Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 91–100 of 111

91

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ

They said, "By Allah, certainly has Allah preferred you over us, and indeed, we have been sinners."

ولَمّا كانَ ما ذَكَرَ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لَقَدْ أتاهم ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ فَما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا﴾ [مُتَعَجِّبِينَ غايَةَ التَّعَجُّبِ. ولِذَلِكَ أقْسَمُوا بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ: ﴿تاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ] ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿عَلَيْنا﴾ أيْ جَعَلَ لَكَ أثَرًا يُغَطِّي آثارَنا بِعُلُوِّهِ فالمَعْنى: فَضَّلَكَ عَلَيْنا أيْ بِالعِلْمِ والعَقْلِ والحِكَمِ والحُسْنِ والمُلْكِ والتَّقْوى وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وإنْ﴾ خَفَّفُوها مِنَ الثَّقِيلَةِ تَأْكِيدًا بِالإيجازِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاهْتِمامِ بِالإبْلاغِ في الِاعْتِذارِ في أسْرَعِ وقْتٍ ﴿كُنّا﴾ أيْ كَوْنًا هو جِبِلَّةٌ لَنا ﴿لَخاطِئِينَ﴾ أيْ عَرِيقِينَ في الخَطَأِ، وهو تَعَمُّدُ الإثْمِ،

92

قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ

He said, "No blame will there be upon you today. Allah will forgive you; and He is the most merciful of the merciful."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما قالَ لَهم عَلى قُدْرَتِهِ وتَمَكُّنِهِ مَعَ ما سَلَفَ مِن إساءَتِهِمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ قَوْلُ الكِرامِ اقْتِداءً بِإخْوانِهِ مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لا تَثْرِيبَ﴾ أيْ لا لَوْمَ ولا تَعْنِيفَ ولا هَلاكَ ﴿عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ وإنْ كانَ هَذا الوَقْتُ مَظِنَّةَ اللَّوْمِ والتَّأْنِيبِ، فَإذا انْتَفى ذَلِكَ فِيهِ فَما الظَّنُّ بِما بَعْدَهُ!

ومادَّةُ ”ثَرَبَ“ تَدُورُ عَلى البَرْثِ - بِتَقْدِيمِ المُوَحِّدَةِ، وهو أسْهَلُ الأرْضِ وأحْسَنُها؛ ولِثَبْرَةَ - بِتَقْدِيمِ المُثَلَّثَةِ: أرْضٌ ذاتُ حِجارَةٍ بِيضٍ، فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ الإخْلادُ، والدَّعَةُ، ومِنهُ: ثابَرَ عَلى الأمْرِ: دَوامَ، والمُثَبَّرُ - كَمَنزِلٍ: لِمَسْقَطِ الوَلَدِ أيْ مَوْضِعِ وِلادَتِهِ، والمَقْطَعُ والمَفْصِلُ، فَيَأْتِي الكَسَلُ واللِّينُ فَيَأْتِي الفَسادُ، ومِنهُ الثُّبُورُ لِلْهَلاكِ، [والبَثَرُ] بِتَقْدِيمِ المُوَحِّدَةِ: خَراجٌ مَعْرُوفٌ: والماءُ البَثْرُ: الَّذِي بَقى مِنهُ عَلى الأرْضِ شَيْءٌ قَلِيلٌ؛ والرَّبْثُ - بِتَقْدِيمِ المُوَحِّدَةِ أيْضًا: حَبْسُ الإنْسانِ، وهُوَ يَرْجِعُ إلى الإقامَةِ والدَّوامِ أيْضًا؛ والتَّثْرِيبِ: التَّقْرِيرُ بِالذَّنْبِ، فَهو إزالَةُ ما عَلى الإنْسانِ مِن ساتِرِ العَفْوِ، مِنَ الثَّرْبِ وهو شَحْمٌ يَغْشى الكَرِشَ والأمْعاءَ ويَسْتُرُهُما، وهو مِن لَوازِمِ الأرْضِ السَّهْلَةِ لِما يَلْزَمُ مَن خَصْبِها، فالتَّثْرِيبُ إزالَتُهُ، وذَلِكَ لِلْقَحْطِ النّاشِئِ عَنْهُ الهَلاكُ، فَأغْلَبُ مَدارِ المادَّةِ الهَلاكُ.

ولَمّا أعْفاهم مِنَ التَّرْثِيبِ، كانُوا في مَظِنَّةِ السُّؤالِ عَنْ كَمالِ العَفْوِ المُزِيلِ لِلْعِقابِ مِنَ اللَّهِ، فَأتْبَعَهُ الجَوابُ عَنْ ذَلِكَ بِالدُّعاءِ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ”لَكُمْ“ أيْ ما فَرَّطَ مِنكم وما لَعَلَّهُ يَكُونُ بَعْدَ هَذا؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ في هَذا الدُّعاءِ بِالمُضارِعِ إرْشادًا لَهم إلى إخْلاصِ التَّوْبَةِ، ورَغَّبَهم في ذَلِكَ ورَجّاهم بِالصِّفَةِ الَّتِي هي سَبَبُ الغُفْرانِ، فَقالَ: ”وهُوَ“ أيْ وحْدُهُ ﴿أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ أيْ لِجَمِيعِ العِبادِ ولا سِيَّما التّائِبُ، فَهو جَدِيرٌ بِإدْرارِ النِّعَمِ بَعْدَ الإعاذَةِ مِنَ النِّقَمِ، ورَوى أنَّهم أرْسَلُوا إلَيْهِ أنَّكَ لَتَدْعُوَنا إلى طَعامِكَ وكَرامَتِكَ بُكْرَةً وعَشِيًّا ونَحْنُ نَسْتَحِي لِما فَرَّطَ مِنّا، فَقالَ: إنَّ أهِلَ مِصْرَ يَنْظُرُونَنِي - وإنْ مَلَكْتُ فِيهِمْ - بِعَيْنِ العُبُودِيَّةِ فَيَقُولُونَ: سُبْحانَ مَن بَلَغَ عَبْدًا [بِيعَ] بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا ما بَلَغَ، ولَقَدْ شُرِّفْتُ الآنَ بِكَمٍّ وعُظِّمْتُ في العُيُونِ حَيْثُ عَلِمَ النّاسُ أنَّكم إخْوَتِي، وأنِّي مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

93

ٱذْهَبُوا۟ بِقَمِيصِى هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًۭا وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ

Take this, my shirt, and cast it over the face of my father; he will become seeing. And bring me your family, all together."

ولَمّا أقَرَّ أعْيُنَهم بَعْدَ اجْتِماعٍ شَمِلَهم بِإزالَةِ ما يَخْشَوْنَهُ دُنْيا وأُخْرى، بَقِيَ ما يَخُصُّ أباهم مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ وقَعَ السُّؤالُ عَنْهُ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي﴾ ولَمّا كانَ قَوْلُهُ هَذا رُبَّما أوْقَعَ في أفْهامِهِمْ قَمِيصَهُ الَّذِي سَلَبُوهُ إيّاهُ، احْتَرَزَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا فَألْقُوهُ﴾ أيْ عَقِبَ وُصُولِكم ﴿عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ﴾ أيْ يَرْجِعُ إلى ما كانَ ﴿بَصِيرًا﴾ أوْ يَأْتِ إلى حالَةِ كَوْنِهِ بَصِيرًا، فَإنَّهُ إذا رَدَّ إلَيْهِ بَصَرَهُ وعَلِمَ مَكانِي لَمْ يَصْبِرْ عَنِ القَصْدِ إلَيَّ لِما عِنْدَهُ مِن وُفُورِ المَحَبَّةِ وعَظِيمِ الشَّوْقِ، وكَوْنِهِ قَمِيصًا مِن مَلابِسِ يُوسُفَ المُعْتادَةِ أدْخَلُ في الغَرابَةِ وأدَلُّ عَلى الكَرامَةِ؛ والقَمِيصُ ألْصَقُ الثِّيابِ بِالجِسْمِ، فَإظْهارُ الكَرامَةِ بِهِ أدَلُّ عَلى كَمالِ دِينِ صاحِبِهِ وعَراقَتِهِ في أُمُورِ الإيمانِ، وهو يُؤَوَّلُ في المَنامِ بِالدِّينِ، وذَلِكَ أدْخَلُ في كَمالِ السُّرُورِ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وأْتُونِي﴾ أيْ بِأبِي وأنْتُمْ ﴿بِأهْلِكُمْ﴾ أيْ مُصاحِبِينَ لَهم ﴿أجْمَعِينَ﴾ لا يَتَخَلَّفُ مِنهم أحَدٌ، فَرَجَعُوا بِالقَمِيصِ لِهَذا القَصْدِ، قِيلَ: كانَ يَهُوذا هو الَّذِي حَمَلَ قَمِيصَهُ لَمّا لَطَّخُوهُ بِالدَّمِ، فَقالَ: لا يَحْمِلُ هَذا غَيْرِي لِأُفْرِحَهُ كَما أحْزَنْتُهُ، فَحَمَلَهُ وهو حافٍ حاسِرٌ مِن مِصْرَ إلى كَنْعانَ وبَيْنَهُما ثَمانُونَ فَرْسَخًا

94

وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَآ أَن تُفَنِّدُونِ

And when the caravan departed [from Egypt], their father said, "Indeed, I find the smell of Joseph [and would say that he was alive] if you did not think me weakened in mind."

﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ مِنَ العَرِيشِ آخِرَ بِلادِ مِصْرَ إلى بِلادِ الشّامِ ﴿قالَ أبُوهُمْ﴾ لِوَلَدِ ولَدِهِ ومَن حَوْلَهُ مِن أهْلِهِ، مُؤَكِّدًا لِعِلْمِهِ أنَّهم يُنْكِرُونَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي لأجِدُ﴾ أيْ لِأقُولَ: إنِّي لَأجِدُ ﴿رِيحَ يُوسُفَ﴾ وصَدَّهم عَنْ مُواجَهَتِهِ بِالإنْكارِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [أيْ] لَقُلْتُ غَيْرَ مُسْتَحٍ ولا مُتَوَقِّفٍ، لِأنَّ التَّفْنِيدَ لا يَمْنَعُ الوِجْدانَ، وهو كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: لَوْلا أنْ تَنْسِبَنِي إلى الخِفَّةِ لَقُلْتُ كَذا، أيْ إنِّي قائِلٌ بِهِ مَعَ عِلْمِي بِأنَّكَ لا تُوافِقُنِي عَلَيْهِ، ”وفَصْلٌ“ هُنا لازِمٌ يُقالُ: فَصَلَ مِنَ البَلَدِ يَفْصِلُ فُصُولًا، والفَصْلُ: القَطْعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بِحاجِزٍ، والوِجْدانُ: ظُهُورٌ مِن جِهَةِ إدْراكٍ يَسْتَحِيلُ مَعَهُ انْتِفاءُ الشَّيْءِ، والرِّيحُ: عَرَضٌ يُدْرَكُ بِحاسَّةِ الأنْفِ أيِ الشَّمِّ، والتَّفْنِيدِ: تَضْعِيفُ الرَّأْيِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفَنَدِ، وهو الخَوْفُ وإنْكارُ العَقْلِ مِن هَرِمَ، يُقالُ: شَيْخٌ مُفَنِّدٌ، ولا يُقالُ: عَجُوزٌ مُفَنِّدَةٌ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ في شَبِيبَتِها ذاتَ رَأْيٍ فَيُفَنِّدُها كِبْرُها؛

95

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ

They said, "By Allah, indeed you are in your [same] old error."

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ حِكايَةَ جَوابِهِمْ فَقالَ: ﴿قالُوا﴾ أيِ السّامِعُونَ لَهُ ما ظَنَّهُ بِهِمْ، مُقْسِمِينَ بِما دَلَّ عَلى تَعَجُّبِهِمْ، وهو ﴿تاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ، وأكَّدُوا لِمَعْرِفَتِهِمْ أنَّهُ يُنْكِرُ كَلامَهم وكَذا كُلُّ مَن يَعْرِفُ كَمالَهُ ﴿إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ﴾ أيْ بِحَيْثُ صارَ ظَرْفًا لَكَ ﴿القَدِيمِ﴾ أيْ خَطَئُكَ في ظَنِّ حَياةِ يُوسُفَ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: والضَّلالُ: الذَّهابُ عَنْ جِهَةِ الصَّوابِ.

96

فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَىٰهُ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًۭا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And when the bearer of good tidings arrived, he cast it over his face, and he returned [once again] seeing. He said, "Did I not tell you that I know from Allah that which you do not know?"

فَصَحَّحَ اللَّهُ قَوْلَهُ وحَقَّقَ وِجْدانَهُ، وعَجَّلُوا إلَيْهِ بَشِيرًا فَأسْرَعَ بَعْدَ الفُصُولِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِالفاءِ في ﴿فَلَمّا﴾ وزِيدَتْ ”أنَّ“ لِتَأْكِيدِ مَجِيئِهِ عَلى تِلْكَ الحالِ وزِيادَتُها قِياسٌ مُطَّرِدٌ ﴿جاءَ البَشِيرُ﴾ وهو يَهُوذا بِذَلِكَ، مَعَهُ القَمِيصُ ﴿ألْقاهُ﴾ أيِ القَمِيصُ حِينَ وصَلَ إلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن غَيْرِ فاصِلٍ ما بَيْنَ أوَّلِ المَجِيءِ وبَيْنَهُ كَما أفادَتْهُ زِيادَةُ ”أنَّ“ لِتَأْكِيدِ ما تُفِيدُهُ ”لَمّا“ مِن وُقُوعِ الفَصْلِ الثّانِي وهو هُنا الإلْقاءُ عَقِبَ الأوَّلِ وتَرَتُّبُهُ عَلَيْهِ وهو هُنا المَجِيءُ ﴿عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿فارْتَدَّ﴾ مِن حِينِهِ ﴿بَصِيرًا﴾ والِارْتِدادُ: انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالٍ كانَ عَلَيْها، فالتَفَتَ الخاطِرُ إلى حالِهِ مَعَ فَنْدِهِ، فَأخْبَرَ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ”قالَ“ أيْ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ إنِّي أجِدُ رِيحَهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ هَذا التَّقْرِيرَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأنَّ قَوْلَهم قَوْلُ مَن يُنْكِرُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المُخْتَصُّ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ لِما خَصَّنِي بِهِ تَعالى مِن أنْواعِ المَواهِبِ، وهو عامٌّ لِأخْبارِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرِها، وهو مِنَ التَّحْدِيثِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ.

97

قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ

They said, "O our father, ask for us forgiveness of our sins; indeed, we have been sinners."

ولَمّا كانَ ذَلِكَ تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى عِلْمِ ما يَقَعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أوْلادِهِ في ذَلِكَ، فَدَفَعَ عَنْها هَذا العَناءَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا يا أبانا﴾ مُنادِينَ بِالأداةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى الِاهْتِمامِ العَظِيمِ بِما بَعْدَها لِما لَهُ مِن عَظِيمِ الوَقْعِ: ﴿اسْتَغْفِرْ﴾ أيِ اطْلُبْ مِنَ اللَّهِ أنْ يَغْفِرَ ﴿لَنا ذُنُوبَنا﴾ ورَدَّ كُلَّ ضَمِيرٍ مِن هَذِهِ الضَّمائِرِ إلى صاحِبِهِ في غايَةِ الوُضُوحِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُصَرِّحْ بِصاحِبِهِ.

ولَمّا سَألُوهُ الِاسْتِغْفارَ لِذُنُوبِهِمْ، عَلَّلُوهُ بِالِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ، لِأنَّ الِاعْتِرافَ شَرْطُ التَّوْبَةِ - كَما قالَ ﷺ: «إنَّ العَبْدَ إذا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ تَحْقِيقًا لِلْإخْلاصِ في التَّوْبَةِ: ﴿إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ أيْ مُتَعَمِّدِينَ لِلْإثْمِ بِما ارْتَكَبْنا في أمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛

98

قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ

He said, "I will ask forgiveness for you from my Lord. Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."

ثُمَّ حَكى جَوابَهُ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿قالَ﴾ أيْ أبُوهم عَلَيْهِ السَّلامُ مُؤَكِّدًا لِكَلامِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ﴾ أيْ أطْلُبُ أنْ يَغْفِرَ ﴿لَكم رَبِّي﴾ [أيِ] الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُحْسِنُ إلَيَّ ويُرَبِّينِي أحْسَنَ تَرْبِيَةٍ، فَهو الجَدِيرُ بِأنْ يَغْفِرَ لِبَنِيَّ حَتّى لا يُفَرِّقَ بَيْنِي وبَيْنَهم في دارِ البَقاءِ؛ والرُّبُوبِيَّةُ: مُلْكٌ هو أتَمُّ المُلْكِ عَلى الإطْلاقِ، وهو مُلْكُ اللَّهِ تَعالى لِإنْشاءِ الأنْفُسِ بِاخْتِراعِها وتَصْرِيفِها أتَمَّ التَّصْرِيفِ مِنَ الإيجادِ والإعْدامِ والتَّقْلِيبِ مِن حالٍ إلى حالٍ في جَمِيعِ الأُمُورِ مِن غَيْرِ تَعَبٍ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ كُلُّ ذَلِكَ تَسْكِينًا لِقُلُوبِهِمْ وتَصْحِيحًا لِرَجائِهِمْ لِيَقْوى أمَلُهُمْ، فَيَكُونُ تَعالى عِنْدَ ظَنِّهِمْ بِتَحْقِيقِ الإجابَةِ وتَنْجِيزًا لِطَلَبِهِ؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِـ ”سَوْفَ“ لِتَقْدِيمِ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ عَلى المَسْألَةِ لِما ذَكَرَتْهُ مِنَ الأغْراضِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ أخَّرَ الدُّعاءَ إلى صَلاةِ اللَّيْلِ، وقِيلَ: إلى لَيْلَةِ الجُمْعَةِ؛ وقِيلَ: يُؤْخَذُ مِنها أنَّ طَلَبَ الحَوائِجِ إلى الشَّبابِ أسْهَلُ مِنهُ إلى الشُّيُوخِ.

99

فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُوا۟ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ

And when they entered upon Joseph, he took his parents to himself and said, "Enter Egypt, Allah willing, safe [and secure]."

ولَمّا وقَعَ ما ذَكَرَ، وكانَ قَدْ أرْسَلَ مَعَهم مِنَ الدَّوابِّ والمالِ والآلاتِ ما يَتَجَهَّزُونَ بِهِ، أقْبَلُوا عَلى التَّجْهِيزِ كَما أمَرَهم يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، [ثُمَّ] قَدِمُوا مِصْرَ وهُمُ اثْنانِ وسَبْعُونَ نَفْسًا مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ، وكَأنَّهم أسْرَعُوا في ذَلِكَ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَلَمّا﴾ بِالفاءِ ﴿دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ في المَكانِ الَّذِي تَلْقّاهم إلَيْهِ في وُجُوهِ أهْلِ مِصْرَ وضَرَبَ بِهِ مَضارِبَهُ ﴿آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ﴾ إكْرامًا لَهُما بِما يَتَمَيَّزانِ بِهِ، قِيلَ: هو المُعانَقَةُ، والظّاهِرُ أنَّها أُمُّهُ حَقِيقَةً، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ - كَما نَقَلَهُ الرُّمّانِيُّ وأبُو حَيّانَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّها خالَتُهُ، وغَلَبَ الأبُ في هَذِهِ التَّثْنِيَةِ لِذُكُورَتِهِ كَما غَلَبَ ما هو مُفْرَدٌ في أصْلِهِ عَلى المُضافِ في العُمْرَيْنِ ﴿وقالَ﴾ مُكْرِمًا لِلْكُلِّ ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ أيِ البَلَدَ المَعْرُوفَ، وأتى بِالشَّرْطِ لِلْأمْنِ لا لِلدُّخُولِ، فَقالَ: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿آمِنِينَ﴾ مِن جَمِيعِ ما يَنُوبُ حَتّى مِمّا فَرَطْتُمُوهُ في حَقِّي وحَقِّ أخِي.

100

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًۭا ۖ وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّۭا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌۭ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ

And he raised his parents upon the throne, and they bowed to him in prostration. And he said, "O my father, this is the explanation of my vision of before. My Lord has made it reality. And He was certainly good to me when He took me out of prison and brought you [here] from bedouin life after Satan had induced [estrangement] between me and my brothers. Indeed, my Lord is Subtle in what He wills. Indeed, it is He who is the Knowing, the Wise.

ولَمّا ذَكَرَ الأمْنَ الَّذِي هو مَلاكُ العافِيَةِ الَّتِي بِها لَذَّةُ العَيْشِ، أتْبَعَهُ الرِّفْعَةَ الَّتِي بِها كَمالُ النَّعِيمِ، فَقالَ: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ﴾ أيْ بَعْدَما اسْتَقَرَّتْ بِهِمُ الدّارُ بِدُخُولِ مِصْرَ مُسْتَوِيِينَ ﴿عَلى العَرْشِ﴾ أيِ السَّرِيرِ الرَّفِيعِ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: أصْلُهُ الرَّفْعُ.

﴿وخَرُّوا﴾ أيِ انْحَطُّوا ﴿لَهُ سُجَّدًا﴾ الأبَوانِ والإخْوَةُ تَحْقِيقًا لِرُؤْياهُ مِمَّنْ هو غالِبٌ عَلى كُلِّ أمْرٍ، والسُّجُودُ - وأصْلُهُ: الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ - كانَ مُباحًا في تِلْكَ الأزْمِنَةِ ﴿وقالَ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿يا أبَتِ﴾ مُلَذِّذًا لَهُ بِالخِطابِ بِالأُبُوَّةِ ﴿هَذا﴾ أيِ الَّذِي وقَعَ مِنَ السُّجُودِ ﴿تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ الَّتِي رَأيْتُها، ودَلَّ عَلى قَصْرِ الزَّمَنِ الَّذِي رَآها فِيهِ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي﴾ أيِ الَّذِي رَبّانِي بِما أوْصَلَنِي إلَيْها ﴿حَقًّا﴾ أيْ بِمُطابَقَةِ الواقِعِ لِتَأْوِيلِها، وتَأْوِيلِ ما أخْبَرْتَنِي بِهِ أنْتَ تُحَقِّقُ [أيْضًا] مَنِ اجْتِبائِي وتَعْلِيمِي وإتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيَّ؛ والتَّأْوِيلُ: تَفْسِيرُ ما يُؤُولُ إلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ؛ وعَنْ سَلْمانَ \رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ ما بَيْنَ تَأْوِيلِها ورُؤْياها أرْبَعُونَ سَنَةً.

﴿وقَدْ أحْسَنَ﴾ أيْ أوْقَعَ إحْسانَهُ ﴿بِي﴾ تَصْدِيقًا لِما بَشَّرَتْنِي بِهِ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ، [وتَعْدِيَةِ ﴿أحْسَنَ﴾ بِالباءِ أدُلُّ عَلى القُرْبِ مِنَ المُحْسِنِ مِنَ التَّعْدِيَةِ بِـ ”إلى“ وعَبَّرَ بِقَوْلِهِ:-] ﴿إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ مُعْرِضًا عَنْ لَفْظِ ”الجُبِّ“ حَذَرًا مِن إيحاشِ إخْوَتِهِ مَعَ أنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ احْتِمالًا خَفِيًّا ﴿وجاءَ بِكُمْ﴾ وقِيلَ: إنَّهم كانُوا أهْلُ عُمَدٍ وأصْحابُ مَواشٍ، يَتَنَقَّلُونَ في المِياهِ والمَناجِعِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿مِنَ البَدْوِ﴾ مِن أطْرافِ بادِيَةِ فِلَسْطِينَ، وذَلِكَ مِن أكْبَرِ النِّعَمِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ ”مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يَنْقُلْهُ مِنَ البادِيَةِ إلى الحاضِرَةِ“ والبَدْوُ: بَسِيطٌ مِنَ الأرْضِ يُرى فِيهِ الشَّخْصُ مِن بَعِيدٍ، وأصْلُهُ مِنَ الظُّهُورِ، وأنِسَ إخْوَتُهُ أيْضًا بِقَوْلِهِ مُثْبِتًا الجارَّ لِأنَّ مَجِيئَهم في بَعْضِ أزْمانِ البُعْدِ: ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَـزَغَ﴾ عَبَّرَ بِالماضِي لِيَفْهَمَ أنَّهُ انْقَضى ﴿الشَّيْطانُ﴾ أيْ أفْسَدَ البَعِيدَ المُحْتَرِقَ بِوَسْوَسَتِهِ الَّتِي هي كالنَّخْسِ ﴿بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾ حَيْثُ قَسَّمَ النَّزْعَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم ولَمْ يُفَضِّلْ أحَدًا مِنَ الفَرِيقَيْنِ فِيهِ، ولَمْ يُثْبِتِ الجارُّ إشارَةً إلى عُمُومِ الإفْسادِ لِلْبَنِينِ، كُلُّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَحَقُّقٍ ما بَشَّرَ بِهِ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ وكَمالِ العِلْمِ والحِكْمَةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ الإحْسانَ إلَيْهِمْ أجْمَعِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ عَلى وُجُوهٍ فِيها خَفاءٌ ﴿لَطِيفٌ﴾ - أيْ يَعْلَمُ دَقائِقَ المَصالِحِ وغَوامِضَها، ثُمَّ يَسْلُكُ - في إيصالِها [إلى] المُسْتَصْلَحِ - سَبِيلَ الرِّفْقِ دُونَ العُنْفِ، فَإذا اجْتَمَعَ الرِّفْقُ في الفِعْلِ واللُّطْفِ في الإدْراكِ فَهو اللَّطِيفُ - قالَهُ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ. وهو سُبْحانُهُ فاعِلُ اللُّطْفِ في تَدْبِيرِهِ ورَحْمَتِهِ ﴿لِما يَشاءُ﴾ لا يُعْسَرُ عَلَيْهِ أمْرٌ؛ ثُمَّ عَلَّلَ هَذِهِ العِلَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ أيْ وحْدَهِ ﴿العَلِيمُ﴾ أيِ البَلِيغُ العِلْمِ لِلدَّقائِقِ والجَلائِلِ ﴿الحَكِيمُ﴾ أيِ البَلِيغُ الإتْقانِ …

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.