۞ رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًۭا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّٰلِحِينَ
My Lord, You have given me [something] of sovereignty and taught me of the interpretation of dreams. Creator of the heavens and earth, You are my protector in this world and in the Hereafter. Cause me to die a Muslim and join me with the righteous."
.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ لَعَلَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا مُقَدَّرًا، وهو فَرَحَلَ يَعْقُوبُ وأوْلادُهُ وأهْلُهُ إلى مِصْرَ فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ، أيْ: ضَمَّهُما وأنْزَلَهُما عِنْدَهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِالأبَوَيْنِ هُنا يَعْقُوبُ وزَوْجَتُهُ خالَةُ يُوسُفَ، لِأنَّ أُمَّهُ قَدْ كانَتْ ماتَتْ في وِلادَتِها لِأخِيهِ بِنْيامِينَ كَما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: أحْيا اللَّهُ لَهُ أُمَّهُ تَحْقِيقًا لِلرُّؤْيا حَتّى سَجَدَتْ لَهُ ﴿وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ مِمّا تَكْرَهُونَ، وقَدْ كانُوا فِيما مَضى يَخافُونَ مُلُوكَ مِصْرَ، ولا يَدْخُلُونَها إلّا بِجَوازٍ مِنهم.
قِيلَ: والتَّقْيِيدُ بِالمَشِيئَةِ عائِدٌ إلى الأمْنِ، ولا مانِعَ مِن عَوْدِهِ إلى الجَمِيعِ، لِأنَّ دُخُولَهم لا يَكُونُ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، كَما أنَّهم لا يَكُونُونَ آمِنِينَ إلّا بِمَشِيئَتِهِ، وقِيلَ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِالمَشِيئَةِ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] وهو بَعِيدٌ.
وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ: أنَّ يُوسُفَ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ: أيِ ادْخُلُوا مِصْرَ قَبْلَ دُخُولِهِمْ، وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ أنَّهُ تَلَقّاهم إلى خارِجِ مِصْرَ، فَوَقَفَ مُنْتَظِرًا لَهم في مَكانٍ أوْ خَيْمَةٍ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَ ﴿آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ فَلَمّا دَخَلُوا مِصْرَ ودَخَلُوا عَلَيْهِ دُخُولًا آخَرَ في المَكانِ الَّذِي لَهُ بِمِصْرَ.
﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ﴾ أيْ أجْلَسَهُما مَعَهُ عَلى السَّرِيرِ الَّذِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ كَما هو عادَةُ المُلُوكِ ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أيِ الأبَوانِ والإخْوَةُ، والمَعْنى: أنَّهم خَرُّوا لِيُوسُفَ سُجَّدًا، وكانَ ذَلِكَ جائِزًا في شَرِيعَتِهِمْ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ التَّحِيَّةِ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سُجُودًا بَلْ هو مُجَرَّدُ إيماءٍ، وكانَتْ تِلْكَ تَحِيَّتَهم، وهو يُخالِفُ مَعْنى: ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾، فَإنَّ الخُرُورَ في اللُّغَةِ المُقَيَّدُ بِالسُّجُودِ لا يَكُونُ إلّا بِوَضْعِ الوَجْهِ عَلى الأرْضِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لَهُ راجِعٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أيْ وخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا، وهو بَعِيدٌ جَدًّا، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِيُوسُفَ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: وخَرُّوا لِأجْلِهِ، وفِيهِ أيْضًا بُعْدٌ وقالَ يُوسُفُ ﴿ياأبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ يَعْنِي الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها مِن قَبْلُ أيْ مِن قَبْلِ هَذا الوَقْتِ ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ بِوُقُوعِ تَأْوِيلِها عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ ﴿وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ الأصْلُ أنْ يَتَعَدّى فِعْلُ الإحْسانِ بِإلى، وقَدْ يَتَعَدّى بِالباءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] [الإسراء: ٢٣]، وقِيلَ: إنَّهُ ضَمَّنَ أحْسَنَ مَعْنى لَطُفَ أيْ لَطُفَ بِي مُحْسِنًا، ولَمْ يَذْكُرْ إخْراجَهُ مِنَ الجُبِّ، لِأنَّ في ذِكْرِهِ نَوْعَ تَثْرِيبٍ لِلْإخْوَةِ، وقَدْ قالَ: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكم، وقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ سَجْنِهِ ومُدَّةُ بَقائِهِ فِيهِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ وجْهَ عَدَمِ ذِكْرِ إخْراجِهِ مِنَ الجُبِّ أنَّ المِنَّةَ كانَتْ في إخْراجِهِ مِنَ السِّجْنِ أكْبَرُ مِنَ المِنَّةِ في إخْراجِهِ مِنَ الجُبِّ، وفِيهِ نَظَرٌ ﴿وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ أيِ البادِيَةِ، وهي أرْضُ كَنْعانَ بِالشّامِ، وكانُوا أهْلَ مَواشٍ وبَرِّيَّةٍ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا مِنَ البادِيَةِ، وإنَّ المَكانَ الَّذِي كانَ فِيهِ يَعْقُوبُ يُقالُ لَهُ بَدا، وإيّاهُ عَنى …