قال الفراء: وجماعة «ومن اتبعني» معطوف على الضمير في «أدعو» يعني أنا ومن اتبعني يدعو إلى الله كما أدعو، وهذا قول الكلبي، قال: حق على كل من أتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه، ويذكر بالقرآن والموعظة.
ويقوى هذا القول من وجوه كثيرة:
قال ابن الأنباري: ويجوز أن يتم الكلام عند قوله «إلى الله» ثم يبتدئ بقوله «على بصيرة أنا ومن اتبعني» فيكون الكلام على قوله جملتين، أخبر في أولاهما أنه يدعو إلى الله، وفي الثانية: بأنه مع أتباعه على بصيرة، والقولان متلازمان فلا يكون الرجل من أتباعه حقا حتى يدعو إلى ما دعا إليه ويكون على بصيرة.
وقول الفراء أحسن وأقرب إلى الفصاحة والبلاغة.
وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها: فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، بل لا بد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حد أقصى يصل إليه السعي، ويكفي هذا في شرف العلم: أن صاحبه يحوز به هذا المقام، والله يؤتي فضله من يشاء.
(فائدة)
قَوْله تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾
أخْبَرَ تَعالى أنَّ مَن اتَّبَعَ الرَّسُولَ يَدْعُو إلى اللَّهِ، ومَن دَعا إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ وجَبَ اتِّباعُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى فِيما حَكاهُ عَنْ الجِنِّ ورَضِيَهُ: ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] ولِأنَّ مَن دَعا إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ فَقَدْ دَعا إلى الحَقِّ عالِمًا بِهِ، والدُّعاءُ إلى أحْكامِ اللَّهِ دُعاءٌ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ دُعاءٌ إلى طاعَتِهِ فِيما أمَرَ ونَهى، وإذًا فالصَّحابَةُ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - قَدْ اتَّبَعُوا الرَّسُولَ ﷺ فَيَجِبُ اتِّباعُهم إذا دَعَوْا إلى اللَّهِ.
(فصل)
قَوله تَعالى ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى الله على بَصِيرَة أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾
وَسَواء كانَ المَعْنى أنا ومن اتبعني يَدْعُو إلى الله على بَصِيرَة أو كانَ الوَقْف عند قَوْله ﴿أدْعُو إلى الله﴾ ثمَّ يَبْتَدِئ ﴿على بَصِيرَة أنا ومن اتبعني﴾ فالقولان متلازمان فَإنَّهُ أمره سُبْحانَهُ أن يخبر أن سَبيله الدعْوَة إلى الله فَمن دَعا إلى الله تَعالى فَهو على سَبِيل رَسُوله ﷺ وهو على بَصِيرَة وهو من أتْباعه ومن دَعا إلى غير ذَلِك فَلَيْسَ على سَبيله ولا هو على بَصِيرَة ولا هو من أتْباعه.
فالدعوة إلى الله تَعالى هي وظِيفَة المُرْسلين وأتباعهم وهم خلفاء الرُّسُل في أممهم والنّاس تبع لَهُم والله سُبْحانَهُ قد أمر رَسُوله أن يبلغ ما أنزل إلَيْهِ وضمن لَهُ حفظه وعصمته من النّاس وهَكَذا المبلغون عَنهُ من أمته لَهُم من حفظ الله وعصمته إيّاهُم بِحَسب قيامهم بِدِينِهِ وتبليغهم لَهُم وقد أمر النَّبِي ﷺ بالتبليغ عَنهُ ولَو آيَة ودعا لمن بلغ عَنهُ ولَو حَدِيثا وتبليغ سنته إلى الأمة أفضل من تَبْلِيغ السِّهام إلى نحور العَدو لِأن ذَلِك التَّبْلِيغ يَفْعَله كثير من النّاس وأما تَبْلِيغ السّنَن فَلا تقوم بِهِ إلّا ورَثَة الأنْبِياء وخلفاؤهم في أممهم جعلنا الله تَعالى مِنهُم بمنه وكَرمه.
وهم كَما قالَ فيهم عمر بن الخطاب رَضِي الله عَنهُ في خطبَته الَّتِي ذكرها ابْن وضاح في كتاب الحَوادِث والبدع لَهُ قالَ الحَمد لله الَّذِي أمتن على العباد بِأن جعل في كل زمان فَتْرَة من الرُّسُل بقايا من أهل العلم يدعونَ من ضل إلى الهدى ويصبرون مِنهُم على الأذى ويحيون بِكِتاب الله أهل العَمى، كم من قَتِيل لإبليس قد أحيوه، وضال تائه قد هدوه، بذلوا دِماءَهم وأمْوالهمْ دون هلكة العباد، فَما أحسن أثَرهم على النّاس، وأقبح أثر النّاس عَلَيْهِم، يقبلونهم في سالف الدَّهْر وإلى يَوْمنا هَذا فَما نسيهم رَبك ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾
وَجعل قصصهم هدى وأخْبر عَن حسن مقالتهم فَلا تقصر عَنْهُم فَإنَّهُم في منزلَة رفيعة وإن أصابَتْهُم …