Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi

Ayahs 1–10 of 111

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُبِينِ

Alif, Lam, Ra. These are the verses of the clear Book.

قد تَقَدَّم الكلامُ على نحوِ قولِه «تلك آياتُ» في أول يونس.

2

إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّۭا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

Indeed, We have sent it down as an Arabic Qur'an that you might understand.

قوله تعالى: {قُرْآناً} : يجوز فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ بدلاً من ضمير «أَنْزَلْناه» ، أو حالاً مُوَطِّئةً منه، والضميرُ في «أَنْزَلْناه» على هذين القولين يعودُ على «الكتاب» . وقيل: «قُرْآناً» مفعولاٌ به والضميرُ في «أَنْزلْناه» ضميرُ المصدر.

و «عربيَّاً» نعتٌ للقرآن. وجَوَّز أبو البقاء أن يكونَ حالاً مِنَ الضمير في «قُرْآناً» إذا تحمَّل ضميراً، يعني إذا جَعَلْناه حالاً مُؤَوَّلاً بمشتق، أي: أَنْزَلْناه مُجْتَمِعاً في حال كونِ عربيَّاً. والعربيُّ منسوب للعرب لأنه نَزلَ بلغتِهم. وواحدُ العَرَبِ عربيٌ، كما أن واحدَ الرومِ روميٌّ. وعَرَبةُ بفتح الراء ناحيةُ دارِ إسماعيلَ النبيِّ عيله السلام. قال الشاعر: 2377 - وعَرْبَةُ أرضٌ ما يُحِلُّ حرامَها ... مِنَ الناسِ إلا اللَّوْذَعِيُّ الحُلاحِلُ

سكَّن راءَها ضرورةً، فيجوز أن يكونَ العربيُّ منسوباً إلى هذه البقعة.

3

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَٰفِلِينَ

We relate to you, [O Muhammad], the best of stories in what We have revealed to you of this Qur'an although you were, before it, among the unaware.

قوله تعالى: {أَحْسَنَ القصص} : في انتصاب «أحسنَ» وجهان، [أحدهما] : أن يكونَ/ منصوباً على المفعول به، ولكنْ إذا جَعَلْتَ القصصَ مصدراً واقعاً موقعَ المفعولِ كالخَلْق بمعنى المَخْلوق، أو جعَلْتَه فَعَلاً بمعنى مفعول كالقَبَضِ والنَّقَص بمعنى المَنْقُوص والمقبوض، أي: نَقُصُّ عليك أَحْسَنَ الأشياءِ المقتصَّة. والثاني: أن يكونَ منصوباً على المصدرِ المُبَيِّنِ، إذا جَعَلْتَ القصصَ مصدراً غيرَ مرادٍ به المفعولُ، ويكون المقصوصُ على هذا محذوفاً، أي: نَقُصُّ عليك أحسنَ الاقتصاص. و «أَحْسَنَ» يجوز أن تكونَ أفْعَل تفضيلٍ على بابها، وأن تكونَ لمجرَّدِ الوصفِ بالحُسْن، وتكون من بابِ إضافة الصفةِ لموصوفِها، أي: القصص الحسن.

قوله: {بِمَآ أَوْحَيْنَآ} الباءُ سببيةٌ، وهي متعلقةٌ ب «نَقُصُّ» و «ما» مصدريةٌ، أي: بسبب إيحائنا.

قوله: {هذا القرآن} يجوز فيه وجهان، أحدهما: وهو الظاهرُ أن ينتصبَ على المفعولِ به ب «أَوْحَيْنا» . والثاني: أن تكون المسألةُ من بابِ التنازع، أعني بين «نَقُصُّ» وبين «أَوْحَيْنا» فإنَّ كلاًّ منهما يطلبُ «هذا القرآن» ، وتكونُ المسألةُ من إعمال الثاني، وهذا إنما يتأتى على جَعْلِنا «أَحْسَنَ» منصوباً على المصدرِ، ولم نُقَدِّرْ ل «نَقُصُّ» مفعولاً محذوفاً.

قوله: «وَإِن كُنتَ» إلى آخره تقدَّمه نظيرُه.

4

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَٰجِدِينَ

[Of these stories mention] when Joseph said to his father, "O my father, indeed I have seen [in a dream] eleven stars and the sun and the moon; I saw them prostrating to me."

قوله تعالى: {إِذْ قَالَ} : في العاملِ فيه أوجهٌ، أظهرها: أنه منصوبٌ ب {قَالَ يابني} [يوسف: 5] ، أي: قال يعقوب: يا بُنَيَّ، وقتَ قولِ يوسفَ له كيت وكيت، وهذا أسهلُ الوجوهِ، إذ فيه إبقاءُ «إذ» على كونِه ظرفاً ماضياً. وقيل: الناصبُ له «الغافلين» قاله مكي. وقيل: هو منصوبٌ ب «نَقُصُّ» ، أي: نَقُصُّ عليك وقتَ قولِه كيت وكيت، وهذا فيه إخراجُ «إذ» عن المضيِّ وعن الظرفية، وإن قَدَّرْتَ المفعولَ محذوفاً، أي: نَقُصُّ عليك الحالَ وقتَ قولِه، لزم إخراجها عن المُضِيّ. وقيل: هو منصوبٌ بمضمر، أي: اذكر. وقيل: هو منصوب على أنه بدلٌ مِنْ «أَحْسَنَ القصص» بدلُ اشتمال. قال الزمخشري: «لأنَّ الوقتَ يَشْمل على القصص وهو المقصوص» .

قوله: {ياأبت} قرأ ابن عامر بفتح التاء، والباقون بكسرِها. وهذه التاءُ عوضٌ من ياء المتكلم، ولذلك لا يجوز الجمعُ بينهما إلا ضرورةً، وهذا يختصُّ بلفظتين. يا أبت، ويا أَمَتِ ولا يجوز في غيرهما من الأسماء لو قلت: «يا صاحِبَتِ» لم يَجُز البتة، كما اختصَّتْ لفظةُ الأمِّ والعمِّ بحكمٍ في نحو «يا بن أُمّ» . ويجوز الجمعُ بين هذه التاءِ وبين كلٍ مِنَ الياءِ والألفِ ضرورةً كقوله:

2734 - يا أَبَتا عَلَّكَ أو عَساكا ... وقول الآخر:

2735 - أيا أَبَتا لا تَزَلْ عندَنا ... فإنَّا نخافُ بأنْ نُخْتَرَمْ

وقول الآخر:

2736 - أيا أبتي لا زِلْتَ فينا فإنَّما ... لنا أَمَلٌ في العيشِ ما دُمْتَ عائِشا

وكلام الزمخشري يُؤْذِنُ بأنَّ الجمعَ بين التاءِ والألفِ ليس ضرورةً فإنه قال: «فإن قلت: فما هذه الكسرةُ؟ قلت: هي الكسرةُ التي كانت قبل الياءِ في قولِك» يا أبي «فَزُحْلِقَتْ إلى التاء لاقتضاءِ تاءِ التأنيثِ أن يكونَ ما قبلها مفتوحاً. فإن قُلْتَ: فما بالُ الكسرةِ لم تَسْقُطْ بالفتحة التي اقْتَضَتْها التاءُ، وتبقى التاءُ ساكنة؟ قلت: امتنع ذلك فيها لأنها اسمٌ، والأسماءُ حقُّها التحريكُ لأصالتِها في الإِعراب، وإنما جاز تسكينُ الياء وأصلُها أن تُحَرَّك تخفيفاً لأنها حرف لين، وأمَّا التاءُ فحرفٌ صحيحٌ نحو كاف الضمير، فلزم تحريكُها. فإنْ قلت: يُشْبه الجمعُ بين هذه التاءِ وبين هذه الكسرةِ الجمعَ بين العِوَضِ والمُعَوَّضِ منه؛ لأنها في حكم الياءِ إذا قلتَ: يا غلامِ، فكما لا يجوزُ» يا أبتي «لا يجوز» يا أبتِ «. قلت: الياء والكسرةُ قبلها شيئان، والتاءُ عوضٌ من أحد الشيئين وهو الياءُ، والكسرةُ غيرُ مُتَعَرَّضٍ لها، فلا يُجْمَعُ بين العِوَض والمُعَوَّض منه، إلا إذا جُمِعَ بين التاءِ والياءِ لا غير. ألا ترى إلى قولهم:» يا أبتا «مع كونِ الألفِ فيه بدلاً من الياء كيف جاز الجمعُ بينها وبين التاء، ولم يُعَدَّ ذلك جمعاً بين العوض والمعوض منه؟ فالكسرة أبعدُ من ذلك.

فإن قلتَ: قد دَلَّتِ الكسرةُ في «يا غلامِ» على الإِضافة لأنها قرينةُ الياءِ ولصيقتُها، فإن دَلَّت على مِثْلِ ذلك في «يا أبت» فالتاء المعوَّضَةُ لَغْوٌ، وجودُها كعَدَمِها. قلت: بل حالُها مع التاءِ كحالِها مع الياءِ إذا قلت: يا أبي «.

وكذا عبارة الشيخ فإنه قال:» وهذه التاءُ عوضٌ من ياء الإِضافة فلا تجتمعان، وتجامعُ الألفَ التي هي بدلٌ من الياء قال:

2737 - يا أَبَتا عَلَّكَ أو عَسَاكا ... / وفيه نظرٌ من حيث إنَّ الألفَ كالياءِ لكونها بدلاً منها، فينبغي أن لا يُجْمَعَ بينهما.

وهذ التاءُ أصلُها للتأنيث قال الزمخشري: «فإن قلت: ما هذه التاءُ؟ قلت: تاءُ تأنيثٍ وقعت عوضاً من ياء الإِضافة، والدليلُ على أنَّها تاءُ تأنيثٍ قَلْبُها هاءً في الوقف» . قلت: وما ذَكَرَه مِنْ كونها تُقْلَبُ هاءً في الوقف قرأ به ابنُ كثير وابنُ عامر، والباقون وقفوا عليها بالتاء، كأنهم أَجْرَوْها مُجْرى تاء الإِلحاق في بنت وأخت، ومِمَّنْ نَصَّ على كونِها للتأنيث سيبويه فإنه قال: «سألتُ الخليل عن التاء في» يا أبت «فقال:» هي بمنزلة التاء في تاء خالة وعمَّة …

5

قَالَ يَٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لِلْإِنسَٰنِ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ

He said, "O my son, do not relate your vision to your brothers or they will contrive against you a plan. Indeed Satan, to man, is a manifest enemy.

قوله تعالى: {لاَ تَقْصُصْ} : قرأ العامَّة بفكِّ الصادّيْن وهي لغةُ الحجاز. وقرأ زيد بن علي بصادٍ واحدة مشدَّدة، والإِدغامُ لغةُ تميمٍ. وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في المائدة عند قوله {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ} [المائدة: 54] .

والرؤيا مصدرٌ كالبُقْيا. وقال الزمخشري: «الرؤيا بمعنى الرؤية، إلا أنها مختصةٌ بما كان في النوم دون اليقظة، فرَّق بينهما بحَرْفَي التأنيث كما قيل القُرْبَةُ والقربى» .

وقرأ العامَّة «الرُّؤْيا» بهمزٍ مِنْ غير إمالة، وقرأها الكسائي في رواية الدُّوري عنه بالإِمالة. وأمَّا الرؤيا ورؤياي الاثنتان في هذه السورة فأمالهما الكسائي من غير خلافٍ في المشهور، وأبو عمرو يُبْدِلُ هذه الهمزةَ واواً في طريق السوسي. وقال الزمخشري: «وسمع الكسائي» رُيَّاك «و» رِيَّاك «بالإِدغام وضم الراء وكسرها، وهي ضعيفةٌ لأنَّ الواو في تقدير الهمزة فلم يَقْوَ إدغامها كما لم يَقْوَ إدغام» اتَّزر «من الإِزار واتَّجَرَ من الأَجْر» يعني أنَّ العارض لا يُعْتَدُّ به، وهذا هو الغالب. وقد اعتدَّ القُرّاءُ بالعارض في مواضع ستقف بها على أشياءَ إن شاء اللَّهُ نحو «رِيَّا» في قوله {أَثَاثاً وَرِءْياً} [مريم: 74] عند حمزة، و {عَاداً الأولى} [النجم: 50] .

وأمَّا كسرُ «رِيَّاك» فلئلاَّ يؤدِّي إلى ياء ساكنة بعد ضمة، وأمَّا الضمُّ فهو الأصل، والياءُ صد اسْتُهْلِكَتْ بالإِدغام.

قوله: {فَيَكِيدُواْ} منصوبٌ في جواب النهي وهو في تقدير شرط وجزاء، ولذلك قدَّره الزمخشري بقوله: «إنْ قصصتها عليهم كادوك» . و «كَيْداً» فيه وجهان، أحدهما: وهو الظاهر أنه مصدرٌ مؤكدٌ، وعلى هذا ففي اللام في قوله «لك» خمسةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكون «يكيد» ضُمِّن «معنى ما يتعدَّى باللام؛ لأنه في الأصل متعدٍّ بنفسه قال تعالى: {فَكِيدُونِي جَمِيعاً} [هود: 55] والتقدير: فيحتالوا لك بالكيد. قال الزمخشري مقرراً لهذا الوجه:» فإنْ قلتَ: هلاَّ قيل: فيكيدوك كما قيل فكيدوني. قلت: ضُمِّن معنى فعلٍ يتعدى باللام ليفيدَ معنى فعلِ الكيد مع إفادة معنى الفعل المضمَّن فيكون آكدَ وأَبْلَغَ في التخويف وذلك نحو: فيحتالوا لك، ألا ترى إلى تأكيده بالمصدر «.

الوجه الثاني من أوجهِ اللام: أن تكونَ مُعَدِّيةً، ويكون هذا الفعلُ ممَّا يتعدى بحرفِ الجر تارةً، وبنفسهِ أخرى كنصح وشكر، كذا قاله الشيخ وفيه نظرٌ، لأنَّ ذاك بابٌ لا يَنْقاس إنما يُقْتصر فيه على ما ذكره النحاةُ ولم يَذْكروا منه» كاد «.

الثالث: أن اللامَ زائدةٌ في المفعول به كزيادتها في قوله {رَدِفَ لَكُم} قاله أبو البقاء وهو ضعيف؛ لأنَّ اللامَ لا تُزاد إلا بأحد شرطين: تقديم المعمولِ أو كونِ العاملِ فرعاً.

الرابع: أن تكونَ اللامُ للعلة، أي: فيكيدوا من أجلك، وعلى هذا فالمفعولُ محذوفٌ اقتصاراً أو اختصاراً. /

الخامس: أن تتعلَّق بمحذوفٍ، لأنها حالٌ مِنْ: «كَيْداً» إذ هي في الأصلِ يجوزُ أن تكونَ صفةً لو تأخَّرَتْ «.

الوجه الثاني مِنْ وَجْهَيْ» كَيْداً «أن يكونَ مفعولاً به، أي: فيصنعوا لك كيداً، أي: أمراً يكيدونَك به، وهو مصدرٌ في موضع الاسمِ ومنه {فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ} [طه: 64] ، أي: ما تكيدون به، ذكره أبو البقاء وليس بالبيِّن، وعلى هذا ففي اللامِ في» لك «وجهان فقط: كونُها صفةً في الأصل ثم صارَتْ حالاً، أو هي للعلة، وأمَّا الثلاثةُ الباقيةُ فلا تتأتى وامتناعُها واضح.

6

وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

And thus will your Lord choose you and teach you the interpretation of narratives and complete His favor upon you and upon the family of Jacob, as He completed it upon your fathers before, Abraham and Isaac. Indeed, your Lord is Knowing and Wise."

قوله تعالى: {وكذلك يَجْتَبِيكَ رَبُّك} الكاف في موضع نصبٍ أو رفعٍ، فالنصبُ: إمَّا على الحال من ضمير المصدر المقدَّر، وقد تقدم أنه رأيُ سيبويه، وإمَّا على النعتِ لمصدرٍ محذوف والمعنى: مثلَ ذلك الاجتباء العظيم يَجْتبيك. والرفعُ على خبر ابتداء مضمر أي: الأمرُ كذلك. وقد تقدَّم له نظائر.

قوله: {وَيُعَلِّمُكَ} مستأنفٌ ليس داخلاً في حَيِّز التشبيه، والتقدير: وهو يُعَلِّمك. والأحاديث: جمع تكسير، فقيل: لواحدٍ ملفوظٍ به وهو «حديث» ولكنه شَذَّ جمعُه على أحاديث، وله أخواتٌ في الشذوذ كأباطيل وأقاطيع وأعاريض في باطل وقطيع وعَرُوض. وزعم أبو زيد أن لها واحداً مقدراً وهو أُحْدُوثة ونحوه، وليس باسم جمعٍ؛ لأنَّ هذه الصيغةَ مختصة بالتكسير، وإذا كانوا قد التزموا ذلك فيما لم يُصَرَّح له بمفردٍ مِنْ لفظه نحو: عباديد وشماطيط وأبابيل ففي «أحاديث» أَوْلى، ولهذا رُدَّ على الزمخشري قولُه: «وهي اسم جمعٍ للحديث وليس بجمعِ أُحْدوثة» بما ذكرته، ولكنَّ قولَه «ليس بجمعِ أُحْدوثة» صحيحٌ؛ لأن مذهبَ الجمهور خلافُه، على أنَّ كلامَه قد يريد به غيرَ ظاهرِه مِنْ قوله اسم جمع.

وقوله: {عَلَيْكَ} يجوز أَنْ يتعلَّق ب «يُتِمَّ» ، وأن يتعلَّقَ ب «نعمته» . وكرَّر «على» في قوله: «وعلى آل» ليمكنَ العطفُ على الضمير المجرور. هذا مذهبُ البصريين، وتقدَّم بيانه. وقوله: «مِنْ قبلُ» أي مِنْ قبلك.

قوله: {إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} يجوز أن يكونَ بدلاً من «أبويك» أو عطف بيان، أو على إضمارِ أَعْني.

7

۞ لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٌۭ لِّلسَّآئِلِينَ

Certainly were there in Joseph and his brothers signs for those who ask,

وقرأ ابن كثير «آية» بالإِفراد، والمرادُ بها الجنسُ، والباقون بالجمع تصريحاً بالمرادِ لأنها كانت علاماتٍ كثيرة. وزعم بعضُهم أنَّ ثَمَّ معطوفاً محذوفاً تقديرُه: للسائلين ولغيرهم، ولا حاجةَ إليه. و «للسائلين» متعلقٌ بمحذوف نعتاً لآيات.

8

إِذْ قَالُوا۟ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ

When they said, "Joseph and his brother are more beloved to our father than we, while we are a clan. Indeed, our father is in clear error.

قوله تعالى: {أَحَبُّ إلى أَبِينَا} : «أحبُّ» أفعل تفضيل، وهو مبنيٌّ مِنْ «حُبَّ» المبني للمفعول وهو شاذ. وإذا بَنَيْتَ أفعل التفضيل مِنْ مادة الحب والبغض تعدَّى إلى الفاعل المعنوي ب «إلى» ، وإلى المفعولِ المعنويّ باللام أو ب «في» ، فإذا قلت: «زيدٌ أحبُ إليَّ مِنْ بكر» يعني أنك تحب زيداً أكثر من بكر فالمتكلم هو الفاعلُ، وكذلك: «هو أبغض إليَّ منه» أنت المُبْغِض، وإذا قلت: زيدٌ أحبُّ لي مِنْ عَمْروٍ، أو أَحَبُّ فيَّ منه، أي: إنَّ زيداً يحبُّني أكثر من عمرو. وقال امرؤ القيس:

2740 - لَعَمْري لَسَعْدٌ حيث حُلَّت ديارُه ... أحبُّ إلينا منكَ فافرسٍ حَمِرْ

وعلى هذا جاءَتِ الآيةُ الكريمة، فإنَّ الأبَ هو فاعل المحبَّة. واللام في «ليوسف» لامُ الابتداء أفادَتْ توكيداً لمضمون الجملة، وقوله: «أحبُّ» خبر المثنى، وإنما لم يطابِقْ لِما عَرَفْتَ مِنْ حكم أفعلَ التفضيل.

والواو في «ونحن عصبةٌ» للحال، فالجملةُ بعدها في محل نصب على الحال. والعامَّةُ على رفع «عُصْبة» خبراً ل «نحن» . وقرأ أمير المؤمنين بنصبها على أن الخبر محذوف، والتقدير: نحن نُرى أو نجتمع فيكون «عصبة» حالاً، إلا أنه قليلٌ جداً، وذلك لأن الحال لا تَسُدُّ مَسَدَّ الخبر إلا بشروطٍ ذكرها النحاة نحو «ضَرْبي زيداً قائماً» ، و «أكثر شُرْبي السَّوِيْقَ ملتوتاً» . قال ابن الأنباري: «هذا كما تقول العرب:» إنما العامريُّ عِمَّتَه «أي: يتعمَّم عِمَّته» .

قال الشيخ: «وليس مثلَه لأنَّ» عصبة «ليس بمصدرٍ ولا هيئةٍ، فالأجودُ أن يكونَ من باب» حُكْمُك مُسَمَّطاً «. قلت: ليس مرادُ ابنِ الأنباري إلا التشبيهَ من حيث إنه حَذَف الخبر وسَدَّ شيءٌ آخرُ مَسَدَّه في غير المواضع المنقاسِ فيها ذلك، ولا نَظَر لكونِ المنصوب مصدراً أو غيرَه. وقال المبرد:» هو من باب «حُكْمُك مُسَمَّطاً» أي: / لك حكمُك مُسَمَّطاً، قال الفرزدق: «يا لَهْذَمُ حُكمك مُسَمَّطاً» أراد: لك حكمُك مُسَمَّطاً، قال: «واسْتُعْمل هذا فَكَثُرَ حتى حُذِف استخفافاً لعلم ما يريد القائل كقولك:» الهلالُ واللَّهِ «أي: هذا الهلال» . والمُسَمَّط: المُرْسَلُ غير المردودِ. وقدَّره غيرُ المبرد: حُكْمُك ثَبَتَ مُسَمَّطاً. وفي هذا المثالِ نظرٌ؛ لأنَّ النحويين يجعلون مِنْ شَرْط سَدِّ الحالِ مَسَدَّ الخبرِ أن لا يَصْلُحَ جَعْلُ الحال خبراً لذلك المبتدأ نحو: «ضربي زيداً قائماً» بخلاف: «ضربي زيداً شديدٌ» ، فإنها تُرْفع على الخبرية، وتَخْرج المسألة من ذلك، وهذه الحال أعني مُسَمَّطاً يَصْلُحُ جَعْلُها خبراً للمبتدأ، إذ التقدير: حُكْمُكَ مُرْسَلٌ لا مَرْدُود، فيكون هذا المَثَلُ على ما قَرَّرْتُه مِنْ كلامهم شاذاً.

والعُصْبة: ما زاد على عشرة، عن ابن عباس، وعنه: ما بين عشرةٍ إلى أربعين. وقيل: الثلاثة نفر، فإذا زاد على ذلك إلى تسعة فهم رَهْط، فإذا بلغوا العشرة فصاعداً فعُصْبة. وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة. وقيل من عشرة إلى خمسة عشر. وقيل: ستة. وقيل: سبعة. والمادة تدلُّ على الإِحاطة من العِصابة لإِحاطتها بالرأس.

9

ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًۭا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًۭا صَٰلِحِينَ

Kill Joseph or cast him out to [another] land; the countenance of your father will [then] be only for you, and you will be after that a righteous people."

قوله تعالى: {أَرْضاً} : فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكون منصوبة على إسقاط الخافض تخفيفاً أي: في أرضٍ كقوله تعالى: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ} [الأعراف: 16] ، وقوله:

2741 -. . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . .

كما عَسَل الطريقَ الثعلبُ

وإليه ذهب الحوفيُّ وابن عطية. والثاني: النصب على الظرفية. قال الزمخشري: «أرضاً منكورةً مجهولةً بعيدةً من العمران، وهو معنى تنكيرها وإخلائِها من الناس، ولإِبهامِها من هذا الوجه نُصِبَتْ نَصْبَ الظروفِ المبهمة» . وقد رَدَّ ابن عطية هذا الوجه فقال: «وذلك خطأ؛ لأنَّ الظرفَ ينبغي أن يكون مبهماً، وهذه ليست كذلك بل هي أرضٌ مقيَّدة بأنها بعيدة أو قاصِيَةٌ أو نحو ذلك، فزال بذلك إبهامُها ومعلومٌ أنَّ يوسفَ لم يَخْلُ مِن الكون في أرضٍ، فتبيَّن أنهم أرادوا أرضاً بعيدة غيرَ التي هو فيها قريبٌ مِنْ أبيه» .

واستحسن الشيخ هذا الردَ وقال: «وهذا الردُّ صحيح لو قلت: جلست داراً بعيدة أو مكاناً بعيداً لم يصحَّ إلا بواسطة» في «، ولا يجوز حَذْفُها إلا في ضرورةِ شعرٍ، أو مع» دَخَلْت «على الخلاف في» دَخَلْت «أهي لازمةٌ أم متعديةٌ؟» .

قلت: وفي الكلامَيْن نظرٌ؛ إذ الظرفُ المبهم عبارة عَمَّا ليس له حدودٌ تَحْصُره ولا أقطارٌ تحويه، و «أرضاً» في الآية الكريمة من هذا القبيل.

الثالث: أنها مفعولٌ ثانٍ، وذلك إنْ تَضَمَّن «اطرحوه» أَنْزِلوه، وأَنْزِلوه يتعدَّى لاثنين قال تعالى: {أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً} [المؤمنون: 29] . وتقول: أَنْزَلْت زيداً الدار.

والطَّرْح: الرَّمْي، ويُعَبَّر به عن الاقتحام في المخاوف. قال عُرْوة بن الورد:

2742 - ومَنْ يَكُ مثلي ذا عيالٍ ومُقْتِراً ... من المال يَطْرَحْ نفسَه كلَّ مَطْرَحِ

و «يَخْلُ لكم» جوابُ الأمر، وفيه الإِدغام والإِظهار، وقد تقدَّم تحقيقُهما عند قوله تعالى: {يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام} [آل عمران: 85] .

10

قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا۟ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَ

Said a speaker among them, "Do not kill Joseph but throw him into the bottom of the well; some travelers will pick him up - if you would do [something]."

قوله تعالى: {فِي غَيَابَةِ} : قرأ نافع «غَيابات بالجمع في الحرفين مِنْ هذه السورة، جُعِل ذلك المكانُ أجزاءً، وسُمِّي كلُّ جزء غَيَابَة، والباقون بالإِفراد وهو واضحٌ. وابن هرمز. كنافع إلا أنه شَدَّد الياءَ. والأظهرُ في هذه القراءة أن يكون سُمِّي باسم الفاعل الذي للمبالغة فهو وصفٌ في الأصل. وألحقه الفارسيُّ بالاسم الجائي على فَعَّال نحو ما ذكر سيبويه من» الفَيَّاد «. قال ابن جني:» ووجَدْت من ذلك «الفَخَّار» : الخَزَف «. وقال صاحب» اللوامح: «يجوز أن يكون على فَعَّالات كحَمَّامات، ويجوز أن يكونَ على فَيْعالات كشيطانات جمع شَيْطانة، وكلٌّ للمبالغة» .

وقرأ الحسن: «غَيَبَة» بفتح الياء، وفيها احتمالان، أحدهما: أَنْ تكونَ في الأصل مصدراً كالغَلَبة. والثاني: أن يكونَ جمع غائب نحو: صانع وصَنَعَة. قال الشيخ: «وفي حرف أُبَيّ» غَيْبة «بسكون الياء، وهي ظلمة الرَّكِيَّة» . قلت: والضبطُ أمرٌ حادثٌ فكيف يُعرف ذلك في المصحف؟ وقد تقدَّم نحوٌ من ذلك فيما تقدم.

والغَيَابة: قال الهرويٌّ: «شِبْهُ لَجَفٍ أو طاقٍ في البئر فُوَيْق الماء يغيب ما فيه عن العيون. وقال الكلبي:» الغَيَابة تكون في قَعْر الجُبِّ؛ لانَّ أسفله واسعٌ ورأسَه ضيق فلا يكاد الناظر يرى ما في جوانبه «. وقال الزمخشري:» هي غَوْرُه وما غابَ منه عن عَيْن الناظر وأظلمُ مِنْ أسفلِه، قال المنخل: /

2743 - فإنْ أنا يَوْماً غَيَّبَتْني غَيابتي ... فسِيْروا بسَيْري في العَشيرة والأهلِ

أراد: غَيابةَ حُفْرته التي يُدْفن فيها. والجُبُّ: البئر التي لم تُطْوَ، وتَسْمِيتُه بذلك: إمَّا لكونه محفوراً في جَبُوب الأرض أي: ما غَلُظ منها، وإمَّا لأنه قُطِعُ في الأرض، ومنه الجَبُّ في الذَّكَر.

وقال الأعشى:

2744 - لَئِنْ كنت في جُبٍّ ثمانين قامَةً ... ورُمِّيْتَ أَسْبابَ السماء بسُلَّمِ

ويُجْمع على جِبَبَة وجِباب وأَجْباب.

قوله: {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ [السيارة] } قرأ العامَّة «يَلْتَقِطُه» بالياء من تحت وهو الأصل. وقرأ الحسن ومجاهد وأبو رجاء وقتادة بالتاء مِنْ فوق لتأنيث المعنى، ولإِضافته إلى مؤنث، وقالوا: «قُطِعت بعض أصابعه» ، وقال الشاعر:

2745 - إذا بعضُ السنينَ تَعَرَّقَتْنا ... كفى الأيتامَ فَقْدَ أبي اليتيمِ

وقد تقدَّمَ الكلامُ بأوسعَ مِنْ هذا في الأنعام والأعراف. ومفعول «فاعلين» محذوفٌ أي: فاعلين ما يُحَصِّل غَرَضَكم.

والسَّيَّارة، جمع «سَيَّار» ، وهو مثالُ مبالغة.

والالتقاط: تَنَاوُلُ الشيءِ المطروحِ، ومنه: «اللُّقَطة» واللَّقِيط. وقال الشاعر:

2746 - ومَنْهَلٍ وَرَدْتُهُ التِقاطا ...

Commentary: Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.