجتهاد، ﴿إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ : حالٌ.

قوله ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ﴾ على تبليغ الرِّسالة، والدُّعاء إلى الله عزَّ وجلَّ «مِنْ أجْرٍ» جعلوا خبر «إن» هو «مَا» أي: القرآن، «إلاَّ ذِكْرٌ» : عظة وتذكير «للْعَالمِينَ» .

ثم قال: «وَكَأيِّنْ» : وكم، «من آيةٍ» : عبرة ودلالة، ﴿فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ : لا يتفكرون فيها ولا يتعبرون.

واعلم: أن دلائل التَّوحيد، والعلم، والقدرة، والحكمة والرحمة لا بد وأن تكون من أمور محسوسة، وهي: إما الأجرام الفلكيَّة، وإما الأجرام العنصرية.

أما الأجرام الفلكيَّة فهي قسمان: إما الأفلاك، وإما الكواكب.

فأما الأفلاك فقد يستدل بمقاديرها المعينة على وجود الصَّانع، وقد يستدل بكون بعضها فوق بعضه أو تحته، وقد يستدلُّ بحركتها، إمَّا بسرعة حركتها، وإمَّا باختلاف جهة تلك الحركات.

وأمَّا الأجرام الكوكبيَّة، فتارة تدلُّ على وجود الصَّانع بمقاديرها، وأجرامها، وحركاتها في سرعتها وبطئها، وتارة بألوانها وأضوائها، وتارة بتأثيراتها في حصول الأضواء والظلال.

وأما دلائل الأجرام العنصرية: فإمَّا أن تكون مأخوذة من بسائطها، وهو البر والبحر، وإما مأخوذ من [المواليد] ، وهي أقسام:

أحدها: العلويِّة كالرعد، والبرق، والسَّحاب، والمطر، والثلج، والهواء، وقوس قُزَح.

وثانيها: المعادن على اختلاف طابعئها وصفاتها، وكيفياتها.

وثالثها: النَّبات وخاصيَّة الخشب والورق بخصوصه.

ورابعها: اختلاف حال الحيوانت في أشكالها، وطبائعها، وأصواتها، وخلقها.

وخامسها: تشريح أبدان الناس، وتشريح القوى الإنسانية، وبيان المنافع الحاصلة منها، ومن هذا الباب أيضاً قصص الأولين والملوك الذين استولوا على الأرض، وقهروا العباد، وخربوا البلاد. ماتوا ولم يبق لهم في الدنيا خبر، ثم بقي الوزرُ والعقاب عليهم، قال ابن الخطيب: فلهذا ضبط أنواع هذه الدَّلائل.

فصل

الجمهور على جر الأرض عطفاً على السموات، والضمير في «عَلَيْهَا» للآية، فيكون «يمُرُّون» صفة للآية، وحالاً لتخصُّصها بالوصف بالجر.

وقيل: يعود الضمير في «عَليْهَا» للأرض فيكون «يمُرُّون عليها» حالاً منها.

وقال أبو البقاء: وقيل: منها ومن السَّموات، أي: يكون الحال من الشيئين جميعاً، وهذا لا يجوز؛ إذا كان يجب أن يقال: عليهما، وأيضاً: فإنهم لا يمرُّون في …

105

وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍۢ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ

And how many a sign within the heavens and earth do they pass over while they, therefrom, are turning away.

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب﴾ الآية «ذَلِكَ» : مبتدأ و ﴿مِنْ أَنْبَآءِ الغيب﴾ : خبره، و «نُوحِيهِ» : حالٌ، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً، أو حالاً من الضمير في الخبر، وجوز الزمخشري: أن يكون موصولاً بمعنى: الذي، وتقدَّم نظيهر، والمعنى: ذلك الذي ذكرت من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت يا محمَّد عند أولاد يعقوب، ﴿إِذْ أجمعوا أَمْرَهُمْ﴾ أي عزموا على إلقاء يوسف في الجبِّ، وما كنت هناك، ذكره على وجه التَّهكُّم، وتقدَّم الكلام على هذا اللفظ عند قوله: ﴿فأجمعوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: 71] وقوله: ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ أي: بيوسف والمقصود من هذا إخبار عن الغيبن فكيون معجزاً؛ لأنَّ محمداً صلوات الله وسلامه عليه لم يطالع الكتب، ولم يتلمذْ لأحد، ما كانت بلدته بلدة العلماء؛ فإتيانه بهذه القصَّة الطويلة، على وجه لم يقع فيها تحريف، ولا غلطٌ من غير مطالعةٍ، ولاتعلم، كيف لا يكون معجزاً؟ .

روي أن اليهود وقريشاً سألوا رسو الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قصَّة يوسف؛ فلما أخبرهم على موافقة التَّوراة لم يسلموا، فحزن النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقيل: إنهم لا يؤمنون، ولو حرصت على إيمانهم.

قوله ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ : حال، ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ معترض بين «مََا» وخبرها، وجواب مقدَّماً عليها، فلا يجوز أن يقال: «قُمْتُ لو قمُتَ» .

وقال الفراء في «المصادر» : حَرَصَ يَحْرِصً حِرْصاً، وفي لغة أخرى: حَرِصَ يَحْرَصُ حَرْصاً، ومعنى الحَرْص: طلب الشيء بأقصى ما يكون من الاجتهاد، ﴿إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ : حالٌ.

قوله ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ﴾ على تبليغ الرِّسالة، والدُّعاء إلى الله عزَّ وجلَّ «مِنْ أجْرٍ» جعلوا خبر «إن» هو «مَا» أي: القرآن، «إلاَّ ذِكْرٌ» : عظة وتذكير «للْعَالمِينَ» .

ثم قال: «وَكَأيِّنْ» : وكم، «من آيةٍ» : عبرة ودلالة، ﴿فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ : لا يتفكرون فيها ولا يتعبرون.

واعلم: أن دلائل التَّوحيد، والعلم، والقدرة، والحكمة والرحمة لا بد وأن تكون من أمور محسوسة، وهي: إما الأجرام الفلكيَّة، وإما الأجرام العنصرية.

أما الأجرام الفلكيَّة فهي قسمان: إما الأفلاك، وإما الكواكب.

فأما الأفلاك فقد يستدل بمقاديرها المعينة على وجود الصَّانع، وقد يستدل بكون بعضها فوق بعضه أو تحته، وقد يستدلُّ بحركتها، إمَّا بسرعة حركتها، وإمَّا باختلاف جهة تلك الحركات.

وأمَّا الأجرام الكوكبيَّة، فتارة تدلُّ على وجود الصَّانع بمقاديرها، وأجرامها، وحركاتها في سرعتها وبطئها، وتارة بألوانها وأضوائها، وتارة بتأثيراتها في حصول الأضواء والظلال.

وأما دلائل الأجرام العنصرية: فإمَّا أن تكون مأخوذة من بسائطها، وهو البر والبحر، وإما مأخوذ من [المواليد] ، وهي أقسام:

أحدها: العلويِّة كالرعد، والبرق، والسَّحاب، والمطر، والثلج، والهواء، وقوس قُزَح.

وثانيها: المعادن على اختلاف طابعئها وصفاتها، وكيفياتها.

وثالثها: النَّبات وخاصيَّة الخشب والورق بخصوصه.

ورابعها: اختلاف حال الحيوانت في أشكالها، وطبائعها، وأصواتها، وخلقها.

وخامسها: تشريح أبدان الناس، وتشريح القوى الإنسانية، وبيان المنافع الحاصلة منها، ومن هذا الباب أيضاً قصص الأولين والملوك الذين استولوا على الأرض، وقهروا العباد، وخربوا البلاد. ماتوا ولم يبق لهم في الدنيا خبر، ثم بقي الوزرُ والعقاب عليهم، قال ابن الخطيب: فلهذا ضبط أنواع هذه الدَّلائل.

فصل

الجمهور على جر الأرض عطفاً على السموات، والضمير في «عَلَيْهَا» للآية، فيكون «يمُرُّون» صفة للآية، وحالاً لتخصُّصها بالوصف بالجر.

وقيل: يعود الضمير في «عَليْهَا» للأرض فيكون «يمُرُّون عليها» حالاً منها.

وقال أبو البقاء: وقيل: منها ومن السَّموات، أي: يكون الحال من الشيئين جميعاً، وهذا لا يجوز؛ إذا كان يجب أن يقال: عليهما، وأيضاً: فإنهم لا يمرُّون في …

106

وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ

And most of them believe not in Allah except while they associate others with Him.

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب﴾ الآية «ذَلِكَ» : مبتدأ و ﴿مِنْ أَنْبَآءِ الغيب﴾ : خبره، و «نُوحِيهِ» : حالٌ، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً، أو حالاً من الضمير في الخبر، وجوز الزمخشري: أن يكون موصولاً بمعنى: الذي، وتقدَّم نظيهر، والمعنى: ذلك الذي ذكرت من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت يا محمَّد عند أولاد يعقوب، ﴿إِذْ أجمعوا أَمْرَهُمْ﴾ أي عزموا على إلقاء يوسف في الجبِّ، وما كنت هناك، ذكره على وجه التَّهكُّم، وتقدَّم الكلام على هذا اللفظ عند قوله: ﴿فأجمعوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: 71] وقوله: ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ أي: بيوسف والمقصود من هذا إخبار عن الغيبن فكيون معجزاً؛ لأنَّ محمداً صلوات الله وسلامه عليه لم يطالع الكتب، ولم يتلمذْ لأحد، ما كانت بلدته بلدة العلماء؛ فإتيانه بهذه القصَّة الطويلة، على وجه لم يقع فيها تحريف، ولا غلطٌ من غير مطالعةٍ، ولاتعلم، كيف لا يكون معجزاً؟ .

روي أن اليهود وقريشاً سألوا رسو الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قصَّة يوسف؛ فلما أخبرهم على موافقة التَّوراة لم يسلموا، فحزن النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقيل: إنهم لا يؤمنون، ولو حرصت على إيمانهم.

قوله ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ : حال، ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ معترض بين «مََا» وخبرها، وجواب مقدَّماً عليها، فلا يجوز أن يقال: «قُمْتُ لو قمُتَ» .

وقال الفراء في «المصادر» : حَرَصَ يَحْرِصً حِرْصاً، وفي لغة أخرى: حَرِصَ يَحْرَصُ حَرْصاً، ومعنى الحَرْص: طلب الشيء بأقصى ما يكون من الاجتهاد، ﴿إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ : حالٌ.

قوله ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ﴾ على تبليغ الرِّسالة، والدُّعاء إلى الله عزَّ وجلَّ «مِنْ أجْرٍ» جعلوا خبر «إن» هو «مَا» أي: القرآن، «إلاَّ ذِكْرٌ» : عظة وتذكير «للْعَالمِينَ» .

ثم قال: «وَكَأيِّنْ» : وكم، «من آيةٍ» : عبرة ودلالة، ﴿فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ : لا يتفكرون فيها ولا يتعبرون.

واعلم: أن دلائل التَّوحيد، والعلم، والقدرة، والحكمة والرحمة لا بد وأن تكون من أمور محسوسة، وهي: إما الأجرام الفلكيَّة، وإما الأجرام العنصرية.

أما الأجرام الفلكيَّة فهي قسمان: إما الأفلاك، وإما الكواكب.

فأما الأفلاك فقد يستدل بمقاديرها المعينة على وجود الصَّانع، وقد يستدل بكون بعضها فوق بعضه أو تحته، وقد يستدلُّ بحركتها، إمَّا بسرعة حركتها، وإمَّا باختلاف جهة تلك الحركات.

وأمَّا الأجرام الكوكبيَّة، فتارة تدلُّ على وجود الصَّانع بمقاديرها، وأجرامها، وحركاتها في سرعتها وبطئها، وتارة بألوانها وأضوائها، وتارة بتأثيراتها في حصول الأضواء والظلال.

وأما دلائل الأجرام العنصرية: فإمَّا أن تكون مأخوذة من بسائطها، وهو البر والبحر، وإما مأخوذ من [المواليد] ، وهي أقسام:

أحدها: العلويِّة كالرعد، والبرق، والسَّحاب، والمطر، والثلج، والهواء، وقوس قُزَح.

وثانيها: المعادن على اختلاف طابعئها وصفاتها، وكيفياتها.

وثالثها: النَّبات وخاصيَّة الخشب والورق بخصوصه.

ورابعها: اختلاف حال الحيوانت في أشكالها، وطبائعها، وأصواتها، وخلقها.

وخامسها: تشريح أبدان الناس، وتشريح القوى الإنسانية، وبيان المنافع الحاصلة منها، ومن هذا الباب أيضاً قصص الأولين والملوك الذين استولوا على الأرض، وقهروا العباد، وخربوا البلاد. ماتوا ولم يبق لهم في الدنيا خبر، ثم بقي الوزرُ والعقاب عليهم، قال ابن الخطيب: فلهذا ضبط أنواع هذه الدَّلائل.

فصل

الجمهور على جر الأرض عطفاً على السموات، والضمير في «عَلَيْهَا» للآية، فيكون «يمُرُّون» صفة للآية، وحالاً لتخصُّصها بالوصف بالجر.

وقيل: يعود الضمير في «عَليْهَا» للأرض فيكون «يمُرُّون عليها» حالاً منها.

وقال أبو البقاء: وقيل: منها ومن السَّموات، أي: يكون الحال من الشيئين جميعاً، وهذا لا يجوز؛ إذا كان يجب أن يقال: عليهما، وأيضاً: فإنهم لا يمرُّون في …

107

أَفَأَمِنُوٓا۟ أَن تَأْتِيَهُمْ غَٰشِيَةٌۭ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ

Then do they feel secure that there will not come to them an overwhelming [aspect] of the punishment of Allah or that the Hour will not come upon them suddenly while they do not perceive?

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب﴾ الآية «ذَلِكَ» : مبتدأ و ﴿مِنْ أَنْبَآءِ الغيب﴾ : خبره، و «نُوحِيهِ» : حالٌ، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً، أو حالاً من الضمير في الخبر، وجوز الزمخشري: أن يكون موصولاً بمعنى: الذي، وتقدَّم نظيهر، والمعنى: ذلك الذي ذكرت من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت يا محمَّد عند أولاد يعقوب، ﴿إِذْ أجمعوا أَمْرَهُمْ﴾ أي عزموا على إلقاء يوسف في الجبِّ، وما كنت هناك، ذكره على وجه التَّهكُّم، وتقدَّم الكلام على هذا اللفظ عند قوله: ﴿فأجمعوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: 71] وقوله: ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ أي: بيوسف والمقصود من هذا إخبار عن الغيبن فكيون معجزاً؛ لأنَّ محمداً صلوات الله وسلامه عليه لم يطالع الكتب، ولم يتلمذْ لأحد، ما كانت بلدته بلدة العلماء؛ فإتيانه بهذه القصَّة الطويلة، على وجه لم يقع فيها تحريف، ولا غلطٌ من غير مطالعةٍ، ولاتعلم، كيف لا يكون معجزاً؟ .

روي أن اليهود وقريشاً سألوا رسو الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قصَّة يوسف؛ فلما أخبرهم على موافقة التَّوراة لم يسلموا، فحزن النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقيل: إنهم لا يؤمنون، ولو حرصت على إيمانهم.

قوله ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ : حال، ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ معترض بين «مََا» وخبرها، وجواب مقدَّماً عليها، فلا يجوز أن يقال: «قُمْتُ لو قمُتَ» .

وقال الفراء في «المصادر» : حَرَصَ يَحْرِصً حِرْصاً، وفي لغة أخرى: حَرِصَ يَحْرَصُ حَرْصاً، ومعنى الحَرْص: طلب الشيء بأقصى ما يكون من الاجتهاد، ﴿إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ : حالٌ.

قوله ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ﴾ على تبليغ الرِّسالة، والدُّعاء إلى الله عزَّ وجلَّ «مِنْ أجْرٍ» جعلوا خبر «إن» هو «مَا» أي: القرآن، «إلاَّ ذِكْرٌ» : عظة وتذكير «للْعَالمِينَ» .

ثم قال: «وَكَأيِّنْ» : وكم، «من آيةٍ» : عبرة ودلالة، ﴿فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ : لا يتفكرون فيها ولا يتعبرون.

واعلم: أن دلائل التَّوحيد، والعلم، والقدرة، والحكمة والرحمة لا بد وأن تكون من أمور محسوسة، وهي: إما الأجرام الفلكيَّة، وإما الأجرام العنصرية.

أما الأجرام الفلكيَّة فهي قسمان: إما الأفلاك، وإما الكواكب.

فأما الأفلاك فقد يستدل بمقاديرها المعينة على وجود الصَّانع، وقد يستدل بكون بعضها فوق بعضه أو تحته، وقد يستدلُّ بحركتها، إمَّا بسرعة حركتها، وإمَّا باختلاف جهة تلك الحركات.

وأمَّا الأجرام الكوكبيَّة، فتارة تدلُّ على وجود الصَّانع بمقاديرها، وأجرامها، وحركاتها في سرعتها وبطئها، وتارة بألوانها وأضوائها، وتارة بتأثيراتها في حصول الأضواء والظلال.

وأما دلائل الأجرام العنصرية: فإمَّا أن تكون مأخوذة من بسائطها، وهو البر والبحر، وإما مأخوذ من [المواليد] ، وهي أقسام:

أحدها: العلويِّة كالرعد، والبرق، والسَّحاب، والمطر، والثلج، والهواء، وقوس قُزَح.

وثانيها: المعادن على اختلاف طابعئها وصفاتها، وكيفياتها.

وثالثها: النَّبات وخاصيَّة الخشب والورق بخصوصه.

ورابعها: اختلاف حال الحيوانت في أشكالها، وطبائعها، وأصواتها، وخلقها.

وخامسها: تشريح أبدان الناس، وتشريح القوى الإنسانية، وبيان المنافع الحاصلة منها، ومن هذا الباب أيضاً قصص الأولين والملوك الذين استولوا على الأرض، وقهروا العباد، وخربوا البلاد. ماتوا ولم يبق لهم في الدنيا خبر، ثم بقي الوزرُ والعقاب عليهم، قال ابن الخطيب: فلهذا ضبط أنواع هذه الدَّلائل.

فصل

الجمهور على جر الأرض عطفاً على السموات، والضمير في «عَلَيْهَا» للآية، فيكون «يمُرُّون» صفة للآية، وحالاً لتخصُّصها بالوصف بالجر.

وقيل: يعود الضمير في «عَليْهَا» للأرض فيكون «يمُرُّون عليها» حالاً منها.

وقال أبو البقاء: وقيل: منها ومن السَّموات، أي: يكون الحال من الشيئين جميعاً، وهذا لا يجوز؛ إذا كان يجب أن يقال: عليهما، وأيضاً: فإنهم لا يمرُّون في …

108

قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "This is my way; I invite to Allah with insight, I and those who follow me. And exalted is Allah; and I am not of those who associate others with Him."

«يمُرُّون علَيْهَا» كقولك: زَيْداً مررتُ بِهِ، وقرأ عكرمة، وعهمرو بن فايد: «والأرْضُ» على الابتداء، وخبره الجملة بعده، والضمير في هاتين القراءتين يعود على الأرض فقط.

قوله ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ والمعنى: أنَّهم كانوا مقرِّين بوجود الإله، قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾ [الزمر: 38] إلا أنَّهم كانوا [يُثْبِتُون] له شريكاً في العبودية.

وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قال: نزلت في تلبية المشريكن من العرب، كانوا يقولون: «لَبِّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيْكَ، لبَّيْكَ لا شريكَ لَكَ إلاَّ شرِيكاً هو لَكَ تمْلِكهُ ومَا مَلَك» .

وعن عطاء رَضِيَ اللَّهُ عَنْه هذا في الدعاء، قال تعالى: ﴿وظنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ [يونس: 22] ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65] .

وعن ابن عبَّاس: إن أهل مكة قالوا: الله ربَّنا لا شريك له، والملائكة بناتُه، فلم يوحِّدوا بل أشركوا، وقالت اليهود: ربُّنا الله وحده، وعزيزٌ ابن الله، وقالت النصارى: الله وحده، والمسيح ابن الله.

واحتجت الكرامية بهذه الآية على أن الإيمان: عبارة عن الإقرار باللسان فقط؛ لأنه تعالى حكم بكونهم مؤمنين مع أنَّهم مشركون، وذلك يدلُّ على أن الإيمان عبارةٌ عن مجرَّد الإقرار، وجوابه معلُوم.

قوله تعالى: ﴿أفأمنوا أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ الله﴾ : عقوبة تغشاهم، وتنبسط عليهم، وتغمرهم.

﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ الساعة بَغْتَةً﴾ .

قرأ أبو حفص، ومبشر بن عبد الله: ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ الساعة بَغْتَةً﴾ بالياء من تحت؛ لأنه مؤنَّث مجازي؛ وللفصل أيضاً، و «بَغْتَةً» : نصب على الحال، يقال: بغَتهُمُ الأمْرُ بغتاً وبَغْتَةً، إذا فاجأهم من حيث لم يتوقَّعوا.

وقوله: ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ الناصب لقوله: «بغْتَةً» .

قوله

: ﴿قُلْ هذه سبيلي﴾ الآية.

قل يا محمد هذه الدعوة التي أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها ومثله: ﴿ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: 135] والسَّبيل في أصل اللغة: الطريق، ثم شبهوا بها التعبُّدات؛ لأن الإنسان يمر عليها إلى الجنَّة.

قوله: ﴿أَدْعُو إلى الله﴾ يجوز أن يكون مستأنفاً، وهو الظاهر، وأن يكون حالاً من الياءِ، و ﴿على بَصِيرَةٍ﴾ حال من فاعل «أدْعُوا» أي: أدعوا كائناً على بصيرةٍ.

وقيل: تمَّ الكلام عند قوله: ﴿أَدْعُو إلى الله﴾ ثم استأنف ﴿على بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتبعني﴾ .

قوله ﴿وَمَنِ اتبعني﴾ عطفٌ عليه، أي: على فاعل «أدْعوا» ولذلك أكد بالضمير المنفصل، ويجوز أني كون متبدأ، والخبر محذوف، أي: ومن اتَّبعني يدعو أيضاً، ويجوز أن يكون «عَلَى بَصِيرةٍ» : خبراً مقدماً، و «أنَا» : مبتدأ مؤخر، و «مَنِ اتَّبعَنِي» عطف عليه أيضاً، ومفعول «أدْعُوا» يجوز أن لا يراد، أي: أنا من أهل الدُّعاء إلى الله، ويجوز أن يقدَّر: أن أدعواالناس. وقرأ عبد الله: «هذَا سَبِيلِي» بالتَّذكيرن وقد تقدَّم [الأنعام: 55] أنه يذكَّر ويؤنَّث.

فصل

والمعنى: أدْعُوا إلى شالله على بصيرةٍ على يقين، والبصيرةُ: هي المعرفة التي يميز بها بين الحقِّ والباطل، وهي الحجَّة والبرهان، «أنَا ومَنِ اتَّبعَنِي» : آمَنَ بي، وسار في طريقي، وسيرهُ: اتِّباع الدَّعوة إلى الله عزَّ وجلَّ.

قال الكلبيُّ، وابنُ زيد: حقٌّ على من اتَّبعه أن يدعو إلى ما دعى إليه ويذكِّر بالقرآن.

قال ابن عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يعني: أصحاب رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كانوا على أحسن طريقةٍ، وأقدص هداية معدن العلم، وكنز الإيمان وجند الرَّحمن.

قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «العُلمَاءُ أمَناءُ الرُّسلِ على عِبَادهِ، حيثُ يَحْفَظُونَ ما يدْعُونَ إليْهِ» .

ثم قال ﴿وَسُبْحَانَ الله﴾ أي: …

109

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰٓ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And We sent not before you [as messengers] except men to whom We revealed from among the people of cities. So have they not traveled through the earth and observed how was the end of those before them? And the home of the Hereafter is best for those who fear Allah; then will you not reason?

قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً﴾ الآية: وهذا يدلُّ على أنَّه ما بعث رسولاً إلى الخلق من النِّسوان، ولا من أهل البادية، وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «مَنْ بَدَا جَفَا» .

قول: «نُوحِي» العامة معلى «يُوحَى» بالياء من تحت مبنيًّا للمفعول.

وقرأ حفص: «نُوحِي» بالنون، وكسر الحاء مبنيًّا للفاعل، اعتبارا بقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا﴾ [النحل: 43] وكذكل قرا ما في النحل، وأوَّل الأنبياء، ووافقه الاخوان على قوله: ﴿نوحي إِلَيْهِمْ﴾ في الأنبياء على ما سيأتي إن شاء الله تعالى والجملة صفة ل «رِجَالاً» و ﴿مِّنْ أَهْلِ القرى﴾ صفة ثانيةٌ، وكان تقديم هذه الصِّفة على ما قبلها أكثر استعمالاً، لأنَّها أقرب إلى المفرد، وقد تقدَّم تحريره في المائدة.

فصل

قوله: ﴿مِّنْ أَهْلِ القرى﴾ أي من أهل الأمصار دون أهل البوادي؛ لأن أهل الأمصار أعقل وأفضل وأعلم وأحلم.

قال الحسن: لم يبعث الله نبيًّا من أهل البادية ولا من الجن ولا من الملائكة وقيل إنما لم يبعث من أهل البادية لغلظهم وجفاهم كا تقدَّم.

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض﴾ يعني: [هؤلاء] المشركين المكذبين، {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ} : آخر أمر، ﴿الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ يعنى: الأمم المكذِّبين فيعتبروا، ﴿وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتقوا﴾ يقول سبحانه وتعالى: هذا فعلنا بأهل ولا يتنا وطاعتنا أن نُنجِّهم عند نزول العذاب، وما في الدرار الآخرة لهم خير، فترك ذلك اكتفاء به لدلالة الكلام عليه، والمعنى: ولدار الحالِ الآخرة.

وقيل: هو إضافة الشيء إلى نفسه؛ كقوله: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ اليقين﴾ [الواقعة: 95] ، وكقولهم: يومُ الخَميِسِ، وربيعُ الآخر، ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ فتؤمنون، قرأ نافع، وابن عامرٍ، ورواية عن عاصم: «تَعْقِلُون» بتاء الخطاب، والباقون بياء الغيبة.

قوله تعالى: ﴿حتى إِذَا استيأس الرسل﴾ الآية.

ليس في الكلام شيء يكون، «حتَى» غاية له؛ فلذلك اختلفوا في تقدير شيءٍ يصحُّ حلعه مغيًّا ب «حتَّى» .

فقدره الزمخشري: ما أرسلنا من قبلكَ رجالاً، فتراخى نصرهم حتَّى.

وقدره القرطبيُّ: ما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالاً، ثم لم نعاقب أممهم بالعقاب حتَّى إذا.

وقدره ابن الجوزي: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً، فدعوا قومهم فكذَّبوهم، فطال دعاؤهم، وتكذيب قومهم حتَّى إذا، وأحسنها المقدم.

وذكر ابن عطيَّة شيئاً من معنى قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ﴾ فقال: ويتضمن قوله «أفَلمْ يَسِيرُوا» إلى من قبلهم، أنَّ الرُّسل الذين بعثهم الله تعالى من أهل القرى دعوهم، فلم يؤمنوا حتى نزلت به المُثُلاث، فصبروا في حيِّز من يعتبر بعاقبته؛ فلهذا المضمَّن حسن أن تدخل «حتَّى» في قوله: «حتَّى إذَا» .

قال أبو حيان: ولم يتلخًّص لنا من كلامه شيء يكون ما بعد «حتَّى» غاية لهُ؛ لأنَّه علَّق الغاية بما ادَّعى أنَّه فهم ذلك من قوله: «أفَلمْ يَسِيرُوا» ، قال شهاب الدِّين: قوله: «دَعوهُمْ فَلم يُؤمِنُوا» هو المُغَيَّا.

قوله ﴿وظنوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ قرأ الكوفيُّون: «كُذِبُوا» بالتخفيف، والباقون بالتثقيل.

فأما قراءة التَّثقيل، فاضطربت فيه الأقوال: فرُوِي إنكارها عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت: «مَعاذَ اللهِ؛ لمْ تَكُنِ الرسُل لتظُنَّ ذلِكَ بِربِّهَا» وينبغي ألاَّ يصحَّ لك عنها؛ لتواتر هذه القراءة، وقد وجَّهت بأربعة [أوجه] :

أحدها: أن الضمير في «وظَنُّوا» عائدٌ على المرسل إليهم؛ لتقدُّمهم في قوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ ولأنَّ الرسل تستدعي مرسلاً إليهم، والضمير في «أنَّهُمْ» و «كُُذِبُوا» عائد على الرسل والمعنى: وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا، أي: كذَّبهم من أرسلوا غليه بالوحي، وينصرهم عليهم.

الثاني: أن الضمائر الثلاثة عائدة على الرسل.

قال الزمخشري في تقديره هذا الوجه: …

110

حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ

[They continued] until, when the messengers despaired and were certain that they had been denied, there came to them Our victory, and whoever We willed was saved. And Our punishment cannot be repelled from the people who are criminals.

قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً﴾ الآية: وهذا يدلُّ على أنَّه ما بعث رسولاً إلى الخلق من النِّسوان، ولا من أهل البادية، وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «مَنْ بَدَا جَفَا» .

قول: «نُوحِي» العامة معلى «يُوحَى» بالياء من تحت مبنيًّا للمفعول.

وقرأ حفص: «نُوحِي» بالنون، وكسر الحاء مبنيًّا للفاعل، اعتبارا بقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا﴾ [النحل: 43] وكذكل قرا ما في النحل، وأوَّل الأنبياء، ووافقه الاخوان على قوله: ﴿نوحي إِلَيْهِمْ﴾ في الأنبياء على ما سيأتي إن شاء الله تعالى والجملة صفة ل «رِجَالاً» و ﴿مِّنْ أَهْلِ القرى﴾ صفة ثانيةٌ، وكان تقديم هذه الصِّفة على ما قبلها أكثر استعمالاً، لأنَّها أقرب إلى المفرد، وقد تقدَّم تحريره في المائدة.

فصل

قوله: ﴿مِّنْ أَهْلِ القرى﴾ أي من أهل الأمصار دون أهل البوادي؛ لأن أهل الأمصار أعقل وأفضل وأعلم وأحلم.

قال الحسن: لم يبعث الله نبيًّا من أهل البادية ولا من الجن ولا من الملائكة وقيل إنما لم يبعث من أهل البادية لغلظهم وجفاهم كا تقدَّم.

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض﴾ يعني: [هؤلاء] المشركين المكذبين، {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ} : آخر أمر، ﴿الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ يعنى: الأمم المكذِّبين فيعتبروا، ﴿وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتقوا﴾ يقول سبحانه وتعالى: هذا فعلنا بأهل ولا يتنا وطاعتنا أن نُنجِّهم عند نزول العذاب، وما في الدرار الآخرة لهم خير، فترك ذلك اكتفاء به لدلالة الكلام عليه، والمعنى: ولدار الحالِ الآخرة.

وقيل: هو إضافة الشيء إلى نفسه؛ كقوله: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ اليقين﴾ [الواقعة: 95] ، وكقولهم: يومُ الخَميِسِ، وربيعُ الآخر، ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ فتؤمنون، قرأ نافع، وابن عامرٍ، ورواية عن عاصم: «تَعْقِلُون» بتاء الخطاب، والباقون بياء الغيبة.

قوله تعالى: ﴿حتى إِذَا استيأس الرسل﴾ الآية.

ليس في الكلام شيء يكون، «حتَى» غاية له؛ فلذلك اختلفوا في تقدير شيءٍ يصحُّ حلعه مغيًّا ب «حتَّى» .

فقدره الزمخشري: ما أرسلنا من قبلكَ رجالاً، فتراخى نصرهم حتَّى.

وقدره القرطبيُّ: ما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالاً، ثم لم نعاقب أممهم بالعقاب حتَّى إذا.

وقدره ابن الجوزي: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً، فدعوا قومهم فكذَّبوهم، فطال دعاؤهم، وتكذيب قومهم حتَّى إذا، وأحسنها المقدم.

وذكر ابن عطيَّة شيئاً من معنى قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ﴾ فقال: ويتضمن قوله «أفَلمْ يَسِيرُوا» إلى من قبلهم، أنَّ الرُّسل الذين بعثهم الله تعالى من أهل القرى دعوهم، فلم يؤمنوا حتى نزلت به المُثُلاث، فصبروا في حيِّز من يعتبر بعاقبته؛ فلهذا المضمَّن حسن أن تدخل «حتَّى» في قوله: «حتَّى إذَا» .

قال أبو حيان: ولم يتلخًّص لنا من كلامه شيء يكون ما بعد «حتَّى» غاية لهُ؛ لأنَّه علَّق الغاية بما ادَّعى أنَّه فهم ذلك من قوله: «أفَلمْ يَسِيرُوا» ، قال شهاب الدِّين: قوله: «دَعوهُمْ فَلم يُؤمِنُوا» هو المُغَيَّا.

قوله ﴿وظنوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ قرأ الكوفيُّون: «كُذِبُوا» بالتخفيف، والباقون بالتثقيل.

فأما قراءة التَّثقيل، فاضطربت فيه الأقوال: فرُوِي إنكارها عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت: «مَعاذَ اللهِ؛ لمْ تَكُنِ الرسُل لتظُنَّ ذلِكَ بِربِّهَا» وينبغي ألاَّ يصحَّ لك عنها؛ لتواتر هذه القراءة، وقد وجَّهت بأربعة [أوجه] :

أحدها: أن الضمير في «وظَنُّوا» عائدٌ على المرسل إليهم؛ لتقدُّمهم في قوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ ولأنَّ الرسل تستدعي مرسلاً إليهم، والضمير في «أنَّهُمْ» و «كُُذِبُوا» عائد على الرسل والمعنى: وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا، أي: كذَّبهم من أرسلوا غليه بالوحي، وينصرهم عليهم.

الثاني: أن الضمائر الثلاثة عائدة على الرسل.

قال الزمخشري في تقديره هذا الوجه: …

Commentary: Al-Lubab fi 'Ulum al-Kitab by Ibn 'Adil al-Hanbali. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.